سلسلة فهم أقوال أهل النَّقد (22).

قول أبي بكرٍ محمّدِ بن إِبراهيمَ بنِ جَنَّاد البغداديِّ: «رَحلَ معنا يَحْيَى بن مَعِيْنٍ إلى أبي سَلمةَ موسى بنِ إسماعيلَ التَّبُوْذَكِيِّ، وسمعَ جامع حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ، وقد كان سمع مِنْ سَبْعَةَ عَشَرَ نفساً». 



·       حكاية تُنسب ليحيى بن معين وهي منقطعة، وفيها نكارة!

قالَ الإمام الحافظ ابنُ حِبَّانَ (ت354هـ) فِي كِتَابِ «الضُّعَفَاءِ» = «المجروحين»: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ إِبْرَاهِيْمَ بنِ أَبِي شَيْخٍ المَلْطِيَّ يَقُوْلُ:

[جَاءَ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ إِلَى عَفَّانَ لِيَسْمَعَ مِنْهُ كُتُبَ حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ، فَقَالَ: أَمَا سَمِعْتَهَا مِنْ أَحَدٍ؟

قَالَ: نَعَمْ، حَدَّثَنِي سَبْعَةَ عَشَرَ نَفْساً عَنْ حَمَّادٍ.

قَالَ: وَاللهِ لاَ حَدَّثْتُكَ.

فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ دِرْهَمٌ، وَأَنْحَدِرُ إِلَى البَصْرَةِ، فَأَسْمَعُ مِنَ التَّبُوْذَكِيِّ.

قَالَ: شَأْنُكَ.

فَانْحَدَرَ إِلَى البَصْرَةِ، وَجَاءَ إِلَى التَّبُوْذَكِيِّ، فَقَالَ لَهُ: أَمَا سَمِعْتَهَا مِنْ أَحَدٍ؟

قَالَ: سَمِعْتُهَا عَلَى الوَجْهِ مِنْ سَبْعَةَ عَشَرَ، وَأَنْتَ الثَّامِنَ عَشَرَ.

قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهَذَا؟

قَالَ: إِنَّ حَمَّادَ بنَ سَلَمَةَ كَانَ يُخطِئُ، فَأَرَدتُ أَنْ أَمِيْزَ خَطَأَهُ مِنْ خَطَأِ غَيْرِهِ، فَإِذَا رَأَيتُ أَصْحَابَهُ اجْتَمَعُوا عَلَى شَيْءٍ، عَلِمتُ أَنَّ الخَطَأَ مِنْهُ].

قال الإمام الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (7/456) بعد أن أوردها في ترجمة «حماد بن سلمة»: "قُلْتُ: هَذِهِ حِكَايَةٌ مُنْقَطِعَةٌ".

قلت: نعم، لا شك في انقطاعها، فيحيى بن معين توفي سنة (233هـ)، وشيخ ابن حبان هذا لم يُدركه! وهو مجهول لا يُعرف إلا في هذه الحكاية!

وَقد قَالَ الحَافِظ عبدالغَنِيّ بن سعيدٍ المصري (ت409هـ): "لَيْسَ فِي الملطيين ثِقَة".

وهذه الحكاية فيها نوع من النكارة وهو كيفية تعامل ابن معين مع عفّان بن مسلم وأنه قال له إن الطريق إلى التبوذكي في البصرة لا يكلّف إلا درهماً! فهذا لا يخرج من ابن معين، كيف وهو قد سمع منه وجالسه.

وكذلك مسألة أن ابن معين أراد معرفة خطأ حماد من خلال اجتماع أصحابه عليه أو لا! ففيه نظر! إذ أن خطأ حماد يتبيّن من خلال عرض حديثه على حديث غيره، وأما اجتماع أصحابه عليه في حديث ما فلا يُبيّن خطأه، واختلافهم عليه قد يكون من بعضهم، وقد يكون منه نفسه؛ لأنه كان فعلاً يُخطئ في حديثه.

وكان ابن معين رحل إلى أبي سلمة مع بعض أصحابه وسمع منه «جامع حماد بن سلمة».

