الصفحة الرئيسية         الكتب           البحوث           المخطوطات          المجلة            راسلنا          الضيائية
 
 
 

سلسلة فهم أقوال أهل النَّقد (32).

قولُ مَعْمَرِ بنِ رَاشدٍ الصنعانيّ: «ما رأيت أحدًا بصنعاء إِلا وهو يُثَبِّح الحَدِيْث؛ إِلا خلاد بن عَبْدالرَّحْمَن».




مصطلح «يُثبّج الحديث» استخدمه بعض الأئمة في بعض الرواة بنُدرة، وأول من استخدمه الإمام مَعمر بن راشد الصنعاني، وتبعه الإمام أحمد - رحمهما الله -.

وهذا المصطلح فيه دلالة على تجريح الراوي، لكن لا يسقطه تماماً، وإنما يُنبّه إلى أن هذا الراوي أحياناً لا يأتي بالحديث على وجهه، فقد يخلّط فيه، ويُدخل فيه ما ليس منه، ولا يفصل ما فيه مما لا يصح فيه.

وقد أدخل بعض المعاصرين هذا المصطلح في أردأ منازل التجريح بسبب تحريف وقع فيما نُقل عن مَعمر بن راشد!

وقد استخدموا هذا التحريف في توضيح معناه، فأثبتوا مصطلحات أخرى محرّفة في سُلَّم الجرح!

قَالَ البُخَارِيُّ في «التاريخ الكبير» (1/359) في ترجمة «إِسْمَاعِيل بن شروس أَبي المِقْدَام الصَّنْعَانِيّ»: "قَالَ عَبْدُالرَّازَّقِ، عَنْ مَعْمَرٍ: كَانَ يُثَبِّجُ الحَدِيثَ".

وذكر العقيلي إسماعيل في «الضعفاء» (1/84) (94)، ونقل فيه قول مَعمر هذا.

ورواه ابن عدي في ترجمته من «الكامل» (2/138) (1990) قال: سمعتُ ابن حماد يقول: قال البُخاري: "إسماعيل بن شروس أَبو المقدام الصنعاني يروي عن يَعلَى بن أمية، قال عَبدالرَّزَّاق: قال معمر: كان يُثَبِّجُ الحديث".

وقد وقع تحريف قديم في بعض نسخ كتاب ابن عدي، فجاء فيه: "قال عَبدالرَّزَّاق: قال مَعمر: كان يَضعُ الحديث".

فتحرّفت «يُثبّج» إلى «يَضع»!

وبسبب هذا التحريف نسب بعض من جاء بعد ابن عدي إسماعيل هذا إلى الوضع!

قال ابن الجوزي في «الضعفاء» (1/114) (383): "إسْمَاعِيل بن شروس أَبُو المِقْدَام الصَّنْعَانِيّ يروي عَن عِكْرِمَة. قَالَ معمر: كَانَ يضع الحَدِيث لأهل صنعاء"!

وقال الذهبي في «ميزان الاعتدال» (1/234): "وقال ابن عدي: قال البخاري: قال مَعمر: كان يضع الحديث".

وقال في «المغني» (1/83) (672): "إسْمَاعِيل بن شروس الصَّنْعَانِيّ، عَن عِكْرِمَة: كَذَّاب قَالَه معمر".

وقال في «ديوان الضعفاء» (ص: 34) (412): "إسماعيل بن شَرْوَس الصنعاني، عن عكرمة: كذاب".

وقال ابن عراق في «تنزيه الشريعة» (1/39) (293): "إِسْمَاعِيل بن شروس الصَّنْعَانِيّ عَن عِكْرِمَة، قَالَ معمر: كَانَ يضع الحَدِيث".

وذكر الألباني له حديثاً في «سلسلته الضعيفة» (7/66) (3065)، ثم قال: "قال البخاري: قال معمر: كان يضع الحديث. وأما ابن حبان فذكره في «الثقات» (6/31)! وكذلك صنع ابن شاهين (51/10)! وكأنهما لم يقفا على قول معمر فيه. والله أعلم".

