مكتبة دار الحديث الضيائية.

 

بقلم: خالد الحايك.

 

§ محتوياتها:

حصّل باني المدرسة الحافظ ضياء الدين الكثير من الأصول النفيسة، هبةً وشراءً ونسخاً، وصنّف الكثير، فوقف ما حصّله وما كتبه على مدرسته، وكانت تضم هذه المكتبة كتباً عظيمة، وقد وصلنا بفضل الله العشرات بل المئات من مخطوطات هذه الدار وحفظت لنا تراثاً عظيماً على مرّ الزمان، يقول الجمال يوسف بن عبد الهادي: "وكان بهذه المدرسة كتب الدنيا والأجزاء الحديثية، حتى يُقال إنه كان فيها خط الأئمة الأربعة، حتى يُقال: إنه كان فيها التوراة والإنجيل"[1].

وبالإضافة إلى ما وقفه الحافظ الضياء من كتبه وأجزاءه، قال ابن طولون: "وفيها من وقف الشيخ موفق الدين، والبهاء عبد الرحمن، والحافظ عبد العزيز، وابن الحاجب، وابن سلام، وابن هامل[2]، والشيخ عليّ الموصلي والحافظ عبد الغني"[3].

وأوقاف هؤلاء الأئمة ما زال بعضها موجوداً وخطوطهم على بعض مخطوطاتها، ولله الحمد.

 

§ أشهر القيّمين عليها:

كان لكل مكتبة من المكتبات قيّم يتولى أمر كتبها، ومن أشهر قيّمي مكتبة الضياء:

1- أحمد بن محمد بن عمر الشيرازي المعروف بـ ((زُغْنُش)) (ت 771هـ). قال ابن مفلح في ترجمته: "الشيخ الصالح المسند الآبلي الشيرازي الأصل ثم الدمشقي المعروف بزغنش قيّم الضيائية"[4].

وكان يسكن في المدرسة الضيائية وبيته موضع الباب الذي فتحه قاضي القضاة شرف الدين ابن قاضي الجبل، ثم انتقل منه وترك الوظيفة[5].

2- عمر بن عبدالله بن أحمد السعدي المقدسي (ت 781هـ). قال ابن قاضي شهبة في ترجمته: "ولد سنة ثمان وعشرين –أي وسبع مئة- واعتنى به أبوه، فأسمعه الكثير من شيوخ عصره، وجمع له ثبتاً، وحدّث عن ابن الرضيّ، وزينب بنت الكمال، والجزري وغيرهم، وكان إليه خزْنُ كتب خزانة الضيائية"[6].

3- آل المحب الصامت. قال الجمال يوسف بن عبد الهادي في ترجمة محمد بن عبد الله بن أحمد السعدي المقدسي الشهير بالصامت (ت789هـ): "الإمام العالم الزاهد العابد شيخ المحدثين شمس الدين أبو بكر محمد ابن الشيخ الإمام محب الدين أبي محمد عبد الله ابن أحمد ابن المحب.... ولد سنة اثنتي عشرة وسبع مئة... وبعد ذلك نشأ وطلب بنفسه، وقرأ الكثير وحصّل، وكانت معهم خزانة الضيائية، فمن ثمَّ كثر سماعهم، واتسعت معارفهم بذلك... وقلَّ جزء من أجزاء الضيائية أو من كتب الحديث إلا وعليه خطّه"[7].

 

§ ما تعرضت له المكتبة من نَكبات:

لقد تعرضت المدرسة الضيائية لعدة نكبات ألحقت الضرر بمكتبتها، فقال ابن طولون: "وقد نهبت في نكبة الصالحية نوبة قازان، وراح منها شيء كثير ثم تماثلت وتراجعت"[8].