·       الحكاية الصحيحة:

والحكاية الصحيحة فيما يتعلق بسماع ابن معين كتب حماد بن سلمة هي ما رواه الإمام عبدالرحمن بن أبي حاتم (ت 327هـ) في «الجرح والتعديل» (1/315) قال: حدثنا أبو أحمد: محمد بن رَوْح النيسابوري*، قال: سمعت أبا بكر: محمد بن إبراهيم بن جَنَّاد**، قال: "رحل معنا يحيى بن معين إلى أبي سلمة موسى بن إسماعيل التبوذكي، وسمع جامع حماد بن سلمة، وقد كان سمع من سبعة عشر نفساً".

وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات.

·       ترجمة محمد بن رَوْح النيسابوري:

[*وشيخ ابن أبي حاتم هو: أبو أحمد محمد بن روح الأُسْتَوائي. ترجم له السمعاني في «الأنساب» (1/208)، وقال: "قال الحاكم أبو عبدالله الحافظ: شيخ لنا قديم مِنَ الزُّهَّادِ من رُسْتَاق أُسْتُوَا، سمع بنيسابور محمد بن يحيى - هو: الذُّهْلِيُّ (ت258هـ)-  فطبقته، وبالعراق: الحَسَن بن مُحَمَّد الزَّعْفَرَانِيّ (ت260هـ)، وَمُحَمَّد بن إِسْمَاعِيْلَ الأَحْمَسِيّ (ت260هـ). روى عنه: أَبُو الفَضْلِ الحَسَنُ بنُ يَعْقُوْبَ العَدْل (ت342هـ)، وأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ بَالُوْيَه (ت340هـ)، وأبو سَعيد عَمْرُو بنُ مُحَمَّد النيسابوريّ".

وروى عنه ابن أبي حاتم أيضاً في «آداب الشافعي ومناقبه» (ص: 20) عن الزُّبَيْر بْنِ سُلَيْمَانَ القُرَشِيّ، و(ص: 51) عَنْ إِبْرَاهِيمَ بنِ مُحَمَّدٍ الشَّافِعِيِّ ابن عَمِّ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ (ت238هـ)].

·       ترجمة محمد بن إبراهيم بن جَنّاد:

[**وشيخ محمد بن رَوح هو: مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بنِ يحيى بْنِ جَنَّادٍ أبو بَكْر المِنْقَري الْبَصْرِيّ، ويُقال: الْبَغْدَادِيّ، البزّاز. ترجم له الخطيب في «تاريخ بغداد» (2/284)، وقال: "يُقال إن أصله من مَرْو الرُّوذ.. سمع مسلم بن إبراهيم الفراهيدي، وأبا والوليد الطيالسي، وأبا عمر الحوضي، وموسى بن إسماعيل التبوذكي، ومحمد بن أبي غالب. روى عنه: موسى بن هارون، وعبد الله بن محمد البغوي، وأبو عبد الله الحكيمي، وعلي بن محمد المصري، ومحمد بن العباس بن نجيح البزاز، وغيرهم... قال عبدالرحمن بن يوسف بن خراش: أبو بكر بن جناد عدل ثقة مأمون. مات في طريق مكة بين السَّيَّالَةِ والمدينة في ذي الحجة من سنة ست وسبعين ومائتين.

ووقع في مطبوع كتاب ابن أبي حاتم: «حماد»! وهو تحريف، والصواب: «جَنّاد» - بالجيم والنون المشددة وآخره دال-].

·       تفسير ابن أبي حاتم لكلمة ابن جنّاد:

قال ابن أبي حاتم في تفسير سماع ابن معين من سبعة عشر نفساً: "أراد بذلك زيادة بعضهم على بعض؛ لأن حماد بن سلمة كان حدثهم من حفظه، فكان يذكر الشيء بعد الشيء، فيحدّثهم به، فقلّ من سمع من حماد إلا وقع عنده ما ليس عند غيره".

فهذه الفائدة النفيسة من ابن أبي حاتم تبيّن لنا لم كان ابن معين يحرص على سماع حديث حماد من أصحابه = لأن حماداً كان يُحدّثهم من حفظه، فربما حدث بأشياء في مجالس، ثم حدث في مجالس أخرى فزاد فيها لمن سمع منه في مجالس سابقة بحسب ما يتذكره من الحديث آنذاك، فحرص ابن معين على جمع أكبر عدد من الروايات عن حماد بن سلمة للظفر بكلّ حديثه.

وهذا يخالف السبب المذكور في الحكاية المنقطعة التي رواها ابن حبان عن ذلك الملطي.

