الصفحة الرئيسية         الكتب           البحوث           المخطوطات          المجلة            راسلنا          الضيائية
 
 
 

سلسلة مناقشة البحوث العلمية (2).

 

بحث: «مخالفة الراوي لما رواه وأثره في الرواية - دراسة حديثية نقدية» للدكتورة وضحة المريّ - أستاذة الحديث بكلية الشريعة، جامعة الكويت -.




الحمد لله الذي منّ علينا بعلم الحديث، والصلاة والسلام على رسوله صاحب الحديث، وعلى آله وصحبه الذين حملوا إلينا الحديث، ومن تبعهم ممن اشتغل به في القديم والحديث، وبعد:

فهذا لقاء آخر في هذه السلسلة المباركة - إن شاء الله- التي نُناقش فيها بعض البحوث الحديثية المعاصرة لبيان بعض إشكاليات البحوث العلمية في هذا العلم الشريف وضعف كثير منها وخلوه من العمق أو التحرير أو الأمانة العلمية، والله المستعان.

هذا البحث الموسوم بـ «مخالفة الراوي لما رواه وأثره في الرواية – دراسة حديثية نقدية» للدكتورة وضحة عبدالهادي عبدالرحمن المري، وقد نُشر في مجلة جامعة الكويت، العدد 116، السنة 34، جمادى الثاني 1440هـ - مارس 2019م.

عنوان البحث حقيقة عنوان جميل يشدّ الانتباه، وهو يعالج مسألة مهمة جداً في علم الحديث، لكن هل وُفقت الباحثة في معالجة هذه المسألة أم أنها حادت عن الطريق الصحيح لمعالجتها؟!

إن كثيراً من البحوث العلمية تكون العناوين فيها جذّابة يسيل لها لُعاب طالب العلم، لكن ما إن يبدأ بقراءتها حتى يضرب كفاً بكف ويقول: يا ليت هذا البحث لم يتعرض لهذه المسألة فقد دمّرها!

والعتب في هذا كله على المُحَكّمِين الذين يُحكّمون هذه البحوث! وقد زاملنا كثيرا منهم فوجدنا منهم من يعطي البحث لطالب من طلاب الماجستير بل البكالوريوس لينظر فيه ويعطيه بعض التعليقات ثم يرفعها باسمه! وإن عُرف السبب بَطل العَجب، ففاقد الشيء لا يُعطيه! والمهم عند هؤلاء هو زيادة عدد البحوث التي حكمها أو أشرف عليها أو ناقشها في سيرته الذاتية! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

فهذا البحث فيه اضطراب شديد بدءًا من عنوانه وانتهاء بنتائجه!

والباحثة طرقت عنوانًا مشهوراً في كتب أهل العلم، وفيه رسائل علمية أشارت إلى بعضها في مقدمة بحثها، وحتى تخرج من عهدة التوافق معهم في هذا البحث قيّدت عنوانها بأنه "دراسة حديثية نقدية"؛ لأن بعض الدراسات التي أشارت إليها قيدت ذلك في الناحية الأصولية، كرسالة الباحث محمود عبدالرحمن عبدالمنعم والموسومة بـ «مخالفة الراوي لما رواه - دراسة أصولية مع بيان أثرها في مجالات الفقه المختلفة».

وقولها: "دراسة حديثية نقدية" = تعني أنها ليست دراسة أصولية، بل حديثية، وليست حديثية فقط، بل نقدية!

ولكن في صُلب البحث لم نجد للمحدثين كلامًا حول هذه المسألة أو أي نقد! فهي مسألة أصولية بحتة؛ لأنها تتعلق بالعمل، وكون الراوي له رواية وخالف العمل بها لا يعني أنها تدخل مباشرة في عمل المحدثين، ولهذا نرى أن أكثر من تكلم على هذه المسألة أهل الأصول والفقه.

وارتباط هذا البحث حديثياً ألصق بمسألة "إعلال الأحاديث بخلاف ما ثبت عن الراوي"، والأمثلة التي جاءت بها الباحثة في الدراسة التطبيقية هي من هذا الباب، وإن كانت هذه الأمثلة لا علاقة لها بأصل عنوان الباحثة على ما سنفصله بعد - إن شاء الله تعالى -.

والأليق بعنوان الباحثة هي الدراسة الأولى التي ذكرتها في بحثها للباحث د. عادل المطرفي الموسومة بـ «منهج المحدثين في الإعلال بمخالفة الراوي لما روى»، فالأمثلة التطبيقية التي ذكرتها هي من هذا الباب، ولا شك أن العادة جرت في ذكر الدراسات التطبيقية لتكون تطبيقاً لما تم تنظيره قبل ذلك، وعليه فيكون هذا البحث هو في إعلال المحدثين للروايات بمخالفة الراوي لما ثبت عنه في عمله، والدراسة النظرية عندها كانت أصولية بامتياز حيث ذكرت في المبحث الثاني: "الدراسة النظرية في مسألة مخالفة الراوي الفقيه لما رواه"، ثم ذكرت مذاهب العلماء في ذلك.

فحقيقة لا جديد في هذا البحث وإن زعمت الباحثة بقولها تحت عنوان: "الإضافة العلمية لهذا البحث": "قلة الدراسات السابقة خصوصاً في المنهج الحديثي التطبيقي في مقابل أهمية هذه القرينة في نقد المرويات، حيث إن أغلب الدراسات السابقة إما دراسات أصولية، أو دراسات حديثية اهتمت بالجانب النظري أكثر من الجانب التطبيقي في هذه المسألة".

أقول: قولها: "أهمية هذه القرينة في نقد المرويات" يدل على أن بحثها في مسألة إعلال المرويات بخلاف ما ثبت عن الراوي من عمله، فهو إذن مثل دراسة المطرفي وهي رسالة علمية، فلم هذا البحث إذن؟! وما الجديد فيه؟

ثم قالت تحت العنوان المذكور: "ضرب أمثلة تطبيقية جديدة لم ترد في الدراسات السابقة، وهذا مما يثري الساحة العلمية بأمثلة قلّ من تطرق لها بالبحث والدراسة".

أقول: وهذه الأمثلة أيضاً تدل على أن البحث في مسألة إعلال الروايات بما ثبت من عمل الراوي.

وقولها: «إن هذه (الأمثلة الجديدة) تثري الساحة العلمية وقل من تطرق إليها بالبحث والدراسة» فهذا يكون معتبراً لو كانت هذه الأمثلة حقيقية! فكيف إذا كانت من رواية الهلكى!

ثم تابعت القول في ذكر الإضافات في بحثها: "تسليط الضوء على أهم القواعد الحديثية التي تحكم قرينة مخالفة الراوي لنقد المرويات، وهذا القواعد لم يتطرق لها في أي من الدراسات السابقة".

أقول: عادت الباحثة لمسألة نقد المرويات في مخالفة الراوي لما روي عنه، والقواعد التي ذكرت أن أحداً لم يتطرق إليها في الدراسات السابقة مما ذكرته هي لا تُعدّ قواعدا أصلا على ما سأبينه في مكانه إن شاء الله، ولا علاقة لما سمته بالقواعد في مسألة نقد المرويات في هذا الباب.

وختمت الباحثة العنوان السابق بقولها: "تسليط الضوء على منهج المحدثين في استخدام هذه القرينة حيث يستخدمونها أحيانًا، ويتركون العمل بها في أحيان أخرى بحسب ما يظهر لهم من قرائن".

أقول: لم أر في بحثها منهجاً للمحدثين في استخدام هذه القرينة! ولم تبين متى يستخدمها المحدثون ومتى يتركون العمل بها، وما ضوابط ذلك عندهم؟

عدا عن التوفيق في الإتيان بعبارات أهل الحديث! فكلمة "يستخدمون" كان الأولى بأن يقال مكانها: "يُعملون" مثلاً.

والباحثة تتكلم عن قرينة، ثم تقول إن المحدثين يتركون العمل بها بحسب ما يظهر لهم من قرائن أخرى! فتُترك القرينة لقرينة أخرى!! فكيف هذا؟ وهل هنا نُعمل العمل بقوة القرائن ونحو ذلك؟!

وفي "إشكالية الدراسة" قالت الباحثة أن بحثها جاء للرد على الأسئلة التالية:

"ما المقصود بمخالفة الراوي؟ ومن الراوي الذي يؤخذ بمخالفته في نقد الحديث؟ وما ضوابط الحكم وقواعده بهذه القرينة عند علماء الحديث؟ ومتى يصح ومتى لا يصح العمل بهذه القرينة؟"

أقول: ما يُعبر عنه في الدراسات المعاصرة بـ "إشكالية الدراسة" = يعني أنَّ ثَمَّ مشكلة ما في قضية أو مسألة ما بحاجة إلى حلّ للخروج من هذه الإشكال، فهل هذه الأسئلة التي طرحتها الباحثة هنا تُعدّ من الإشكالات؟!

بل إن ما طرحته في بعض الأسئلة بعيد كل البعد عن مضمون البحث! والظاهر أن كلمة "النقد" هي ما أوقع الباحثة في هذا!

وقد لاحظت أن جُلّ المشتغلين بالحديث يُقحمون أنفسهم في مسائل النقد الحديثي؛ لأن هذا له تعلق بعلل الحديث وهو أخطر علوم الحديث، وتقحم هذا العلم الخطير قلل من هذا الشأن العظيم وهو "علم النقد" الذي كان فرسانه يُعدون على الأصابع في تاريخ الأمة، ولا يجرؤ أي أحد على الخوض في غماره، لكننا الآن في زمن "الشهادات" التي سمحت لكل أحد أن يخوض هذا الغمار بحيث يحسب بعضُهم نفسه قد أصبح علامة زمانه في النقد الحديثي! والله المستعان.

وكلام الباحثة لا رابط بينه ولا مفهوم له!

فقولها: "ومن الراوي الذي يؤخذ بمخالفته في نقد الحديث؟" عبارة لا علاقة لها بما في البحث من مخالفة أو نقد!!

وأين ضوابط الحكم بهذه القرينة عند علماء الحديث؟!

ولم أرها بينت متى يصح العمل بهذه القرينة ومتى لا يصح؟!!

وقد ذكرت الباحثة بعض الدراسات السابقة في هذا الموضوع، وهي:

"«- منهج المحدثين في الإعلال بمخالفة الراوي لما روى» لعادل بن سعد المطرفي - رسالة ماجستير.

- بحث «مخالفة الراوي لما رواه» للدكتور محمد بازمول.

- «حكم الاحتجاج بخبر الواحد إذا عمل الراوي بخلافه» لعبدالله بن عويض لمطرفي - رسالة ماجستير.

- «مخالفة الراوي لما رواه» دراسة أصولية مع بيان أثرها في مجالات الفقه المختلفة، للدكتور محمود عبدالرحمن عبدالمنعم.

- «مخالفة الراوي لما روى» للدكتور أنس الكساسبة".

أقول: الأصل في الباحث أنه يُبيّن ما سيميز بحثه عمن سبقه، وما الجديد الذي سيقدمه حتى لا يكون تكرار في البحث، لكن الباحثة لم تتعرض لذلك أبداً، بل ولم نجدها أنها أشارت إلى هذه البحوث والدراسات في دراستها أبداً! وهذا غريب جداً!

ومما فات الباحثة في هذا الباب من الدراسات:

- «مخالفة الصحابي للحديث النبوي الشريف» - دراسة نظرية تطبيقية للدكتور عبدالكريم النملة، وقد نشرها سنة 1415هـ، وقد طبع في مكتبة الرشد، الرياض سنة 1420هـ - 1999م، الطبعة الثانية.

- بحث «حكم عمل الراوي وفتياه بخلاف ما روى وأثره في اختلاف الفقهاء» للدكتور عبدالحق بدير.

·       المناقشة التفصيلية:

أولاً: مفهوم مخالفة الراوي لما رواه:

بدأت الباحثة بهذا المبحث "مفهوم مخالفة الراوي لما رواه" ثم عرّفت معنى "المخالفة" لغة، ثم معنى "مخالفة الراوي" في الاصطلاح!

وقد جرت العادة عند الباحثين المعاصرين في رسائلهم وأبحاثهم أن يعرفوا المصطلحات لغة واصطلاحاً، وهذا أمر جيد في البحث العلمي، لكن هذا ينطبق على بعض المفردات للوصول إلى معنى جامع مانع للمصطلح الذي نتحدث عنه.

أما في هذا البحث فليس الأمر كذلك؛ لأن المعالجة هنا لمسألة حديثية لا لمصطلح حديثيّ، ولهذا لم يتكلم عليه أهل العلم كمصطلح!

ولأن الباحثة عاملته كمصطلح صرّحت بأنها لم تجد من عرّف «مخالفة الراوي لما رواه» بتعريف اصطلاحي جامع بحسب ما وقفت عليه من المصادر والدراسات المعاصرة!

وهذا ليس بصحيح! فالدكتور عبدالكريم النملة عرّف ذلك، فإنه تكلم أولاً على معنى المخالفة لغة بإسهاب لا طائل تحته، ثم قال (ص29) تحت عنوان "المراد بالمخالفة هنا": "المراد بمخالفة الصحابي - رضي الله عنه - للحديث النبوي الشريف هو: ما يقوله الصحابي أو يفعله، أو يُفتي به مضاداً بذلك، أو مغايراً، أو مُناقضاً لما دل عليه الحديث النبوي الشريف".

ثم قال: "أو نقول بعبارة أخرى: إن المراد بالمخالفة هنا: أن يدل الحديث الشريف على معنى معين أو راجح، ثم يفعل الصحابي أو يقول أو يفتي بما يضاد، أو يناقض، أو يغاير ذلك المعنى المعيَّن أو الراجح".

وقد نبّه الدكتور النملة في آخر الكتاب وفي الخاتمة (ص 238 وما بعدها) إلى بعض ما يخرج من هذا التعريف وهو ما صرّح فيه الصحابي بأن الحديث منسوخ، أو إذا حمل الحديث على أحد محمليه إذا كان له معنيان محتملان متساويان.

ولأن الباحثة لم تجد تعريفاً لهذا المصطلح - بزعمها - اجتهدت في الوصول إلى معنى اصطلاحي لهذا فساقت بعض كلام أهل العلم في حديثهم عن هذه المسألة.

قالت الباحثة: "قال الخطيب البغدادي - رحمه الله - (ت463) عند كلامه على هذه المسألة: (إذا روى رجلٌ عن شيخ حديثاً يقتضي حُكماً من الأحكام، فلم يعمل به...).

وقال العيني - رحمه الله - (ت855): (أنّ الصحابي إذا روى شيئاً، ثم أفتى بخلافه...).

وقال ابن القيم - رحمه الله - (ت751): (فغاية هذا أن يكون الصحابي قد أفتى بخلاف ما رواه).

وقال الحافظ ابن رجب - رحمه الله – (ت759): (قاعدة في تضعيف حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه).

قلت: يمكن استخراج تعريف جامع من كل ما سبق من أقوال العلماء في هذه المسألة فيكون:

«مخالفة الراوي لما روى»: أنْ يروي الراوي - صحابياً كان أو تابعي - حديثاً يشتمل على حكم شرعي لازم العمل، ثمّ يخالفه ذلك الراوي مخالفة حقيقية"..

قلت: هكذا اعتمدت الباحثة على ما نقلت من أقوال لأهل العلم للوصول إلى هذا التعريف الاصطلاحي الجامع في نظرها!

فجعلت المصطلح «مخالفة الراوي لما روى» وهو حقيقة مسألة حديثية لا مصطلحاً! وعممت في عنوان المصطلح ثم قيّدته في التعريف، عممت بقولها "الراوي" ثم خصصته بأن يكون صحابياً أو تابعياً، وهذا لا يكون في التعريفات!

فالراوي لفظ عام يدخل فيه كل من روى سواءٌ أكان صحابياً أم تابعياً أو من دونهما، وكان ينبغي أن تقول: "مخالفة الصحابي أو التابعي لما روى".

ثمّ إن كلام العلماء الذي نقلته واعتمدت عليه في التعريف لا يخصص ذلك بالصحابي أو التابعي، بل هو عام.

فالخطيب بوّب في كتابه «الكفاية»: "بَاب القَوْلِ فِيمَنْ رَوَى عَنْ رَجُلٍ حَدِيثًا ثُمَّ تَرَكَ العَمَلَ بِهِ هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ جَرْحًا لِلْمَرْوِيِّ عَنْهُ؟ إِذَا رَوَى رَجُلٌ عَنْ شَيْخٍ حَدِيثًا يَقْتَضِي حُكْمًا مِنَ الْأَحْكَامِ، فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَرْحًا مِنْهُ لِلشَّيْخِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَرَكَ العَمَلَ بِالخَبَرِ لِخَبَرٍ آخَرَ يُعَارِضُهُ، أَوْ عُمُومٍ، أَوْ قِيَاسٍ، أَوْ لِكَوْنِهِ مَنْسُوخًا عِنْدَهُ، أَوْ لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّ العَمَلَ بِالقِيَاسِ أَوْلَى مِنْهُ، وإِذَا احْتَمَلَ ذَلِكَ لَمْ يُجْعَلْ قَدْحًا فِي رَاوِيهِ".

ثم مِثْل لهَذَا بحديث مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَّ قالَ: «المُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، إِلَّا بَيْعَ الخِيَارِ».

قال الخطيب: "فهَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ ولَمْ يَعْمَلْ بِهِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ رَأَى أَهْلَ المَدِينَةِ عَلَى الْعَمَلِ بِخِلَافِهِ، فَلَمْ يَكُنْ تَرْكُهُ العَمَلَ بِهِ قَدْحًا فِي نَافِعٍ".

أقول: ههنا مسألة: رواية الراوي لحديث عن شيخ وتركه العمل بهذا الحديث كما فعل مالك.

والمسألة الأخرى التي تتكلم عنها الباحثة وهي ما يرويه الصحابي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نجد له فتوى بخلاف ما ثبت من روايته.

ولأن الباحثة خصصت ذلك بالصحابي والتابعي قالت: "ما يخرج من التعريف الاصطلاحي: ما كانت المخالفة فيه من غير الصحابي أو التابعي؛ فيخرج من ذلك غيرهم:

قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - (ت852): (وقد خصَّ كثيرٌ من محققي أهل الأصول الخلاف المشهور فيما إذا عمل الراوي بخلاف ما روى بـ «الصحابة» دون من جاء بعدهم).

وقال ابن حزم - رحمه الله - (ت456) رداً على من طعن بمخالفة غير الصحابي: (وكنا نظنّ أنّ لهم بعض العذر إذ يحتجون بترك «الصاحب» لما روى حتى...).

خالف في ذلك: فقهاء الحنفية، فقد عمموا المخالفة بالصحابة وغيرهم من رواة السند، وإمام الحرمين الجويني - رحمه الله - (ت478)، وابن القشيري - رحمه الله - (ت514).

قلت: لا شك أن تخصيص المخالفة بالصحابي والتابعي أولى من إطلاقها في جميع الرواة، وبالنظر في تصرفات النقاد نجدهم أعلّوا بعض الأحاديث لمخالفة التابعي لها في فتواه إذا كان من أئمة الفقه، فتبيّن أنّ إدخال التابعي في مخالفة الراوي أولى من تخصيص المخالفة بالصحابي فقط؛ وذلك لقربه من الصحابي". انتهى كلام الباحثة.

أقول:

كلام ابن حجر - رحمه الله - كان عند حديثه عن الحديث المتقدم الذي ذكره الخطيب لرواية مالك له، وكونه قال بأن أكثر محققي الأصول جعلوا ذلك في الصحابة فهذا لا يعني الاقتصار عليه.

ثم كيف تعتمد الباحثة على قول أهل الأصول هنا، ولا تذكر كلام أهل الحديث!! أليست دراستها لهذه المسألة "حديثية نقدية"؟! فأين كلامهم في أن هذا يختص بالصحابة؟!

ثم هي نفسها خالفت ما كان عليه أكثر الأصوليين بإدخالها التابعين في ذلك! واعتمدت في ذلك بأن تصرفات النقاد قد أعلوا بعض الأحاديث لمخالفة التابعي لها في فتواه إذا كان من أئمة الفقه!

وهذا ليس بدليل في تخصيص التابعين في ذلك، فالنقاد أعلوا هذه الأحاديث لمخالفة عمل الراوي (التابعي) لها لا لأنه من التابعين، فهم يدخلون مع غيرهم في هذه المسألة.

وكان ينبغي على الباحثة الإتيان ببعض الأمثلة التي هي من تصرفات النقاد في هذا التعليل.

ثم هي هنا قد ناقضت شرطها في البحث ومحتواه، فاعتمدت على مسألة إعلال النقاد لبعض الأحاديث بمخالفة ما ثبت عن الراوي من فتوى، وهذا يدخل في العلل، وهي القاعدة التي ذكرها ابن رجب ونقلتها عنه الباحثة فيما تقدم، وهذا كله يدخل في رسالة الباحث عادل المطرفي: «منهج المحدثين في الإعلال بمخالفة الراوي لما روى».

فأيّ جديد إذن في هذا البحث؟!

ثم إن الكلام الذي ساقته عن ابن حزم ليس فيه دليل على أن الخلاف فيما إذا عمل الراوي بخلاف ما روى بالصحابة!

فابن حزم كان يتكلم على مسألة في منافع الرهن.