وذكر له حديثاً فيها (14/312) (6631): ثم قال: "موضوع بهذا التمام. أخرجه عبدالرزاق في كتابه «الجامع» المطبوع في آخر «المصنف» (11/423 - 424) قال: عن معمر عن إسماعيل بن أبي سعيد: أن عكرمة مولى ابن عباس أخبره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ... فذكره. قلت: وهذا مع إرساله موضوع، ولوائح الصنع والوضع عليه ظاهرة؛ آفته إسماعيل بن أبي سعيد هذا - وهو: (إسماعيل بن شروس الصنعاني) -: بيض له ابن أبي حاتم، وأما البخاري؛ فقال في «التاريخ» (1/1/359): قال عبدالرزاق عن معمر: كان يثبّج الحديث". وعلق عليه الشيخ عبدالرحمن اليماني رحمه الله بقوله: [هكذا في الأصلين، وبهامش (كو): أي: لا يأتي به على الوجه. أقول: وفي «الميزان» و«لسانه» عن ابن عدي حكاية هذه الكلمة عن البخاري بلفظ: «يضع»، فلزم من ذلك ما لزم. والله المستعان]. قلت: كأنه رحمه الله يشير إلى عدم اطمئنانه لتفسير الكلمة بالوضع، وقد يكون له وجه من الناحية العربية، ولكن نحن المتأخرين لا يسعنا إلا أن نقبل تفسير المتقدمين لأعلميتهم، ما لم يكن هناك ما يدل على خطئهم، فكيف إذا كان هناك من رواه بلفظ الوضع؟! فقد روى ابن عدي في «الكامل» (1/320) عن البخاري قال: «قال عبدالرزاق: قال معمر: كان يضع الحديث». ولعل الأقرب إلى هذا المعنى: ما رواه ابن عدي بسنده عن أحمد: حدثنا عبدالرزاق قال: قلت لمعمر: ما لك لم تكثر عن ابن شروس؟ قال: «كان ينتج الحديث»، فإنه بمعنى الوضع - كما هو ظاهر-. ويبدو أن الحافظ الذهبي الذي ذكر في «الميزان» رواية عبدالرزاق المتقدمة عن معمر قال: «كان يضع الحديث». مع هذا؛ فكأنه رواه بالمعنى حين قال في ترجمة إسماعيل هذا في «المغني»: «كذاب، قاله معمر». كما يبدو أن ابن حبان لم يتبين له هذا الجرح البالغ، أو أنه لم يبلغه؛ فذكره في كتابه «الثقات» (3/31) برواية معمر عنه! وكذلك فعل ابن شاهين؛ فذكره في «تاريخ أسماء الثقات»، وقال (10/51): "ثقة من أهل اليمن" انتهى.

وقال محمد عوّامة في مقدمته على «الكاشف» للذهبي (1/163): "وقد تحرفت هذه الكلمة على ابن عدي - على تقدمه في هذا الفن -. فقد روى في «الكامل» 1: 314 كلام البخاري هذا عن شيخه تلميذ البخاري: ابن حماد - وهو الدولابي صاحب «الكنى» - وجاء عنده هذا اللفظ: «قال معمر: كان يضع الحديث»!!".

وأثبت أبو غدة في تحقيقه لكتاب ابن حجر «لسان الميزان» (2/133) (1179): "كان يُنْتج الحديث"!

وعلّق في الحاشية بقوله: "هكذا في (ص) وعُلِّق في الحاشية: «يُنْتج – أي يُولِّدُ». وجاء في «التاريخ الكبير» «يُثبِّجُ»، وعلَّق عليه المُعلّمي فقال: «أي: لا يأتي به على الوجه. وفي الميزان ولسانه عن ابن عدي حكاية هذه الكلمة عن البخاري بلفظ (يَضَعُ) فلزم من ذلك ما لزم، والله المستعان». انتهى. قلت: فيكون لفظُ «يُنتجُ» تحريفاً عن «يُثبِّجُ»، وتفسيرُ بـ «يُولِّدُ» مبني على ظنِّ سلامته من التحريف، وليس كذلك. وكذا لفظ «يَضع» فإنه محرَّفٌ أيضاً عن «يُثبِّج»، وقول الذهبي في «المغني»: «كذاب، قاله معمر» نقلٌ بالمعنى، اعتماداً على لفظ (يَضع) المحرّف من «الكامل» لابن عدي!! فليتنبه لذلك، فإن التحريف في هذه الكلمة قديمٌ وشديد".

ثم أحال أبو غدة على كلام عوامة في مقدمته على كتاب «الكاشف».

قلت: لم يتحرّف على ابن عدي، وقد وقع عنده على الصواب.