وفعل ابن معين هذا شبيه بما كان يفعله أبو سعيد الحداد من كتابته كتب حماد بن سلمة.

روى ابن حبان في «المجروحين» (1/34) قال: حدثني محمد بن سعيد القزاز، قال: حدثنا الأخفش، قال: حدثني بعض البصريين، قال: رأيت أبا سعيد الحداد يكتب أصناف حماد بن سلمة عن هذا، ثم يجيء فيعرضها على شيخ آخر، فقلت له في ذلك، فقال: «اسكت، أُخرِجُ جِذعًا وأُدخِلُ ساجةً».

أي قد يجد عند هذا ما لم يجده عند غيره، أو يجد خطأ هنا يصلحه من كتاب آخر عن حماد بن سلمة. وبهذا يُخرج الخطأ كما يخرج الجذع، ويدخل الصحيح كما يدخل الساجة التي هي أقوى أنواع الخشب بدل الجذع الضعيف.

وهذه الحكاية يرويها الأخفش عن بعض البصريين ولم يُسمّه، لكن رواها ابن عدي في «الكامل» من طريق مُحَمد بْنُ عَبدالمَلِكِ الدَّقِيقِيُّ، قَال: قِيل لأَبِي سَعِيد أَحْمَدَ بنِ دَاوُدَ الحَدَّادِ: إِلَى كَمْ تَكْتُبُ الحَدِيثَ؟ قال: «أخرج جذعًا وأدخل ساجة».

وهذه - وإن كانت عامة - فيدخل فيها ما ذُكر في الحكاية الأخرى الخاصة بكتب حماد بن سلمة، مما يدلّ على صحة الحكاية.

·       رحلة ابن معين إلى أبي سلمة التبوذكي:

وكان ابن معين قد رحل إلى أبي سلمة، وسمع منه آلاف الأحاديث.

روى ابن أبي حاتم عن أبيه قال: "قَدِمْنَا البَصْرَةَ وكان قدم يحيى بن معين قبل قدومنا بسنة، فلزم أبا سلمة موسى بن إسماعيل فكتب عنه قريباً من ثلاثين أو أربعين ألف حديث".

قلت: كان قدوم أبي حاتم البصرة سنة (214هـ).

قال ابن أبي حاتم: سَمِعْتُ أَبِي يَقُوْلُ: "بَقِيْتُ فِي سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ بِالبَصْرَةِ، وَكَانَ فِي نَفْسِي أَنْ أُقِيْمَ سَنَةً، فَانْقَطَعَتْ نَفَقَتِي...".

فيكون ابن معين قدم البصرة على أبي سلمة التبوذكي سنة (213هـ) ولازمه، وسمع منه آلاف الأحاديث.

وهذا يعني أن ابن معين كان عمره (55) سنة لما لزم التبوذكي، وكان حينها عالماً ناقداً، وكان دائم الطلب للحديث، والسؤال عن الرّجال، وكأنه كان يتنقل بين بغداد والبصرة، وغيرها من المدن.

فمثل أبي زكريا لا يذهب لملازمة التبوذكي من أجل أن عفانا رفض تحديثه بكتب حماد بن سلمة كما جاء في حكاية الملطي! بل إن سماعه لحديث حماد من سبعة عشر نفساً قبل التبوذكي يدلّ على حرصه على تحصيل الأحاديث في كل مراحل حياته.

على أننا لا ننفي أنه سمع من التبوذكي شيئا قبل ملازمته إياه، وكذا من عفان، فالرحلة في طلب الحديث لم تكن سهلة، وكان يعترضهم في ذلك أشياء كثيرة، فربّ طالب حديث رحل إلى شيخ فسمع منه جزءاً يسيراً، ثم اضطر لتركه لشيء عرض له، ثم رجع وطلب عنده مرة أخرى.

·       كتب حماد بن سلمة التي عند عفّان بن مسلم الصفّار، وتمني ابن معين سماعها!

وأما ما يتعلق بسماع ابن معين كتب حماد بن سلمة من عفّان، فهو لم يسمعها، وكان يتمنى لو أن عفان قرأها عليه.

قَال عليّ بن سهل بن المغيرة: سمعت يحيى بن مَعِين يقول: "لي حانوت بباب الطاق، وددت أن عفان قرأ عليّ كتب حمّاد بن سلمة، فأبيعه، وأدفع ثمنه إليه". [تهذيب الكمال في أسماء الرجال (20/172)].

