هل اطلع ابن حجر على شرح ابن رجب «فتح الباري في شرح صحيح البخاري»، وكيف وافقه في الاسم! وهل استفاد منه؟


سئلت: ما رأيكم بقول د. عبد الكريم وريكات هذا: "صنّف الحافظ ابن حجر العسقلاني كتابه "فتح الباري شرح صحيح البخاري"، على الرغم من أن لابن رجب الحنبلي - وهو من طبقة شيوخه - كتاباً في شرح البخاري بالاسم نفسه، وقد اطّلع عليه ابن حجر واستفاد منه، وأشار إليه ولكن دون ذكر اسمه"؟

فأجبت:

أولاً: كان ينبغي له أن يُبيّن كيفية استفادة الحافظ ابن حجر من كتاب ابن رجب.

ثانياً: قوله "وأشار إليه ولكن دون ذكر اسمه"! فيه نوع اتهام للحافظ ابن حجر أنه أخذ اسم كتاب ابن رجب وسمى كتابه باسمه! والأمر ليس كذلك، وقد نفاه السخاوي تلميذ الحافظ.

وقد تكلم أهل العلم في هذه المسألة، ولم يحرروها جيداً.

فقد نفى الدكتور همام سعيد في مقدمة تحقيقه لشرح علل الترمذي للحافظ ابن رجب نفى أن يكون ابن حجر أخذ شيئاً من ابن رجب.

قال: "صنف ابن رجب «فتح الباري بشرح البخاري» وصنف ابن حجر كتابا في نفس الموضوع والعنوان، ومما لا ريب فيه أن ابن رجب هو من طبقة شيوخ ابن حجر، ومن المؤكد أن كتابه متقدم على كتاب ابن حجر.

وكنت أتوقع أن يكون ابن حجر قد اعتمد على شرح ابن رجب، وبحثت في كتابي ابن حجر المعجم والمفهرس، والمجمع المؤسس، وهما كتابان ذكر في أحدهما شيوخه وفي الآخر الكتب التي وصلت إليه، فلم أجد ذكرا لابن رجب ولا لكتابه فتح الباري.

ولجأت إلى كتاب ابن حجر «فتح الباري» أبحث فيه عن استمداد مصنفه من ابن رجب فلم أجد ابن حجر يشير إلى شيء من ذلك، ولم أجد ذكرا لكتاب ابن رجب بالرغم من أن كثيرا من المسائل تعرض لها ابن حجر بكلام قريب جدا من كلام ابن رجب، إلا أن حجر يوجز ويختصر بالنسبة لكتاب ابن رجب" انتهى.

وذهب الشيخ عبدالله السعد إلى أن ابن حجر أخذ اسم كتابه من كتاب ابن رجب.

وتعلّق بعض أهل العلم وطلبته بما قاله السخاوي في ترجمة شيخ في «الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر» في أن ابن حجر لم يطلع على كتاب ابن رجب حيث قال - عندما تحدث عن شرح شيخه لصحيح البخاري-: "وقد سبقه شيخه المجد اللغوي صاحب «القاموس»، فرأيت في أسماء تصانيفه: «منح الباري بالسيح الفسيح المجاري في شرح صحيح البخاري»، وأنه كمُل منه ربع العبادات في عشرين مجلدة. وكذا سبقه - فيما قيل- إلى التسمية بفتح الباري الحافظ الزين ابن رجب الحنبلي، لكن سمعت صاحب الترجمة يذكر أنه لم يطَّلع على ذلك" انتهى.

وذهب بعض طلبة العلم أن ابن حجر هنا نفى أن يكون اطلع على اسم كتاب ابن رجب؛ لأنه لا يمكن أن ينفي اطلاعه على الكتاب وهو ينقل منه!

ولم يفهم محقق كتاب السخاوي "إبراهيم باجس" ما نقله السخاوي عن شيخه! فقال في الحاشية: "هذا القول لا يسلم به للمصنف، ولا لشيخه رحمهما اللَّه، فقد اطلع الحافظ ابن حجر على شرح ابن رجب لصحيح البخاري، واستفاد منه، انظر على سبيل المثال: فتح الباري 1/176 شرح الحديث 79، و1/178، شرح الحديث 80، كلاهما من كتاب التوحيد، و11/340 حديث 6500 من كتاب الرقاق".

ففي كلامه إشارة إلى تكذيب السخاوي وشيخه! كيف ينفيان الاطلاع على كتاب ابن رجب وهو ينقل منه!

والصواب في كل ذلك أن ابن حجر – رحمه الله – نقل من كتاب ابن رجب، وجاء ذلك في ثلاثة مواضع:

* الأول في كتاب العلم، (بَاب فَضْلِ مَنْ عَلِمَ وَعَلَّمَ) (1/176) قال: "... ثمَّ قَرَأت فِي شرح ابن رَجَبٍ أَنَّ فِي رِوَايَةٍ بِالْمُوَحَّدَةِ بَدَلَ النُّونِ، قَالَ: وَالْمُرَادُ بِهَا الْقِطْعَةُ الطَّيِّبَةُ كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ بَقِيَّةُ النَّاسِ، وَمِنْهُ {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُون من قبلكُمْ أولو بقية}...".

* الثاني أيضاً في كتاب العلم، (بَاب رَفْعِ الْعِلْمِ) (1/178) قال: "وَحَكَى ابن رَجَبٍ عَنْ بَعْضِهِمْ (وَيَنُثُّ) بِنُونٍ وَمُثَلَّثَةٍ مِنَ النَّثِّ، وَهُوَ: الْإِشَاعَةُ. قُلْتُ: وَلَيْسَتْ هَذِهِ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّحِيحَيْنِ".