قال ابن عدي: سمعتُ ابن حمّاد يقول: قال البُخاري: "إسماعيل بن شروس أَبو المقدام الصنعاني يروي عن يَعلَى بن أمية، قال عَبدالرَّزَّاق: قال معمر: كان يُثَبِّجُ الحديث".

ثم ساق عن إسحاق بن إبراهيم بن يُونُس، قال: حَدثنا أَبو بكر الأثرم، قال: حَدثنا أحمد بن حنبل، قال: حَدثنا عَبدالرَّزَّاق، قال: قلتُ لمعمر: مالك لَم تكثر عن ابن شروس؟ قال: "كان يُثَبِّجُ الحديث".

وقد نقل ابن قُطْلُوبُغَا الحَنَفِي في «الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة» (2/382) قول ابن عدي على الصواب، فقال: "وقال ابن عدي: قال البخاري: قال معمر: «كان يُثَبِّجُ الحديث». قلت: الذي في «تاريخ البخاري»: قال عبدالرزاق عن معمر: كان شيخ الحديث".

قلت: فهذا يدل على أنه كان في بعض نسخ كتاب ابن عدي على الصواب، وتحرّف في بعضها، كما تحرّف هذا اللفظ في بعض نسخ تاريخ البخاري كما حصل هنا في الكتاب الذي اعتمده ابن قُطْلُوبُغَا، فتحرف اللفظ إلى «شيخ»!

ففي كلا الموضعين عند ابن عَدي: «يُثبّج»، والتحريف وقع من بعض النسخ لا من ابن عدي نفسه. وبسبب هذا التحريف نقل ابن الجوزي والذهبي عن معمر أنه قال فيه: "كان يضع الحديث"! فنسبوا لمعمر أنه اتّهمه بالوضع، وهذا ليس بصحيح.

فابن عدي نقل ما سمعه من شيخه الدَّوْلاَبي من قول البخاري الذي نقله عن معمر، ثم ساق ذلك بالإسناد من طريق أحمد عن عبدالرزاق عن معمر لإثبات هذه اللفظة «يُثبّج»، ولو كانت تحرّفت عليه «يضع» لما اتسق مع ما نقله بعدها لتباين المعنى بينهما! وبسبب التحريف في بعض نسخ «الكامل» ذهب ابن الجوزي والذهبي وغيرهما إلى أن معنى «يُثبّج» في إسناد أحمد ما جاء فيما نقله ابن عدي عن البخاري من قول معمر «يضع»! وهذا لا يستقيم فهماً ولا لغة! وينقضه أيضاً سؤال عبدالرزاق لمعمر في السبب عن عدم إكثاره عن ابن شروس؟ = يعني أنه روى عنه، لكنه لم يُكثر، فهل لو كان معنى «يُثبّج» هنا الوضع هل كان ليروي عنه؟! وهل يُقال فيمن يضع الحديث: لم أكثر عنه؛ لأنه يضع؟!! فالذي يضع الحديث لا يروي عنه الأئمة من أمثال معمر أصلاً.

ولو قلنا بأن مَعمراً قصد بهذا اللفظ أنه «يضع» لكان كلّ أهل صنعاء عنده من الوضّاعين إلا خلاّد بن عبدالرحمن!

قال ابن أبي خيثمة في «التاريخ الكبير» (1/322) (1179): حَدَّثَنا أَحْمَدُ بنُ حنبل، عَنْ عَبْدالرَّزَّاق، قَالَ: قَالَ مَعْمَر: "ما رأيت أحدًا بصنعاء إِلا وهو يُثَبِّح الحَدِيْث؛ إِلا خلاد بن عَبْدالرَّحْمَن".

فإن كان معنى «يُثبج»: «يضع» = فهذا يعني أن أهل صنعاء كانوا يضعون الحديث إلا خلاد بن عبدالرحمن! وهذا لا يقوله عاقل!

فمعمر كان يستخدم هذه اللفظة في وصف رواة أهل صنعاء؛ لأنهم لم يكونوا يحفظون الحديث على وجهه، ويُفسر ذلك ما رواه ابن أبي حاتم في تقدمة «الجرح والتعديل» (3/365) عن صالح بن أحمد، عن علي بن المديني، قال: سمعت هشامًا - يعني: ابن يوسف - قال: قال مَعمر: "لقيت مشيختكم فلم أرَ منهم أحدًا يكاد أن يحفظ الحديث إلا خلاد بن عبدالرحمن بن جُنْدَة".