فابن معين تمنى لو أنه قرأ عفان عليه كتب حماد بن سلمة ومقابل ذلك يعطيه ثمن حانوته، وهذا لأن ما عند عفان لا يوجد عند غيره كما فسّر ابن أبي حاتم الحكاية التي رواها محمد بن إبراهيم البغدادي صاحب ابن معين، ولهذا كان يحيى يقول: "من أراد أن يكتب حديث حماد بن سلمة فعليه بعفان بن مسلم".

وابن معين يعرف ما عند عفّان من حديث حماد، ولا شك أنه سمع منه شيئاً منه، لكن كأنه لم يسمع جامع حماد جميعه منه، ولهذا تمنى لو أنه سمعه.

·       شراء فهد بن عوف لكتب حماد بن سلمة!

وقد قال عفّان أن فهد بن عوف اشترى كتب حماد بن سلمة.

قال البرذعي كما في «سؤالاته» (2/456): حدثنا أيوب بن إسحاق بن سافري، قال: حدثنا علي بن المديني قال: قال عفان بن مسلم: "اشترى فهد بن عوف كتب سارويه الغزّال - يعني كتب حماد بن سلمة".

فهذا عفان بن مسلم يقول بأن فهد بن عوف اشترى كتب حماد بن سلمة، فهل قصد أنه اشترى كتب حماد التي عنده هو، أم كتبه من عند شخص آخر؟

الظاهر - والله أعلم - أنه اشتراها منه هو! فإن صح ذلك فلعل هذا هو سبب عدم سماع ابن معين منه كتب حماد، فكانت عنده فرصة يسمعها قبل بيعها، ثم بعد ذلك لم يتهيأ له سماعها لعدم وجودها عند عفان، فندم على ذلك.

وفهد بن عوف قد سمع من حماد.

روى يعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» (2/193) قال: حَدَّثَنَا أَبُو رَبِيعَةَ فَهْدُ بْنُ عَوْفٍ قَالَ: "جِئْنَا إِلَى حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ فِي يَوْمٍ حَارٍّ شَدِيدِ الْحَرِّ، وَصَلَّيْنَا مَعَهُ الظُّهْرَ...".

وقول عفان بأن فهد بن عوف اشترى كتب حماد أورده البرذعي بعد سؤاله لأبي زرعة عنه.

قال البرذعي: سألت أبا زرعة عن أبي ربيعة زيد بن عوف، ولقبه فهد؟ فقال: قدم أبو إسحاق الطالقاني البصرة فحدّثهم عن ابن المبارك، عن وهيب، عن عمر بن محمد، عن سُمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: «من مات ولم يغز»، فحدّث به أبو ربيعة، عن وهيب، عن عمر بن محمد، وحسب أنه وهيب بن خالد، وإنما هو وهيب بن الورد، فتوهم المسكين أنه وهيب بن خالد، فحدّث به عن وهيب بن خالد، وليس هذا من حديث وهيب بن خالد، فافتضح.

وحدّث الطالقاني، عن ابن المبارك، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس: «أنه مر بحوض فكرع على بطنه»، فرواه أبو ربيعة عن حماد".

قال أبو زرعة: "هذا حديث ابن المبارك لم يروه عن حماد بن سلمة أحد غيره، فافتضح في هذين الحديثين أبو ربيعة".

وهذه الحكاية رواها ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (3/570) قال: سمعت أبا زرعة يقول: "قدم أبو إسحاق الطالقاني البصرة، فحدّث بحديثين عن ابن المبارك، أحدهما: عن وهيب، عن عمر بن محمد بن المنكدر، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات ولم يغز»، فلم يلبث إلا يسيراً حتى أخرج فهد بن عوف هذا الحديث عن وهيب بن خالد، فافتضح فيه؛ لأن وهيب الذي روى عنه ابن المبارك هو: وهيب بن الورد، فأخرج هو عن وهيب بن خالد، وظن أن ذاك هو وهيب بن خالد فافتضح، والحديث الآخر: حديث تفرد به ابن المبارك، ولا يعلم أن أحداً شارك ابن المبارك في هذا الحديث عن حماد بن سلمة، وليس ذلك في كتب حماد بن سلمة، وتَجده كَتب ابنُ المبارك عن حماد من أجله - أي كتب ابن المبارك عن حماد هذا الحديث لغرابته كما أشار المعلمي- فلما حدث الطالقاني بهذا الحديث لم يلبث إلا قليلا حتى أخرج أبو ربيعة عن حماد بن سلمة، فتكلم الناس فيه".