قال في معرض رده على المخالفين: "وقَالُوا أَيْضًا: قَدْ صَحَّ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَنْتَفِعَ الرَّاهِنُ مِنْ رَهْنِهِ بِشَيْءِ؟ قَالُوا: وَهُوَ رَاوِي الحَدِيثِ، فَلَمْ يَتْرُكْهُ إلَّا لِفَضْلِ عِلْمٍ عِنْدَهُ.

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وهَذَا مِنْ أَسْخَفِ مَا يَأْتُونَ بِهِ، وَلَقَدْ كُنَّا نَظُنُّ أَنَّ فِي بِلَادِهِمْ بَعْضَ العُذْرِ لَهُمْ، إذْ يَحْتَجُّونَ بِتَرْكِ الصَّاحِبِ لِمَا روى حَتَّى أَتَوْنَا بِتَرْكِ السُّنَّةِ مِنْ أَجَلِ تَرْكِ الشَّعْبِيُّ لَهَا.

وَقَدْ أَوْرَدْنَا أَخْذَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمَا رُوِيَ مِنْ ذَلِكَ، فَلَئِنْ مَشَوْا هَكَذَا، لِيَكُونَنَّ تَرْكُ مَالِكٍ لِلْأَخْذِ بِمَا رُوِيَ حُجَّةً عَلَى الْحَنَفِيِّينَ فِي أَخْذِهِمْ بِهِ، وَلَيَكُونَنَّ تَرْكُ أَبِي حَنِيفَةَ لِمَا بَلَغَهُ مِنْ الْحَدِيثِ حُجَّةً عَلَى المَالِكِيِّينَ فِي أَخْذِهِمْ بِهِ، وَهَكَذَا سُفْلًا حَتَّى يَكُونَ تَرْكُ كُلِّ أَحَدٍ لِلْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا بَلَغَهُ حُجَّةً قَاطِعَةً فِي رَدِّهِ.

وَهَذَا مَذْهَبُ إبْلِيسَ وَمَنْ اتَّبَعَهُ، وَلَا كَرَامَةَ لِأَحَدٍ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلْ هُوَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الحُجَّةُ عَلَى الجِنِّ والإِنْسِ".

أقول: فكلام ابن حزم على مسألة ترك ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم مقابل ما يُفتيه راوي الحديث سواءٌ أكان صحابياً أو تابعياً أو غير ذلك، فهو يرى أن الأصل هو الحديث، ولا يُعلّ الحديث بما ثبت من فتوى عن راويه.

وقول الباحثة إن فقهاء الحنفية عمموا المخالفة بالصحابة وغيرهم من رواة السند لم تبيّن مصدره لنا في كتبهم، ولم توثق ذلك! وكذلك لم تنبه أن هذا ليس قول كل الحنفية فإن شيخ أصولهم أبا الحسن الكرخي خالف في ذلك.

وكأن الباحثة تخلط بين مسائل الأصول ومسائل الحديث للاشتراك في بعض المسائل، فكما ذكرت من قبل: إن أهل الأصول هم أكثر من تحدث على هذه المسألة.

وكأنها أخذت هذا من كلام الجويني في «برهانه» مع أنه لم ينسب للحنفية هذا، وإنما نسب إليهم مسألة أخرى.

قال: "الصحابي إذا روى خبراً وعمل بخلافه، فالذي ذهب إليه الشافعي أن الاعتبار بروايته لا بعمله. وقال أصحاب أبي حنيفة لا يجوز الاحتجاج بما رواه إذا كان عمله مخالفاً له".

فهو يتحدث عن مسألة مخالفة الصحابي لما يرويه هل يحتج بها أم لا.

ثم قال الجويني: "والذي نرضاه أن نفصل القول فيما أفتاه ورواه، فنقول: إن تحققنا نسيانه لما رواه فلا يتخيل عاقل في ذلك خلافا، ولا شك أن العمل بروايته وإن روى خبرًا مقتضاه رفع الحرج والحجر فيما كان يظن فيه التحريم والحظر، ثم رأيناه يتحرج فالاستمساك بروايته أيضًا وعمله محمول على الورع والتعلق بالأفضل، وإن ناقض عمله روايته مع ذكره لها ولم يحتمل محملاً في الجمع فالذي أراه امتناع التعلق بروايته فإنه لا يظن بمن هو من أهل الرواية أن يعتمد مخالفة ما رواه إلا عن ثبت يوجب المخالفة.

واللفظ الوجيز فيه: أنه إن فعل ماله فعله فالاحتجاج بما رواه، وإن فعل ما ليس له أن يفعله أخرجه ذلك عن رتبة الثقة وأدنى المنازل فيه أن يجر إلى مرويه ظنونا متعارضة في الدين يقتضي الوقف بعضها.

وكل ما ذكرناه غير مختص بالصحابي فلو روى بعض الأئمة حديثًا وعمله مخالف له فالأمر على ما فصلناه" انتهى.

وأما ابنُ القُشَيْرِيّ كان يتحدث عن مسألة "تَخْصِيص الحَدِيثِ بِمَذْهَبِ رَاوِيهِ مِنْ الصَّحَابَةِ"، ونقل عنه صاحب «البحر المحيط» قوله: "إذَا رَوَى الصَّحَابِيُّ خَبَرًا، وَعَمِلَ بِخِلَافِهِ، فَاَلَّذِي نَقَلَهُ إمَامُ الحَرَمَيْنِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِرِوَايَتِهِ لَا بِفِعْلِهِ. ونَقَلَ القَاضِي أَنَّ مُجَرَّدَ مَذْهَبِ الرَّاوِي لَا يُبْطِلُ الحَدِيثَ وَلَا يَدْفَعُهُ، لَكِنْ إنْ صَدَرَ ذَلِكَ المَذْهَبُ مِنْهُ مَصْدَرَ التَّأْوِيلِ وَالتَّخْصِيصِ فَيُقْبَلُ، وَتَخْصِيصُهُ أَوْلَى. وَعِنْدَ الحَنَفِيَّةِ لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِمَا رَوَاهُ إذَا كَانَ عَمَلُهُ مُخَالِفًا".

أقول: فالباحثة تخلط بين المسائل الأصولية والمسائل الحديثية، وتنسب الأقوال لغير قائليها!

ثم تبيّن لي أن الباحثة اعتمدت في ذلك على الباحث د. عبدالله المطرفي في رسالته «خبر الواحد إذا عمل الراوي بخلافه» فقد تحدث (ص97) عن مفهوم مخالفة الراوي لما رواه تحت عنوان: "تحرير المراد بالراوي المخالف"، وقال: "«خبر الواحد إذا عمل الراوي بخلافه» كلمة الراوي عامة تشمل الصحابي وغيره ممن يأتي بعده، وعمله المخالف لروايته كلمة عامة فقد يكون خبره عامًا فيخصه أو مُطلقًا فيقيده أو ظاهرًا فيحمله على خلاف ظاهره أو مُجملًا فيفسره أو مُشتركًا فيحمله على أحدهما أو يكون خبره نصًا فيتركه بالكلية.

ومن هنا اختلف العلماء رحمهم الله في قضية مخالفة الراوي لما روى هل هي خاصة بالصحابي فلا تتعداه إلى ما بعده أم أن المخالفة من الراوي لا تقف عند الصحابي بل التابعي ومن بعده.

فذهب إمام الحرمين إلى أن الخلاف أعم من أن يكون مخصوصاً بالصحابة أو غيرهم بل يشمل الجميع حيث قال: (وكل ما ذكرنا غير مختص بالصحابي فلو روى بعض الأئمة حديثاً وعمله مخالف له فالأمر على ما فصلناه).

وقال ابن القشيري: (لا ينبغي تخصيص المسألة بالراوي يروي ثم يخالف بل تجري فيمن يبلغه خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم يخالفه وإن لم يكن هو الراوي لذلك الخبر...)".

ثم قال: "والذي يترجح عندي - والله أعلم - هو القول بأن الخلاف في مخالفة الراوي لما روى خاص بالصحابي فقط لأسباب سيأتي ذكرها".

ثم قال: "وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله مجيباً على دعوى أن مالك رحمه الله روى خيار المجلس وخالفه، والراوي إذا عمل بخلاف ما روى دل على وهن المروي عنه. قال: (وقد خص كثير من محققي أهل الأصول الخلاف المشهور فيما إذا عمل الراوي بخلاف ما روى بالصحابة دون من جاء بعدهم)"...".

وقول الباحثة أن فقهاء الحنفية عمموا المخالفة بالصحابة وغيرهم من رواة السند لم تبيّن مصدره لنا في كتبهم، ولم توثق ذلك فضلا عن تحرير آرائهم كما أشرت سابقاً، وقلت: كأنه أخذته من كلام الجويني، ثم وجدت أن الباحث المطرفي أشار إلى ذلك في رسالته المشار إليها  (ص101) فقال: "6- إن الحنفية رحمهم الله طردوا المخالفة إلى ما بعد الصحابي ونجد ذلك في مسائل كثيرة. ووافقهم بعض العلماء في بعض المسائل". [وقال في الحاشية: مثل مسألة: عدد الرضعات المثبتة للتحريم، ومسألة الاشتراط في الحج].

وقول الباحثة في التعريف: "يشتمل على حكم شرعي لازم العمل" = تعني واجب العمل به، ولا أدري من أين أتت بهذا القيد؟!

وعمل أهل العلم على خلاف ما قالته حيث إنهم يوردون هذه المسألة في مسألة «التخصيص» و«النسخ» وغير ذلك من المباحث الأصولية كما سبق بيانه.

ثم السؤال: هل يُعقل أن الصحابي إذا روى حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه حكم واجب العمل به هل يُعقل أن يتركه، ويُفتي بخلافه؟!

هذا لا يُعقل أبداً، ولهذا حاول أهل العلم بيان أن هذا الترك للعمل بالحديث إنما هو لأمر آخر، كثبوت حديث آخر يخالفه وقد نُسخ، أو له تأويل، وغير ذلك.

ولأن الباحثة قيدت هذا الحكم باللازم أخرجت منه بحسب تعبيرها: "ما كانت المخالفة فيه في أمر مباح أو رخصة".

ثم قالت: "مثاله: ما رُوي عن أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - أنه كان يُفتيهم بالمسح ويخلع، فقيل له؟ فقال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح، ولكن حُبِّب إليّ الغَسل».

قلت: وإنما ترك الصحابي العمل بهذا الحديث؛ لكون الحكم الشرعي فيه رخصة وليس فرضاً" انتهى.

أقول:

هذا المثال لا يدخل أصلاً في موضوع البحث! فموضوع البحث أن يُروى عن الصحابي حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تأتي رواية أخرى عنه فيها فتوى عمله بخلاف ذاك الحديث الذي رواه.

وهنا أبو أيوب - رضي الله عنه - يُخبر بثوت حكم شرعي وهو جواز المسح، وكان يأمر أصحابه بالمسح، ولم يخالف الحديث، إذ لو كان يخالفه لما أمر أصحابه به، وإنما هو لم يكن يمسح لأنه كان يُحب أن يعمل بالأصل وهو الغَسل.

وهذا الحديث الذي مثلت به الباحثة هنا وثقته من كتاب الخطيب «الفقيه والمتفقه»، ولم تُخرّجه ولم تحكم عليه، وبحثها أصلاً دراسة حديثية نقدية، فكيف لا توثقه من كتب أصول الحديث، ولا تحكم عليه حكماً نقدياً؟!

والحديث رواه الخطيب في كتابه بإسناده إلى هِلَال بن العَلَاءِ، عن عَبْداللَّهِ بن جَعْفَرٍ، عن المُعْتَمِر، عَنْ أَبِي شُعَيْبٍ الهُنَائِيّ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَفْلَحُ: أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ يُفْتِيهِمْ بِالمَسْحِ وَيَخْلَعُ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ وَلَكِنْ حُبِّبَ إِلَيَّ الْغَسْلُ».

وبوّب عليه الخطيب: "بَابُ القَوْلِ فِي الصَّحَابِيِّ يَرْوِي حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَعْمَلُ بِخِلَافِهِ".

قال: "إِذَا رَوَى الصَّحَابِيُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا، ثُمَّ روي عَنْ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ خِلَافٌ لَمَّا رُوِيَ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي الْأَخْذُ بِرِوَايَتِهِ، وَتَرْكُ مَا رُوِيَ عَنْهُ مِنْ فِعْلِهِ، أَوْ فُتْيَاهُ؛ لِأَنَّ الوَاجِبَ عَلَيْنَا قَبُولُ نَقْلِهِ وروايتِهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَا قَبُولَ رَأْيِهِ".

أقول: عمم الخطيب القول في أن الصحابي إذا روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً، ثم خالفه فالعبرة بروايته لا بعمله ورأيه، على أني لا أرى هذا الحديث يدخل في هذه المسألة أصلاً.

والحديث رواه الطبراني في «المعجم الكبير» (4/153) (3983) من طريق المُسَيَّب بن وَاضِحٍ، عن مُعْتَمِر، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا شُعَيْبٍ، يُحَدِّثُ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قال: حدثنا أَفْلَحُ غُلَامُ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ وَالخِمَارِ».

ورواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (2/236) (1865) عن هُشَيْم، عن مَنْصُور بن زَاذان، عَنِ ابنِ سِيرِينَ، عَنْ أَفْلَحَ مَوْلَى أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ؛ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِالمَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ، وَكَانَ هُوَ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ: كَيْفَ تَأْمُرُ بِالمَسْحِ وأَنْتَ تَغْسِلُ؟ فَقَالَ: «بِئْسَ مَا لِي إِنْ كَانَ مَهْنَأةً لَكُمْ وَمَأْثَمهً عَلَيَّ، قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ وَيَأْمُرُ بِهِ وَلَكِنْ حُبِّبَ إلَيَّ الوُضُوءُ».

قال ابن حجر في « المطالب العالية» (2/312): "إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ".

ورُوي أيضاً مرسلاً:

رواه عبدالرزاق في «مصنفه» (1/198) (769) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابنِ سِيرِينَ، أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ، كَانَ يُفْتِي بِالمَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ، وَكَانَ لَا يَمْسَحُ فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: «أَتَرَوْنِي أُفْتِيكُمْ بِشَيْءٍ مَهْنَؤُهُ لَكُمْ وَمَأْثَمُهُ عَلَيَّ، وَلَكِنَّهُ حُبِّبَ إِلَيَّ الطَّهُورُ».

ورواه الحارث بن أبي أسامة في «مسنده» [كما في «بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث» (1/218) (81)] عن يُونُس بن مُحَمَّدٍ، قال: حدثنا أَبُو هِلَالٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ، كَانَ يَأْمُرُ بِالمَسْحِ، وَكَانَ يَتَوَضَّأُ فَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا أَيُّوبَ تَأْمُرُنَا بِالمَسْحِ وَأَنْتَ تَتَوَضَّأُ قَالَ: «لَمْ أَكُنْ لِآمُرَكُمْ بِالمَرْفَقِ وَأُصِيبُ أَنَا المَأْثَمَ لَكِنِّي رَجُلٌ حُبِّبَ إِلَيَّ الطُّهُورُ».

فالحديث اختلف فيه على ابن سيرين:

فرواه أَبُو شُعَيْبٍ الصَّلْتُ بنُ دِينَارٍ البصريّ، ومَنْصُور بن زَاذان، عَنِ ابنِ سِيرِينَ، عَنْ أَفْلَحَ مَوْلَى أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ.

ورواه أَيُّوب السختياني، وأَبُو هِلَالٍ الراسبيّ، عَنْ ابنِ سِيرِينَ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ، مرسلاً.

والصلت ضعيف جداً، ورواية منصور من رواية هُشيم وكان مُدلساً، وكأنه بسبب هذا مرّض الدارقطني روايته، فإنه سُئل عن هذا الحديث في «العلل» (6/110) (1010)، فَقالَ: "يَرْوِيهِ ابنُ سِيرِينَ عَنْهُ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ:

فَرَوَاهُ الصَّلْتُ بنُ دِينَارٍ أَبُو شُعَيْبٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَفْلَحَ.

وَقِيلَ: عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ كَذَلِكَ.

وَرَوَاهُ أَبُو هِلَالٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، مُرْسَلًا، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ".

قلت: فات الدارقطني رواية أيوب أيضًا المرسلة، والذي أرجحه أن الحديث مرسل فأيوب أثبت الناس في ابن سيرين كما قال ابن المديني، وقد تابعه أيضاً أبو هلال الراسبي على إرساله.

وللحديث طريق آخر:

رواه أحمد في «مسنده» (38/549) (23574) عن مُحَمَّد بن عُبَيْدٍ الطنّافسيّ، قال: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنِ المُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا أَيُّوبَ نَزَعَ خُفَّيْهِ، فَنَظَرُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: «أَمَا إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا، وَلَكِنْ حُبِّبَ إِلَيَّ الْوُضُوءُ».

ورواه الطبراني في «المعجم الكبير» (4/170) (4040) من طريق عُثْمَان بن أَبِي شَيْبَةَ، ويَحْيَى الحِمَّانِيّ، كلاهما عن مُحَمَّد بن عُبَيْدٍ، به.

قال البيهقي في «السنن الكبرى» (3/201): "كَذَا قَالَهُ مُحَمَّدُ بنُ عُبَيْدٍ: عَلِيُّ بنُ مُدْرِكٍ ولَيْسَ بِالقَوِيِّ، رَوَى عَنْهُ شُعْبَةُ، وَلَعَلَّ الصَّوَابُ: عَلِيُّ بنُ الصَّلْتِ، وَاللهُ أَعْلَمُ".

قلت: رواه الطبراني في «المعجم الكبير» (4/170) (4039) عن مُحَمَّد بن عُثْمَانَ بنِ أَبِي شَيْبَةَ، عن أَبِيه، عن يَحْيَى بن عِيسَى الرَّمْلِيّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَلِيِّ بنِ الصَّلْتِ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا أَيُّوبَ نَزَعَ خُفَّيْهِ، فذكره.

قلت: الصواب «عن عليّ بن الصلت»، وقد قال المزي في ترجمة «المسيب بن رافع الكوفي»: "روى عن... وعلي بن الصلت، ويُقال: علي بن مدرك...".

وعلي بن الصلت هذا مجهول لا يُعرف يروي عن أبي أيوب عدة أحاديث، وقد قال ابن خزيمة في «صحيحه» (1/601) بعد أن ساق له حديثاً عن أبي أيوب: "ولَسْتُ أَعْرِفُ عَلِيَّ بنَ الصَّلْتِ هَذَا، وَلَا أَدْرِي مِنْ أَيِّ بِلَادِ اللَّهِ هُوَ، وَلَا أَفْهَمُ أَلَقِيَ أَبَا أَيُّوبَ أَمْ لَا؟ وَلَا يَحْتَجُّ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَسَانِيدِ - عِلْمِي- إِلَّا مُعَانِدٌ أَوْ جَاهِلٌ".

وللفائدة فقد بوّب البيهقي في «سننه» على هذا الحديث (1/438): "بَابُ جَوَازِ نَزْعِ الخُفِّ وَغَسْلِ الرِّجْلِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ رَغْبَةٌ عَنِ السُّنَّةِ".

وهذا المثال عن أبي أيوب أورده الباحث د. عبدالله المطرفي في رسالته «خبر الواحد إذا عمل الراوي بخلافه» (ص89) تحت سبب "سابعاً: أن يجتهد فيه ويرى أن فعله أحب"، ثم قال: "وهذا وإن لم يكن فيه مخالفة صريحة إلا أن فيه تأويلاً واجتهاداً فهو يفتي بالرخصة ويأخذ بالعزيمة، ولذلك لم يأخذ الإمام أحمد برأيه واجتهاده".

وقيدت الباحثة التعريف بقيد أن تكون المخالفة من الراوي مخالفة حقيقية، فأخرجت منه بحسب قولها: "ما كانت المخالفة فيه غير حقيقية"، وقالت: "فإذا كان الترك فيه لسبب آخر كأن يكون الترك أو الفتيا جاءت لدليل آخر هو أقوى عند الراوي، أو بسبب نسيانه للرواية، أو لأجل النسخ؛ فإنها مخالفة ظاهرية لا يُرد من أجلها الحديث الصحيح.

قال الخطيب البغدادي - رحمه الله - (ت463): (إذا روى رجلٌ عن شيخ حديثاً يقتضي حكماً من الأحكام فلم يعمل به، لم يكن ذلك جرحاً منه للشيخ؛ لأنه يحتمل أن يكون ترك العمل بالخبر لخبر آخر يعارضه، أو عموم أو قياس، أو لكونه منسوخاً عنده).

وقال الخطيب أيضاً: (ولأن الصاحب قد ينسى ما روى في وقت فتياه).

وقال ابن القيم - رحمه الله - (ت751): (ويجوز أن يكون نسي الحديث، أو تأوله، أو اعتقد معارضاً راجحاً في ظنه).

مثاله: ما رواه الإمام البخاري من طريق مَرثد بن عبدالله اليزني، قال: «أتيت عقبة بن عامر الجهني، فقلت: ألا أعجبك من أبي تميم الجيشاني! يركع ركعتين قبل صلاة المغرب؟ فقال عقبة: إنّا كنا نفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: فما يمنعك الآن؟ قال: الشُّغل»" انتهى كلام الباحثة.

أقول:

هل يُعقل أن يُخالف الصحابي ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم مخالفة حقيقية؟!!

