حديث: «دَفن الإنسان في التُّرْبَةِ الَّتِي خُلِقَ مِنْهَا»!




سُئلت عن هذا الحديث، فقلت: هذا حديث منكرٌ!

رواه البزار في «مسنده» [كما في «كشف الأستار عن زوائد البزار» (1/396) (842) عن بِشْر بن مُعَاذٍ العَقَدِيّ، عن عَبْداللَّهِ بن جَعْفَرِ بنِ نَجِيحٍ، عن أبيه.

ورواه محمد بن أبي عمر العدني في «مسنده» [كما أخرجه ابن عساكر في «تاريخه» (30/213)].

والآجري في «الشريعة» (5/2371) (1850) عن أَبي مُسْلِمٍ إِبْرَاهِيم بن عَبْدِاللَّهِ الكَشِّيّ، عن سُلَيْمَان بن دَاوُدَ الشَّاذَكُونِيّ.

وأبو حفص النسفي في «القند في ذكر علماء سمرقند» (ص: 374) في ترجمة «عبدالرحيم بن زيد بن أحمد بن يوسف الداريّ النّسفيّ» من طريق أبي حسان مهيب بن سليمان الكرميني، عن محمد بن إسماعيل البخاري، عن سعيد بن أبي مريم.

والحاكم في «المستدرك» (1/521) (1356) من طريق عُثْمَان بن سَعِيدٍ الدَّارِمِيّ، عن يَحْيَى بن صَالِحٍ الوُحَاظِيّ. [أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (12/297) (9425) عن الحاكم].

أربعتهم (العدني، والشاذكوني، وابن أبي مريم، والوحاظي) عن عَبْدالعَزِيزِ بن مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيّ.

كلاهما (جعفر بن نَجيح، والدراوردي) عن أُنَيْس بن أَبِي يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ المَدِينَةِ، فَمَرَّ بِقَبْرٍ فَقَالَ: «مَنْ هَذَا؟». قَالُوا: فُلَانُ الحَبَشِيُّ. فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ سِيقَ مِنْ أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ إِلَى التُّرْبَةِ الَّتِي خُلِقَ مِنْهَا».

وفي لفظ: «مَرَّ بِالمَدِينَةِ، فَرَأَى جَمَاعَةً يَحْفِرُونَ قَبْرًا، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: حَبَشِيًّا قَدِمَ فمَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ سِيقَ مِنْ أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ إِلَى التُّرْبَةِ الَّتِي خُلِقَ مِنْهَا».

[ورواه أبو عبدالله ابن النجار في «الدرة الثمينة في أخبار المدينة» (ص: 146) من طريق محمد بن الحسن بن زَبَالة، عن عبدالعزيز بن محمد الدراوردي، عن أنيس بن أبي يحيى، قال: «لقي رسول الله جنازة في بعض سكك المدينة، فسأل عنها، فقالوا: فلان الحبشي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيق من أرضه وسمائه إلى التربة التي خلق منها».

قلت: كذا قصّر ابن زبالة في إسناده، وهو متروك الحديث، ليس بثقة].

[ورواه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» (2/114) (304) عن عمر بن أبي عمر، عن سعيد ابن أبي مريم الجمحي، عن عبدالعزيز بن محمدٍ الدراوردي، عن أنيس بن أبي يحيى، عن أبيه، عن أبي هريرة.

فجعله عمر بن أبي عمر - وهو مجهول -، جعله من مسند أبي هريرة، وإنما هو من مسند أبي سعيد الخدري كما مرت رواية البخاري عن ابن أبي مريم].

قالَ الْبَزَّارُ: "لا نَعْلَمُهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ إِلا بِهَذَا الإِسْنَادِ، وأُنَيْسٌ وَأَبُوهُ صَالِحَانِ، حَدَّثَ عَنْ أُنَيْسٍ: حَاتِمُ بنُ إِسْمَاعِيلَ، وعَبْدُالعَزِيزِ، وصَفْوَانُ بنُ عِيسَى، وغَيْرُهُمْ، وابن نَجِيحٍ لا نَعْلَمُ رَوَى عَنْهُ غَيْرُ ابْنِهِ".

وقال الحاكم: "هذا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. وأُنَيْسُ بنُ أَبِي يَحْيَى الْأَسْلَمِيُّ هُوَ عَمُّ إِبْرَاهِيمَ بنِ أَبِي يَحْيَى، وأُنَيْسٌ ثِقَةٌ مُعْتَمِدٌ، وَلِهَذَا الحَدِيثِ شَوَاهِدُ، وَأَكْثَرُهَا صَحِيحَةٌ".

وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (3/42): "رَوَاهُ البَزَّارُ، وَفِيهِ عَبْدُاللَّهِ وَالِدُ عَلِيِّ بنِ المَدِينِيِّ، وهُوَ ضَعِيفٌ".

قلت: كنت قد ذهبت إلى أن ما في إسناد البزار "عن أبيه" زيادة لا تصح؛ لأن عبدالله بن جعفر (ت178هـ) يُعدّ في طبقة الدراوردي (ت187هـ)، وهذا يعني أنه والد عبدالله لا يمكن أن يكون رواه عن أنيس!

وقلت كذلك: ولا أستبعد أن يكون أحدهما أخذه من الآخر، فيُحتمل أن الدَّراوَرْدِيّ أخذه من كتاب عبدالله بن جعفر.