قلت: مع أن فهد بن عوف اشترى كتب حماد إلا أن هذين الحديثين لا يوجدان فيها، ولهذا افتضح أمره، وتكلّم فيه ابن المديني بسببها!

قال البرذعي: حدثنا أيوب بن إسحاق بن سافري قال: قلت لعلي بن المديني: أن أبا ربيعة له صلاح، وفضل؟ فقال: "ربما رأيت الرجل يلزم الصف الأول خمسين سنة، وهو يكذب في الحديث".

وقد تكلموا فيه أيضاً؛ لأنه روى عن أبي عوانة أحاديث ليست من أحاديث أبي عوانة، وكان قد لقي كتاباً فيه هذه الأحاديث.

قال عَمرو بن علي الفلاّس: أخبرني عفّان قال: قال لي يومًا – أي: فهد بن عوف-: "وجدت كتاباً فيه ألفا حديث عن أبي عَوَانة".

ولهذا أكثر روايته عن أبي عَوَانة، وينفرد عن أبي عَوَانة بغير شيء! وتكلموا فيه بسبب ذلك.

·       عدم تحديث عفّان بكلّ حديث حماد بن سلمة!

وعدم سماع ابن معين من عفان لا يمكن أن يُحمل على ما جاء في حكاية ذاك الملطي! فمثل يحيى يبحث عن أحاديث حماد التي توجد عند بعض أصحابه، ولا توجد عند الآخرين، وربما عدم سماع ابن معين لكتب حماد من عفان راجع إلى أن عفانا لم يكن يحدّث بكل ما عنده من حديث حماد.

قَال جعفر بن أَبي عثمان الطيالسي: سمعت عفّان يقول: "يكون عند أحدهم حديث فيخرجه بالمقرعة، كتبت عن حماد بن سلمة عشرة آلاف حديث ما حدثت منها بألفي حديث، وكتبت عن عبدالواحد بن زياد ستة آلاف حديث ما حدثت منها بألف، وكتبت عن وهيب أربعة آلاف ما حدثت منها بألف حديث". [تهذيب الكمال في أسماء الرجال (20/172)].

هذا مع انشغال ابن معين بالرحلة وكثرة الرواية عن المشايخ، وعنايته بالجرح والتعديل.

·       كلام ابن معين في الاختلاف بين أصحاب حماد بن سلمة، ومن سمع منه الأصناف، ومن سمع من النسخ.

وكان ابن معين يُبيّن لمن يُحكم إذا اختلف أصحاب حماد.

روى الخطيب في «تاريخ بغداد» (14/201) من طريق ابْن حبان، قَالَ: وجدت في كتاب أبي بخط يده، سألت أبا زكريا، يعني: يحيى بْن معين، قلت: "إذا اختلف أَبُو الوليد وعفان في حديث عَنْ حماد بْن سلمة، فالقول قول من هو؟ قَالَ: القول قول عفان، قلت: فإن اختلفوا في حديث عَنْ شعبة؟ قَالَ: قَالَ: القول قول عفان، وقلت: وفي كل شيء، قَالَ: نعم، عفان أثبت منه وأكيس، وأبو الوليد ثقة ثبت. قلت: فأبو نعيم الأحول فيما حدث به، وعفان فيما حدث به، من أثبت؟ قَالَ: عفان أثبت".

وأما بالنسبة لخطأ حماد فهذا يعرفه يحيى من خلال سبره لما صنّفه حماد، وما رواه من نسخ عن مشايخه.

قَال جعفر بن أَبي عثمان الطيالسي، عن يَحْيَى بن مَعِين، قال: "من سمع من حماد بن سلمة الأصناف ففيها اختلاف، ومن سمع من حماد بن سلمة نسخاً فهو صحيح".

يعني أن مصنفات حماد بن سلمة فيها اختلاف؛ لأنه أدخل فيها الموصول والمرسل، والمرفوع والموقوف، فأحيانًا يصل الحديث وأحياناً يرسله، لكن النسخ التي يُحدّث بها عن شيوخه فهي صحيحة لا اختلاف فيها.