وقد تناقضت الباحثة هنا! فهي قيدت الراوي في تعريفها بالصحابي أو التابعي، وما ذكرته من أسباب للترك هنا غالبه لا ينطبق على الصحابة! فهل من مثال على أن صحابياً روى رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تبين له رواية أخرى أقوى من روايته حتى يخالف ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم!

ثم إن كلامها في آخره ينقض أوله! فإذا كانت هذه الأسباب التي ذكرتها هي مخالفة ظاهرية ولا يرد بها الحديث الصحيح = فهذا يعني أن الترك مردود؛ لأن الحديث لا يرد به! والأصل أن تقول إن هذا الترك يرد الحديث الصحيح لهذه الأسباب.

وقول الخطيب الأول الذي احتجت به لا يدخل في هذه المسألة؛ وإنما هو في مسألة تجريح الشيخ الذي روى الحديث أم لا، فمن روى حديثاً عن شيخ ما ثم خالف هذا الراوي ما رواه عن شيخه فهذا لا يُعدّ تجريحاً للشيخ، وإنما يكون هذا الراوي خالف ما رواه شيخه لخبر آخر يعارضه، أو عموم، أو قياس، أو لكونه منسوخاً.

وهذا النص حجة على الباحثة في نسف تعريفها إذ كلام الخطيب هذا ذكره في مخالفة مالك العمل بحديث «البيعان بالخيار» لبعض هذه الأسباب، وهذه قد يراها بعض الرواة أو الفقهاء، ولا تدخل في مسألة ترك الصحابي للرواية إلا إذا علم أن ما كان سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم قد نُسخ، وهو لم يعرف النسخ حتى عرفه من صحابي آخر، وباب القياس والعموم والمعارضة جاء بعد عصر الصحابة رضي الله عنهم.

والصحابي نعم قد ينسى، فإذا تبين له أنه نسي فهذه لا تُعد مخالفة لما روى، وكذلك أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ نَسْخٌ لَمَّا رَوَى أَوْ تَخْصِيصٌ فَيَسْكُتُ عَنْهُ، وَيُبَلِّغُ إِلَيْنَا المَنْسُوخَ والمَخْصُوصَ دُونَ الْبَيَانِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدَ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة: 159] وَقَدْ نَزَّهَ اللَّهُ صَحَابَةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذَا.

 والصحابي قد يَتَأَوَّلُ فِيهِ تَأْوِيلًا يَصْرِفُهُ عَنْ ظَاهِرِهِ، كَمَا تَأَوَّلَتْ أُمُّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ فِي إِتْمَامِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ، وَهَي الَّتِي رَوَتْ: «فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، فَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ، وَأَقَرَّتْ صَلَاةَ السَّفَرِ»، وكذلك ما فعله ابن عمر في النّسك من أنه كان يأخذ من لحيته مع شعر رأسه، وهو الذي روى حديث «أعفوا اللحى» فكان يتأول ذلك.

فإذا عُرف هذا، فلا توجد مخالفة أصلاً لما يرويه الراوي، وتبقى المسألة في ثبوت رواية عن الصحابي، وثبوت فتوى عنه تخالف تلك الرواية إن لم نستطع توجيه هذه المخالفة، فحينها نعمل بالأصل وهو قبول الرواية ورد ما يخالفها، أو تعليلها، فحينها ندخل في باب تعليل الروايات.

وقول ابن القيم الذي اعتمدت عليه الباحثة أيضاً هو من باب بيان أسباب ترك الصحابي لروايته، فقد كان يبحث مسألة الصيام عن الميت، فقال: "أما قَوْلكُم: ابْن عَبَّاس هُوَ رَاوِي حَدِيث الصَّوْم عَن الْمَيِّت وَقد قَالَ: لَا يَصُوم أحد عَن أحد، فغاية هَذَا أَن يكون الصَّحَابِيّ قد أفتى بِخِلَاف مَا رَوَاهُ وَهَذَا لَا يقْدَح فِي رِوَايَته، فَإِن رِوَايَته معصومة، وفتواه غير معصومة، وَيجوز أَن يكون نسي الحَدِيث أَو تَأَوَّلَه أَو اعْتقد لَهُ مُعَارضاً راجحاً فِي ظَنّه أَو لغير ذَلِك من الْأَسْبَاب، على أَن فَتْوَى ابن عَبَّاس غير مُعَارضَة للْحَدِيث فَإِنَّهُ أفتى فِي رَمَضَان أَنه لَا يَصُوم أحد عَن أحد، وَأفْتى فِي النّذر أَنه يصام عَنهُ، وَلَيْسَ هَذَا بمخالف لروايته بل حمل الحَدِيث على النّذر، ثمَّ إِن حَدِيث من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام صَامَ عَنهُ وليه هُوَ ثَابت من رِوَايَة عَائِشَة رضي الله عَنْهَا، فَهَب أَن ابْن عَبَّاس خَالفه فَكَانَ مَاذَا؟ فخلاف ابْن عَبَّاس لَا يقْدَح فِي رِوَايَة أم الْمُؤمنِينَ بل رد قَول ابْن عَبَّاس بِرِوَايَة عَائِشَة رضي الله عَنْهَا أولى من رد رِوَايَتهَا بقوله، وَأَيْضًا فَإِن ابْن عَبَّاس رضي الله عَنْهُمَا قد اخْتلف عَنهُ فِي ذَلِك، وَعنهُ رِوَايَتَانِ فَلَيْسَ إِسْقَاط الحَدِيث للرواية الْمُخَالفَة لَهُ عَنهُ أولى من إِسْقَاطهَا بالرواية الْأُخْرَى بِالحَدِيثِ".

قلت: فهذا تجويز من ابن القيم لما رُوي عن ابن عباس من فتوى، مع توضيحه أن ابن عباس روي عنه أيضاً خلاف ذلك، وأن ثبوت الحديث عن صحابي آخر يرد أي فتوى بخلافه.

وأما المثال الذي أتت به الباحثة على إخراج المخالفة غير الحقيقية من التعريف فليس بصحيح! فعقبة لم يخالف الحديث؛ لأن هاتين الركعتين سنة، وقد روى البخاري في «الصحيح» من حديث عَبْدِاللَّهِ بنِ بُرَيْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُاللَّهِ المُزَنِيُّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «صَلُّوا قَبْلَ صَلاَةِ المَغْرِبِ»، قَالَ: «فِي الثَّالِثَةِ لِمَنْ شَاءَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً».

فلا توجد مخالفة أصلاً لجعلها مخالفة غير حقيقية!

وهذا المثال عن عقبة أورده الباحث د. عبدالله المطرفي في رسالته «خبر الواحد إذا عمل الراوي بخلافه» (ص91) تحت سبب: "الثاني عشر: قد يترك الراوي العمل بالرواية لأمر عارض كالشغل مثلاً".

ثم أخرجت الباحثة من التعريف بحسب قولها: "ما كانت المخالفة فيه قبل أن تبلغه الرواية"، وقالت: "فقد يفتي الصحابي في أمر من الأمور وفق قاعدة أصولية أو لدليل آخر، ثم يبلغه الحديث بعد ذلك فيتراجع عن فتواه ويروي الحديث، فلا يقال: إنه قد خالف روايته؛ لأن الرواية متأخرة عن الفتوى.

مثاله: بوب الإمام البخاري - رحمه الله - (ت256) بباب فقال: (باب الحجة على من قال إنّ أحكام النبي صلى الله عليه وسلم كانت ظاهرة وما كان يغيب بعضهم من مشاهد النبي صلى الله عليه وسلم وأمور الإسلام).

قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - (ت852) شارحاً لهذا التبويب من الإمام البخاري: (وهذه الترجمة معقودة لبيان أن كثيراً من الأكابر من الصحابة كان يغيب عن بعض ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم أو يفعله من الأعمال التكليفية، فيستمر على ما كان اطلع عليه هو إما على المنسوخ لعدم اطلاعه على ناسخه، وإما على البراءة الأصلية)" انتهى.

أقول: لا أدري من أين جاءت الباحثة بأن الصحابي قد يفتي في أمر من الأمور وفق قاعدة أصولية؟ فهل كانت القواعد الأصولية مؤصلة عندهم؟!

ولا أدري كيف يفتي لدليل آخر؟ فهذا عبث من القول!

ولا أدري كيف تضرب مثالاً من تبويب؟!! مع عدم التسليم لها بالاستدلال بتبويب الإمام البخاري على ما أرادت! وما نقلته من شرح ابن حجر لهذا التبويب لا علاقة بمسألة البحث هنا!

وإنما غايته أن كثيراً من الصحابة لم يسمعوا كل شيء منه صلى الله عليه وسلم، ولم يشاهدوا كل أفعاله، فقد يعمل بعضهم بشيء اطلع عليه، ثم تبين بعد أن هذا قد نُسخ برواية صحابي آخر، فهذا لا علاقة له بمخالفة الراوي لما روى.

وقد أورد البخاري تحت هذا الباب حديث عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: اسْتَأْذَنَ أَبُو مُوسَى عَلَى عُمَرَ فَكَأَنَّهُ وَجَدَهُ مَشْغُولًا فَرَجَعَ، فَقَالَ عُمَرُ: أَلَمْ أَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِاللَّهِ بنِ قَيْسٍ، ائْذَنُوا لَهُ، فَدُعِيَ لَهُ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ فَقَالَ: «إِنَّا كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا»، قَالَ: فَأْتِنِي عَلَى هَذَا بِبَيِّنَةٍ أَوْ لَأَفْعَلَنَّ بِكَ، فَانْطَلَقَ إِلَى مَجْلِسٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالُوا: لاَ يَشْهَدُ إِلَّا أَصَاغِرُنَا، فَقَامَ أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ فَقَالَ: «قَدْ كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا»، فَقَالَ عُمَرُ خَفِيَ عَلَيَّ هَذَا مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ.

فهذا لا علاقة له بمسألتنا، وغاية ما فيه أن عمر لم يسمع بهذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد قال ابن حجر في شرحه لهذا الباب أيضاً: "وقَدْ عَقَدَ الْبَيْهَقِيُّ فِي المَدْخَلِ بَابَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَعْزُبُ عَلَى الْمُتَقَدِّمِ الصُّحْبَةَ الْوَاسِعِ الْعِلْمُ الَّذِي يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي بَكْرٍ فِي الجَدَّةِ وَهُوَ فِي المُوَطَّأِ، وَحَدِيثَ عُمَرَ فِي الِاسْتِئْذَانِ وَهُوَ المَذْكُورُ فِي هَذَا البَاب، وَحَدِيث ابن مَسْعُودٍ فِي الرَّجُلِ الَّذِي عَقَدَ عَلَى امْرَأَةٍ ثُمَّ طَلَّقَهَا فَأَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا فَقَالَ: لَا بَأْسَ، وَإِجَازَتُهُ بَيْعُ الفِضَّةِ الْمُكَسَّرَةِ بِالصَّحِيحَةِ مُتَفَاضِلًا، ثُمَّ رُجُوعُهُ عَنِ الْأَمْرَيْنِ مَعًا لَمَّا سَمِعَ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ النَّهْيَ عَنْهُمَا وَأَشْيَاءَ غَيْرَ ذَلِكَ".

قلت: وكان أبو هريرة يُفتي بأن من أصبح جُنباً فليفطر، فلما رُوجع في ذلك أخبر بأن الفضل بن العباس أخبره بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروت عَائِشَة وأُمَّ سَلَمَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُدْرِكُهُ الفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ، وَيَصُومُ».

فلما ذُكر قَوْل عَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ لأبي هريرة، قَالَ: كَذَلِكَ حَدَّثَنِي الفَضْلُ بنُ عَبَّاسٍ وَهُنَّ أَعْلَمُ.

فتبيّن أن حَدِيثَ عَائِشَةَ وأم سلمة نَاسِخٌ لِحَدِيثِ الفَضْلِ وَلَمْ يَبْلُغِ الفَضْلَ وَلَا أَبَا هُرَيْرَةَ النَّاسِخُ فَاسْتَمَرَّ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى الفُتْيَا بِهِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَّا بَلَغَهُ، وروى ابن أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَجَعَ عَنْ فُتْيَاهُ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَا صَوْمَ لَهُ.

- قول الباحثة: مثاله: بوب الإمام البخاري - رحمه الله - (ت256) بباب فقال: (باب الحجة على من قال إنّ أحكام النبي صلى الله عليه وسلم كانت ظاهرة وما كان يغيب بعضهم من مشاهد النبي صلى الله عليه وسلم وأمور الإسلام).

قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - (ت852) شارحاً لهذا التبويب من الإمام البخاري: (وهذه الترجمة معقودة لبيان أن كثيراً من الأكابر من الصحابة كان يغيب عن بعض ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم أو يفعله من الأعمال التكليفية، فيستمر على ما كان اطلع عليه هو إما على المنسوخ لعدم اطلاعه على ناسخه، وإما على البراءة الأصلية)" انتهى كلام الباحثة.

قال الباحث عبدالله عويض المطرفي في رسالته «خبر الواحد إذا عمل الراوي بخلافه» (ص85): "قال الحافظ ابن حجر في بيان ترجمة قول الإمام البخاري، (باب الحجة على من قال إنّ أحكام النبي صلى الله عليه وسلم كانت ظاهرة وما كان يغيب بعضهم من مشاهد النبي صلى الله عليه وسلم وأمور الإسلام): (وهذه الترجمة معقودة لبيان أن كثيراً من الأكابر من الصحابة كان يغيب عن بعض ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم أو يفعله من الأعمال التكليفية، فيستمر على ما كان اطلع عليه هو إما على المنسوخ لعدم اطلاعه على ناسخه، وإما على البراءة الأصلية)".

ثانياً: الدراسة النظرية في مسألة مخالفة «الراوي الفقيه» لما رواه:

بدأت الباحثة مبحثها الثاني بهذا العنوان، وهنا قيدته بقولها: "الراوي الفقيه"! وكان ينبغي لها ذكر ذلك في تعريفها مع عدم التسليم لها بذلك!

وتقييد الراوي هنا بالفقيه يعارض ما أصلته قبل ذلك من عدم التقييد بالفقيه! فهل يشترط في المخالفة أن يكون الراوي فقيها؟ وإن لم يكن فقيها، فماذا نفعل بروايته؟

وهل المذاهب التي ذكرتها الباحثة للعلماء قيدوه بالراوي الفقيه؟

ثم رجعت الباحثة بإطلاق القول فقالت: "مذاهب العلماء في الحكم على رواية الراوي إذا خالف روايته"!

قالت: "المذهب الأول:

أن العبرة برواية الراوي، فلا تضعّف الرواية لمخالفة راويها عملاً أو فتوى، وهذا هو قول جمهور العلماء من المحدثين والأصوليين.

قال الرامهرمزي - رحمه الله - (ت360): (وليس يلزم المفتي أن يفتي بجميع ما روى، ولا يلزمه أيضاً أن يترك رواية ما لا يفتي به، وعلى هذا مذاهب جميع فقهاء الأمصار).

وقال الخطيب - رحمه الله - (ت463): (إذا روى الصحابي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً، ثم روي عن ذلك الصحابي خلاف لما روى، فإنه ينبغي الأخذ بروايته، وترك ما روي عنه من فعله أو فتياه؛ لأن الواجب علينا قبول نقله ونذراته عن النبي صلى الله عليه وسلم لا قبول رأيه).

وقال ابن الصلاح - رحمه الله - (ت643): (... وكذلك مخالفته للحديث ليست قدحاً منه في صحته، ولا في راويه).

وقال ابن القيم - رحمه الله - (ت751) في فتوى ابن عباس رضي الله عنهما: ألا يصوم أحد عن أحد مع أنه راوي حديث «الصيام عن الميت»: (فغاية هذا أن يكون الصحابي قد أفتى بخلاف ما رواه، وهذا لا يقدح في روايته؛ فإنّ روايته معصومة، وفتواه غير معصومة)" انتهى كلام الباحثة.

أقول:

الباحثة قالت بأن دراستها حديثية لا أصولية، وهنا قد ذكرت أن هذا الرأي هو قول جمهور العلماء من المحدثين والأصوليين! وإنما هذا حقيقة هو رأي غالب الأصوليين، ورأي المحدثين في هذه المسألة الذين هم من أهل الفقه، ولهذا لم تجد الباحثة للمحدثين المتقدمين أي قول في هذه المسألة، وإلا لأتت به!

فالرأي الأول الذي نسبته الباحثة لجمهور المحدثين والأصوليين أنه إذا روى الراوي حديثاً، ثم عمل أو أفتى بخلافه، فهذه الفتوى لا تضعف الرواية، فترد الفتوى أو العمل ويُعمل بالرواية! وهذا واضح في الكلام الذي نقلته الباحثة عن الخطيب البغدادي.

وقول الرامهرمزي الذي نسبه لجميع فقهاء الأمصار ومنه أخذت الباحثة نسبة المذهب الأول لجمهور العلماء هو في حقيقته مسألة أخرى، وهي أن الراوي وليس الصحابي أو التابعي فقط لا يلزمه أن يعمل بكل ما عنده من روايات فقد يخالفها بفتوى أو عمل، وضرب مثالاً على ذلك بمالك، فقال: "وَعَلَى هَذَا مَذَاهِبُ جَمِيعِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، هَذَا مَالِكٌ يَرَى العَمَلَ بِخِلَافِ كَثِيرٍ مِمَّا يَرْوِي".

وقول الرامهرمزي هذا ذكره الباحث عادل المطرفي في رسالته «منهج المحدثين في الإعلال بمخالفة الراوي لما روى» في المبحث الرابع من دراستة النظرية تحت عنوان: "المسألة في كتب مصطلح الحديث".

والنقل عن الخطيب في الكتاب كلمة محرفة نقلتها الباحثة كما هي ولا معنى لها!

"قبول نقله ونذراته..."، والصواب: "وروايته".

وكلام ابن الصلاح الذي ذكرته هنا لا علاقة له بموضوع البحث!

فابن الصلاح كان يتحدث عن مسألة: "إذا رَوَى العَدْلُ عَنْ رَجُلٍ وسَمَّاهُ، لَمْ تُجْعَلْ رِوايتُهُ عَنهُ تَعْدِيلاً منهُ لهُ عِندَ أكثَرِ العلمَاءِ مِنْ أهلِ الحديثِ وغيرِهِمْ. وقالَ بَعضُ أهلِ الحديثِ، وبعضُ أصحابِ الشَّافِعِيِّ: يُجْعَلُ ذَلِكَ تَعْدِيْلاً منهُ لهُ؛ لأنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ التَّعديلَ. والصحيحُ هوُ الأوَّلُ؛ لأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَرْوِيَ عَنْ غَيْرِ عَدْلٍ، فَلَمْ يَتَضَمَّنْ روايتُهُ عنهُ تعديلَهُ.

وهَكَذَا نقولُ: إنَّ عَمَلَ العَالِمِ أوْ فُتْيَاهُ عَلَى وَفْقِ حديثٍ، ليسَ حُكْماً منهُ بصِحَّةِ ذلكَ الحديثِ. وكذَلِكَ مُخالَفَتُهُ للحديثِ ليسَتْ قَدْحاً منهُ في صِحَّتِهِ ولاَ في راويهِ، واللهُ أعلمُ".

قلت: فابن الصلاح يتحدث عن عمل العالم أو فتياه وفق حديث ما أو مخالفته له، وهذا ليس قدحا منه في صحته ولا في راويه.

وقول الخطيب وابن الصلاح ذكرهما أيضاً الباحث د. عادل المطرفي بعد كلام الرامهرمزي.

وقول الباحثة: "المذهب الأول: أن العبرة برواية الراوي، فلا تضعّف الرواية لمخالفة راويها عملاً أو فتوى، وهذا هو قول جمهور العلماء من المحدثين والأصوليين".

هو نفسه ما قاله الباحث عبدالله عويض المطرفي في رسالته «خبر الواحد إذا عمل الراوي بخلافه» (ص:132) حيث قال في الفصل الثاني (أثر مخالفة الصحابي دلالة النص مطلقاً وبقوله إنه منسوخ أو ناسخ) في المبحث الأول (مخالفته للنص الذي رواه): "اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في مخالفة الراوي لروايته إذا كانت نصًا لا تحتمل المخالفة ولا التأويل وكانت المخالفة ثابتة بعد الرواية. فهل يعد ذلك قدحًا في الرواية ويسقط العمل بها على أقوال أشهرها قولان...".

ثم قال: "القول الأول: إذا عمل الراوي بخلاف روايته فإن العبرة بروايته دون رأيه، ولا يسقط العمل بالرواية، وهو قول جمهور الأصوليين والمحدثين والفقهاء".

ثم ساقت الباحثة ما استدل به الجمهور على مذهبهم بحسب قولها:

قالت: "الدليل الأول: أن حديث النبي صلى الله عليه وسلم حجة في نفسه إذا صحّ الإسناد إليه وسَلم من الشذوذ والعلة، والراوي المخالف محجوج بروايته المرفوعة، لكونه غير معصوم في اجتهاده.

قال الشافعي - رحمه الله - (ت204): (ولا يكون في أحد قال بخلاف ما روي عن التبي صلى الله عليه وسلم حجة). وقال أيضاً: (وإذا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الشيء فهو اللازم لجميع من عرفه، لا يقويه ولا يوهنه شيء غيره، بل الفرض الذي على الناس اتباعه، ولم يجعل الله لأحد معه أمراً يخالف أمره).