وهذه النكبة يحدّثنا عنها اليونيني، فيقول في حوادث سنة (699هـ): "وشرع التتار من يوم السبت خامس عشر ربيع الآخر في نهب جبل الصالحية، فبدأوا بتربة ملك الأمراء عزّ الدِّين، والماردانية، وعاثوا في الجبل يوماً بعد يوم، فدخلوا الناصرية والمارستان، وكسروا أبواب الترب والشبابيك، وصعدوا إلى مغارة الدم ومغارة الجوع وغيرهما، ولم يعص عليهم موضع، ونزلوا إلى الجامع –أي المظفري- وأخذوا بسطه، وكسروا القناديل والمنبر، ورموا الربعة، وربما مشوا عليها، وخرجوا إلى مدرسة ضياء الدين المقدسي، وكان فيها جماعتها، فرموهم بالحجارة، ثم ردوهم عن أنفسهم، ثم إنهم عجزوا عن فخرجوا فدخلوها ونهبوها، وكسروا خزانة الكتب وبذروا بعضها، وأخذوا من الصالحية الطعم والقمح، ومن الطمائر والدفائن والذخائر شيئاً كثيراً، حتى كان الواحد منهم يأتي الطميرة والخبيئة كأنه هو الذي تولى طمرها من سرعة هدايته إلى مكانها، فلا حول ولا قوة إلا بالله".

ثمّ ذكر اليونيني بعد ذلك ما حصل للكتب التي نهبها قازان وجنده من المدرستين العمرية والضيائية، فقال: "وأبيعت كتب المسلمين بدمشق، ولم يتورع الناس من شرائها، بل كانوا يتزايدون فيها، مع علمهم أنها وقف، أو أنها ملك الغير، فكان الرجل إذا مرَّ بسوق الكتب وجد كتب الحافظ عبد الغني، وكتب الحافظ ضياء الدين، والأوقاف التي كانت في مدرسته، ووقف دار الحديث الأشرفية بالجبل، ودار الحديث النورية بالبلد، وكتب وقف ابن البزوري البغدادي، ووقف المدرسة الشبلية، وكذلك كتب الحنابلة وأهل الجبل، صار أهلها يرونها ولا يستنقذونها؛ لأنهم قد سلبوا، ولا يملكون شيئاً، وليس لهم ما يتقوّتون به، وفترت الهمم عن تحصيل الكتب"[9].

وقال الحافظ ابن كثير في حوادث سنة (699هـ): "وفي يوم السبت النصف من ربيع الآخر، شرعت التتار وصاحب سيس في نهب الصالحية، ومسجد الأسدية، ومسجد خاتون، ودار الحديث الأشرفية بها، واحترق جامع التوبة بالعقيبة... ولما نُكب دير الحنابلة في ثاني جمادى الأولى قتلوا خلقاً من الرجال، وأسروا من النساء كثيراً، ونال قاضي القضاة تقي الدين –هو سليمان بن حمزة- أذىً كثير، ويُقال: إنهم قتلوا من أهل الصالحية قريباً من أربع مئة، وأسروا نحو أربعة آلاف أسير، ونهبت كتب كثيرة من الرباط الناصري، والضيائية، وخزانة ابن البزوري، وكانت تُباع وهي مكتوبٌ عليها ((الوقفية)) وفعلوا بالمزّة مثل ما فعلوا بالصالحية كذلك وبغيرها"[10].

وبالرغم مما حصل فقد استطاعت المكتبة الضيائية أن تسترجع أنفاسها وتضيء لطلبة العلم طريقهم لسماع الحديث، فتماثلت من جراحها ورجع إليها بعض ما فقدت.

وقد مرت المكتبة بحالة ازدهار أيام بني المحبّ، ثم تراجعت، وحول هذا ينقل ابن طولون عن شيخه  الجمال بن عبد الهادي، قوله: "وكانت مضبوطة الحال أيام خزنتها بني المحب، وبعدهم صارت إلى القاضي ناصر الدين بن زريق[11] الذي قال عنه أبو الفضل ابن حجر: إنه ما رأى في بلاد الشام من يستحق اسم الحافظ غيره، وكان في أيام القاضي علاء الدين بن مغلى[12]، فاحتاج القاضي علاء الدين إلى كتاب الخلاف للقاضي أبي يعلى، فقالوا له: لا يوجد إلا في الضيائية، فأرسل يطلبه منه، فجمعه في قفتين وأرسله إليه.