·       كتابة ابن معين للحديث من خمسين وجه!

وكان يحيى يحرص على كتابة الحديث من وجوه كثيرة لمعرفة حال الشيخ في رواياته.

قَالَ عَبَّاسٌ الدُّوْرِيُّ: سَمِعْتُ يحيى يَقُوْلُ: "لَوْ لَمْ نَكتُبِ الحَدِيْثَ مِنْ ثَلاَثِيْنَ وَجْهاً، مَا عَقَلنَاهُ". وفي لفظ: "لَوْ لَمْ نَكتُبِ الحَدِيْثَ خَمْسِيْنَ مَرَّةً، مَا عَرَفْنَاهُ".

وروى مُجَاهِد بن مُوْسَى، قَالَ: "كَانَ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ يَكْتُبُ الحَدِيْثَ نَيِّفاً وَخَمْسِيْنَ مَرَّةً".

وفِي «تَارِيْخ دِمَشْقَ» مِنْ طَرِيْقِ مُحَمَّدِ بنِ نَصْرٍ: سَمِعَ يَحْيَى بنَ مَعِيْنٍ يَقُوْلُ: "كَتَبْتُ بِيَدِي أَلْفَ أَلْفِ حَدِيْثٍ".

قال الذهبي معقباً: "قُلْتُ: يَعْنِي بِالمُكَرَّرِ، أَلاَ تَرَاهُ يَقُوْلُ: لَوْ لَمْ نَكتُبِ الحَدِيْثَ خَمْسِيْنَ مَرَّةً مَا عَرَفْنَاهُ".

·       عرض ابن معين الحديث على عفّان، ومعرفته بأخطائه!

وكان ابن معين يعرض على عفان ما سمعه عن بعض شيوخه، ويعرف ما أخطأ فيه.

روى الخطيب في «تاريخ بغداد» (14/201) من طريق إبراهيم بْن نصر الكندي، قَالَ: سمعت حسناً الزعفراني يقول: "رأيت يحيى بْن معين يعرض على عفان ما سمعه من يحيى بْن سعيد القطان".

وروى من طريق إبراهيم الحربي قال: قَالَ لي أَبُو خيثمة: "كنت أنا ويحيى بْن معين عند عفان...".

وروى من طريق أبي عبداللَّه مُحَمَّد بْن عبدالرحمن بْن فهم قَالَ: سمعت يحيى بْن معين يقول: "ما أخطأ عفان قط إلا مرة في حديث أنا لقنته إياه، فأستغفر اللَّه".

قَالَ ابْن فهم: "وما سمعت يحيى بْن معين يستغفر اللَّه قط إلا ذلك اليوم".

وقَالَ الحَسَنُ بنُ عَلِيْلٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ، قَالَ: "أَخطَأَ عَفَّانُ فِي نَيِّفٍ وَعِشْرِيْنَ حَدِيْثاً، مَا أَعْلَمتُ بِهَا أَحَداً؛ وَأَعْلَمتُه سِرّاً، وَلَقَدْ طَلَبَ إِلَيَّ خَلَفُ بنُ سَالِمٍ أَنْ أُخبِرَهُ بِهَا، فَمَا عَرَّفتُهُ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَجِدَ عَلَيْهِ".

وقال ابْن الغلابي - وذكر له، يعني: يحيى بْن معين، عفان وثبته، فقال: "قد أخذت عليه خطأ في غير حديث".

·       مراجعة ابن معين للتبوذكي في حديث له رواه عن حماد وغضبه منه!

وكان ابن معين أيضاً يراجع التبوذكي في بعض حديثه عن حماد بن سلمة.

قَالَ الحَسَنُ بنُ القَاسِمِ بنِ دُحَيْمٍ الدِّمَشْقِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ سُلَيْمَانَ المِنْقَرِيِّ البَصْرِيِّ، قال:

قَدِمَ عَلَيْنَا يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ، فَكَتَبَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، فَقَالَ لَهُ: إِنِّيْ أُرِيْدُ أَنْ أَذْكُرَ لَكَ شَيْئاً، فَلاَ تَغْضَبْ.

قَالَ: هَاتِ.