وذكر ابن القيم - رحمه الله - (ت751) أكثر من عشرين حديثاً خالف فيها الراوي روايته، فاحتج العلماء بروايته دون فتواه، ثم قال: (والذي ندين لله به ولا يسعنا غيره وهو القصد في هذا الباب أن الحديث إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك كل ما خالفه، ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائناً من كان لا راويه ول غيره)" انتهى كلم الباحثة.

أقول:

الأصل هو حديث النبي صلى الله عليه وسلم لا رأي أو فتوى غيره، وهذا مُسلّمٌ به عند جميع علماء الأمة، وعلى هذا يتنزل ما نقلته الباحثة من أقوال الشافعي.

والشافعي كان قد عرض لما روي عن الصحابة من أفعال في الطواف بعد الصبح والعصر، ثم قال: "وإنما ذكرْنا تَفَرُّقَ أصحاب رسول الله في هذا ليَسْتَدِلَّ مَن عَلِمَهُ على أنَّ تفرُّقهم فيما لرسول الله فيه سنةٌ: لا يكون إلا على هذا المعنى، أو على أنْ لا تبلغ السنة مَن قال خلافها منهم، أو تأويلٍ تحتمله السنة، أو ما أشبه ذلك، مما قد يرى قائله له فيه عُذْرًا، إن شاء الله".

وقولها: "والراوي محجوج بروايته المرفوعة لكونه غير معصوم في اجتهاده"، هل هذا يعني أن الراوي عندما يخالف ما يرويه يكون قد اجتهد في ذلك؟ وهل يصلح الاجتهاد عند وجود النص؟!

والأمثلة التي ذكرها ابن القيم في "فتوى الصحابي على خلاف ما رواه" بيّن فيها مذاهب أصحاب المذاهب فيها، ثم قال: "وهذا باب يطول تتبّعه، وترى كثيرًا من الناس إذا جاء الحديثُ يوافق قولَ مَنْ قلَّده وقد خالفه راويه يقول: الحجة فيما رَوَى لا في قوله، فإذا جاء قولُ الراوي موافقًا لقول مَنْ قلده والحديث بخلافه قال: لم يكن الراوي يخالف ما رواه إلا وقد صح عنده نَسْخُه، وإلا كان قَدْحًا في عَدَالته، فَيَجْمَعُونَ في كلامهم بين هذا وهذا، بل قد رأينا ذلك في الباب الواحد، وهذا من أقبح التناقض".

ثم قال ما نقلته الباحثة عنه لكنه عالج الخلاف في هذه المسألة ولم تنقل الباحثة ذلك، وإنما اقتصرت على نقل ما يؤيد كلامها، وتتمة كلامه: "إذ من الممكن أن ينسى الراوي الحديثَ، أو لا يَحْضُره وقتَ الفتيا، أو لا يتفطن لدلالته على تلك المسألة، أو يتأول فيه تأويلًا مرجوحًا، أو يقوم في ظنه ما يعارضه ولا يكون معارَضًا في نفس الأمر، أو يقلد غيره في فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه، ولو قدر انتفاء ذلك كله، ولا سبيل إلى العلم بانتفائه ولا ظنه، لم يكن الراوي معصومًا، ولم توجب مخالفَتُه لما رواه سقوطَ عدالتِهِ حتى تغلب سيئاته حسناته، وبخلاف هذا الحديث الواحد لا يحصل له ذلك".

وقول الباحثة: "الدليل الأول: أن حديث النبي صلى الله عليه وسلم حجة في نفسه إذا صحّ الإسناد إليه وسَلم من الشذوذ والعلة، والراوي المخالف محجوج بروايته المرفوعة، لكونه غير معصوم في اجتهاده".

هو ما ذكره الباحث المطرفي في رسالته «خبر الواحد إذا عمل الراوي بخلافه» (ص135): "أدلة القول الأول: 1- إن قول النبي صلى الله عليه وسلم حجة على كافة الأمة والراوي محجوج به كغيره وقول الراوي أو عمله ليس بحجة فلا تعارض الحجة ما ليس بحجة لأنه قوله وفعله وهو غير معصوم عن الخطأ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم معصوم من الخطأ. فكان الحديث مقدمًا".

وقول الباحثة: "وذكر ابن القيم - رحمه الله - (ت751) أكثر من عشرين حديثاً خالف فيها الراوي روايته، فاحتج العلماء بروايته دون فتواه".

قاله الباحث عبدالله عويض المطرفي في رسالته «خبر الواحد إذا عمل الراوي بخلافه» (ص4): "وقد ذكر ابن القيم - رحمه الله - ثلاثاً وعشرين مسألة في مخالفة الراوي لما رواه".

ولم توثّق الباحثة هذه الأدلة التي أتت بها هنا مطلقًا! فمن يقرأها يرى أنها من بُنيات أفكارها وليس الأمر كذلك!

ثم قالت الباحثة: "الدليل الثاني: أن الصحابي لو أفتى في مسألة باجتهاده وإن لم يرو فيها حديثاً، فإنه لا يحكم لفتواه هذه بالوجوب إلا إذا أجمع عليها الصحابة أو كان لها حكم الرفع.

قال ابن حجر - رحمه الله - (ت852): (والراجح أن المعتبر ما رواه لا ما رآه لاحتمال أن يخالف ذلك لاجتهاد ومستنده فيه لم يتحقق، ولا يلزم من ذلك ضعف الحديث عنده، وإذا تحققت صحة الحديث لم يترك المُحقَّق للمظنون، والمسألة مشهورة في الأصول)" انتهى كلام الباحثة.

أقول:

هذا الدليل الذي أتت به الباحثة لا يستقيم هنا! ففتوى الصحابي في مسألة ما وإن كانت لا تعني الوجوب لكن لها اعتبارها إذا لم يكن هناك ما يخالفها.

وقول ابن حجر لا علاقة بهذا الدليل الذي ذكرته! فابن حجر يتحدث عن أن المعتبر هو ما يرويه الراوي لا ما يراه، وقد ذكر هذا أيضاً في موضع آخر من «الفتح» (9/403) فقال في حديث ابنِ عَبَّاسٍ: جَاءَتْ امْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ...: "وَفِيهِ أَنَّ الصَّحَابِيَّ إِذَا أَفْتَى بِخِلَافِ مَا رَوَى أَنَّ المُعْتَبَرَ مَا رَوَاهُ لَا مَا رَآهُ؛ لِأَن بن عَبَّاسٍ رَوَى قِصَّةَ امْرَأَةِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ الدَّالَّةَ عَلَى أَنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ، وَكَانَ يُفْتِي بِأَن الخلْع لَيْسَ بِطَلَاق".

قول الباحثة: "الدليل الثاني: أن الصحابي لو أفتى في مسألة باجتهاده وإن لم يرو فيها حديثاً، فإنه لا يحكم لفتواه هذه بالوجوب إلا إذا أجمع عليها الصحابة أو كان لها حكم الرفع".

هو بمعنى ما ذكره الباحث المطرفي في رسالته «خبر الواحد إذا عمل الراوي بخلافه» (ص137): "7- إن مذهب الصحابي إذا نقل مفرداً لا يحتج به على القول الراجح".

قالت الباحثة: "الدليل الثالث: أن الراوي قد يترك العمل أو يخالف روايته مخالفة غير حقيقية أو لأمر آخر كالنسخ أو النسيان، أو أن الحديث لم يبلغه إلا بعد الفتوى.

قال ابن القيم - رحمه الله - (ت751): "إذ من الممكن أن ينسى الراوي الحديثَ، أو لا يَحْضُره وقتَ الفتيا، أو لا يتفطن لدلالته على تلك المسألة، أو يتأول فيه تأويلًا مرجوحًا، أو يقوم في ظنه ما يعارضه ولا يكون معارَضًا في نفس الأمر، أو يقلد غيره في فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه".

وذكر ابن حزم - رحمه الله - (ت456) عدة روايات خالف فيها الراوي فتواه؛ لكونه لم يبلغه الحديث إلا بعد الفتوى، ثم تراجع عنها بعد الرواية" انتهى كلام الباحثة.

أقول:

هذا ليس بدليل على هذا المذهب! بل هو بيان لأسباب مخالفة الراوي ما رواه، فالمخالفة حقيقية، لكن هذه المخالفة قد تكون لأحد هذه الأسباب التي ذكرها أهل العلم، فالصحابي لم يقصد مخالفة ما رواه، وإنما خالفه لسبب كنسيانه لحديثه، أو أنه لم يكن يعرف أن هذه الرواية قد نُسخت، أو أنه تأول هذه الرواية، ونحو ذلك.

وما أوردته عن ابن حزم من أمثلة عن مخالفة الراوي لما رواه، فقد حمله ابن حزم على ما ذكرت، فقال: "فهكذا نحمل أمر جميع ما روي من رواية الصاحب للحديث ثم روي عنه مخالفته إياه أنه إنما أفتى بخلاف الحديث قبل أن يبلغه فلما حدث بما بلغه لا يحل أن يظن بالصاحب غير هذا وهذا نص ما ذكرنا عن ابن عمر ببيان لا يخفى وأنهم تأولوا فيما سمعوا من الحديث، ومن حمل ذلك على غير ما قلنا فإنه يوقع الصاحب ولا محالة تحت أمرين، وقد أعاذهم الله تعالى منهما كلاهما ضلال وفسق، وهما: إما المجاهرة بخلاف النبي صلى الله عليه وسلم وهذا لا يحل لأحد ولا يحل أن يظن بهم، وإما أن يكون عندهم علم أوجب عليهم مخالفة ما رووا فما هم في حلّ أن يكتموه عنا ويحدثوا بالمنسوخ ويكتموا عنا الناسخ، وهذه الصفة كفر من فاعلها وتلبيس في الدين ولا ينسب هذا إليهم إلا زائغ القلب أو جاهل أعمى القلب، فبطل ظنهم الفاسد وصح قولنا والحمد لله رب العالمين، ولا سبيل إلى وجه ثالث أصلا إلا أن يكونوا نسوا حينئذ بعض ما قد رووه قبل ذلك فهذا ممكن أيضا فإن كانوا تأولوا فالتأويل منهم رضي الله عنهم ظن، وروايتهم على النبي صلى الله عليه وسلم يقين، ولا يحل لمسلم أن يترك اليقين للظن فارتفع الإشكال جملة هذا الباب والحمد لله رب العالمين، وأما هم رضوان الله عليهم فمعذورون؛ لأنه اجتهاد منهم مع أن ذلك منهم أيضاً قليل جداً، وليس كذلك من يقلدهم بعد أن نبه على ما ذكرناه، وهذه عائشة وأبو هريرة رضي الله عنهما خفي عليهما المسح على الخفين وعلى ابن عمر معهما وعلمه جرير ولم يسلم إلا قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بأشهر، وأقرت عائشة أنها لا علم لها به وأمرت بسؤال من يرجى عنده علم ذلك وهو علي رضي الله عنه، وهذه حفصة أم المؤمنين سئلت عن الوطء يجنب فيه الواطىء أفيه غسل أم لا، فقالت: لا علم لي...".

فقول ابن حزم يدخل أيضاً في ذكر أسباب مخالفة الراوي لما رواه، ولا يُعد هذا دليلاً على المذهب الذي ذكرته الباحثة هنا.

وقول الباحثة: "الدليل الثالث: أن الراوي قد يترك العمل أو يخالف روايته مخالفة غير حقيقية أو لأمر آخر كالنسخ أو النسيان، أو أن الحديث لم يبلغه إلا بعد الفتوى.

هو بمعنى ما ذكره الباحث المطرفي في رسالته «خبر الواحد إذا عمل الراوي بخلافه» (ص137): "4- إذا ترك الراوي الخبر احتمل أن يكون نسي الخبر أو تأوله أو ذلك قد نسخ فوقف قول الراوي حتى يتبين وبقي قول الرسول صلى الله عليه وسلم فوجب المصير إليه".

ثم قالت: "الدليل الرابع: أن القول بأن العبرة بما رأى الراوي دون روايته يورد شبهة لمن يريد الطعن في الصحابة أنهم قد كتموا أو تركوا بعض ما رووه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا مما لا يجوز اعتقاده.

قال ابن حزم - رحمه الله - (ت456): (ومن حمل ذلك على غير ما قلنا فإنه يوقع الصاحب ولا محالة تحت أمرين كلاهما ضلال وفسق، وهما: إما المجاهرة بخلاف النبي صلى الله عليه وسلم وهذا لا يحل لأحد ولا يحل أن يظن بهم، وإما أن يكون عندهم علم أوجب عليهم مخالفة ما رووا فما هم في حل أن يكتموه عنا ويحدثوا بالمنسوخ ويكتموا عنا الناسخ، وهذه الصفة كفر من فاعلها وتلبيس في الدين، ولا ينسب هذا إليهم إلا زائغ القلب أو جاهل أعمى القلب)" انتهى كلام الباحثة.

أقول:

وهذا أيضاً ليس بدليل! فقد اعتمدت الباحثة على كلام ابن حزم وجعلته دليلاً للجمهور! فهل قال الجمهور بما قاله ابن حزم هنا؟!

نعم، كلام ابن حزم له وجاهته، لكن لن يظن أحد أن هذا الصاحب جاهر بخلاف النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أنه كتم الناسخ وحدث بالمنسوخ!!

ولا أظن أن من يريد الطعن في الصحابة سيلجأ إلى هذا القول كما قررته الباحثة هنا!

ثم تبيّن لي أن قول الباحثة: "الدليل الرابع: أن القول بأن العبرة بما رأى الراوي دون روايته يورد شبهة لمن يريد الطعن في الصحابة أنهم قد كتموا أو تركوا بعض ما رووه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا مما لا يجوز اعتقاده.

هو عين ما قاله الباحث المطرفي في رسالته «خبر الواحد إذا عمل الراوي بخلافه» (ص137): "9- إن القول بمخالفة الراوي لما روى وأن رأيه حجة وروايته يسقط العمل بها يوقع الصحابة بين أمرين عظيمين:

1- المجاهرة بخلاف النبي صلى الله عليه وسلم وهذا لا يحل لأحد ولا يحل أن يظن بهم.

2- إما أن يكون عندهم علم أوجب عليهم مخالفة ما رووه، وهذا أيضاً لا يحل أن يظن بهم كتمان العلم ويحدثونا بالمنسوخ ويكتموا عنا الناسخ.

فلم يبق إلا أنه نسيه جملة أو نسيه حين أفتى بخلافه ثم بلغه أو ذكره. أو غير ذلك من الأعذار".

ووثق الباحث في الحاشية من كتاب ابن حزم «الإحكام»، تحقيق: أحمد شاكر، مطبعة العاصمة، القاهرة، الناشر: زكريا يوسف (ص146).

ولم أقف على هذه النسخة.

وجاء في توثيق الباحثة لكلام ابن حزم من كتابه «الإحكام في أصول الأحكام»، تحقيق: أحمد محمد شاكر، دار الآفاق الجديدة، بيروت، لبنان (2/146)! وهذه هي النسخة المشهورة المتداولة، لكن هذه النصوص لا توجد في المكان الذي وثقته الباحثة، وهو في (2/16)! فهل يحتمل الأمر أن الباحثة أخذت الرقم من توثيق المطرفي (146)! وزادت رقم الجزء؟! والله أعلم!

ولو كانت نقلت حقيقة من كتاب ابن حزم لما أخطأت في العزو! وشابهت تقريباً ما عند المطرفي!!

والباحثة أوردت كلام ابن حزم في الدليل الثالث، ووثقت من كتابه (2/147)!! فتبعت الباحث أيضاً في ذلك برقم الصفحة لأنه هو لم يذكر الجزء! ومعلوم أن كتاب ابن حزم المنتشر يقع في مجلدين، وهذا في (2/17)!

قالت الباحثة: "المذهب الثاني:

إذا كانت الرواية نصاً صريحاً لا يحتمل التأويل، وخالفه راويه مع العلم بتاريخ المخالفة وأنها بعد الرواية وليست قبلها، فإن العبرة بما رواه الراوي قولاً أو فعلاً لا بالرواية. وهذا هو مذهب الحنفية(4)، وبعض المالكية(5)، ورواية عن الإمام أحمد(6)".

وقالت في الحواشي:

"(4) انظر: «كشف الأسرار شرح أصول البزدوي» لعبدالعزيز بن أحمد الحنفي (1/50).

(5) انظر: تفصيل المسألة وبيان أقوال العلماء فيها في «البحر المحيط في أصول الفقه» للزركشي (4/527).

(6) ذكر ابن القيّم - رحمه الله - أنّ الراجح عن الإمام أحمد الأخذ برواية الراوي دون رأيه، فقال: (وأصل مذهبه وقاعدته التي بنى عليها أن الحديث إذا صحّ لم يَرُدّه لمخالفة راويه له، بل الأخذ عنده بما رواه، كما فعل في رواية ابن عباس وفتواه في بيع الأَمَة) «إعلام الموقعين» (4/389) وقال أيضاً: (والمشهور عنه أن العبرة بما رواه الصحابي لا بقوله، إذا خالف الحديث...) «إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان» لابن القيم (1/515)" انتهى كلام الباحثة من نص البحث وهوامشه.

أقول:

هذا الكلام بعينه أخذته الباحثة من رسالة الباحث المطرفي في رسالته «خبر الواحد إذا عمل الراوي بخلافه» (ص132) حيث قال:

"القول الثاني: إذا عمل الراوي بخلاف روايته وكانت المخالفة بتاريخ بعد روايته وكانت روايته نصا لا تحتمل التأويل فإن الحديث يخرج من أن يكون حجة ويسقط العمل به وأن خلافه يقدح في صحة الحديث. وأن العبرة بما رآه لا بما رواه.

وهو مذهب الحنفية(3)، وبعض المالكية(4)، ورواية عن الإمام أحمد(5) رحمه الله".

وقال في الحواشي:

(3) انظر: أصول الجصاص 3/203... كشف الأسرار 3/63...

(4) انظر: البحر المحيط 4/346.

(5) انظر: العدة 2/590، التمهيد 3/193...." انتهى.

ثم حقق الباحث الروايتين عن الإمام أحمد، ثم قال:

"الراجح من الروايتين: المشهور عن الإمام أحمد رحمه الله عدم تقديم شيء على النص(1). وأن العبرة بما رواه الصحابي لا بقوله، إذا خالف الحديث ولهذا أخذ برواية ابن عباس رضي الله عنهما في حديث بريرة رضي الله عنها وأن بيع الأمة لا يكون طلاقاً لها لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرها ولو انفسخ النكاح ببيعها لم يخيرها(2)، مع أن مذهب ابن عباس أن بيع الأمة طلاقها(3)" انتهى.

وقال في الحواشي:

"(1) انظر: إعلام الموقعين 1/30...

(3) انظر: إغاثة اللهفان 1/438" انتهى.

أقول: هذه سرقة علمية واضحة من الباحثة! تسلطت  على كلام الباحث المطرفي كله في رسالته، وحتى التوثيقات طالتها يدها، فاختارت ما أشار إليه الباحث من إشارته لكتابي ابن القيم فنقلت ذلك في الحاشية!

وبالنسبة لتوثيق مذهب الحنفية فهو كذلك في كتاب كشف الأسرار لعلاء الدين البخاري كما اعتمده الباحث المطرفي، وهكذا يسميه أهل العلم لا كما سمته الباحثة "عبدالعزيز بن أحمد الحنفي"! وهذا وإن كان اسمه إلا أنه لم يشتهر به، وإنما عُرف بعلاء الدين البخاري.

والأصل في التوثيق أن يُنسب الكلام للبزدوي صاحب الأصل ثم لشرحه كشف الأسرار، ومتن البزدوي مطبوع بهامش الكشف!

قال البزدوي: "وإما إذا عمل بخلافه فإن كان قبل روايته وقبل أن يبلغه لم يكن جرحاً؛ لأن الظاهر أنه تركه بالحديث إحساناً للظن به، وأما إذا عمل بخلافه بعده مما هو خلاف بيقين فإن ذلك جرح فيه؛ لأن ذلك إن كان حقا فقد بطل الاحتجاج به، وإن كان خلافه باطلاً فقد سقط به روايته إلا أن يعمل ببعض ما يحتمله الحديث على ما نبين إن شاء الله تعالى، وإذا لم يعرف تاريخه لم يسقط الاحتجاج به؛ لأنه حجة في الأصل فلا يسقط بالشبهة...".

وأما الباحثة فقد اعتمدت في بحثها كما ذكرت في نهاية بحثها في المراجع كتاب كشف الأسرار، طبعة دار الكتاب الإسلامي، بدون دار نشر ولا تاريخ، وهذه إنما هي نسخة مصورة عن النسخة العثمانية القديمة، فهي النسخة نفسها التي اعتمدها الباحث المطرفي، لكنها وثقت منه مذهب الحنفية (1/50)! وهذا العزو ليس بصحيح! فالذي في هذا الموضع الكلام على "تَعْرِيف المُفَسَّر"!

ولتعرف أن هذه الباحثة سارقة فإنها نقلت كلام البزدوي السابق كدليل على مذهب الحنفية وهو الدليل الثالث الآتي ووثقت من نفس الكتاب (3/63)، والدليل الثاني الذي أخذته من الباحث المطرفي وثقته أيضاً من الموضع نفسه كما سيأتي إن شاء الله تعالى!