قَال أبو طالب: سئل أحمد بن حنبل عن عبدالعزيز الدَّراوَرْدِيّ، فقال: "كان معروفاً بالطلب، وإذا حدّث من كتابه فهو صحيح، وإذا حدّث من كتب الناس وهم".

قلت: فهذا يدلّ على أنه كان يُحدّث من كتب الناس، وليس بالضرورة إذا حدّث من كتب الناس أن يهم في كل ما يُحدث به، وإنما قد يُحدث بما فيها وينسب الحديث إلى شيخ صاحب الكتاب وهو لم يسمعه منه، فيكون مُتابعاً له، وكأن هذا من تلك الأحاديث.

وفي «تاريخ بُخارى» لغُنْجار: "قال صالح بن محمد: سمعت علي بن المديني يقول: أبي صدوق، وهو أحبّ إليّ من الدراوردي" [إكمال تهذيب الكمال: (7/286)].

قلت: مقارنة ابن المديني بين والده والدراوردي فيه إشارة إلى تقارب حديثهما، وفي هذا دلالة عندي على أن الدراوردي كان يُحدث من كتب عبدالله بن جعفر، والله أعلم.

وقد نبهنا الأخ أحمد عوف - جزاه الله خيراً - أن ابن كثير قد نقل هذا عن البزار "عن أبيه"، فهو ثابت في الرواية، ويبقى الحديث في دائرة الضعف والنكارة! وأُنيس ثقة، وكذا أبوه، لكن النكارة من جهة عبدالله بن جعفر والدراوردي.

فالحديث منكر، رواه ضعيفان عن أُنيس بن أبي يحيى دون سائر أصحابه الثقات، فلا يُحتج بحديثهما، والقول في عبدالله بن جعفر أشدّ من القول في الدراوردي، فهو متروك الحديث، فلا يصلح حديثه للاعتبار.

·       تنبيه:

قول الحاكم: "وأُنَيْسُ بنُ أَبِي يَحْيَى الْأَسْلَمِيُّ هُوَ عَمُّ إِبْرَاهِيمَ بنِ أَبِي يَحْيَى" ذكره أيضاً في «سؤالات السجزي» له (49)، قال السجزي: وسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "أنيس بن أَبِي يَحْيَى، ثِقَةٌ مَأْمُون، إلا أن في أهل بيته ضعفاء، فإنه عمّ إِبْرَاهِيْم بن مُحَمَّد بن أَبِي يَحْيَى، الذي يَرْوِي عنه الشَّافِعِيّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -".

وهذا قول أهل النقد.

قال ابن الجُنيد في «سؤالاته لابن معين» (26): سَأَلْتُ يَحْيَى بن مَعِيْنٍ، عن أُنَيْس بن أَبِي يَحْيَى، وأخيه مُحَمَّد بن أَبِي يَحْيَى، وأخيه سَحْبَل؟ فقَالَ: "هَؤُلاَءِ ثَلاَثَة إخوة ثقات". قَالَ يَحْيَى: "وإِبْرَاهِيْم بن أَبِي يَحْيَى، هو ابن مُحَمَّد هَذَا، ولَيْسَ بِشَيْءٍ".

وقال عبدالله بن أحمد في «العلل ومعرفة الرجال» (2/535) (3534): قالَ أبي: "وسحبل اسْمه: عبدالله بن مُحَمَّد بن أبي يحيى أَخُو إِبْرَاهِيمن لَيْسَ بِهِ بَأْس، وَأَبوهُ مُحَمَّد بن أبي يحيى حَدثنَا عَنهُ يحيى بن سعيد نَحواً من عشْرين حَدِيثا عَنهُ، وعَن أنيس بن أبي يحيى".

وقال البخاري في «التاريخ الكبير» (2/42) (1624): "أنيس بن أَبِي يحيى أخو مُحَمَّد وعبداللَّه، مولى أسلم".

وقال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (2/334): ذكرت لأبي قول يحيى بن سعيد فيه، فقال: "أنيس أحبّ إليّ من محمد، وهو عمّ إبراهيم بن أبي يحيى الضعيف، وهذا ثقة".

وقال ابن حبان في «مشاهير علماء الأمصار» (ص: 214) (1052)، وفي «الثقات» (6/81) (6820): "أنيس بن أبي يحيى مولى أسلم، أَخُو مُحَمَّد وعبدالله... وَهُوَ عَم إِبْرَاهِيم بن أبي يحيى الْأَسْلَمِيّ، مَاتَ سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَة".

لكن جاء في «سؤالات محمد بن عثمان بن أبي شيبة لعلي بن المديني» [طبعة دار الفاروق، تحقيق أبي عمر الأزهري (ص: 50) (155)، وفي طبعة المعارف، تحقيق موفق عبدالقادر (ص: 124) (153)]: وسمعت عَلِيًّا يَقُولُ: "إِبْرَاهِيْم بن أبي يَحْيَى، كذَّاب، وكان يَقُولُ بالقَدَر. وكان أخوه أُنَيْس بن أبي يَحْيَى عِنْدَنَا ثقة".

فصار هنا أن إبراهيم بن أبي يحيى هو أخو أنيس! وكأن هذا في أصل نسخة السؤالات؛ لأن أبا نُعيم الأصبهاني نقل هذا في «الضعفاء» (ص: 56) (1) فقال: "إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن يحيى المدنِي الْأَسْلَمِيّ، كَانَ يرى القدر، تُرك حَدِيثه لكذبه ووهائه، لا لفساد مذْهبه، وَهُوَ أَخُو أنيس بن أبي يحيى، وَكَانَ أنيس ثِقَة، قَالَ عَليّ بن عبدالله المَدِينِيّ: كَذَّاب يَقُول بِالقدرِ".