* الثالث في كِتَاب الرِّقَاقِ، (بَاب مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) (11/340) قال: "... وَقَالَ ابن رَجَبٍ فِي شَرْحِهِ لِأَوَائِلِ الْبُخَارِيِّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: يُؤْخَذُ مِنْ مَنْعِ مُعَاذٍ مِنْ تَبْشِيرِ النَّاسِ لِئَلَّا يتكلوا أن أَحَادِيث الرُّخص لا تشاع فِي عُمُومِ النَّاسِ لِئَلَّا يَقْصُرَ فَهْمُهُمْ عَنِ الْمُرَادِ بِهَا، وَقَدْ سَمِعَهَا مُعَاذٌ فَلَمْ يَزْدَدْ إِلَّا اجْتِهَادًا فِي الْعَمَلِ، وَخَشْيَةً لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَبْلُغْ مَنْزِلَتَهُ فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يُقَصِّرَ اتِّكَالًا عَلَى ظَاهِرِ هَذَا الْخَبَرِ".

وهذه النقولات تثبت لنا أن ابن حجر لم يقف على تسمية كتاب ابن رجب، وهذا ما نقله عنه السخاوي من نفيه الاطلاع على ذلك، ويقصد التسمية، وإلا كان كاذباً - وحاشاه من ذلك! فهل يُعقل أنه ينقل عنه ثم يقول: لم أطلع عليه؟!

والسياق يُبين ذلك، فإن هذا النفي من ابن حجر نقله السخاوي وهو يتحدث عن تسمية كتاب ابن رجب.

ولو كان الحافظ وقف على تسمية الكتاب لنقله، لكنه لم يقع عليها، وعادة تكون التسمية في غلاف الجزء الأول من الكتاب كما هو الحال في المخطوطات، والحقيقة أن الحافظ ابن حجر لم يقف على كل ما كتبه ابن رجب في شرح البخاري، وإنما وقف على شيء يسير منه = قطعة صغيرة من شرحه لكتاب العلم، فالموضع الأول والثاني ذكرهما في كتاب العلم، وهما عند البخاري برقم (79) و(80) وكتاب العلم شرحه ابن رجب لكنه مفقود، وقد أشار له في مواضع كثيرة مما بين أيدينا من شرحه.

ومن هذه المواضع:

* قوله (2/232): "وقد ذكرنا في «كتاب العلم» في شرح حديث: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين» أنه ليس كل من له أجره مرتين يكون أفضل من غيره".

* وقوله (2/400): "وقد سبق ذكر ذَلِكَ فِي «كِتَاب العلم» فِي «الجلوس عِنْدَ العالم»".

* وقوله (3/189): "وقد سبق القول في معنى تحريم من قال: «لا إله إلا الله» على النار، في أواخر «كتاب العلم»".

* وقوله (7/232): "وقد استوفينا الكلام على ذلك في أوائل «كتاب العلم» في الكلام على أول الواجبات".

وغيرها من المواضع.

وأما الموضع الثالث فلم يذكره ابن حجر في «كتاب العلم»، وذكره في «كتاب الرقاق»، لكن أول ورود لحديث معاذ في الصحيح كان في «كتاب العلم»، «بَاب مَنْ خَصَّ بِالعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ، كَرَاهِيَةَ أَنْ لاَ يَفْهَمُوا» برقم (128)، وعليه فابن رجب ذكر ما نقله عنه ابن حجر في شرح ذلك الحديث من «كتاب العلم»، وأورده عند شرحه للحديث في «كتاب الرقاق».

فالذي يظهر لي أن ابن حجر وقف على جزء من شرح ابن رجب من كتاب العلم، ونقل منه هذه الفوائد، وهو يعرف أنه من شرح ابن رجب للبخاري لكن لم يكن يعرف اسم الشرح؛ لأن الكتاب كاملاً ليس عنده، وعندما سئل عن اسم كتابه قال بأنه لم يطلع على الاسم كما نقل عنه السخاوي.

والظاهر أنه سئل عن ذلك لما كان يكتب شرحه ويراجعه مع تلاميذه فذكر أنه لم يطلع على اسمه.

قال السخاوي - وهو يتحدث عن فتح الباري لشيخه -: "قال شيخنا: فلمَّا كان بعد خمس سنين أو نحوها، وقد بُيِّضَ منه مقدار الربع على طريقة مثلى، اجتمع عندي مِنْ طلبة العلم المهرة جماعةٌ وافقوني على تحرير هذا الشرح، بأن أكتب الكرَّاس، ثم يحصِّله كلُّ منهم نسخًا، ثم يقرؤه أحدهم، ويعارض معه رفيقُه مع البحث في ذلك والتَّحرير، فصار السِّفْرُ لا يكمُل منه إلا وقد قُوبل وحرِّر ولزم من ذلك البطءُ في السَّير لهذه المصلحة، إلى أن يسَّر اللَّه تعالى إكماله في شهر رجب سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة".

فالخلاصة أنه وقع لابن حجر بعض شرح ابن رجب لكتاب العلم، ولم يكن عليها اسم الكتاب، ونقل عنه في ثلاثة مواضع في كتابه، والله أعلم.

وأما اسم شرح ابن حجر فذهب السيوطي إلى أنه أخذ ذلك من الفيروز أبادي صاحب «القاموس».

قال في «بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة» (1/274): "وَله من التصانيف: القَامُوس الْمُحِيط فِي اللُّغَة... فتح البَارِي بالسيح الفسيح الجَارِي فِي شرح صَحِيح البُخَارِيّ. قَالَ ابن حجر: ملأَهُ بِغَرَائِب النقول...

قلت: وقد أَخذ ابن حجر مِنْهُ اسْمه، وسمى بِهِ شرح البُخَارِيّ تأليفه" انتهى.