ثم ساقت الباحثة أدلة الحنفية، فقالت:

"واستدل الحنفية بما يلي:

الدليل الأول: أنه لا يحلُّ للصحابي أن يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً فيعمل أو يفتي بخلافه، فهذا حرام، وتسقط به عدالته، فدل ذلك على نسخه(1)".

وقالت في الحاشية: "(1) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي (1/32)" انتهى.

ثم قالت: "الدليل الثاني: خلاف الصحابي: إن كان حقاً بأن خالف للوقوف على أنه منسوخ أو ليس بثابت، وهو الظاهر من حاله فقد بطل الاحتجاج بالحديث؛ وإن كان خلافه باطلاً بأن خالف للتهاون بالحديث أو لغفلة أو نسيان فقد سقطت به روايته؛ لأنه ظهر أنه لم يكن عدلاً وكان فاسقاً أو ظهر أنه كان مغفلاً وكلاهما مانع من قبول الرواية(2)".

وقالت في الحاشية: "(2) كشف الأسرار لعبدالعزيز بن أحمد الحنفي (3/63)" انتهى.

أقول: هما دليل واحد يتعلق بمسألة العدالة، فقول الزيلعي هو نفسه قول عبد العزيز البخاري في الكشف.

وكان الأولى بالباحثة ألا تُطلق اسم "الزيلعي" هنا لأن المقصود بكلامها "فخر الدين الزيلعي"، وعُرف بالفخر الزيلعي (ت743هـ) وهو الفقيه صاحب شرح كنز الدقائق، نعم قد يطلق بغير تعيين في كتب الفقه، لكن بحثها في الحديث وعدم التمييز مظنة الالتباس والخلط فإن الزيلعي إذا أطلق في سياق علم الحديث فهو الإمام المُحدّث جمال الدين الزيلعي الحنفي (ت762هـ) صاحب نصب الراية.

وقول الباحثة: "خلاف الصحابي: إن كان حقاً بأن خالف للوقوف على أنه منسوخ أو ليس بثابت، وهو الظاهر من حاله فقد بطل الاحتجاج بالحديث؛ وإن كان خلافه باطلاً بأن خالف للتهاون بالحديث أو لغفلة أو نسيان فقد سقطت به روايته؛ لأنه ظهر أنه لم يكن عدلاً وكان فاسقاً أو ظهر أنه كان مغفلاً وكلاهما مانع من قبول الرواية".

هو عينه قول الباحث المطرفي في رسالته «خبر الواحد إذا عمل الراوي بخلافه»، فإنه قال (ص138): "أدلة القول الثاني:

"1- خلاف الراوي للحديث إن كان حقاً بأن خالفه للوقوف على أنه منسوخ أو ثابت وهو الظاهر من حاله فقد الاحتجاج بالحديث لأن المنسوخ أو ما هو ليس بثابت ساقط العمل والاعتبار، وإن كان خلافه باطلاً بأن خالف لقلة المبالاة والتهاون بالحديث أو الغفلة والنسيان فقد سقطت روايته لأنه ظهر أنه لم يكن عدلاً" انتهى.

فنلاحظ كيف تصرفت الباحثة ببعض الألفاظ استبدلت "الراوي" بـ "الصحابي"، واختصرت بعض الألفاظ!

ثم قالت الباحثة: "الدليل الثالث: إذا كان الخلاف قبل الرواية والبلوغ إليه كان الحديث حجة، وإن كان بعد الرواية والبلوغ لم يكن حجة، ويحمل على أنه كان قبل الرواية؛ لأن الحمل على أحسن الوجهين واجب".

أقول: هذا إنما هو شرح علاء الدين البخاري لكلام البزدوي: "... وإِذَا لَمْ يُعْرَفْ تَارِيخُهُ لَمْ يَسْقُطْ الِاحْتِجَاجُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ حُجَّةٌ فِي الْأَصْلِ فَلَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ".

قال علاء الدين البخاري (3/64): "(وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ تَارِيخُهُ) أَيْ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ عَمِلَ بِخِلَافِهِ قَبْلَ البُلُوغِ إلَيْهِ وَالرِّوَايَةِ أَوْ بَعْدَ وَاحِدٍ مِنْهَا لَا يَسْقُطُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ حُجَّةٌ فِي الْأَصْلِ بِيَقِينٍ، وَقَدْ وَقَعَ الشَّكُّ فِي سُقُوطِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْخِلَافُ قَبْلَ الرِّوَايَةِ وَالْبُلُوغِ إلَيْهِ كَانَ الحَدِيثُ حُجَّةً وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الرِّوَايَةِ وَالبُلُوغِ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِالْأَصْلِ، وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ الحَمْلَ عَلَى أَحْسَنِ الْوَجْهَيْنِ وَاجِبٌ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ خِلَافُهُ قَوْلُهُ".

ثم قالت الباحثة: "الدليل الرابع: أن الصحابي أعرف بمرويِّه؛ لكونه شاهد الوحي والتنزيل(4)".

"(4) العدة في أصول الفقه، أبو يعلى الفراء (2/292)".

أقول: وهذا هو عين قول الباحث المطرفي في رسالته «خبر الواحد إذا عمل الراوي بخلافه»، فإنه قال (ص140):

"3- أن الصحابي أعرف بما روى فإنه مشاهد للوحي والتنزيل وعرف البيان والتأويل(3)".

"العدة 2/592".

وتوثيق الباحثة خطأ (2/292) والصواب كما عند الباحث المطرفي (2/592).

ثم قالت الباحثة: "رد جمهور العلماء في كتبهم أدلة الحنفية، وبيّنوا أنه ثبت في تطبيقات الحنفية نقضهم لهذا الأصل، فأخذوا بروايات خالف فيها رواتها رواياتهم".

أقول: هذا أيضاً أشار إليه الباحث المطرفي في رسالته وهو يناقش أدلة الحنفية، فقال (ص143): "6- إن أصحاب القول الثاني نقضوا أصلهم في مسائل كثيرة أخذوا فيها برواية الراوي وأخرى برأيه".

ثم ذكر أمثلة على ذلك.

ثم بيّنت الباحثة أن "الكلام في هذا البحث هو استخدام قرينة مخالفة الراوي لروايته في جانب آخر، وهو استخدامها في جانب النقد والترجيح مما يُبين الخطأ والوهم، أو فيما تبين فيه ضعف إسناده، فهنا تختلف المسألة، حيث إن من المحدثين من يستخدم هذه المخالفة للدلالة على بيان الخطأ والوهم كقرينة إعلال عند نقده لبعض الأحاديث المعلولة، فيقول مثلاً عند نقده لبعض الروايات المرفوعة: (لو كان هذا المرفوع محفوظاً من رواية فلان لما خالف فيه روايته من فتواه أو فعله). وهذا هو الفرق الجوهري في استعمال المحدثين لهذه القرينة وبين غيرهم من أصحاب الرأي ممن استعمل هذه القرينة في رد بعض الأحاديث الصحيحة إذا خالفت مذهبهم الفقهي. فأهل الحديث لا يقدّمون على حديث النبي صلى الله عليه وسلم شيء إذا صح الإسناد إليه وسلم من الشذوذ والعلة، بينما نجد بعض الفقهاء من الحنفية وغيرهم يقبلون الرواية المرفوعة ويصححون إسنادها، ثم بعد ذلك يقدّمون فتوى الراوي بحجة أنه أعلم بما روى، وأنه لو لم يثبت عنده النسخ لما خالف ما رواه" انتهى.

أقول: الباحثة بعد أن قطعت نصف البحث في الكلام النظري عن هذه المسألة عند الأصوليين وغالبه مسروق كما تبيّن لنا صرحت هنا أن الكلام في هذا البحث عن استخدام النقاد قرينة مخالفة الراوي لروايته في النقد والترجيح، وهذا أصلاً هو ما قاله ابن رجب في قاعدته المشهورة التي أشارت لها الباحثة وستشير لها لاحقا، وهو عينه رسالة الباحث عادل المطرفي «منهج المحدثين في الإعلال بمخالفة الراوي لما روى»، وقد تكلّم بإسهاب عن استخدام الأئمة النقاد لهذه القرينة في هذا الباب.

فأيّ جديد أتت به الباحثة هنا؟

والباحثة عندها خلط كبير! إذ تقول بأن المحدثين يستخدمون هذه القرينة بخلاف أصحاب الرأي الذين استخدموا هذه القرينة في رد بعض الأحاديث الصحيحة إذا خالفت مذهبهم! فهذا فيه اتهام لهم بأنهم من أجل نصرة مذهبهم الفقهي يردون الأحاديث الصحيحة! فهل كان رد الإمام مالك حديث خيار المجلس الصحيح انتصاراً لمذهبه الفقهي؟!

إن هؤلاء الفقهاء لا يردون الأحاديث الصحيحة من أجل الرد أو الانتصار للمذهب، بل ردوها لأنه جاء عن راوي الحديث ما يخالفها، وهنا محل البحث عندهم.

ثم إن الباحثة خصصت من يفعل ذلك ببعض فقهاء الحنفية! وهذا ليس بصحيح! فكثير من الفقهاء في المذاهب لهم طريقة في التعامل مع الأحاديث التي يرويها بعض الصحابة وجاء ما يخالفها عنهم.

ثم نسأل الباحثة: لم خصصت هنا في كلامك "إذا كان راويها من أئمة الفقه"؟

هل هذا يعني أن الراوي إذا لم يكن من أئمة الفقه فلا نقبل رأيه؟

وهل الأحاديث التي رُويت عن بعض الصحابة وجاء عنهم ما يخالفها إلا من فقهاء الصحابة - رضي الله عنهم - كعائشة، وأبي هريرة، وابن عمر، وغيرهم.

ثالثاً: القواعد التي وضعتها الباحثة للعمل بقرينة مخالفة الراوي لما رواه:

بدأت الباحثة بذكر القاعدة التي ذكرها ابن رجب في «شرح العلل»: "قاعدة في تضعيف حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه. قد ضعف الإمام أحمد وأكثر الحفاظ أحاديث كثيرة بمثل هذا".

ثم قالت: "لعلّ أول من أشار إلى هذه القرينة كقاعدة نظرية ومثّل لها بأمثلة تطبيقية الحافظ ابن حجر، فهذا مما يزيد من مكانته العلمية".

أقول: كان ينبغي على الباحثة شرح هذه القاعدة شرحاً وافياً وبحثها قائم عليها، وكذلك كان ينبغي الإتيان بهذه الأمثلة التي ذكرها ابن رجب لبيان هذه القاعدة.

وقد تكلم الباحث عادل المطرفي في رسالته عن كلام ابن رجب والأمثلة التي ذكرها، وزاد كلاماً للخطابي وابن عبدالبر في ذلك أيضاً.

وقال في نهاية كلامه: "فما نقله هؤلاء عن أن مخالفة الراوي لما رواه علة عند المحدثين سواء بالتصريح أنها علة من علل المحدثين التي أعلوا بها الحديث، أو جرى في كلامه ذكر أن المحدثين قد أعلوا الحديث بهذا، هو مما يبين أيضاً استعمال المحدثين لهذه العلة. على أن إعلال الأئمة الأحاديث بهذه العلة صريح من عملهم وقولهم، مستغن ببيانهم الصريح عن بيان غيرهم عنهم" انتهى.

وخلاصة ما ذكره ابن رجب أن أهل النقد ردوا أحاديث رُويت عن بعض الصحابة، وثبت عنهم أنهم عملوا بخلاف هذه الأحاديث، فهذا العمل الذي ثبت عنهم خالف هذه الروايات المروية عنهم، فرُدت بهذا العمل؛ لأنه لو صح أن هذه المرويات ثابتة عنهم لما خالفوها بما ثبت عنهم من أقوالهم.

قال ابن رجب: "فمنها: أحاديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسح على الخفين. ضعفهما أحمد ومسلم وغير واحد، وقال أحمد: أبو هريرة ينكر المسح على الخفين، فلا يصح له فيه رواية.

ومنها: أحاديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسح على الخفين أيضاً، أنكرها أحمد، وقال: ابن عمر أنكر على سعد المسح على الخفين فكيف يكون عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه رواية.

ومنها: حديث عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للمستحاضة: دعي الصلاة أيام أقرائك. قال أحمد: كل من روى هذا عن عائشة فقد أخطأ، لأن عائشة تقول: الأقراء: الأطهار لا الحيض.

ومنها: حديث طاوس، عن ابن عباس في الطلاق الثلاث.

ومنها: حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل الصلاة على الجنازة. ذكر الترمذي، عن البخاري أنه قال: ليس بشيء، ابن عمر، أنكر على أبي هريرة حديثه.

ومنها: حديث عائشة: لا نكاح إلا بولي. أعله أحمد في رواية عنه بأن عائشة عملت بخلافه.

ومنها: حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الصبي: ألهذا حج؟ قال: نعم. ردّه البخاري بأن ابن عباس كان يقول: أيما صبي حج به ثم أدرك فعليه الحج" انتهى.

أقول: هذا المثال الأخير الذي ردّه الإمام البخاري أشار إليه في «تاريخه الكبير» (1/198) في ترجمة «مُحَمَّد بن عقبة أخي مُوسَى بن عقبة مولى الزبير بن العوام القُرَشِيّ المديني» (612)، فذكر البخاري طرق الحديث المرفوعة والمرسلة، ثم قال: "أخشى أن يكون هذا الحديث مرسلاً فِي الأصل"، ثم أيّد ذلك بقوله: "وقَالَ أبو ظبيان وأبو السفر عن ابن عباس: «أيما صبيّ حج ثم أدرك فعليه الحج»، وهذا المعروف عَنِ ابن عَبَّاس".

فهذا الحديث يخالف المعروف المشهور من قول ابن عباس، وهذا يعني أن المرفوع لا يصح، والصواب فيه الإرسال، ولا يصح عن ابن عباس.

وقد أخرج مسلمٌ في «صحيحه» (2/974) (1336) الحديث عن أبي بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، وابن أبي عمر جميعا عن سُفْيَان بن عُيَيْنَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ، فَقَالَ: «مَنِ الْقَوْمُ؟» قَالُوا: الْمُسْلِمُونَ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: «رَسُولُ اللهِ»، فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا، فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ».

ثم أخرجه عن أبي كريب محمد بن العلاء، قال: حدثنا أبو أسامة، عن  سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: رَفَعَتِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا لَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ».

ثم قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُالرَّحْمَنِ، قال: حَدَّثَنَا سُفْيَان، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، أَنَّ امْرَأَةً رَفَعَتْ صَبِيًّا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ».

وقد صوّب ابن معين فيه الإرسال كما مال إليه الإمام البخاري.

قال الدوري في «تاريخ ابن معين - روايته» (3/141) (594): حَدثنَا يحيى قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن إِبْرَاهِيم بن عقبَة، عَن كريب، عَن ابن عَبَّاس: «أَن امْرَأَة رفعت صَبيا لَهَا فِي محفة إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَت يَا رَسُول الله أَلِهَذَا حج؟ قَالَ: نعم، وَلَك أجر».

قَالَ يحيى: "إِنَّمَا يرويهِ النَّاس مُرْسلاً عَن كريب".

وقال ابن أبي خيثمة في «تاريخه» - أخبار المكيين - (ص: 401) (429): سُئِلَ يحيى بن معِين عَن حَدِيث إِبرَاهِيم بن عقبَة، عَن كرَيب عَن ابْن عَبَّاس: «أَن امْرَأَة أخرجت صَبيا لَهَا من محفة لَهَا فَقَالَت: يَا رَسُول الله أَلِهَذَا حج»؟ فَقَالَ: "مُرْسل لَيْسَ فِيهِ ابْن عَبَّاس".

قلت: فالحديث المرفوع فيه علة، والصواب فيه الإرسال، فلا يصلح القول هنا بأن الصحابي قد خالف ما روى؛ لأن ابن عباس لم يروه، وقد استخدم البخاري قرينة ثبوت قول الراوي في تعليل ما رُوي مرفوعاً وبيان علته.

ثم تابعت الباحثة كلامها بعد أن ذكرت كلام ابن رجب فقالت: "وقد وقع بعض الناس في الخطأ أو تعمد الوقوع فيه لمخالفته لمذهبه عند الترجيح بين المرويات، فنسب إلى بعض المحدثين أنهم يقولون بترجيح الرواية على الرأي مطلقاً، فلا يصح منهم القول بالعمل بهذه القرينة في بعض الأحاديث. وسيأتي في الدراسة التطبيقية اعتراض بعض فقهاء الحنفية على الشافعي؛ لكونه قد أعلها بأن راويها قد خالف ما رواه، وهو يقول بأن العبرة بما رواه الراوي لا بما رأى. وهذا الاعتراض سوء فهم لمنهج المحدثين، حيث إن قول الشافعي وغيره من المحدثين: «أن العبرة بما روى» المقصود منه: إذا صح الإسناد وسلم من العلل، أما مع ضعف الإسناد أو العلل الواردة عليه؛ فإنه لا يصح الاعتراض به" انتهى كلام الباحثة.

أقول:

هذا كله استفادته الباحثة من الباحث د. عادل المطرفي في رسالته «منهج المحدثين في الإعلال بمخالفة الراوي لما روى»، وأن المقصود هنا ببعض فقهاء الحنفية هو "ابن التركماني الحنفي" في رده على الشافعي.

قال الباحث د. عادل المطرفي في رسالته (ص85 - 86): "وقد شارك المحدثون الفقهاء والأصوليين فيما تكلموا فيه من الاحتجاج بالحديث إذا خالفه الراوي وقد صحت الروايتان،، وتكلموا أيضاً فيما اختصوا به من استعمال هذه المخالفة لإعلال الحديث. فهذان محلان من البحث لهذه المسألة، لا يصح نقل ما يقال في أحدهما للآخر، ولا الإلزام به، فإن وقع - وهو ما وقع - كان ذلك ناتجاً من الخلط بين المسألتين، وعدم تحرير ما تفترق به كل مسألة في المحل الذي قد تصورت فيه بصورتها الخاصة. ويظهر من مناقشة بعض الفقهاء والأصوليين للمحدثين، أنهم يلزمونهم في هذا المحل الذي يبحث فيه الفقيه والأصولي بما لا يلزم إلا من يقول بصحة الرواية المرفوعة مثلهم، فتعقبهم للمحدثين نشأ من إلزامهم المحدثين بمحل نزاعهم، فغاب عن بعضهم مقصود الأئمة في هذه المسألة، كما سيأتي في الأمثلة التطبيقية من اعتراض بعضهم على المحدثين في إعلالهم الحديث بهذه العلة. ومن هنا يمكن تصور خطئهم في هذه المسألة على المحدثين، وعدم فهمهم لغرض المحدثين من الكلام على هذه المسألة. كما أن مما يصور خطأهم على المحدثين في هذه المسألة:

أنهم نسبوا إليهم أقوالاً غير صحيحة في هذه المسألة، وإنما جاءت هذه النسبة المخطئة من تصورهم أن ما يبحث فيه المحدث هو ما يبحث فيه الفقيه والأصولي، وهذه النسبة المخطئة هي في المحلين، فينسب إلى الإمام أنه لا يعل بالمخالفة لكونه قد خفي على هذا الناسب أن كلام الإمام إنما هو في الاحتجاج لا الإعلال، أو ينسب إليه أنه لا يحتج بالحديث عند المخالفة لكونه قد خفي على هذا الناسب أن كلام الإمام إنما هو في الإعلال لا الاحتجاج.

ومن هذا: ما نقله ابن التركماني في هذه المسألة من أن مذهب المحدثين هو عدم الإعلال بالمخالفة.

يقول ابن التركماني متعقباً البيهقي في حديث عن أبي هريرة أعله البيهقي بمخالفة أبي هريرة له: (مذهب الشافعي، والمحدثين أن الراوي إذا روى حديثاً ثم خالف، كان العبرة لما روى لا لما رأى، ولا يكون رأيه جرحاً في الحديث، فكيف تكون فتوى أبي هريرة دليلاً على ضعف حديثه المرفوع).

ويقول في موضع آخر متعقباً البيهقي في حديث أعله بمخالفة عائشة: (قد عرف أنه لا تعلل روايتها برأيها).

فابن التركماني قد فهم مقصود البيهقي من كلامه على هذين الحديثين، وهو أنه يعلهما بالمخالفة، فتعقبه بحكاية ذلك المذهب عن المحدثين. وهذا الذي يحكيه ابن التركماني مذهباً للمحدثين في المسألة، إنما يأخذه من النصوص التي يرى أن الأئمة قد احتجوا فيها بالرواية وتركوا رأي الراوي" انتهى كلامه.

أقول:

فانظر أيها القارئ الكريم كيف لخصت الباحثة كلام الباحث المطرفي، ولم تذكر اسم ابن التركماني الحنفي الذي قصدته في كلامها، وأن اعتراضه سيأتي في الدراسة التطبيقية، وقد قام الباحث المطرفي بذكره، وذكر بعض ما اعترض به على الشافعية.

وانظر قوله: "كما سيأتي في الأمثلة التطبيقية من اعتراض بعضهم على المحدثين في إعلالهم الحديث بهذه العلة".

وقول الباحثة: "وسيأتي في الدراسة التطبيقية اعتراض بعض فقهاء الحنفية على الشافعي؛ لكونه قد أعلها بأن راويها قد خالف ما رواه...".