قلت: وهذا غريب عن ابن المديني بأن يجعل إبراهيم أخو أنيس، فإبراهيم ابن محمد، ومحمد أخو أنيس، وهو يعرف ذلك، ويستحيل أن يغيب ذلك عنه!

قال صَالِح بن أَحْمَد بن حنبل، عن علي بن المديني، قال: سألت يَحْيَى بن سَعِيد عن مُحَمَّد بن أَبي يَحْيَى، فقَالَ: "لم يكن به بأس، وكَانَ أخوه أنيس أثبت منه".

وفي «تاريخ ابن أبي خيثمة» (2/321) (3136): "رَأَيْتُ في كتاب عليٍّ: سألتُ يَحْيَى عن مُحَمَّد بن يحيى، قلت: أكانَ حافظا؟ قالَ: لم يكن به بَأْس، وكان أخوه أثبت منه، قلت: أنيس بن أبي يَحْيَى؟ قَالَ: نعم".

فابن المديني يعرف أن محمداً أخو أنيس، فلا يمكن أن يجعله أخو إبراهيم!

والذي يظهر لي أن في النسخة سقط يتكلم فيه ابن المديني عن محمد والد إبراهيم بعد كلامه عن إبراهيم، ثم تكلّم عن أخيه أُنيس، والله أعلم.

ولم يُنبّه كلا المحققين لكتاب السؤالات على هذا!

·       رواية أخرى للحديث:

والحديث رواه أبو بكر القطيعي في «زوائده على فضائل الصحابة» (1/360) (528) عن عَبْداللَّهِ بن الصَّقْرِ السكريّ.

ورواه مُحَمَّدُ بنُ إِسْحَاقَ بنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّقَفِيُّ السرّاج راوي «مسند العدني» بعد أن روى الحديث السابق عن ابن أبي عمر العدني.

كلاهما (ابن الصقر، والسراج) عن سَوَّار بن عَبْدِاللَّهِ بْنِ سَوَّارٍ العَنْبَرِيُّ، قَالَ: كَانَ أَبِي يَوْمًا يُحَدِّثُ قَوْمًا، وكَانَ فِيمَا حَدَّثَهُمْ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِقَبْرٍ يُحْفَرُ، فَقَالَ: «قَبْرُ مَنْ هَذَا؟» قَالُوا: قَبْرُ فُلَانٍ الحَبَشِيِّ، قَالَ: «يَا سُبْحَانَ اللَّهِ سِيقَ مِنْ أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ، إِلَى التُّرْبَةِ الَّتِي خُلِقَ مِنْهَا»، قَالَ أَبِي: "يَا سَوَّارُ، مَا أَعْلَمُ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَضِيلَةً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ يَكُونَا خُلِقَا مِنَ التُّرْبَةِ الَّتِي خُلِقَ مِنْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".

وفي لفظ: "يَا بُنَيَّ، مَا لأَبِي بَكْرٍ، وَلا لِعُمَرَ فَضْلَةٌ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ خُلِقُوا مِنْ تُرْبَةٍ وَاحِدَةٍ".

قلت: هذا حدّث به سوار عن أبيه عبدالله بن سوار القاضي دون إسناد، وقد توفي عبدالله والد سوار سنة (228هـ).

·       طريق آخر:

ورواه أَبُو طَاهِرٍ الحَسَنُ بنُ أَحْمَدَ بنِ فِيلٍ الأَسَدِيُّ البَالِسِيُّ في «جزئه» (ص: 159) (139). والطبراني في «المعجم الكبير» [جـ 13، 14 (ص: 268) (14022)] عن عبدالله بن أحمدَ بن حنبل. والخطيب في «موضح أوهام الجمع والتفريق» (2/217) من طريق عَبْداللَّهِ بن إِسْحَاقَ المَدَائِنِيّ. ثلاثتهم (ابن فيل، وعبدالله بن أحمد، وعبدالله بن إسحاق) عن عُقْبة بن مُكْرَمٍ العَمِّيّ البَصْرِيّ.

ورواه أبو نُعيم في «تاريخ أصبهان» (2/275) من طريق ابن أَبِي حَاتِمٍ. والخطيب في «موضح أوهام الجمع والتفريق» (2/217) من طريق مُحَمَّد بن مَخْلَدٍ. كلاهما (ابن أبي حاتم، وابن مخلد) عن عُمَر بن شَبَّةَ.

كلاهما (عقبة، وابن شبّة) عن أَبي خَلَفٍ عبدالله بن عيسى الخَزَّاز البَصْرِيّ صَاحِب الحَرِيرِ، عن يحيى البَكَّاء، عن ابن عمر؛ أنَّ حَبَشيًّا دُفِنَ بالمدينة، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «دُفِنَ في الطِّينَةِ الَّتِي خُلِقَ مِنْهَا».

قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (3/42) (4228): "رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ، وَفِيهِ: عَبْدُاللَّهِ بنُ عِيسَى الخَزَّازُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ".

قلت: عبدالله بن عيسى: منكر الحديث، ليس بثقة!