قَالَ: حَدِيْثُ هَمَّامٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ حَدِيْثَ الغَارِ! لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِكَ، إِنَّمَا رَوَاهُ عَفَّانُ وَحِبَّانُ، وَلَمْ أَجِدْه فِي صَدْرِ كِتَابِكَ، إِنَّمَا وَجَدْتُهُ عَلَى ظَهْرِهِ.

قَالَ: فَتَقُوْلُ مَاذَا؟

قَالَ: تَحْلِفُ لِي أَنَّكَ سَمِعْتَهُ مِنْ هَمَّامٍ؟

قَالَ: ذَكَرْتَ أَنَّكَ كَتَبْتَ عَنِّي عِشْرِيْنَ أَلْفاً، فَإِنْ كُنْتُ عِنْدَكَ فِيْهَا صَادِقاً، فَمَا يَنْبَغِي أَنْ تُكَذِّبَنِي فِي حَدِيْثٍ، وَإِنْ كُنْتُ عِنْدَكَ كَاذِباً، مَا يَنْبَغِي أَنْ تُصَدِّقَنِي فِيْهَا، وَلاَ تَكْتُبَ عَنِّي شَيْئاً، وَتَرْمِيَ بِهِ، بَرَّةُ بِنْتُ أَبِي عَاصِمٍ طَالِقٌ ثَلاَثاً إِنْ لَمْ أَكُنْ سَمِعْتُهُ مِنْ هَمَّامٍ، وَاللهِ لاَ كَلَّمتُكَ أَبَداً. [تهذيب الكمال في أسماء الرجال (29/25)].

·       تعليق بعضهم على حكاية ابن معين التي رواها الملطي!

وهنا مسألة مهمة، وهي أن بعض ما يُنقل في الكتب يأخذه بعض المشتغلين بالحديث أو غيرهم مُسلَّماً ويبنون عليه قصوراً واهية هي أوهى من بيت العنكبوت!

ومن ذلك: ما ذكره المدعو رضا صمدي – وهو ليس من أهل الاختصاص في الحديث، - في كتابه "نظرية العلة عند المحدثين" (ص: 53) معلقاً على هذه الحكاية بقوله:

"إذا تأملنا كلام ابن معين رحمه الله يمكننا أن نستنتج ما يلي:

أولاً: أن يحيى بن معين قد حكم على حماد بن سلمة أن يخطئ ومعنى هذا الحكم التوثيق وليس التضعيف، لأن رغبة يحيى بن معين في إحصاء أخطاء حماد بن سلمة دليل على أنها معدودة وقليلة لكنها لم تتميز، فأراد ابن معين أن يميز خطأ حماد ليعرف أن ماعدا ذلك من حديثه فمستقيم، وهذا أعدل الأقوال في حماد بن سلمة، وأخطأ من ضعفه مطلقا.

ثانياً: مقتضى حكم يحيى بن معين على حماد بن سلمة أنه يخطئ أنه سبر مرويات حماد بن سلمة ووازن بينها وبين مرويات أقرانه ممن اشتركوا معه في الرواية، فلما فرغ من ذلك، وعلم أن حماد دخل في حديثه الخطأ؛ لأنه خالف المتقنين من أقرانه أراد أن يتحقق من هذه المخالفات والأخطاء ويميز بينها بالتدقيق في روايات مشاهير تلاميذه، لأن الخطأ قد ينسب إلى التلميذ دون الشيخ، فتفتق ذهنه عن هذه الطريقة في المعارضة لتتميز أخطاء حماد بن سلمة عن أخطاء تلاميذه.

ثالثاً: قوله: "فإذا رأيت أصحابه" يدل على أن يحيى بن معين كان ينتقي أصحاب حماد بن سلمة، أي تلاميذه الذي عرفوا بطول الصحبة له، وذلك تلافيا من أن يروي عن تلميذ مغمور من تلاميذ حماد فيحوجه لدراسة حاله أولاً فيطول أمره، لأن طول الصحبة دليل على كثرة الممارسة، ولا يتهم التلميذ في شيخه غالبا إذا كان ملازما له.

وفي ترجمة عفان بن مسلم الذي سعى يحيى للسماع منه أن يحيى بن معين نفسه سئل عن عفان بن مسلم إذا اختلف هو وأبو الوليد في حديث عن حماد بن سلمة، فقال: القول ما قال عفان، ثم سئل: وفي حديث شعبة؟ قال: القول قول عفان، فقلت: وفي كل شيء؟ قال: نعم.