فاسثناء معمر خلاد بن عبدالرحمن من أهل صنعاء الذين يثبجون الحديث يعني أنه كان يحفظ حديثه.

ولهذا قال الذهبي في ترجمته من «تاريخه» (3/404) (88) - وقد ذكره في طبقة من مات بين سنة (121 - 130هـ): "وثقه أبو زرعة، ووصفه مَعْمَرٌ بالحفظ".

وذكره (3/639) (64) في طبقة من مات بين سنة (131 - 140هـ) وقال: "وَثَّقَهُ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ، وَأَثْنَى مَعْمَرٌ عَلَى حِفْظِهِ".

وقال ابن حجر في «التقريب» (ص: 196) (1764): "خلادُ بن عبدالرحمن الصنْعاني، الأبْنَاويُّ، بفتح الهمزة وسكون الموحدة بعدها نون: ثقة حافظ".

وقد أورد الكعبي المعتزلي قول معمر هذا في كتابه «قبول الأخبار ومعرفة الرجال» (2/161) قال: "باب ما قيل في محدثي أهل صنعاء"، ثم نقل عن ابن حنبل، قال: حدثنا عبدالرزاق، قال: قال معمر: "ما رأيت أحدًا بصنعاء إلّا وهو ينتج الحديث إلّا خلاد بن عبدالرحمن".

كذا وقع كما في المطبوع: «يُنتج»! وكأنها تحرّفت عليه، فأوردها في كتابه هذا الذي أراد فيه الطعن على أهل الحديث - قبّحه الله -.

فهذه اللفظة «يُثبِّج» تتعلق بالحفظ، وقد استخدمها الإمام أحمد أيضاً.

قال أبو داود في «سؤالاته لأحمد» (ص: 153) (533): وقِيْلَ لأَحْمَد: فَرَوْحٌ؟ قَالَ: "رَوْحٌ لم يكن به بأس، لم يكن متهمًا بشيء من هذا" - وكان جرى ذكر الكذب. وسَمِعْتُ أَحْمَد، قِيْلَ له: رَوْحٌ أَحَبَّ إِلَيْكَ، أو أبو عاصم؟ قَالَ: "كان رَوْح يُخرج الكتاب، وأبو عاصم يُثبج الحَدِيْث".

قلت: يعني أن رَوح بن عُبادة البصري (ت205هـ) عندما كان يُحدّث فيخرج كتابه ويُحدِّث منه، وأبو عاصم النبيل (ت212هـ) كان يُحدّث من حفظه، فلا يأتي بالحديث كما هو بخلاف من يُحدّث من كتابه ويأتي به على وجهه.

وقال عبدالله بن أحمد في «العلل ومعرفة الرجال» (1/369) (709): قُلْتُ لِأَبِي: حَدِيثُ عَاصِمِ بنِ كُلَيْبٍ حَدِيثُ عَبْدِاللَّهِ؟ قَالَ: حَدَّثَنَاهُ وَكِيعٌ فِي الجَمَاعَةِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمِ بنِ كُلَيْبٍ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: قَالَ ابن مَسْعُود: «أَلا أُصَلِّي بكم صَلَاة رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»؟ قَالَ: "فَصَلَّى فَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إِلَّا مَرَّةً".

حَدثنِي أبي قَالَ: حدّثنَاهُ وَكِيع مرّة أُخْرَى بِإِسْنَادِهِ سَوَاء، فَقَالَ: قَالَ عبدالله: «أُصَلِّي بكم صَلَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم»، فَرفع يَدَيْهِ فِي أول مرة.

حَدثنِي أبي قَالَ: حَدثنَا أَبُو عبدالرَّحْمَن الضَّرِير قَالَ: "كَانَ وَكِيع رُبمَا قَالَ يَعْنِي - «ثمَّ لَا يعود»"، قَالَ أبي: "كَانَ وَكِيع يَقُول هَذَا من قبل نَفسه – يَعْنِي: «ثمَّ لَا يعود»".

وقال أحمد مرة: "حديث وكيع صحيح إلا هذِه اللفظة - زيادة: «ثمَّ لَا يعود»!

وقال مرة: "وَكِيع رجل يثبج الحَدِيث؛ لِأَنَّهُ يحمل على نَفسه فِي حفظ الحَدِيث".