·       طريق أخرى:

ورواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (5/216) (5126) قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ هِشَامٍ المُسْتَمْلِيُّ، قالَ: حدثنَا عَبْدُاللَّهِ بنُ عُمَرَ بنِ أَبَانَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي أُسَامَةَ يَوْمًا، فقالَ المُسْتَمْلِيُّ: خُذْ إِلَيْكَ: حَدَّثَنِي الْأَحْوَصُ بنُ حَكِيمٍ، عَنْ رَاشِدِ بنِ سَعْدٍ، وَأَبِي الزَّاهِرِيَّةِ، قَالَا: سَمِعْنَا أَبَا الدَّرْدَاءِ، يَقُولُ: مَرَّ بِنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نَحْفِرُ قَبْرًا، فَقَالَ: «مَا تَصْنَعُونَ؟» قُلْنَا: نَحْفِرُ قَبْرًا لِهَذَا الْأَسْوَدِ، فَقَالَ: «جَاءَتْ بِهِ مَنِيَّتُهُ إِلَى تُرْبَتِهِ».

قَالَ: أَبُو أُسَامَةَ: "تَدْرُونَ يَا أَهْلَ الكُوفَةِ لِمَ حَدَّثْتُكُمْ بِهَذَا الحَدِيثِ؟ لَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ خُلِقَا مِنْ تُرْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".

قال الطبراني: "لا يُرْوَى هَذَا الحَدِيثُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، تَفَرَّدَ بِهِ: أَبُو أُسَامَةَ"!

قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (3/42) (4227): "رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَفِيهِ الْأَحْوَصُ بنُ حَكِيمٍ، وَثَّقَهُ العِجْلِيُّ، وَضَعَّفَهُ الجُمْهُورُ".

قلت: قد تكلّم بعض أهل الكوفة في أبي أسامة؛ لأنه كان يستعير كتب الناس ويُحدّث منها!

قال أبو داود: قال وكيع: "نَهيت أبا أسامة أن يستعير الكتب، وكان دفن كتبه".

وقال سفيان بن وكيع. ذاكرني محمد بن عبدالله بن نُمير شيئاً من أمر أبي أسامة في الحديث، وجعل يتعجب... وكان أبو أسامة دفن كتبه ثم تتبع الأحاديث بعد من الناس".

قال سفيان بن وكيع: "إني لأعجب كيف جاز حديث أبي أسامة كان أمره بيناً، وكان من أسرق الناس لحديث جيد". [إكمال تهذيب الكمال].

قلت: أبو أسامة ثقة، لكن الإشكال في هذه التفردات التي لا تُحتمل، وإنما أُتي من تتبعه لكتب غيره، والتحديث منها!

ولو صحّ أن أبا أسامة سمع هذا الحديث من أحوص بن حكيم، فهو مردود؛ لأن الأحوص ضعيف لا يُحتج به!

قال يَحْيَى بن مَعِينٍ عَنِ الْأَحْوَصِ بنِ حَكِيمٍ: "لَيْسَ بِشَيْءٍ". وقال مرة: "الأَحْوَص بن حَكِيم لَيْسَ بِثِقَة ولا مَأْمُون".

وقال ابن هَانِئ: سأَلتُ أَبا عبدالله أَحمد بن حَنبل، عن الأحوص بن حكيم؟ فقال: "ضعيف لا يسوى حديثه شيئًا". قال أَبو عبدالله: "كان له عندي شيء فخرقته".

وقال الميموني: سمعت أبا عبدالله يقول: "الأحوص بن حكيم وَاهٍ".

وقال الترمذي: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنِ الأَحْوَصِ بنِ حَكِيمٍ، فقَالَ: قالَ عَلِيُّ بنُ عَبْدِاللَّهِ: "كَانَ سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ يُثْبِتُهُ، وكَانَ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ يَتَكَلَّمُ فِيهِ".

وقال أبو حاتم: "الأحوص بن حكيم ليس بقوي، منكر الحديث، وكان ابن عيينة يقدم الأحوص على ثور في الحديث فغلط ابن عيينة في تقديم الأحوص على ثور، ثور صدوق، والاحوص منكر الحديث".

وقال يعقوب بن سفيان الفسوي: "الأَحْوَصُ بنُ حَكِيمٍ يَرْوِي عَنْهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُ، وكَانَ زَعَمُوا رَجُلًا عَابِدًا مُجْتَهِدًا، وحَدِيثُهُ لَيْسَ بِالقَوِيِّ".

وقال الجوزجاني: "الأحوص بن حكيم ليس بالقوي في الحديث".

وقال النسائي: "الْأَحْوَص بن حَكِيم بن عُمَيْر ضَعِيف شَامي".

وقال ابن حبان: "يَرْوِي المَنَاكِير عَن المَشَاهِير، وكَانَ ينتقص عَلِي بن أَبِي طَالِب، تَركه يَحْيَى القَطَّان وغَيره".

وقال ابن عدي بعد أن ذكر له بعض الأحاديث التي تفرد بها: "وللأحوص بن حكيم روايات غير ما ذكرت، وهو ممن يكتب حديثه، وقد حدث عنه جماعة من الثقات مثل: ابن عُيَينة، وعيسى بن يُونُس، ومروان الفزاري، وغيرهم، وليس فيما يرويه متن منكر، إلا أنه يأتي بأسانيد لا يُتَابَعُ عَليها".

وقال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (2/327): حدثنا أبي، قال: حدثنا سريج بن يونس، قال: حدثنا سفيان، عن الأحوص بن حكيم وكان ثقة.