ثم تابعت الباحثة قولها: "ولضبط هذه القرينة واستعمالها وفق منهج المحدثين أو ما يقارب منهجهم، لا بد من وضع قواعد وضوابط يمكن من خلالها، وتبيّن سبب استعمالهم لقرينة المخالفة كقرينة إعلال لرد بعض المرويات أحياناً، وتركهم العمل بها في مرويات أخرى" انتهى.

أقول: قد تكلّم الباحث عادل المطرفي بإسهاب عن منهج المحدثين في ذلك.

ولأن الباحثة تحاول الابتعاد عن الرسائل التي استفادت منها في بحثها الصغير هذا تأتي بعبارات لا تستقيم في البحث العلمي فكيف تصدر عمن يتكلم في الحديث ويبين مناهج أهل العلم فيه!

فإذا كان البحث هو لضبط هذه القرينة واستعمالها وفق منهج المحدثين، فلم القول: "أو ما يقارب منهجهم"!

كيف يعني "ما يقارب منهجهم"؟!!

ثم هذه القواعد التي ستذكرها الباحثة هي حقيقة تكرار لفروع هذه المسألة في ثبوت بعض الروايات وضعف بعضها، أو مصير الراوي إلى نسخ ما روى أو حمله على معنى آخر يحتمله، ونحو ذلك.

·       نقد القاعدة الأولى عند الباحثة:

ذكرت الباحثة: "القاعدة الأولى:

أن يكون المنقول من رأي الراوي أقوى من الحديث المرفوع، فإذا كان المنقول عنه من رأيه أصح فإنه يُقدّم، وإذا كان ما نُقل عنه من المرفوع أصح، فإنه يُقدّم.

مثاله: قال ابن حزم في معرض ردِّه على من ضعف حديث «غسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب سبع مرات» (بمخالفة راويه أبي هريرة له): (أنه لو صح عن أبي هريرة خلاف ما روى، فقد رواه من الصحابة غير أبي هريرة رضي الله عنه، وهو ابن مغفل، ولم يخالف ما روى).

قلت: يشير ابن حزم إلى أنّ رواية أبي هريرة رضي الله عنه الموقوفة المخالفة لهذا الحديث المرفوع هذه في نفسها ضعيفة لا يحتج بها، فلا يصح حينئذ القول بالإعلال لمخالفة الراوي لما رواه في هذا الحديث خاصة لتخلف شرط التساوي في القوة، فالمرفوع مخرّج في «الصحيحين»، فهو أصح بلا شك من الحديث الموقوف على أبي هريرة ثم استشهد ابن حزم برواية ابن المغفل رضي الله عنه" انتهى كلام الباحثة.

أقول:

لا شك أن هذه القاعدة هي الأصل عند أهل النقد، فلا نحكم لنقل ضعيف رُوي عن صحابي في مخالفة ما ثبت عنه مرفوعاً، ولا العكس، وهذا هو أساس هذه المسألة، وقد تكلّم على ذلك الباحث عادل المطرفي بتفصيل عندما تحدّث عن الفرق بين أهل الحديث والأصوليين في هذه المسألة.

فأصل المسألة في تساوي الروايتين عن الصحابي الواحد، ولهذا قال الباحث المطرفي: "فالفقهاء والأصوليون إنما يبحثون المسألة بعد فرض الصحة في كلتا الروايتين، وإذا فرضت الصحة فالبحث سوف يتجـه إلى الكلام  في مـعنى الحديث".

وأما قول الباحثة عن كلام ابن حزم: إنه أشار للتضعيف! فهو قد صرّح به، والباحثة اعتمدت هذا النقل من كتاب ابن دقيق العيد فوثقت في الحاشية: "نقله ابن دقيق العيد في «شرح الإلمام بأحاديث الأحكام» (1/406)"!!

والعجب من الباحثة كيف تنقل الكلام بواسطة وهو في كتاب ابن حزم «المحلى» (1/124) تحت مَسْأَلَة وُلُوغ الكَلْبِ فِي الْإِنَاءِ.

قال ابن حزم: "وَاحْتَجَّ لَهُ بَعْضُ مُقَلِّدِيهِ بِأَنْ قَالَ (إنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - وَهُوَ أَحَدُ مَنْ رَوَى هَذَا الْخَبَرَ - قَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ خَالَفَهُ)!

فَيُقَالُ لَهُ هَذَا بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّهُ إنَّمَا رَوَى ذَلِكَ الخَبَرَ السَّاقِطَ عَبْدُالسَّلَامِ بنُ حَرْبٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَلَا مُجَاهَرَةَ أَقْبَحُ مِنْ الِاعْتِرَاضِ عَلَى مَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ - النُّجُوم الثَّوَاقِب - بِمِثْلِ رِوَايَةِ عَبْدِالسَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ.

وَثَانِيهَا: أَنَّ رِوَايَةَ عَبْدِالسَّلَامِ - عَلَى تَحْسِينِهَا إنَّمَا فِيهَا أَنَّهُ يُغْسَلُ الْإِنَاءُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمْ يَحْصُلُوا إلَّا عَلَى خِلَافِ السُّنَّةِ وَخِلَافِ مَا اعْتَرَضُوا بِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَلَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اتَّبَعُوا وَلَا أَبَا هُرَيْرَةَ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ قَلَّدُوا.

وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَمَا حَلَّ أَنْ يُعْتَرَضَ بِذَلِكَ عَلَى مَا رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ إنَّمَا هِيَ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا فِي قَوْلِ أَحَدٍ سِوَاهُ، لِأَنَّ الصَّاحِبَ قَدْ يَنْسَى مَا رَوَى وَقَدْ يَتَأَوَّلُ فِيهِ، وَالْوَاجِبُ إذَا وُجِدَ مِثْلُ هَذَا أَنْ يُضَعَّفَ مَا رُوِيَ عَنْ الصَّاحِبِ مِنْ قَوْلِهِ، وَأَنْ يُغَلَّبَ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا أَنْ نُضَعِّفَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنُغَلِّبَ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ الصَّاحِبِ، فَهَذَا هُوَ الْبَاطِلُ الَّذِي لَا يَحِلُّ.

وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ حَتَّى لَوْ صَحَّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ خِلَافُ مَا رَوَى - وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ - فَقَدْ رَوَاهُ مِنْ الصَّحَابَةِ غَيْرُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ ابْنُ مُغَفَّلٍ، وَلَمْ يُخَالِفْ مَا رَوَى" انتهى.

وابن دقيق العيد قد لخص كلام ابن حزم، فقال: "وأمَّا ابنُ حزم فإنَّهُ ردَّ روايةَ عبدِ الملك بوجوهٍ:

أحدها: أنَّ عبدَالسلام بنَ حربٍ ضعيفٌ.

وثانيها: أنَّ رواية عبدالسلام بن حرب إنَّما فيها: أنَّهُ يغسلُ الإناء ثلاثَ مرات؛ يريد: أنهم لا يقولون بالثلاثِ.

وثالثها: أنَّ الحجةَ في قول النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لا في قولِ أحدٍ غيره.

ورابعها: أنَّهُ لو صحَّ عن أبي هُرَيرَةَ خلافُ ما رَوَى، فقد رواه من الصحابةِ غيرُ أبي هُرَيرَةَ، وهو ابن مغفل، ولم يخالِفْ ما رَوَى.

هذا مُلخَّصُ ما تحصَّلَ من كلامه بعد حذف بعضِهِ وتشنيعٍ ما شَنَع به" انتهى.

أقول: فكان الأصل بالباحثة الرجوع للأصل لا النقل بواسطة! ثم هي أوردت مثالاً واحداً على هذه القاعدة وهو: ضعف ما نقل من رأي الراوي في مقابل ثبوت ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم.

·       نقد القاعدة الثانية عند الباحثة:

ثم ذكرت الباحثة: "القاعدة الثانية:

أن لا يمكن الجمع بين الروايتين - المرفوعة والموقوفة - بأي وجه، فإذا أمكن الجمع فلا يحكم على حديثه بالنكارة، ولا على ما نقل عنه من رأيه بالغلط.

قال النووي: (ولا خلاف بين العلماء أنه إذا أمكن الجمع بين الأحاديث لا يصار إلى ترك بعضها، بل يجب الجمع بينها والعمل بجميعها)...

وهذه القاعدة مقيّدة بما جاء في القاعدة الأولى من وجوب تساوي الروايتين في القوة، فمتى ثبتت صحة الروايتين ينتقل الناقد إلى محاولة الجمع بين المرويات بأحد وجوه الجمع المعروفة. أما مع ضعف إسناد إحداهما فلا يصار إلى الجمع" انتهى الباحثة.

أقول:

كان ينبغي للباحثة الإتيان بمثال على هذه القاعدة وتطبيقها! وما ذكرته يذكره أهل العلم عادة في باب «مُختلف الحديث»؛ لأن الرواية تكون عن صحابيين، وأما هنا فالرواية عن صحابي واحد، نُقل عنه رواية صحيحة، وأخرى صحيحة من قوله تنافي ما روى!

وقد ذكر الباحث د. عادل المطرفي ما يتعلق بهذه المسألة تحت عنوان «منهج الأئمة في الإعلال بالمخالفة»، فقال: "يمكن استظهار منهج الأئمة في إعلالهم الحديث بمخالفة راويه له من خلال هذه النقاط الآتية:

النقطة الأولى: لا بد من تحقق المخالفة بين الرواية والرأي المخالف.

ولذا فيشترط في الرأي المخالف حتى تصح مخالفته للرواية، شرطان.

الأول: صحة سند الرأي.

الثاني: المخالفة المعتبرة بين رأي الراوي وحديثه المرفوع.

واشتراط هذين الشرطين ظاهر من عمل الأئمة".

ثم قال: "الشرط الثاني: المخالفة المعتبرة بين رأي الراوي وحديثه المرفوع.

ولا تكون المخالفة معتبرة إلا بعد تحقق أمرين لا بد منهما:

الأمر الأول: إثبات قيام المخالفة بين الرواية والرأي.

الأمر الثاني: إثبات عدم إمكانية الجمع بين الرواية والرأي على طريقة الأئمة في معالجتهم المخالفة.

فهذان أمران منفصلان لا بد من تحققهما في المخالفة المعتبرة، إذ قد يظن البعض قيام المخالفة بين الرواية والرأي، فيذهب إلى أوجه يجمع بها وقد يغرق في ذلك ويذهب بعيداً، وقد لا تكون هناك مخالفة أصلاً، وإنما المخالفة في ظنه فقط".

ثم أتى بمثال على ذلك.

·       نقد القاعدة الثالثة عند الباحثة:

ثم قالت الباحثة: "القاعدة الثالثة:

أن تكون المخالفة في الرواية الموقوفة حقيقية، بحيث لا يكون هناك سبب ظاهر لوقوع المخالفة، كأن يروي الراوي حديثاً في حكم ما وهو منسوخ ولا يبلغه النسخ أو التخصيص..." انتهى كلام الباحثة.

أقول:

هذا قد بينه غالب من تكلم على هذه المسألة من أهل الحديث والأصول؛ لأنه لا يمكن للصحابي أن يروي حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يخالفه بقول له!

وأسهب في بيان ذلك أيضاً الباحثان: عبدالله المطرفي، وعادل المطرفي في رسالتيهما.

·       نقد القاعدة الرابعة عند الباحثة:

ثم قالت الباحثة: "القاعدة الرابعة:

أن تكون المخالفة في أمر شرعي لازم الأداء أو الترك، وليست مما كان الأمر فيه واسعاً أو في باب الرخص أو فضائل الأعمال".

ثم مثّلت لذلك بحديث عقبة بن عامر الجهني الذي سبق وأن ذكرته من قبل. انتهى.

أقول:

وهذا أيضاً فيه تكرار من الباحثة، وأهل العلم لم يعدوا ما مثل هذا من المخالفة.

وقد أجاد الباحث د. عادل المطرفي في توضيح ذلك، ومما قاله: "ومن جهة أخرى فيما يتعلق بتحقيق المخالفة:

أن ما صححه الأئمة وتركوا إعلاله لعدم قيام المخالفة، أو قيامها لكن مع وجود ما يمكن به الجمع، قد يُنسب إليهم البعض بسبب هذا التصحيح عدم الإعلال بالمخالفة في أصل المسألة، وذلك لظن الشخص أن المخالفة قائمة في ذلك المثال...".

وقال: "وقد يكون ما صححه الأئمة في هذا، ليس هو من باب المخالفة أصلاً، أو ظاهر عدم دخوله في هذا الباب.

ويمكن التمثيل على ذلك بأنواع ليست من باب المخالفة:

أولاً: ما كان من قبيل الرخصة، أو فهمه الراوي على أنه من هذا القبيل، فإذا ترك الراوي ما كان من هذا النوع مع روايته الحديث فإن ذلك لا يعد مخالفة لحديثه...".

ثم قال: "خامساً: ما لا علاقة له بالأحكام، كأمور الزهد مثلاً" انتهى كلامه.

قلت: فهذا كله لا يدخل في باب المخالفة في هذه المسألة.

·       نقد القاعدة الخامسة عند الباحثة:

ثم قالت الباحثة: "القاعدة الخامسة:

لا يحكم على أصل الحديث بالرد وإن كان إسناده ضعيفاً لمجرد مخالفة أحد الرواة له، فقد يكون الحديث ثابتاً من طرق أخرى أصح من هذه الطريق، فيكون الحديث صحيحاً أو حسناً بمجموع طرقه، وتأتي المخالفة من أحد الرواة لأحد الأسباب كالنسخ أو النسيان للرواية" انتهى كلام الباحثة.

أقول:

عمل الأئمة النقاد الذين تقول الباحثة بأنهم هم العمدة في هذا الباب بخلاف ما ذكرته هنا!

فالناقد يحكم على هذه الرواية الضعيفة بثبوت ما رُوي عن الراوي من قوله، وثبوت ذلك الحديث من طريق آخر عن صحابي آخر لا علاقة لنا به في مسألتنا هذه، فالباحثة تخلط بين الأمور هنا!

وكأن الباحثة فهمت هذا من كلام للباحث د. عادل المطرفي، وإن كان كذلك فهي لم تفهم كلامه على حقيقته!

قال الباحث د. المطرفي: "إن التضعيف بالمخالفة خاص بطريق الحديث عن ذلك الراوي المخالف، فإذا جاء الحديث من طريق غيره فلا يستنكر لأجل هذه العلة. وهذا ظاهر حين يكون الراوي المخالف صحابياً، فما رواه صحابي آخر فهو حديث آخر لا علاقة له بالحديث السابق. فإن كان الراوي من دون الصحابي فإنه كذلك أيضاً. فالحديث الذي يستنكر عن عائشة لمخالفة عائشة له، قد يصح عن غيرها إذا سلم من مثل هذه المخالفة، والحديث الذي يستنكر عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، لأجل مخالفة سعيد له، قد يصح عن ابن عمر من غير طريق ابن المسيب..." انتهى كلامه.

قلت: فالباحث نعم يقول بعدم استنكار الحديث بهذه العلة إذا جاء عن صحابي آخر أو راو آخر، لكنه في الوقت نفسه لا ينفي تعليل تلك الطريق، فهذه مسألة وهذه مسألة أخرى.

رابعاً: الأمثلة التطبيقية لمخالفة الراوي لما رواه وأثرها على روايته:

ذكرت الباحثة في المبحث الثالث أربعة أمثلة على مخالفة الراوي لما رواه، والأصل من خلال عنوان هذا المبحث أن تبيّن لنا أثر هذه المخالفة على رواية الراوي، لكن عند التحقيق لم نجد هذا الأثر!

وكانت الباحثة قد قالت في مقدمة بحثها تحت عنوان: "الإضافة العلمية لهذا البحث" - تقصد الإضافة على الدراسات السابقة لهذا الموضوع -: "ضرب أمثلة تطبيقية جديدة لم ترد في الدراسات السابقة، وهذا يثري الساحة العلمية بأمثلة قلّ من تطرق لها بالبحث والدراسة".

أقول: سننظر في هذه الأمثلة ونرى هذه الإضافة العلمية التي أضافتها الباحثة، وهل تنطبق على موضوع البحث أصلاً؟!

·       نقد المثال الأول عند الباحثة:

قالت الباحثة: "المثال الأول: حديث الزبير بن الشعشاع أبو خثرم الشني، عن أبيه قال: «سألت علياً عن أكل لحوم الحمر الأهلية؟ فقال: كُلْها هكذا وهكذا وهكذا».

وخرجت الحديث في الحاشية، ثم ذكرت:

"الكلمة الدالة على قرينة مخالفة الراوي لما رواه من كلام العلماء:

قال البخاري: (لا يصح؛ لأن علياً روى أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه).

وقال العقيلي: (ولا يتابع عليه، ولا يُعرف إلا به، وقد روي عن علي بإسناد جيد: «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية»، رواه الزهري عن عبدالله والحسن ابني محمد بن علي عن أبيهما، عن علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم).

قلت: أعلّ كلٌّ من البخاري والعقيلي الرواية الموقوفة المخالفة، وصححا الرواية المرفوعة؛ لأنها أصح إسناداً وهو ما سبق ذكره في القاعدة الأولى من قواعد هذا البحث، وهي أن القاعدة في بيان الراجح من إحدى الروايتين هو صحة الإسناد سواء كان الترجيح للمرفوع كما في هذا المثال، أو كان للترجيح للموقوف كما سيأتي في باقي الأمثلة، وفي هذا بيان دقة المحدثين، وقد استشهد كلٌّ من البخاري والعقيلي بقرينة أنه لا يظن أن علياً رضي الله عنه يروي النهي ثم يخالفه إلى غيره" انتهى.

أقول: هذا مثال جيد في تعليل ما رُوي من قول صحابي بما خالفه من ثبوت ما رُوي عنه، لكن هل يصح أن نقول هنا: قد خالف الصحابي ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله؟ وما أثر ذلك على روايته كما ذكرت الباحثة في عنوان هذا المبحث؟!

هذا المثال يدخل في باب إعلال المحدثين لما روي عن بعض الصحابة بإسناد ضعيف، وقد خالف ما هو ثابت عنهم من الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا موضوع رسالة الباحث د. عادل المطرفي.

فلو أن الباحثة مثلاً جمعت ما ضعّف فيه البخاري الروايات من خلال ما ثبت عن الصحابة من مرويات لكان بحثاً جيداً، لكنها لم تضف شيئاً جديداً كما ادعت، بل إن هذا المثال لا ينطبق على موضوع البحث وهو مخالفة الراوي لما يرويه.

أما في باب الإعلال فهذا أمر آخر.

ومما يُعاب على الباحثة هنا وهي تتكلم في الحديث هو عدم ضبطها لأسماء الرواة! في حين أنها تضبط ما لا يحتاج لضبط مثل: "إنَّ"، "كُلْها"، كلٌّ"!! فهل هذه تحتاج لضبط، و" الشَّعْشَاع أبو خَثْرَم الشَّنِّيّ" لا يحتاج لضبط!!!

وذكرت الباحثة في الحاشية في تخريج الحديث ما جاء في «ضعفاء العقيلي»: "من طريق طلحة بن الحسين العبدي عن الزبير بن الشعشاع...".

ثم ذكرت أن فيه: "طلحة بن الحسين: نسبه البخاري كما في «التاريخ الكبير» (رقم1835) فقال: (طلحة بن الحسين الشَّنَي)، وكذلك وقع في «الإكمال» لابن ماكولا (4/505)، وفي «الأنساب» للسمعاني (8/162)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (رقم7986)، إلا أنه نسبه فقال: (الليثي). ومما يرجح النسبة الأولى أن نسبة شيخه الزبير بن الشعشاع «الشني»...".

قلت: هنا ملاحظات:

أولاً: ذكرت الباحثة ما جاء في مطبوع كتاب العقيلي: "طلحة بن الحسين العبدي"، ثم ذكرت أنه طلحة بن الحسين الشّني"، وكان ينبغي لها أن تبين أن كليهما صحيح؛ لئلا يظن بعضهم أنه تحريف أو تصحيف، فالشني عبدي، و«الشَّنّي» - بفتح الشين المعجمة وكسر النون المشددة - النسبة إلى شنّ، وهو بطن من عبد القيس، وهو شن بن أفصى بن عبد القيس ابن أفصى بن دُعْمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار. و«العبديّ» - بفتح العين وسكون الباء المنقوطة بواحدة وفي آخرها الدال المهملة - فهذه النسبة إلى عبد القيس في ربيعة بن نزار، وهو عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار.

وقد يتحرّف إلى "العنبري"! ولا يجتمع الشني والعنبري، فـ«العنبري» نسبة إلى العنبر بن عمرو بن تميم بن مرة بن طابخة بن الياس بن مضر بن نزار.

ثانياً: نسبت إلى ابن حبان أنه نسبه "الليثي" معتمدة أيضاً على ما في مطبوع «الثقات»! وهذا ليس بصحيح، فالمطبوع مليء بالتحريفات والتصحيفات، والصواب: "الشني" تحرفت إلى "الليثي" فلا يجوز النسبة إلى ابن حبان أنه نسبه ليثياً. وقد أشار المعلمي إلى هذا أيضاً وسيأتي كلامه بنسبته ذلك إلى ابن حبان!

ثالثاً: هناك اختلاف كثير في رسم كنية الزبير بن الشعشاع في الكتب المطبوعة! وكان ينبغي على الباحثة تحرير ذلك! فهي اعتمدت: "أبو خثرم" ومضت!