وقد ضعّف أبو داود هذه اللفظة، وجاء في بعض النسخ من كتابه «السنن»: "أَنه مُخْتَصر من حَدِيث طَوِيل، وقَالَ: وَلَيْسَ بِصَحِيح على هَذَا اللَّفْظ".

نقل هذا ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» (3/365) ثم قال: "وَالَّذِي توهمه أَبُو دَاوُد: من أَنه مُخْتَصر، قد بَين متوهمه من ذَلِك فِي كِتَابه، بإتباعه إِيَّاه حَدِيث ابن إِدْرِيس، وَرِوَايَته لَهُ عَن عَاصِم بن كُلَيْب.

قَالَ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا عُثْمَان بن أبي شيبَة، قَالَ: حَدثنَا وَكِيع، عَن سُفْيَان، عَن عَاصِم بن كُلَيْب، عَن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود، عَن عَلْقَمَة قَالَ: قَالَ عبدالله بن مَسْعُود: «أَلا أُصَلِّي بكم صَلَاة رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم»؟ قَالَ: فصلى فَلم يرفع يَده إِلَّا مرّة.

قَالَ أَبُو دَاوُد: هَذَا الحَدِيث مُخْتَصر من حَدِيث طَوِيل، وَلَيْسَ هُوَ بِصَحِيح على هَذَا اللَّفْظ. حَدثنَا عُثْمَان بن أبي شيبَة، قال: حَدثنَا عبدالله بن إِدْرِيس، عَن عَاصِم بن كُلَيْب، عَن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود، عَن عَلْقَمَة، قَالَ عبدالله: «علمنَا رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َالصَّلَاة: فَكبر وَرفع يَدَيْهِ، فَلَمَّا ركع، طبق يَدَيْهِ بَين رُكْبَتَيْهِ، قَالَ: فَبلغ ذَلِك سَعْدا فَقَالَ: صدق أخي، قد كُنَّا نَفْعل هَذَا، ثمَّ أمرنَا بِهَذَا - يَعْنِي الْإِمْسَاك على الرُّكْبَتَيْن-».

فَمن هنا زعم أَبُو دَاوُد أَنه اختصر حَدِيث وَكِيع، فتثبج مَعْنَاهُ".

قلت: يعني أنه خلط فيه، وأدخل فيه ما ليس منه.

وهذا هو معنى تثبيج الحديث = فالراوي لا يأتي بالحديث على وجهه، فقد يضطرب فيه ويخلّط.

قال ابن فارس في «مقاييس اللغة» (1/400): "فَأَمَّا قَوْلُهُمْ: ثَبَّجَ الكَلَامَ تَثْبِيجًا فَهُوَ: أَنْ لَا يَأْتِيَ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ. وَأَصْلُهُ مِنَ البَابِ؛ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ يَجْمَعُهُ جَمْعًا فَيَأْتِي بِهِ مُجْتَمِعًا غَيْرَ مُلَخَّصٍ وَلَا مُفَصَّلٍ".

قلت: وهذا ينطبق على ما فعله وكيع من إدخاله لفظ «ثمَّ لَا يعود» في الحديث، فجمعه فيه، ولم يُفصّل بين ما صح في الحديث، وهذه اللفظة التي ليست منه.

ومن معاني التثبيج: الاضطراب، والتخليط، وعدم الإتيان بالكلام على وجهه الصحيح.

قال أبو منصور الأزهري الهروي في «تهذيب اللغة» (11/19): "والثَّبَجُ: اضْطِرَاب الكَلَام وتفْنينُه، والثَّبَجُ: تَعْمِيَةُ الخَطِّ وتَرْكُ بيانِه. وَقَالَ اللَّيْث: الثَّثْبيجُ: التَّخْليط".

وقال ابن سِيده في «المحكم والمحيط الأعظم» (7/374): "وثَبَّجَ الْكَلَام: لم يَأْتِ بِهِ على وَجهه".

وقال ابن منظور في «لسان العرب» (2/220): "وثَبَّجَ الكتابَ والكلامَ تَثْبيجاً: لَمْ يُبَيِّنْهُ؛ وَقِيلَ: لَمْ يأْت بِهِ عَلَى وَجْهِهِ. والثَّبَجُ: اضطرابُ الكَلَامِ وتَفَنُّنُه".