وقال العجلي: "الأحوص بن حكيم شامي، لا بأس به".

قلت: وللحديث علة أخرى، وهي عدم سماع راشد بن سعد وأبي الزاهرية من أبي الدرداء!

قال ابن أبي حاتم في «المراسيل» (ص: 49) (173): وسَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: "أَبُو الزَّاهِرِيَّةِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مُرْسَلٌ".

وقال الحافظ ابن حجر في «تهذيب التهذيب» (3/226) في ترجمة راشد بن سعد: "وفي روايته عَن أبي الدرداء نظرٌ".

قلت: أبو الدرداء مات في خلافة عثمان سنة (32هـ)، وقيل (33هـ).

وراشد بن سعد الحمصي كان كثير الإرسال، مات سنة (108هـ)، وقيل: (113هـ).

وقد صرّح بعض أهل النقد أنه لم يسمع من ثوبان الذي توفي سنة (54هـ)، فلا شك أنه لم يسمع من أبي الدرداء الذي توفي قبله بـ (22) سنة!

قال مغلطاي في «إكمال تهذيب الكمال» (4/305): "وذكر المزي روايته عن ثوبان المشعرة بالاتصال، وفي كتاب «العلل» لأبي إسحاق الحربي: لم يسمع راشد بن سعد من ثوبان؛ لأن ثوبان توفي سنة أربع وخمسين، وراشد توفي سنة ثلاث عشرة ومائة، وبين موتيهما تسع وخمسون سنة.

وفي «العلل» للخلال عن أحمد: لا ينبغي أن يكون سمع منه؛ لأن ثوبان مات قديماً.

وفي «المراسيل» لابن أبي حاتم عنه: لم يسمع منه. انتهى كلامهما، وفيه نظر من حيث قول أبي داود والبخاري: أدرك صفين وذهبت عينه بها.

فإذا كان بصفين رجلاً مقاتلاً كيف لا يسمع ممن توفي بعد صفين بسبعة عشر عاماً، ولهذا فإن البخاري لم يعتد بها وصرّح بسماعه منه" انتهى.

قلت: أكثر أهل العلم أنكروا سماع راشد بن سعد من ثوبان.

قال عَبْدُاللَّهِ بنُ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ عن أبيه، قال: "رَاشِدُ بنُ سَعْدٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ ثَوْبَانَ".

واعترض مغلطاي على من أنكر سماعه من ثوبان بأنه كان رجلا في صفين (36هـ)، وروى بقية بن الوليد، عن صفوان بن عمرو السكسكي قال: "ذهبت عين راشد بن سعد يوم صفين".

وكذلك تصريح البخاري بسماعه منه.

قال البخاري في «التاريخ الكبير» (3/292) (994): "راشد بن سعد الحمصي المقرئي، سمع ثوبان، ويعلى بن مرة".

قلت: أثبت البخاري سماعه من ثوبان؛ وذلك لأنه ذكر في ترجمته أنه شهد صفين مع معاوية، ومن أجل ما جاء في بعض حديثه أنه سمع من ثوبان، ثم ذكر سماعه أيضاً من يعلى بن مرة، ويعلى صحابي مات بعد سنة (50هـ)، فهو قريب الوفاة من ثوبان، لكن يعلى كان في العراق وفيها مات، ولما ذكره ابن عساكر في «تاريخه» (74/197) قال: "وقيل إنه قدم دمشق"، وحديث راشد عنه في الحسن والحسين من الأسباط لا يصح، وأخطأ من صححه أو حسنه!

وعلى فرض من أثبت شهود راشد لوقعة صفين مع معاوية، وهذا يدل على المعاصرة، لكن لا يثبت أنه سمع منه! وما جاء في بعض الأحاديث من التصريح بالسماع فيه نظر! فأحاديث الشاميين يغلب عليها ذكر السماع فيها بالخطأ من الرواة!

وما أدق كلمة الإمام أحمد - وسئل عن: راشد بن سعد، فقال: "كان سهل الأخذ" = أي كان يتساهل في أخذه الحديث، فربما كان يأخذه من كل أحد، ومنهم الضعفاء!

وقد رُوي عن راشد عن ثوبان ثلاثة أحاديث اشتهرت عنه:

الأول: يرويه بَقِيَّةُ بن الوليد، عن صَفْوَان السكسكي، قَالَ: سَمِعْتُ رَاشِدَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ ثَوْبَانَ يَقُولُ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تَسْكُنِ الْكُفُورَ، فَإِنَّ سَاكِنَ الكُفُورِ كَسَاكِنِ الْقُبُورِ». الكُفُورُ: القُرَى.

وفي رواية عن بَقِيَّة، بلفظ: «إِنَّ اللَّهَ فَاتِحٌ عَلَيْكُمُ البِلَادَ فَلَا يَتَأَمَّرُ رَجُلٌ عَلَى عَشَرَةٍ، فَإِنَّهُ مَنْ تَأَمَّرَ عَلَى عَشَرَةٍ أَتَى اللَّهَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَيَمِينُهُ مَغْلُولَةٌ إِلَى عُنُقِهِ أَطْلَقَهُ الحَقُّ أَوْ أَوْبَقَهُ ظُلْمُهُ، وَلَا تَسْكُنِ الْكُفُورَ، فَإِنَّ سَاكِنَ الكُفُورِ كَسَاكِنِ القُبُورِ».