قالوا: فمن ثَمَّ انفرط أمرها وطمع الناس فيها. ثمّ لما جاء تمرلنك وذَهبَ زاد انفراط حالها؛ فجاء ابن حجر وأخذ منها عدّة أحمالاً، ثمّ جاء الحافظ شمس الدين ابن ناصر الدين فأخذ منها، ثمّ جاء الحافظ قطب الدين الخيضري[13] فأخذ، ثمّ إن القاضي ناصر الدين ابن زريق الثاني[14] استوعب أحاسن ما فيها"[15].

وقد ذكر الدكتور محمد مطيع الحافظ أن ما أخذه هؤلاء العلماء من الكتب من الضيائية إنما كان على الغالب على سبيل العارية؛ لأن هؤلاء ممن عرفوا بالتقوى والنـزاهة[16].

قلت: قد ذكر ابن طولون عن شيخه الجمال قوله: "وقد سعيت أنا والشيخ موسى الكناني الحنبلي – وكانت بيده الخلوة المذكورة- في عود نحو ألفي جزء إليها"[17].

وهذا القول منه لا يدلّ على أنهم أخذوها عاريّة، وأغلب الظن عندي أن هؤلاء الأئمة قد رأوا أن عقد هذه المكتبة قد انفرط، وهم يلاحظون ذلك، فخشوا على ما تحتويه من نفائس، فأرادوا أن يحفظوا هذه الكتب عندهم خوفاً عليها من الضياع أو السلب أو النهب أو أن تقع في أيدي أناس ليسوا من أهل العلم، سيما وهم يعلمون أن العلم قد نقص في ذلك الوقت، وقلت الحفاظ، والله أعلم.

وهذا يُفسر لنا وجود كثير من مخطوطات الضيائية في مكتبات مصر وتركيا ومكتبات الدول الأجنبية مثل مكتبة تشتربيتي بدبلن/إيرلندا.

 

§ نهاية المدرسة الضيائية:

بقيت المدرسة الضيائية تضيء الدرب لطلاب العلم حتى ضعف أمرها، واتخذت طريقها إلى الانحدار، بعد أن كانت تخرّج العلماء، وتحفظ للناس دينهم، وتنشر العلم، ويرحل إليها الطلبة.

قال ابن كنان (ت 1153هـ) واصفاً نهاية المدرسة: "والآن صارت سكناً لبعض عوام الهنود، وليس فيها أحد من الطلبة لخراب حارة الحنابلة وحارة الداودية"[18].

وقال الشيخ عبد القادر بدران: إنه رأى في شرقي الجامع المظفري جداراً عظيماً وفيه الباب، وقال: ولعلها هي المدرسة[19].

وقال الشيخ محمد دهمان: "اضمحل أمر هذه المدرسة قبل مئة عام من عصرنا –أي حوالي سنة 1270هـ- فأخذت كتبها ووضعت في المدرسة العمرية، ثم اضمحل أمر العمرية بعد ذلك، وأخذ النظار يتصرفون في المدارس والمكتبات تصرف السفهاء فجمعت خزائن كتب المدارس وألف منها المكتبة الظاهرية. وهي الآن تحوي عدداً كبيراً من الكتب القيمة، وقف المدرسة الضيائية، وعليها خطوط العلماء وخاصة خط الضياء المقدسي".

وقال أيضاً: "أصبحت هذه المدرسة داراً تستغل لمصالح الجامع المظفري (جامع الحنابلة) ولم يبق فيها من بنائها القديم إلا قوس إيوانها الشمالي، رأيته سالماً قبل اثنتي عشرة سنة من عصرنا[20]، وهي واقعة مقابل باب جامع الحنابلة الغربي تماماً، وتدعى الآن بالضلاعية"[21].

وقال الشيخ محمد أديب تقي الدين: "لم يبقَ منها سوى الباب والجدار، وفيه أربعة شبابيك، وداخلها شُغل مسكناً واتخذ بيتاً"[22].