وعليه فتثبيج الحديث ليس معناه وضع الحديث كما فهمه غالب المعاصرين الذين تابعوا ابن الجوزي والذهبي على ذلك!

والأنكى أن صاحب كتاب «شفاء العليل بألفاظ وقواعد الجرح والتعديل» - أبا الحسن المأربي - جعل لفظة «يُثبج» في «المرتبة السادسة من مراتب التجريح»، وهي عنده: "أردأ مراتب التجريح وأهلها لا خير فيهم والعياذ بالله"!

قال في ذلك الكتاب (1/286): "وقولهم: «كان فلان يثبج الحديث»، «وثبج بالثاء المثلثة والباء الموحدة الكتابَ والكلامَ تثبيجاً: لم يُبينه، وقيل: لم يأت به على وجهه، والثبيج: اضطراب الكلام وتفننه، والثبج: تعمية الخط وترك بيانه، قال الليث: التثبيج التخليط» (2/220) «اللسان». وهذا اللفظ دليل على الكذب، فقد قال معمر في إسماعيل بن شروس الصنعاني: كان يثبج الحديث - أي يضعه - (1/234) «الميزان»، وفي «الكامل» لابن عدي قال معمر: «كان يضع الحديث، وقال عبدالرزاق: قلت لمعمر: ما لك لم تكثر عن ابن شروس؟ فقال: كان ينتج الحديث» (1/314) هكذا بالنون والمثناة الفوقية، أي يولّد الأحاديث ويفتعلها، وفي حاشية على «التاريخ الكبير» للبخاري تفسير لقول معمر «كان يثبج الحديث»: «أي لا يأتي به على الوجه»".

وقال في موضع آخر من كتابه (2/51): "وهناك عبارات تدل على أن الراوي يضع ويفتري على رسول اللّه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - فمن ذلك قولهم: «فلان وضاع»، «وفلان يفتعل الحديث»، «وفلان يختلق الحديث»، «وفلان اختلق الحديث»، أو «الحديث الفلاني مما عملته يدا فلان»، «وفلان ينتج الحديث» بالنون والمثناة الفوقية، «وفلان يثبج الحديث» بالمثلثة والموحدة، «وفلان يولّد الحديث» إلى غير ذلك من الألفاظ التي سبق كثير منها في المرتبة السادسة من مراتب التجريح" انتهى.

وتبعه على ذلك صاحب كتاب «النفح العليل بفرائد ألفاظ الجرح والتعديل» - ماجد آل عثمان - فقال (ص: 24): "قولهم في الراوي (كان يُثَبِّجٌ الحديث): ومعناها: أنه يضع الحديث. وهذه العبارة استعملها معمر بن راشد في تجريحه لـ (إسماعيل الصنعاني). ذكر الإمام البخاري في ترجمة: (إسماعيل بن شروس الصنعاني)، عن عبدالرزاق عن معمر: أنه قال: كان يثبج الحديث".

وكذا صاحب كتاب «ضوابط الجرح والتعديل مع دراسة تحليلية لترجمة إسرائيل بن يونس» (1/108) - د. عبدالعزيز العبد اللطيف -، فإنه قال: "(يَثْبِجُ الحديث) كناية عن الوضع"!

وكذلك صاحب «شفاء التبريح من داء التجريح» (ص: 257) - عمر الحدوشي- حيث قال: "المصطلح السابع والثلاثون قولهم في الراوي: (فلان كان يثبج الحديث): هذا المصطلح- (فلان كان يثبج الحديث) -استعمله معمر بن راشد الأزدي مولاهم أبو عروة البصري الثقة الثبت- (توفي- رحمه الله تعالى-سنة:154 هـ) - في تجريح إسماعيل بن شروس - بن أبي سعد- الصنعاني أبي المقدام". ثم قال: "وأما معنى تعبيره الذي استعمله معمر بن راشد -رحمه الله تعالى- فيه، فهو أن إسماعيل بن شروس كان يضع الحديث فيكون التعبير كناية عن الوضع. ولقد خالف كل من ابن حبان وابن شاهين (أبو حفص عمر البغدادي توفي سنة:385 هـ) هؤلاء النقاد فذكراه في كتابيهما الثقات، وهذا تساهل منهما، والله أعلم". ثم قال: "وإلى هذا أشرت بقولي:

مُثبِجاً تِلْكَ الأحاديثَ بِمَكِر *** حاسِباً أفَعَاله آياتِ فِكْرِ"!!