وقد خرّجه البخاري في كتاب «الأدب المفرد»! وهو حديث منكر!

والثاني: يرويه ثور بن يزيد الحمصي، عن رَاشِدٍ، عَنْ ثَوْبَانَ، قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً فَشَكَوْا مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْبَرْدِ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى العَصَائِبِ وَالتَّسَاخَيْنِ». العَصَائِبُ: العَمَائِمُ.

خرّجه الحاكم في «المستدرك» (1/275) وقال: "هذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ بِهَذَا اللَّفْظِ، إِنَّمَا اتَّفَقَا عَلَى المَسْحِ عَلَى العِمَامَةِ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ وَلَهُ شَاهِد".

ولخص الذهبي كلامه في «تلخيصه» وقال: "على شرط مسلم".

وقال في «سير أعلام النبلاء» (4/491): "إِسْنَادُهُ قَوِيٌّ. وَخَرَّجَهُ الحَاكِمُ، فقَالَ: عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، فَأَخْطَأَ، فَإِنَّ الشَّيْخَيْنِ مَا احْتَجَّا بِرَاشِدٍ وَلاَ ثَوْرٍ مِنْ شَرْطِ مُسْلِمٍ".

قلت: وهذا من الذهبي يدحض مقولة: "ووافقه الذهبي"، فإن الذهبي يلخص فقط كلام الحاكم في «المستدرك» كما فعل هنا، وأحياناً يتعقبه في تلخيصه.

وقال الزيلعي في «نصب الراية» (1/165): "رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي «مُسْنَدِهِ»، والحَاكِمُ فِي «المُسْتَدْرَكِ»، وقالَ: عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ رَاشِدِ بنِ سَعْدٍ، بِهِ، وَثَوْرٌ لَمْ يَرْوِ لَهُ مُسْلِمٌ، بَلْ انْفَرَدَ بِهِ البُخَارِيُّ، وَرَاشِدُ بْنُ سَعْدٍ لَمْ يَحْتَجَّ بِهِ الشَّيْخَانِ، وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ رَاشِدٌ سَمِعَ مِنْ ثَوْبَانَ، لِأَنَّهُ مَاتَ قَدِيمًا، وَفِي هَذَا القَوْلِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إنَّ رَاشِدًا شَهِدَ مَعَ مُعَاوِيَةَ صِفِّينَ، وَثَوْبَانُ مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ، وَمَاتَ رَاشِدٌ سَنَةَ ثَمَانٍ وَمِائَةٍ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَأَبُو حَاتِمٍ، وَالعِجْلِيُّ، وَيَعْقُوبُ بنُ شَيْبَةَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَخَالَفَهُمْ ابنُ حَزْمٍ، فَضَعَّفَهُ، وَالحَقُّ مَعَهُمْ".

وأعلّه ابن حجر في «التلخيص الحبير» (1/281) فقال: "أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ رَاشِدِ بنِ سَعْدٍ عَنْ ثَوْبَانَ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ".

الثالث: يرويه عِيسَى بنُ يُونُسَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَنَازَةٍ فَرَأَى نَاسًا رُكْبَانًا، فَقَالَ: أَلاَ تَسْتَحْيُونَ إِنَّ مَلاَئِكَةَ اللهِ عَلَى أَقْدَامِهِمْ وَأَنْتُمْ عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ».

ورواه بَقِيَّة بن الوليد، عن أَبي بَكْرِ بنُ أَبِي مَرْيَمَ، عن رَاشِد بن سَعْدٍ، عَنْ ثَوْبَانَ، مَوْلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ خَرَجَ فِي جِنَازَةٍ فَرَأَى نَاسًا خُرُوجًا عَلَى دَوَابِّهِمْ رُكْبَانًا فَقَالَ لَهُمْ ثَوْبَانُ: «أَلَا تَسْتَحْيُونَ! مَلَائِكَةُ اللهِ عَلَى أَقْدَامِهِمْ وَأَنْتُمْ رُكْبَان».

قال الترمذي بعد أن خرّج المرفوع: "حَدِيثُ ثَوْبَانَ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ مَوْقُوفًا. قَالَ مُحَمَّدٌ: المَوْقُوفُ مِنْهُ أَصَحُّ".

وقال البيهقي: "المَحْفُوظُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مَوْقُوفٌ".

وَرَوَاهُ ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ مَوْقُوفًا.

رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (7/218) (11372) عن وَكِيع، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ ثَوْبَانَ: «أَنَّهُ رَأَى رَجُلاً رَاكِبًا فِي جِنَازَةٍ فَأَخَذَ بِلِجَامِ دَابَّتِهِ فَجَعَلَ يَكْبَحُهَا، وَقالَ: تَرْكَبُ وَعِبَادُ اللهِ يَمْشُونَ».

فيبدو لي أن راشد بن سعد أخذ هذه الأحاديث عن ثوبان من بعضهم، وأرسلها.

والخلاصة أن في سماع راشد بن سعد من ثوبان نظر! ولو صح سماعه منه، فسماعه من أبي الدرداء بعيد جداً؛ لأن أبا الدرداء مات سنة (32هـ).

وأما أبو الزاهرية وهو: حُدير بن كُريب الحضرمي الحمصي: فقال الغلابي وأبو عُبيد القاسم بن سلّام: مات سنة (100هـ)، وقيل مات في خلافة عمر بن عبدالعزيز، وقيل مات في إمارة عبدالملك، وقال ابن سعد: مات سنة (129هـ) في خلافة مروان بن محمد.