فهذا يدل على أن يحيى بن معين عرف قدر عفان وحرص على السماع منه لضبطه واختصاصه بحديث حماد بن سلمة.

رابعاً: استكثار يحيى بن معين من سماع كتب حماد بن سلمة عن تلاميذه دليل على سعة روايات حماد، وهذا معروف عن حماد، فإنه كان من الأئمة المعروفين بالحديث، والحكم على إمام في جلالة حماد بن سلمة يحتاج إلى التوثق والتدقيق.

خامساً: نستطيع أن نتبين الجهد الذي بذله يحيى بن معين في راو واحد مثل حماد بن سلمة، فلو افترضنا أن كتب حماد تبلغ خمسمائة حديث فقط بخمسمائة إسناد (وهذا قليل لما عرف عن حماد من سعة في الرواية) فيكون ابن معين سمع هذه الأحاديث بأسانيدها ثمانية عشر مرة، وعارض رواية كل حديث بين تلاميذ حماد تلميذاً تلميذاً، وسبر المتون والأسانيد لكل واحد منهم، فمعنى ذلك أنه سمع عشرة آلاف حديث ودرس أسانيدها ومتونها وعارض بينها ووازن ليعرف ويميز أخطاء راو واحد، فكم احتاج ليوازن مرويات حماد نفسه مع مرويات أقرانه؟!

سادساً: يعتمد ابن معين على ملاحظة المخالفة بين الروايات، وقد ذكرنا قبل أن معرفة الاختلاف هو روح منهج النقد عند المحدثين، لأنهم علموا أن الخطأ يكون من الشاذ غالباً، ولا تقدم مخالفة الفرد إلا إذا كان في مكانة من الحفظ تفوق كل من خالفه مجتمعين، مثل أن يخالف شعبة عشرة من الضعفاء، فإن النقاد يحكمون لشعبة بالإصابة لأن حفظه أصل يقاس عليه، وضعف غيره فرع يتطلب أصلا، فكيف يجعل الفرع أصلاً يحاكم على أساسه الأصل؟" انتهى كلامه.

قلت: هذا المدعو رضا صمدي ليس من أهل الحديث، وإنما هو ممن يُطلق عليهم "المثقفون"، وقد عرفته من خلال كتاباته في المنتديات القديمة على سوء فيه وفساد! والمعضلة الكبرى أنه يتصدى للكتابة في أخطر علوم الحديث، وهو علم العلل، فيخرج علينا بما سماه "نظرية العلة عند المحدثين"! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

عموماً، كلامه الذي بناه على هذه الحكاية "أوهام وخيالات"! ونحن لا نُنكر أن ابن معين هو إمام هذه الصنعة، وكان كثير السماع، ويسبر روايات المشايخ، ويعرف الأخطاء والعلل، لكن ما نسبه هذا الرجل ليحيى من خلال هذه الحكاية فمحض خيالات؛ لأن ابن معين لم يسمع كل حديث حماد الذي عند كل أصحابه، ولم يحكم عليه بما توهمه هذا الرجل!

ومسألة أن ابن معين كان ينتقي أصحاب حماد لئلا يقع على مغمور يتعبه في سبر حديثه! فهذا من نسج الخيال والأحلام! فيحيى لم يكن ليفرط في أي حديث يسمعه من أصحاب حماد، بل إن السبعة عشر نفسا الذي سمع منهم حديث حماد لا نعرفهم كلهم.

وأما قوله بأن استكثار يحيى من سماع كتب حماد من تلاميذه يدل على سعة رواياته، فهذا - وإن كنا لا ننكر سعة حديث حماد - ليس بصحيح! فالحكاية الصحيحة التي ذكرها ابن أبي حاتم تبيّن لنا أن يحيى بن معين كان يريد معرفة ما عند كل تلميذ من تلاميذ حماد من أحاديث زائدة؛ لأن حمادا كان يذكر الشيء بعد الشيء فيحدث به فيسمعه بعضهم، ولا يكون عند الآخرين.

وعليه فالحسبة الرياضية التي قام بها صمدي حسبة فاشلة لا علاقة لها بحكاية ابن معين.

والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وكتب: خالد الحايك عامله الله بلطفه وعفا عنه.