وقال الدكتور محمد مطيع الحافظ: "وما زال أثر هذه المدرسة واضحاً في شرقي جامع الحنابلة وبداخله دار للسكنى"[23].

قلت: وآلت مخطوطات المكتبة الظاهرية والتي ضمت كتب الضيائية والعمرية إلى مكتبة الأسد بدمشق.

وبهذا يتبيّن لنا مدى أثر هذه المدرسة في تخريج الطلبة، ونشر العلم، وما حفظته لنا من تراث عظيم، لا يوجد إلى فيها، وسأذكر نماذجاً مما حفظته لنا المكتبة الضيائية:

1- معرفة الرجال، ليحيى بن معين.

2- الكنى والأسماء لمسلم بن الحجاج.

3- المشيخة البغدادية للحافظ السلفي.

4- من حديث سفيان بن عيينة، بخط الضياء.

5- مشيخة الرازي.

6- فوائد الحاج.

7- وفيات قوم من المصريين لابن الحبال.

8- البعث والنشور لأبي داود.

9- أحاديث أيوب السختياني.

10- مسند أبي هريرة لإبراهيم بن حرب.

11- الجهاد لابن أبي عاصم.

12- حديث الحسن بن عرفة.

13- أمالي المحاملي.

14- صفة النفاق ونعت المنافقين.

15- الرحلة في طلب العلم للخطيب البغدادي.

16- المنتقى من حديث ابن شاذان.

17- المختارة للضياء المقدسي.

وغير ذلك من مئات الكتب للضياء المقدسي وغيره من العلماء والموجودة الآن في مكتبة الأسد.

 

 

§ الهوامش:

[1] القلائد الجوهرية: (1/138).

[2] هو: محمد بن عبد المنعم بن عمار بن هامل الحرّاني (603-671هـ)، كان همّه طلب الحديث فكتب الكثير وتعب وحصّل، وأسمع الحديث، وتألف الناس على روايته، أقام بدمشق ووقف كتبه وأجزاءه بالضيائية (ذيل طبقات الحنابلة: 2/181-182).

[3] القلائد الجوهرية: (1/132)، الوافي بالوفيات للصفدي: (4/65).

[4] المقصد الأرشد: (1/18).

[5] الوفيات لابن رافع: (2/350).

[6] تاريخ ابن قاضي شهبة: (1/3/17).

[7] الجوهر المنضد، 120.

[8] القلائد الجوهرية: (1/132).

[9] الذيل على مرآة الزمان، ص132-148.

[10] البداية والنهاية: (14/6-8).

[11] هو الحافظ المحدث ناصر الدين محمد بن عبدالرحمن بن محمد بن أحمد بن سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر ابن أبي عمر المقدسي. تخرّج بابن المحب. مات سنة (803هـ) (القلائد الجوهرية: 2/444).

[12] له ترجمة في شذرات الذهب: 7/185.

[13] هو قطب الدين محمد بن محمد بن عبدالله بن خيضر الخيضري الدمشقي، قاضي دمشق. مات سنة (894هـ).

[14] هو محمد بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر ابن الشيخ أبي عمر المقدسي، الشيخ المحدث القاضي ناصر الدين أبو البقاء المعروف بابن زريق، مولده بالصالحية سنة (812هـ)، ووفاته فيها سنة (900هـ) (المنهج الأحمد: 5/313).

[15] القلائئد الجوهرية: (1/138).

[16] التنويه والتبيين، ص257، هامش (3).

[17] القلائد الجوهرية: (1/140).

[18] المروج السندسية، ص39.

[19] منادمة الأطلال، ص195.

[20] أي حوالي سنة 1356هـ؛ لأن الشيخ دهمان ذكر ذلك في الطبعة الأولى لكتاب القلائد الذي تمّ طبعه سنة 1368هـ-1949م.

[21] القلائد الجوهرية: (1/138-140) هوامش (2) و (1).

[22] المنتخبات لتواريخ دمشق، ص960.

[23] التنويه والتبيين، ص230.