قال البخاري في «التاريخ الكبير» (3/98) (340): "حدير بن كريب أَبُو الزاهرية الشامي: سمع عبدالله بن بُسر، وأبا أمامة".

قلت: أشار البخاري إلى أن طبقة سماع أبي الزاهرية من الصحابة الذين توفوا بعد سنة (85هـ)، فأبو أمامة توفي سنة (86هـ)، وعبدالله بن بسر توفي سنة (88هـ)، فهو لم يدرك أبا الدرداء قطعاً، وحديثه عنه منقطع.

·       طريق أخرى:

ورواه عبدالرزاق في «مصنفه» (3/515) (6531) عَنِ ابنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بنُ عَطَاءِ بنِ وَرَازٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: «يُدْفَنُ كُلُّ إِنْسَانٍ فِي التُّرْبَةِ الَّتِي خُلِقَ مِنْهَا».

وهذا منكر!

عمر بن عطاء بن وَزار ضعفه يحيى بن معين، وأحمد، وأبو زرعة، والنسائي.

قال ابن معين: "ليس بشيء".

وقال أيضاً: "كُل شَيء عِند ابن جُريج عن عِكرمة، فَهو عن عُمر بن عَطاء بن وَرَاز، وهُم يُضَعِّفُونهُ".

وقال أحمد: "ليس هو بقوي الحديث".

وقال البرذعي: قلتُ لأبي زُرْعَة: عُمَر بن عطاء الذي يروي عن عكرمة؟ فقال: "عمر بن عطاء بن ورَّاز يُحدّث عن عكرمة، ضعيف الحديث".

وقال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عن عمر بن عطاء بن وراز، فقال: "مكي ليّن".

وقال النسائي: "ضعيف". وقال في موضع آخر: "ليس بثقة".

وقال ابن خزيمة: "يتكلم أصحابنا في حديثه لسوء حفظه".

وذكره يعقوب بن سفيان الفسوي في «باب من يرغب عن الرواية عنهم وسمعت أصحابنا يضعفونهم»، وقال: "وعمر بن عَطَاءِ بنِ وَرَازٍ: مَكِّيٌّ لَيِّنُ الجَانِبِ".

وذكره العقيلي، والبلخي، وابن الجارود، والساجي، وأبو العرب، وابن شاهين في جملة الضعفاء. [إكمال تهذيب الكمال (10/103)].

وقال الذهبي: "واهٍ".

وقال ابن حجر: "ضعيف".

فالحديث بكلّ طرقه ضعيف منكر!

وكلام بعض أهل العلم في الاحتجاج به على أن أبا بكر وعمر خُلقا من تربة رسول الله صلى الله عليه وسلم لدفنهما بجانبه مردود!

قَالَ أَبُو أُسَامَةَ حمّاد بن أسامة الكوفي (ت181هـ) عندما قُرئ عليه هذا الحديث: "تَدْرُونَ يَا أَهْلَ الكُوفَةِ لِمَ حَدَّثْتُكُمْ بِهَذَا الحَدِيثِ؟ لَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ خُلِقَا مِنْ تُرْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".

قلت: تحديث أبي أسامة بهذا الحديث لأهل الكوفة؛ لأنهم كانوا يغلون في التشيع = وهو تقديم عليّ على أبي بكر وعمر - رضي الله عنهم -، فأراد أبو أسامة ردهم عن ذلك من خلال بيان منزلتهما وأنهما خُلقا من تربة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال الآجري في «الشريعة» (5/2370) بعد أن روى الحديث: "فَدُلَّ بِهَذَا القَوْلِ أَنَّ الْإِنْسَانَ يُدْفَنُ فِي التُّرْبَةِ الَّتِي خُلِقَ مِنْهَا مِنَ الْأَرْضِ. كَذَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُلِقَ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْ تُرْبَةٍ وَاحِدَةٍ، دُفِنُوا ثَلَاثَتُهُمْ فِي تُرْبَةٍ وَاحِدَةٍ".

وقال ابن النجار (ت643هـ) في «الدرة الثمينة في أخبار المدينة» (ص: 146) بعد أن روى الحديث: "قلت: فعلى هذا طينة النبي صلى الله عليه وسلم التي خلق منها من المدينة، وطينة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من طينة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه منزلة رفيعة".

قلت: هذا كله منكرٌ باطل! فكم من رجل صالح دُفن بجانبه منافق أو فاسق وغير ذلك!

ودفن أبي بكر وعمر بجانبه صلى الله عليه وسلم لا يُقاس عليه أحد، فهما قد دُفنا بقرب أفضل الخلق، وسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، ومع هذا، فالقول بأنهم خلقوا من التربة التي دُفنوا فيها قول لا يصح!

وقد حكم ابن حزم على الحديث بالوضع.

قال في «المحلى» (5/332): "واحْتَجُّوا بِأَخْبَارٍ مَوْضُوعَةٍ يَجِبُ التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا وَالتَّحْذِيرُ مِنْهَا.