جاء في كتاب «الإكمال» لابن ماكولا (4/503): "أبو حترم"!

قال: "وأما الشني بشين معجمة مفتوحة بعدها نون"، ثم قال: "والزيير بن الشعشاع أبو حترم الشني، روى عن أبيه، عن علي رضي الله عنه. روى عنه: طلحة بن الحسين الشني".

وفي «الأنساب» (8/162) للسمعاني: "وأبو حترم الزبير بن الشعشاع الشني، يروي عن أبيه عن علي رضى الله عنه، روى عنه: طلحة بن الحسين الشني".

وجاء في بعض المطبوعات «أبو خُتْرم»!

قال المعلمي في تعليقه على «التاريخ الكبير» (3/417): "ذكر ابن ماكولا ومن بعده أنه شني كالراوي عنه، وذكروا له كنية لم أقف على صحة ضبطها، ففي نسخة «الإكمال»: «أبو حزم»، وفي «الأنساب» لابن السمعاني: «أبو حيرم»، وفي «لسان الميزان» (2/472): «أبو خنزم»، والله اعلم".

ثم قال: "وقع في الأصل «السني»، وفي «الثقات»: «الليثي»، ولم ينسبه ابن أبي حاتم، وضبطه ابن ماكولا «الشني»، وكذلك ابن السمعاني في «الأنساب»، وابن حجر في «التبصير»، ولم يعرفوا من حاله بأكثر مما وقع في هذا السند، وشن من عبد القيس، وهذا يدل أنه غير طلحة بن حسين العنبري الذي ذكره المؤلف وغيره، والله أعلم".

وقال في تعليقه على «الجرح والتعديل» (3/583): "وذكر البخاري والمؤلف في باب طلحة: طلحة بن الحسين العنبري عن الشعبي، وعنه: التبوذكي. والظاهر أن هذا آخر لأن الشني لا يجتمع مع العنبري في حلق النسب، وذكر المؤلف طلحة بن جبير وليس هناك ما يشعر بأنه هذا، فالأشبه أن هذا طلحة بن حسين آخر لم يذكروه، والله أعلم".

قلت: يُشبه أن يكون ما جاء في ترجمة "طلحة بن حسين العنبري" محرّف! وكأن الصواب: "العبدي" فيكون هو نفسه الذي روى هذا الموقوف، ويؤيده أن الراوي عنه عبدالصمد بن عبدالوارث البصري (ت223هـ)، والآخر الذي يروي عنه موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري (ت207هـ) كلاهما من الطبقة نفسها، ومن البلد نفسها، والذي يروي عنه التبوذكي يروي عن الشعبي، والشعبي كوفي، والذي يروي عنه عبدالصمد يروي عن الزبير هذا، وعداده في الكوفيين، فالميل أنهما واحد، ولهذا ذكر البخاري ترجمة واحدة فقط، وتبعه أبو حاتم على ذلك، والله أعلم.

وعدم ضبط أهل العلم لهذه الكنية، فكل كتبها بحسب ما رآه من الكتاب الذي نسخ منه.

والخلاصة أن هذا الموقوف لم يثبت عن عليّ - رضي الله عنه - في إباحته لأكل لحوم الحمر الأهلية؛ لأن إسناده مجهول، ويؤيده أنه ثبت عنه أنه روى تحريم ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فالناقد هنا - البخاري - أيّد تضعيفه لهذا الموقوف بما ثبت من روايته وصح عنه خلاف هذا، وتبعه العقيلي عليه.

هذا وقد ذكر الباحث د. عادل المطرفي هذا المثال في رسالته في مبحث "استقلالية المخالفة بالإعلال"، فقال: "بتتبع ما أعله الأئمة من رأي الراوي بروايته، فإن الذي يتبين من منهجهم في ذلك أنهم يعلون:

حين يكون رأي الراوي قد روي بإسناد مجهول عند الإمام الناقد.

أو يكون هذا القول يروى عنه بغير إسناد يقف عليه الناقد.

أو تقع المخالفة بجانب علة أخرى ينص عليها الإمام الناقد.

أو يذكر الإمام الناقد مع الحديث المرفوع من قول الراوي الثابت عنه ما يخالف ذلك القول، فيكون القول الموافق للحديث أولى من القول المخالف للحديث.

ففي الرواية المرفوعة حينئذ ٍمستمسك لتضعيف رأي الراوي المخالف أولاً: من جهة أنه لم يثبت عنه، وثانياً: أنه قد جاء عنه من روايته المرفوعة ما يخالف قوله".

ثم مثّل لذلك بعدة أمثلة، ومنها قال:

قال البخاري في التاريخ الكبير: (الزبير بن الشعشاع، عن أبيه، سمع علياً: كل لحوم الحمر الأهلي، قال عبدالصمد: سمع طلحة بن حسين الشَنِّيّ، سمع زبيراً، ولا يصح، لأن علياً روى أن النبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عنه).

والزبير بن الشعشاع، ذكره البخاري كما هو هنا في تاريخه، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، والذهبي في الميزان، ولم يذكروا فيه شيئاً، وذكره ابن حبان في الثقات. ولم أجد ترجمة للشعشاع والد الزبير" انتهى كلامه.

قلت: فهذا المثال ليس إضافة من الباحثة كما قالت!

·       نقد المثال الثاني عند الباحثة (ويشتمل على أخطاء في التخريج وطريقة عرضه):

ثم قالت الباحثة: "المثال الثاني: حديث ابن عباس رضي الله عنه: «أن امرأة من نساء النبي صلى الله عليه وسلم استحمت من جنابة، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يستحم من فضلها، فقالت: إني اغتسلت منه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الماء لا ينجسه شيء».

وقالت في تخريج الحديث في الحاشية:

"أخرجه عبدالرزاق في «المصنف» (ح396) وأحمد في «مسنده» (ح2100) والنسائي في «سننه» - كتاب المياه - بدون باب - (ح325)، وابن حبان في «صحيحه» (ح1242) والطبراني في «المعجم الكبير» (11/274). جميعهم (عبدالرزاق، وأحمد، والنسائي، وابن حبان، والطبراني) من طريق سفيان الثوري. وأخرجه عبدالرزاق في «مصنفه» (ح397) عن إسرائيل بن يونس. كلاهما (سفيان، وإسرائيل) بلفظ: «أن امرأة من نساء النبي صلى الله عليه وسلم استحمت من جنابة، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يستحم من فضلها، فقالت: إني اغتسلت منه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الماء لا ينجسه شيء». وأخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (ح1514)، والترمذي في «سننه» - أبواب الطهارة - باب الرخصة في ذلك «يعني فضل طهور المرأة» - (ح65) والطبراني في «المعجم الكبير» (11/274)، ثلاتهم: (ابن أبي شيبة، الترمذي، والطبراني) من طريق أبي الأحوص، وقال ابن أبي شيبة: حدثنا أبو الأحوص. لفظ أبي الأحوص عند ابن أبي شيبة مختصراً: «الماء لا يجنب». وعند الطبراني بمثل لفظ سفيان. وأخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» - (ح91) والحاكم في «المستدرك» (ح565) كلاهما (ابن خزيمة، والحاكم) من طريق محمد بن بكر عن شعبة بن الحجاج. وأخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (11/274) من طريق حماد بن سلمة. رواه بمثل رواية (سفيان، وحماد) إلا أنه قال: «الوضوء» مكان «الغسل». جميعهم (سفيان، وإسرائيل، وأبو الأحوص، وشعبة، وحماد) عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - مرفوعاً. وأخرجه ابن جرير الطبري في «تهذيب الآثار» - مسند ابن عباس (ح2041) من طريق حماد بن سلمة. كلاهما (شعبة، وحماد) عن سماك عن عكرمة مرسلاً" انتهى كلام الباحثة.

أقول:

هذا التخريج لا يليق بمن يحمل شهادة الدكتوراه في الحديث الشريف، ويتكلم في موضوعات العلل! وها هنا ملاحظات:

أولاً: لم تجر العادة في التخريج أن يذكر المشتغل به أن يذكر مصادر التخريج، ثم يجمع أصحاب المصنفات ويقول: "جميعهم: عبدالرزاق، وأحمد..." بهذا الأسلوب!

وإنما يُذكر المصدر من هذه المصنفات ويُبيّن المخرِّج الراوي عن مدار الحديث ليصلح أن يقول بعدها كما ذكرت الباحثة بعد: "كلهم فلان وفلان... عن سماك".

ثانياً: رواية أحمد والطبراني من طريق عبدالرزاق، فلا يصلح التخريج هكذا!

فالأصل أن تقول الباحثة: أخرجه عبدالرزاق في «مصنفه» عن الثوري. وأخرجه من طريق عبدالرزاق: أحمد في «مسنده» (4/343) برقم: (2566)، والطبراني في «المعجم الكبير» (11/274) برقم: (11714).

ثالثاً: رواية النسائي، وابن حبان من طريق عَبْداللَّهِ بن المُبَارَكِ، عَنْ سُفْيَانَ.

فالأصل أن يكون التخريج هكذا:

أخرجه عبدالرزاق في «مصنفه» - ومن طريقه أحمد في «مسنده»، والطبراني في «معجمه الكبير» -. وأخرجه أحمد في «مسنده» (4/13) برقم: (2100) عن وَكِيع. وأخرجه النسائي في «سننه»، وابن حبان في «صحيحه» من طريق ابن المبارك، ثلاثتهم (عبدالرزاق، ووكيع، وابن المبارك) عن سفيان الثوري.

ثم ذكرت رواية عَبْدالرَّزَّاقِ عَنْ إِسْرَائِيلَ، [عن سماك].

وكان ينبغي على الباحثة التنبيه على أنه سقط من مطبوع عبدالرزاق «عن سماك»، وجاء فيه: "عن إسرائيل، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، مِثْلَهُ".

رابعاً: قد فات الباحثة مواضع أخرى للحديث عند أحمد وغيره!

فأخرجه أحمد في الموضع السابق كما بينت، وهي إنما ذكرت حديث (2100)، وكذلك حديث (2101)، و(5/22) برقم: (2806) عن وكيع عن سفيان أيضاً.

وأخرجه أيضاً (4/14) برقم: (2102) عن عَلِيّ بن إِسْحَاقَ، عن عَبْداللهِ بن المبارك، عن سُفْيَان.

و(5/21) برقم: (2805) عن عَبْداللهِ بن الوَلِيدِ، عن سُفْيَان.

وقال عبدالله بن أحمد في حديث رقم: (2806): "قَالَ أَبِي فِي حَدِيثِه حَدَّثَنَا بِهِ وَكِيعٌ فِي «المُصَنَّفِ» عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، ثُمَّ جَعَلَهُ بَعْدُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ".

ورواه إسحاق بن راهويه في «مسنده» (2/294) برقم: (1985) عن وَكِيع، عن سُفْيَان.

ثم قَالَ إِسْحَاقُ: "زَادَ وَكِيعٌ بَعْد فِيه عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ".

قلت: يعني كان لا يذكر فيه ابن عباس أولاً، ثم كان يذكره بعد ذلك.

خامساً: الباحثة أحياناً تذكر رقم الحديث من بعض المصادر، وأحياناً تذكر الجزء والصفحة دون الرقم في مصادر أخرى! والأصل أن تذكر الجزء والصفحة ورقم الحديث في كل المصادر مع تحديد الطبعة لاختلاف الأرقام بين الطبعات.

سادساً: أعادت الباحثة ذكر متن الحديث في التخريج مع أنها ذكرته في الأصل، وهذا لا داعي له.

سابعاً: وكذلك الكلام حول رواية أبي الأحوص، فإن الأصوب هو ذكر رواية كل مخرّج عمن رواه عن أبي الأحوص، ثم جمعهم كلهم عن أبي الأحوص.

فنقول:

أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (2/136) برقم: (1522).

والترمذي في «جامعه» (1/121) برقم: (65) عن قُتَيْبَة.

وابن حبان في «صحيحه» (4/47) برقم: (4/47) برقم: (1241) من طريق أَبي مَعْمَرٍ القطَيْعِيّ. [وهذا مما فات الباحثة في التخريج].

والطبراني في «المعجم الكبير» (11/274) برقم: (11716) من طريق مُسَدَّد.

كلهم (ابن أبي شيبة، وقتيبة، وأبي معمر، ومُسدد) عن أَبي الْأَحْوَصِ، عن سماك، بنحو حديث سفيان.

ولفظ ابن أبي شيبة مختصر بلفظ: «المَاءُ لا يُجْنِب».

فلا داعي أن تقول في التخريج: "وقال ابن أبي شيبة: حدثنا أبو الأحوص. لفظ أبي الأحوص عند ابن أبي شيبة مختصراً..."!

فهذا يدل على عدم تمرّس في التخريج وصياغته.

ثامناً: وكذا ما قالته في التخريج من كتابي ابن خزيمة والحاكم.

والصواب أن تقول: أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» (1/48) برقم: (91)، والبزار في «مسنده» [كما في «كشف الأستار عن زوائد البزار» (1/132) برقم: (250) عن أَحْمَد بن المِقْدَامِ العِجْلِيّ، ومُحَمَّد بن يَحْيَى القُطَعيّ.

والحاكم في «المستدرك» (1/262) برقم: (565) من طريق أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، ومُحَمَّد بن يَحْيَى القطعيّ، وأَحْمَد بن المِقْدَامِ.

ثلاثتهم (أحمد بن المقدام، ومحمد بن يحيى، وأحمد بن حنبل) عن مُحَمَّد بن بَكْرٍ البُرْساني، عن شُعْبَة، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

تاسعاً: كان ينبغي على الباحثة بعد أن تستوعب تخريج رواية من رواه عن سماك (الثوري، وإسرائيل، وأبو الأحوص) وكذلك رواه عن سماك: شَريك القاضي، ويزيد بن عطاء، وأسباط، وعنبسة.

ثم ذكر الاختلاف على شعبة، وعلى حماد بن سلمة.

فتقول: وقد رُوي عن شعبة، واختلف عليه:

فرواه مُحَمَّد بن بَكْرٍ البُرْساني، عن شُعْبَة، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

ورواه مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ غُندر، عن شُعْبَة، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مرسلاً. [رواه الطبري في «تهذيب الآثار - مسند ابن عباس» (2/697) برقم: (1037)].

وقد صحح الحاكم رواية محمد بن بكر المتصلة، فقال بعد أن خرّجها: "قَدِ احْتَجَّ الْبُخَارِيُّ بِأَحَادِيثِ عِكْرِمَةَ، وَاحْتَجَّ مُسْلِمٌ بِأَحَادِيثِ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ فِي الطَّهَارَةِ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ، وَلَا يُحْفَظُ لَهُ عِلَّةٌ".

وقد أعلّه الحفاظ، كالبزار، فقال: "لا نَعْلَمُ أَسْنَدَهُ عَنْ شُعْبَةَ إِلا مُحَمَّدُ بنُ بَكْرٍ، وَأَرْسَلَهُ غَيْرُهُ، وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ، عَنْ سِمَاكٍ، فَاقْتَصَرْنَا عَلَى شُعْبَةَ وَالثَّوْرِيِّ، وَلا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلا مِنْ هَذَا الوَجْهِ".

ورواه حماد بن سلمة، واختلف عليه:

رواه يَحْيَى بنُ إِسْحَاقَ السَّيْلَحِينِيُّ، عن حَمَّاد بن سَلَمَةَ، عَنْ سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ. [رواه الطبراني في «المعجم الكبير» (11/274) برقم: (11715)].

ورواه أَبُو دَاوُد الطيالسي، والحَجَّاجُ بن المِنهال، عن حَمَّاد، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مرسلاً. [رواه الطبري في «تهذيب الآثار - مسند ابن عباس» (2/697) برقم: (1038)، و(1039)].

قالت الباحثة بعد أن ذكرت الحديث: "قلت: مداره على سماك بن حرب، يرويه عن عكرمة: وقد اضطرب في روايته خصوصاً عن عكرمة، ويدلُّ على اضطرابه فيها: أنه قد روي عنه هذا الحديث من وجهين:

الوجه الأول: رواه سفيان الثوري، وأبو الأحوص: كلاهما ثقة ثبت، روياه بذكر ابن عباس.

الوجه الثاني: وشعبة بن الحجاج: ثقة ثبت، واختلف على شعبة:

رواه محمد بن بكر: وهو صدوق، رواه عن شعبة متصلاً بذكر ابن عباس.

ورواه محمد بن جعفر بن زياد غندر: ثقة ثبت، رواه عن شعبة مرسلاً".

ثم قال: "جاء عن شعبة ما يُبين سبب روايته للحديث مرسلاً.

قال عبدالله بن أحمد بن حنبل: (قال أبي: قال حجاج: قال شعبة: كانوا يقولون لسماك: عكرمة، عن ابن عباس، فيقول: نعم. قال شعبة: وكنت أنا لا أفعل ذلك به). وفي رواية أخرى: (كان الناس ربما لقّنوه، فقالوا: عن ابن عباس، فيقول: نعم، وأما أنا فلم أكن ألقّنه).

وحماد بن سلمة: ثقة تغير حفظه بآخره، روى الحديث بالوجهين، فلا يقبل منه إلا ما وافق الثقات.

وإسرائيل بن يونس: وهو ثقة متقن، وقد رواه بذكر ابن عباس فيه" انتهى.

وقد ترجمت الباحثة لبعض هؤلاء الأعلام الثقات كالثوري، وشعبة، والبرساني، وغندر، وحماد بن سلمة، وغالب ذلك من كتاب ابن حجر «تقريب التهذيب»!!

والأصل في البحث العلمي أنه لا نترجم للأعلام المشهورين كهؤلاء الكبار، فما الداعي لأن أترجم لشعبة بن الحجاج وأقول عنه: "ثقة حافظ متقن"؟! وكذلك الثوري وغيره! ولا داعي أيضاً لذكر حكم ابن حجر عليهم في كتابه!

والأصل في الترجمة للرواة غير المشهورين، أو المختلف فيهم بين أئمة الجرح والتعديل، وحينها لا يُكتفى بنقل رأي ابن حجر فيهم في «تقريبه»!

قالت الباحثة بعد أن ذكرت الحديث وخرّجته: "قلت: مداره على سماك بن حرب، يرويه عن عكرمة، وقد اضطرب في روايته خصوصاً عن عكرمة، ويدلُّ على اضطرابه فيها: أنه قد روي عنه هذا الحديث من وجهين:

الوجه الأول: رواه سفيان الثوري، وأبو الأحوص: كلاهما ثقة ثبت، روياه بذكر ابن عباس.

الوجه الثاني: وشعبة بن الحجاج: ثقة ثبت، واختلف على شعبة:

- رواه محمد بن بكر: وهو صدوق، رواه عن شعبة متصلاً بذكر ابن عباس.

- ورواه محمد بن جعفر بن زياد غندر: ثقة ثبت، رواه عن شعبة مرسلاً.

قال الدارقطني: (رواه محمد بن بكر، عن شعبة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، وغيره يرويه عن شعبة، عن سماك، عن عكرمة، مرسلاً).

وقال ابن عبدالبر: (إلا أن جلّ أصحاب شعبة يروونه عنه عن سماك عن عكرمة مرسلاً، ووصله عنه محمد بن بكر).

وقال عبدالحق الإشبيلي: (وهذا الحديث لا نعلم أحداً أسنده عن شعبة إلا محمد بن بكر، ورواه غيره مرسلاً).

قلت: جاء عن شعبة ما يبين سبب روايته للحديث مرسلاً.

قال عبدالله بن أحمد بن حنبل: (قال أبي: قال حجاج، قال شعبة: كانوا يقولون لسماك: عكرمة، عن ابن عباس، فيقول: نعم. قال شعبة: وكنت أنا لا أفعل ذلك به). وفي رواية أخرى: (كان الناس ربما لقّنوه، فقالوا: عن ابن عباس فيقول: نعم، وأما أنا فلم أكن ألقّنه).

- وحماد بن سلمة: ثقة تغيّر حفظه بآخره، روى الحديث بالوجهين، فلا يقبل إلا ما وافق الثقات.

- وإسرائيل بن يونس: وهو ثقة متقن، وقد رواه بذكر ابن عباس فيه" انتهى كلام الباحثة.

أقول:

كان ينبغي للباحثة ضبط الاختلاف كما أشرت من قبل، واقتصرت الباحثة في ذكر الوجه الأول على الثوري وأبي الأحوص مع أن إسرائيل رواه مثلهما كما ذكرت هي في التخريج فلا داعي لذكر رواية يونس بعد وأنه رواه بذكر ابن عباس فيه.

ثم إن دعواها أن سماك اضطرب في روايته هذه؛ لأنه روي عنه على وجهين = يعني أنه لم يكن يضبط الحديث، فرواه على الوجهين! والأصح أنه كان يروي الحديث مرسلاً، ثم بعد ذلك لقّنوه الحديث وهو عنده بذكر "ابن عباس" فيه، فأجابهم، فرووه عنه متصلاً، ولهذا أشار أهل العلم أنه كان يُلقّن بأخرة.

وإيراد الباحثة لما قاله شعبة عن تلقين الناس لسماك وأنه سبب روايته للحديث مرسلاً = يعني أن شعبة لم يسمعه مرسلاً، وإنما لأنهم لقنوه "ابن عباس" فيه، فرواه هو هكذا بالإرسال! وهذا سوء فهم لما ذكره شعبة!