وقال صاحب كتاب «المعجم الصغير لرواة الإمام ابن جرير الطبري» (1/52) (2954) - أكرم زيادة -: "أبو المقدام، إسماعيل بن شروس، الصنعاني، قال معمر بن راشد: «كان يضع الحديث»، وذكره ابن حبان وابن شاهين في «الثقات»".

وقال صاحب كتاب «أنيس الساري في تخريج أحاديث فتح الباري» (1/545) - نبيل البصارة -: "إسماعيل بن شروس وثقه ابن المديني، وذكره ابن حبان وابن شاهين في «الثقات»، وقال معمر بن راشد: «كان يثبج الحديث»، أي: يضعه، وذكره العقيلي في «الضعفاء»".

وقال محقق كتاب «التلخيص الحبير» (1/46) [طبعة دار الكتب العلمية]: "«كان يُثبج الحديث» هذا القول استعمله معمر بن راشد الأزدي في تجريح إسماعيل بن شروس. والثبج اضطراب الكلام وتفننه، يعني لم يؤت به على الوجه الصحيح، لكن استعمال معمر بن راشد لهذا التعبير في إسماعيل بن شروس يفيد أنه كان يضع الحديث لأن هذا التعبير كناية عن الوضع".

قلت: وكلّ ذلك خطأ بُني على تحريف في النصّ! والله المستعان.

فقاموا بتفسير «يُثبّج الحديث» بما جاء مُحرفاً عنها بـ «يَضع الحديث»، والتحريف الآخر لها «يُنتج الحديث» جعلوا هذا مصطلحاً آخر استخدمه العلماء في ذلك! بل وأورد بعضهم تفسير ذلك التحريف بأنه يولد الحديث في مصطلحات الجرح كذلك، فقال: «وفلان ينتج الحديث»، «وفلان يولّد الحديث»!!!

فإذا كان إِسْمَاعِيل بن شَرُوسٍ الصَّنْعَانِيّ يضع الحديث! فكيف يوثقه علي بن المديني؟! وابن حبان؟! وكيف يروي عنه معمر بن راشد وهو من قال إنه يُثبج الحديث!!

وكان - رحمه الله - من فقهاء اليمن.

قال الحافظ أبو العباس أحمد بن عبدالله الرازي في «تاريخ مدينة صنعاء» (ص: 97): "ولأبي المقدام إسماعيل بن شروس هذا مسجد في صنعاء باق إلى اليوم معروف"، ثم ذكره في «قُرّاء أهل صنعاء وعُبّادهم وأخيارهم وزهّادهم» (ص: 339) وقال: "وكان بها إسماعيل بن شروس، لقي أصحاب ابن عباس: عكرمة، وعطاء بن أبي رباح، ووهب بن منبه، وقرأ القرآن على عبدالله بن كثير الداري، قال: وحدثني فليح بن إسماعيل بن شروس، عن أبيه إسماعيل، وكان إسماعيل من الفقهاء، قال: قرأت القرآن على الداري، فقال لي الدّاري: إنما تقرأ القرآن بالسنة. وقد روى معمر عن إسماعيل غير حديث".

وذكره أيضاً في «أشهر فقهاء اليمن» فقال: "وكان بها سماك بن الفضل، يقال إن سماك بن الفضل، وإسماعيل بن شروس الصنعاني، وعبدالله بن طاوس اليماني، وخلّاد بن عبدالرحمن، وعبدالله بن سعيد كانوا فقهاء أهل اليمن".

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

 

وكتب: د. خالد الحايك.

16 ذو الحجة 1442هـ.

 

دُورُ الحديث
تحقيق التراث
فوائد حديثية
المناهج والنقد
مصطلح الحديث
علوم الرّجال
علل الأحاديث
فقه الحديث
المغازي والسّير
المدارس الحديثية
أسئلة وأجوبة
السرقات العلمية
متفرقات
علوم أخرى
 
   
   الاسم
  البريد الإلكتروني
البلد
  التعليق*:

 
     
 
 
 
 
     
       
         
 
الصوتيات والمرئيات  |   الكتب  |   البحوث   |   المخطوطات   |    المجلة   |    الأرشيف
جميع الحقوق محفوظة لدار الحديث الضيائية