مِنْهَا: خَبَرٌ رُوِّينَاهُ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصلاة والسَّلَامُ - قَالَ فِي مَيِّتٍ رَآهُ: دُفِنَ فِي التُّرْبَةِ الَّتِي خُلِقَ مِنْهَا»، قَالُوا: وَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصلاة والسَّلَامُ - دُفِنَ بِالمَدِينَةِ فَمِنْ تُرْبَتِهَا خُلِقَ وَهُوَ أَفْضَلُ الخَلْقِ فَهِيَ أَفْضَلُ البِقَاعِ. وَهَذَا خَبَرٌ مَوْضُوعٌ؛ لِأَنَّ فِي أَحَدِ طَرِيقَيْهِ مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ بنِ زُبَالَةَ وهُوَ سَاقِطٌ بِالجُمْلَةِ، قَالَ فِيهِ يَحْيَى بنُ مَعِينٍ: لَيْسَ بِثِقَةٍ وَهُوَ بِالجُمْلَةِ مُتَّفَقٌ عَلَى اطِّرَاحِهِ - ثُمَّ هُوَ أَيْضًا عَنْ أُنَيْسِ بنِ يَحْيَى مُرْسَلٌ، وَلَا يُدْرَى مَنْ أُنَيْسُ بنُ يَحْيَى، وَالطَّرِيقُ الْأُخْرَى مِنْ رِوَايَةِ أَبِي خَالِدٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ عَنْ يَحْيَى البَكَّاءِ وَهُوَ ضَعِيفٌ -.

ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ يَكُونُ الفَضْلُ لِقَبْرِهِ - عَلَيْهِ الصلاة والسَّلَامُ - فَقَطْ، وإِلَّا فَقَدْ دُفِنَ فِيهَا المُنَافِقُونَ، وَقَدْ دُفِنَ الْأَنْبِيَاءُ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - مِنْ إبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقَ، وَيَعْقُوبَ، وَمُوسَى، وَهَارُونَ، وَسُلَيْمَانَ، وَدَاوُد - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ -، وَغَيْرِهِمْ بِالشَّامِ، وَلَا يَقُولُ مُسْلِمٌ: إنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ مَكَّةَ".

قلت: كلام ابن حزم حول متن الحديث متين.

وأما ما يتعلق بالأسانيد فقد وهم فيها!

فذكر طريق ابن زبالة المرسلة وقد قصّر في إسنادها! وقد أشرت سابقاً في تخريج الحديث أن جماعة رووه عن عَبْدالعَزِيزِ بن مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيّ، وهم: العدني، والشاذكوني، وابن أبي مريم، والوحاظي)، ولم يقصروا فيه، فرووه عن أنيس بن أبي يحيى، عن أبيه، عن أبي هريرة.

وقوله: "ولَا يُدْرَى مَنْ أُنَيْسُ بنُ يَحْيَى" مردود! فهو: أُنَيْسُ بنُ أَبِي يَحْيَى الْأَسْلَمِيُّ من أهل المدينة، وهو ثقة معروف.

وأما قوله: "والطَّرِيقُ الْأُخْرَى مِنْ رِوَايَةِ أَبِي خَالِدٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ" فهو مردود أيضاً! وقد تصحّف على ابن حزم؛ فكأنه وقع في إسناده عنده: "عن أبي خالد"، وإنما هو: "عن أَبي خَلَفٍ"، تصحف "خلف" إلى "خالد"! وهو: عبدالله بن عيسى الخَزَّاز البَصْرِيّ صَاحِب الحَرِيرِ.

والحديث رواه عمر بنُ شَبَّةَ، قال: حدثَنَا أَبُو خَلَفٍ صَاحِبُ الحَرِيرِ، عَنْ يَحْيَى البَكَّاءِ.

·       تصحيح الألباني للحديث!

والحديث أورده الألباني في «سلسلته الصحيحة» (4/473) (1858) «دفن في الطينة التي خلق منها»، وقال: "رواه أبو نعيم في أخبار أصبهان (2/304) والخطيب في الموضح (2/104) عن عبدالله بن عيسى: حدثنا يحيى البكاء، عن ابن عمر: أن حبشيا دفن بالمدينة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذكره.

قلت: وهذا إسناد ضعيف، يحيى البكاء وهو ابن مسلم البصري ضعيف. ومثله عبدالله بن عيسى وهو الخراز البصري، وبه وحده أعله الهيثمي (3/42) بعد أن عزاه للطبراني في الكبير. وله شاهد من حديث عبدالله بن جعفر بن نجيح: حدثنا أبي: حدثنا أنيس بن أبي يحيى، عن أبيه عن أبي سعيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بالمدينة فرأى جماعة يحفرون قبرا، فسأل عنه، فقالوا: حبشيا قدم فمات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا إله إلا الله سيق من أرضه وسمائه إلى التربة التي خلق منها». أخرجه البزار (رقم - 842 - كشف الأستار) و (ص - 91 - زوائد ابن حجر) وقال: "لا نعلمه عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد وأنيس وأبوه صالحان".

قلت: وعبدالله بن جعفر ضعيف، وأبوه لم أعرفه. وله شاهد آخر من حديث أبي الدرداء نحوه. قال الهيثمي: "رواه الطبراني في الأوسط وفيه الأحوص بن حكيم وثقه العجلي وضعفه الجمهور".

قلت: فالحديث عندي حسن بمجموع طرقه. والله أعلم" انتهى كلامه.

قلت: هذه طريقة الألباني في تصحيح وتحسين المنكرات الواهية بمجموع الطرق!!

فالحديث كل طرقه منكرة، ولا يتقوى بها!

وقد بيّنت علة كل حديث ذكره.

 

والحمد لله على نعمه وفضله.

وكتب: خالد الحايك.