بل إن شعبة روى هذا الحديث كما سمعه من سماك قديماً بالإرسال، والقصة التي ذكرها ليست مختصة بهذا الحديث، وإنما هو ذكر ذلك إخباراً بأنهم كانوا يلقنونه، وهو لم يكن يفعل ذلك.

رَوَى أَحْمَدُ بنُ سَعْدٍ، عَنِ ابنِ مَعِيْنٍ أنه قال في سماك: "ثِقَةٌ، وَكَانَ شُعْبَةُ يُضَعِّفُهُ. وَكَانَ يَقُوْلُ فِي التَّفْسِيْرِ: عِكْرِمَةَ، وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَقُوْلَ لَهُ: ابنَ عَبَّاسٍ، لَقَالَهُ".

ثُمَّ قَالَ يَحْيَى: "فَكَانَ شُعْبَةُ لاَ يَرْوِي تَفْسِيْرَهُ إِلاَّ عَنْ عِكْرِمَةَ - يَعْنِي: لاَ يَذْكُرُ فِيْهِ ابْنَ عَبَّاسٍ-".

وقالَ ابنُ المَدِيْنِيِّ: "أَحَادِيْثُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ مُضْطَرِبَةٌ. فَشُعْبَةُ وَسُفْيَانُ يَجعلُونَهَا عَنْ عِكْرِمَةَ، وَغَيْرُهمَا أَبُو الأَحْوَصِ وَإِسْرَائِيْلُ يَقُوْلُ: عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ" = يعني أنهم كانوا يلقنونه "عن ابن عباس".

قلت: وهذا الحديث المتصل من رواية سفيان، فجعله سفيان عن عكرمة عن ابن عباس؛ لأنهم لقنوه الحديث هكذا، وشعبة كان يعلم بذلك فلم يكن يروي عنه ما يلقنونه إيّاه.

وكان على الباحثة التعرض لقول ابن حجر في «فتح الباري» (1/300) حول هذا الحديث: "قَدْ أَعَلَّهُ قَوْمٌ بِسِمَاكِ بنِ حَرْبٍ رَاوِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَقْبَلُ التَّلْقِينَ، لَكِنْ قَدْ رَوَاهُ عَنْهُ شُعْبَةُ وَهُوَ لَا يَحْمِلُ عَنْ مَشَايِخِهِ إِلَّا صَحِيحَ حَدِيثِهِمْ".

فقول ابن حجر هذا فيه نظر! فشعبة لم يرويه عنه متصلاً، وإنما رواه عنه مرسلاً، والذي وصله عنه هو محمد بن بكر البرساني فأخطأ في ذلك.

والبرساني هذا قال فيه ابن حجر نفسه في «تقريبه »: "صدوق قد يُخطئ"، وهذا أعدل الأقوال فيه، وقد أخطأ في حديثه هذا عن شعبة.

والعجب من الباحثة لما ذكرت البرساني في متن الباحث قالت عنه "صدوق"، ثم ذكرت قول ابن حجر فيه في الحاشية: "صدوق قد يخطئ"، ونقلت قول أحمد فيه: "صالح الحديث"، وقول يحيى بن معين: "ثقة"، وقول أبي حاتم: "شيخ، محله الصدق".

وتركت أقوالاً أخرى لأهل العلم فيه ذكرها الخطيب في «تاريخه» وهو المصدر الذي نقلت منه قول أحمد!

وقول أحمد وقول أبي حاتم لا يعني توثيقه مطلقاً، فهو صدوق ويُعتبر بروايته، وهذا يوافق ما قاله ابن حجر، بل قد ضعفه النسائي، فقال في المحاربة من «سننه»: "ليس بالقوي".

وقالَ ابن عمار: "محمد بن بكر البرساني لم يكن صاحب حديث. تركناه لم نسمع منه".

قال الخطيب مُعقباً على قوله هذا: "قلت: يعني أنه لم يكن كغيره من الحفاظ في وقته، وهم يحيى بن سعيد القطان، وعبدالرحمن بن مهدي، وأشباههما".

وقال أبو عُبيد محمد بن علي الآجري: سألت أبا داود، عن محمد بن بكر؟ فقال: "ثقة".

وقال العجلي: "ثقة".

وقال الذهبي: "صدوق مشهور... له ما ينكر".

وقد فات الباحثة قول الإمام البزار في حديث البرساني: "لا نَعْلَمُ أَسْنَدَهُ عَنْ شُعْبَةَ إِلا مُحَمَّدُ بنُ بَكْرٍ، وَأَرْسَلَهُ غَيْرُهُ، وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ، عَنْ سِمَاكٍ، فَاقْتَصَرْنَا عَلَى شُعْبَةَ وَالثَّوْرِيِّ، وَلا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ إِلا مِنْ هَذَا الوَجْهِ".

مع أن كلام البزار نقله عنه كذلك الإشبيلي في كتابه «الأحكام الكبرى» وهو أمام الباحثة ومنه نقلت! لكنها أخطأت في النقل كما سيأتي!

ثم تابعت الباحثة كلامها على الحديث فقالت:

"ضعّف هذا الحديث كل من:

- الإمام أحمد فقال: (أتّقيه لحال سماك ليس أحد يرويه غيره).

- وابن حزم فقال: (لا يصح، سماك بن حرب يقبل التلقين).

وصححه جمعٌ من العلماء، منهم:

- الترمذي، فقال (هذا حديث حسن صحيح).

- وابن عبدالبر: (وقد وَصَلَهُ جَمَاعَةٌ عَنْ سِمَاكٍ مِنْهُمُ الثَّوْرِيُّ وحَسْبُكَ بِالثَّوْرِيِّ حِفْظًا وَإِتْقَانًا... وكُلُّ مَنْ أَرْسَلَ هَذَا الحَدِيثَ فَالثَّوْرِيُّ أَحْفَظُ مِنْهُ...).

والإشبيلي: (وقد رواه جماعة عن سماك، فاقتصرنا على شعبة والثوري، ولا نعلمه يروى عن ابن عباس إلا من هذا الوجه)".

أقول: نقلت الباحثة تصحيح الحديث عن بعض العلماء، وتعليله عن بعضهم، ولم تبيّن رأيها الصريح فيه، لكن كلامها الآتي بعد يدلّ على أنها تصححه لذكرها أن له بعض الشواهد عن أبي سعيد الخدري وعائشة. وفيه نظر! فالحديث مرسل، وشواهده لا تصح.

وما نقلته عن أحمد من كتاب ابن عبدالهادي «تنقيح التنقيح» له تتمة، قال: "وقال أحمد: أتقيه لحال سماك، ليس أحد يرويه غيره. وقال: هذا فيه اختلاف شديد؛ بعضهم يرفعه، وبعضهم لا يرفعه".

وقالت الباحثة عن هذا القول في الحاشية: "ولم أقف عليه بحسب اطلاعي"!

وما نقله ابن عبدالهادي عن أحمد نقله ابن دقيق العيد في كتابه «الإمام في معرفة أحاديث الأحكام» (1/146) قال: "وذكر الخلال رواية شريك من جهة أحمد بن حنبل، عن هاشم بن القاسم، عن شريك، وفي آخره: «إن الماء ليس عليه جنابة، أو لا ينجسه شيء، فاغتسل منه». قال الميموني: قال أبو عبدالله: (لم يجىء بحديث سماك غيره، والمعروف أنهما اغتسلا جميعاً). وقال أبو طالب: قال أحمد: (هذا فيه اختلاف شديد، بعضهم يرفعه، وبعضهم لا يرفعه، وأكثر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: إذا خلت به فلا يتوضأ منه). انتهى ما نقلته من مختصر كتاب الخلال".

فهذا عن أحمد نقله الخلال في كتابه عن الميموني وعن أبي طالب عن أحمد.

وقال ابن رجب في «فتح الباري» (1/283): "وأعله الإمام أحمد بأنه روي عن عكرمة مرسلاً".

وقال مغلطاي في «شرح سنن ابن ماجه» (ص: 206): "وممن ضعّفه الإِمام أحمد بن حنبل بقوله: (هذا حديث مضطرب). ذكره عنه الأثرم في سؤالاته".

وقال ابن دقيق العيد في «الإمام» (1/135): "رأيت في كتاب الأثرم: أن حديث سماك مضطرب عن عكرمة".

وممن صححه أيضاً وفات الباحثة ذكره: ابن خزيمة في «صحيحه»، والحاكم حيث أخرج رواية البرساني عن شعبة ثم قال: "قَدِ احْتَجَّ البُخَارِيُّ بِأَحَادِيثِ عِكْرِمَةَ، وَاحْتَجَّ مُسْلِمٌ بِأَحَادِيثِ سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ، وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ فِي الطَّهَارَةِ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ، وَلَا يُحْفَظُ لَهُ عِلَّةٌ".

ونقل ابن حجر في «التلخيص الحبير» قول الحازمي: "لا يعرف مجوَّدًا إلا من حديث سماك بن حرب، عن عكرمة وسماك مختلف فيه، وقد احتج به مسلم".

ونقل ابن دقيق قول الحافظ أبي عبدالله ابن مَنده: "وسماك مقبول عند مسلم - يعني وأبي داود والنسائي، وعكرمة مقبول عند البخاري - يعني وأبي داود والنسائي -، وسفيان الثوري وإسرائيل وأبو الأحوص - يعني مقبولون عند الجماعة -". انتهى.

وصححه البيهقي في «الخلافيات» (3/83) وقال: "وهكذا رواه سفيان الثوري عن سماك، وروي مرسلاً، ومن أسنده أحفظ".

وقال ابن حجر في «فتح الباري» (1/342): "حَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ الْأَرْبَعَة وابن خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمْ".

ونسبة الباحثة القول: "وقد رواه جماعة عن سماك، فاقتصرنا على شعبة والثوري، ولا نعلمه يروى عن ابن عباس إلا من هذا الوجه" للإشبيلي خطأ شنيع! ولا أدري كيف وقعت في ذلك؟!!

فالإشبيلي ذكر أولاً الحديث عند الترمذي، ثم نقل قول الترمذي فيه: "هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح".

ثم ذكر رواية البزار.

قال: "البَزَّار: حَدثنَا مُحَمَّد بن يحيى القطعِي وَأحمد بن المِقْدَام العجلِيّ، قَالَا: حدثَنَا مُحَمَّد بن بكر، حدثَنَا شُعْبَة، عَن سماك، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس، عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم.

وحدثنا مُحَمَّد بن المثنى، حدثَنَا أَبُو أَحْمد، حدثَنَا الثَّوْريّ، عَن سماك، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس، عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «أَنه أَرَادَ أَن يتَوَضَّأ فَقَالَت لَهُ امْرَأَة من نِسَائِهِ: إِنِّي قد تَوَضَّأت من هَذَا. فَتَوَضَّأ مِنْهُ، وَقَالَ: المَاء لَا يُنجسهُ شَيْء».

وهَذَا الحَدِيث لَا نعلم أحدا أسْندهُ عَن شُعْبَة إِلَّا مُحَمَّد بن بكر، وَرَوَاهُ غَيره مُرْسلا، وَقد رَوَاهُ جمَاعَة عَن سماك، فاقتصرنا على شُعْبَة وَالثَّوْري، وَلَا نعلمهُ يرْوى عَن ابْن عَبَّاس إِلَّا من هَذَا الوَجْه" انتهى.

فهذا القول هو للبزار نقله عنه الإشبيلي، وليس للإشبيلي كما نسبته الباحثة!

ثم أنهت الباحثة هذا المثال بذكر علاقته بموضوع البحث، فقالت: "الكلمة الدالة على قرينة مخالفة الراوي لما رواه من كلام العلماء:

قال الطبري: (والذي يروى عن عكرمة من فتياه في ذلك غير ظاهر هذه الرواية، وفي ذلك عندهم دليل على أنه لو كان عنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر بذلك لما خالفه إلى غيره...).

قلت: وهذا الإعلال بمخالفة الراوي في هذا الحديث لا يصحُّ للأمور التالية:

- لضعف الرواية المخالفة وهي التي ورد فيها التخصيص بذنول وذنوبين.

- وثبت عن عكرمة وابن عباس قولهما: «الماء طهور لا ينجسه شيء».

- ورود للحديث شواهد عن أبي سعيد الخدري وعائشة - رضي الله عنهما-" انتهى كلام الباحثة.

أقول:

جعلت الباحثة هذا المثال في بحثها لما نقله الطبري عن المخالفين ممن يعلون هذا الحديث.

وعادة الإمام الطبري أنه يذكر العلل التي يُعلّ بها المخالفون الحديث بعد أن يذكره، فقال: "القَوْلُ فِي عِلَلِ هَذَا الخَبَرِ: وَهَذَا خَبَرٌ عِنْدَنَا صَحِيحٌ سَنَدُهُ، وَقَدْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَذْهَبِ الْآخَرِينَ سَقِيمًا غَيْرَ صَحِيحٍ لِعِلَلٍ"، ثم ذكر سبع علل، ثم قال: "وَلِهَذَا الحَدِيثَ عِنْدَهُمْ عِلَّةٌ ثَامِنَةٌ، وَهِيَ أَنَّ الَّذِيَ يُرْوَى عَنْ عِكْرِمَةَ مِنْ فُتْيَاهُ فِي ذَلِكَ غَيْرُ ظَاهِرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَفِي ذَلِكَ عِنْدَهُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرٌ بِذَلِكَ، لَمَا خَالَفَهُ إِلَى غَيْرِهِ".

ثم ساق الطبري هذه الرواية وقد أشارت لها الباحثة وضعفتها في الحاشية، فقالت: "روى الطبري قول عكرمة: (إِذَا كَانَ المَاءُ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ، لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ)، أخرجه عبدالرزاق في «مصنفه» (ح261) قال: أخبرنا ابن جريج، أُخبرت عن عمر بن عطاء بن وراز، عن عكرمة. قلت: إسناده ضعيف للانقطاع؛ لقول ابن جريج: «أُخبرت» وهو مدلس من الثالثة. «تعريف أهل التقديس» لابن حجر، وفيه عمر بن عطاء: (ضعفه غير واحد) «المغني في الضعفاء» للذهبي".

أقول: خلطت الباحثة فيما ذكره الطبري في كتابه! فإنه روى الأثر من طريقين:

قال (2/700) (1045): حَدَّثَنَا سَعِيدُ بنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عُمَرَ بنِ عَطَاءٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: «إِذَا كَانَ المَاءُ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ، لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ».

(1046) حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُالرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بنُ مُسْلِمٍ أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ يَقُولُ: «إِذَا كَانَ المَاءُ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ، لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ».

قلت: فالذي فيه قول ابن جريج «أخبرت» هو الأثر الثاني، وهو عن «عمرو بن مسلم» وليس عن «عمر بن عطاء»، فأثر عمر بن عطاء لم يروه عبدالرزاق!

فخلطت الباحثة بين الأثرين!

وكون ابن جُريج بيّن طريقة إخباره للأثر: «أُخبرت» فلا داعي لذكر أنه مُدلِّس، فالذي يُخشى من تدليسه إذا روى الخبر بالعنعنة، لكنه هنا لم يفعل، ولم يذكر من حدّثه أو أنه دلّسه.

فالأثر ضعيف؛ لأن ابن جريج لم يذكر من حدّثه به، وعمرو بن مسلم الجَنَدي اليماني ليس بالقوي.

وأما الأثر الأول الذي فيه «عمر بن عطاء» وهو وإن كانت الباحثة خلطت بين الطريقين؛ إلا أنها قالت بأنه: «عمر بن عطاء بن وراز» ونسبته في الإسناد هكذا! وهو غير منسوب في إسناد الطبري!

وكان ينبغي عليها تحرير من هو «عمر بن عطاء» هذا؟ هل هو: «عُمَر بن عَطَاء بن أَبي الخُوَار المكي مولى بني عامر» أم هو: «عُمَر بن عطاء بن وَرَاز الحجازي»؟!

وقد جمع بينهما ابن حبان في «الثقات» (7/180) فأخطأ، وفرّق بينهما غيره كابن معين، وأحمد، والبخاري، وأبي حاتم، وأبي زرعة، وغيرهم، وهو الصواب كما قال مغلطاي، وابن حجر.

والباحثة ذهبت إلى أنه ابن وزار الضعيف، لكن الصواب أنه ابن أبي الخوار المكي الثقة، وعليه فيكون الأثر صحيحا، والله أعلم.

·       مثال نص عليه الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - يخدم موضوع الباحثة:

تكلّم الشافعي عن مَا جَاءَ فِي نَزْحِ زَمْزَمَ عن ابن عباس، ثم ضعّف ذلك، ثم قال لِمُخَالِفِيهِ: "قَدْ رَوَيْتُمْ عَنْ سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قالَ: «المَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ»، أَفَتَرَى أَنَّ ابنَ عَبَّاسٍ يَرْوِي عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرًا وَيَتْرُكُهُ إِنْ كَانَتْ هَذِهِ رِوَايَتُهُ، وَتَرْوُونَ عَنْهُ أَنَّهُ تَوَضَّأَ مِنْ غَدِيرٍ يُدَافِعُ جِيفَةً، وَتَرْوُونَ عَنْهُ: «المَاءُ لَا يَنْجُسُ»، فَإِنْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا صَحِيحًا فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَنْزَحْ زَمْزَمَ لِلنَّجَاسَةِ وَلَكِنْ لِلتَّنْظِيفِ إِنْ كَانَ فَعَلَ وَزَمْزَمُ لِلشُّرْبِ وَقَدْ يَكُونُ الدَّمُ ظَهَرَ عَلَى الْمَاءِ حَتَّى رُئِيَ فِيهِ" [السنن الكبرى للبيهقي (1/402)].

·       تناقض الباحثة!

وإن تعجب فعجب قول الباحثة: "وثبت عن عكرمة وابن عباس قولهما: «الماء طهور لا ينجسه شيء»"! فهي تثبت هذا عنهما، ثم تضعف ذلك في الحاشية!!

قالت: "أخرج ابن أبي شيبة في «مصنفه» (ح1521) قال: حدثنا هشيم بن بشير، عن حصين بن عبدالرحمن، عن عكرمة قوله. قلت: في إسناده هشيم بن بشير: مُدلّس، ذكره ابن حجر في المرتبة الثالثة من مراتب المدلسين، انظر: «تعريف أهل التقديس» لابن حجر، وقال أبو حاتم الرازي: (كان يدلس عن أبي بشر أكثر مما يدلس عن حصين) «المراسيل» لابن أبي حاتم (رقم868). قلت: وقد روى الحديث بالعنعنة وأثبت له أبو حاتم التدليس عن حصين بن عبدالرحمن وأشار إلى قلته. وأخرج ابن أبي شيبة في «مصنفه» (ح1522) قال: حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي عمر البهراني، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - موقوفاً عليه. قلت: في إسناده الأعمش: مدلس، ذكره ابن حجر في المرتبة الثانية من مراتب المدلسين. «تعريف أهل التقديس» لابن حجر" انتهى كلام الباحثة.

أقول:

انظر كيف تقول الباحثة في المتن: "ثبت عن ابن عكرمة وابن عباس قولهما" = يعني أن ذلك صح عنهما، ثم في الحاشية تُضعّف الأثرين بتدليس هشيم والأعمش؟!!

أما الأثر الأول عند ابن أبي شيبة (2/137) برقم: (1529) قال: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: «المَاءُ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ».

والباحثة قالت بأن فيه هشيم وهو مدلس، ذكره ابن حجر في المرتبة الثالثة من مراتب المدلسين = وهذه المرتبة: "من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع"، وذكرت الباحثة أنه هنا رواه بالعنعنة، ووصفه أبو حاتم بالتدليس عن حصين = وهذا يعني رد روايته!

نعم، هذا الأثر رواه هشيم عن حصين بالعنعنة، لكن هل هذا يعني أنه دلّسه؟

والقول الذي نسبته الباحثة لأبي حاتم: "وَكَانَ يُدَلِّسُ عَنْ أَبِي بِشْرٍ أَكْثَرَ مِمَّا يُدَلِّسُ عَنْ حُصَيْنٍ"! ليس له! وإنما رواه ابن أبي حاتم عن عَلِيّ بن الحَسَنِ الْهِسِنْجَانِيّ، عن إِبْرَاهِيم بن عَبْدِاللَّهِ بنِ حَاتِمٍ الهَرْوِيَّ، فالقول هذا للهَرْوِيَّ.

ومع هذا الخطأ الذي وقعت فيه الباحثة في النقل، فهل تعرف ما معنى هذا الكلام من الهروي؟!

فهًشيم يُدلّس عن شيخيه: حصين بن عبدالرحمن، وأَبِي بِشْرٍ جَعْفَرِ بنِ أَبِي وَحْشِيَّةَ = وكلاهما ثقة، فهل ما يرويه هشيم عنهما يحتاج لأن يكون في صيغة التحديث؟

فها هو البخاري قد خرّج في «صحيحه» لهُشَيْم، عَنْ أَبِي بِشْرٍ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي وَحْشِيَّةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، بالعنعنة.

فحتى لو دلّس هشيم عن هذين الشيخين فهذا لا يؤثر على حديثه، ولهذا قال ابن عدي في ترجمته من «الكامل»: "وهشيم رجل مشهور، وقد كتب عنه الأئمة، وهو في نفسه لا بأس به إلا أنه نُسب إلى التدليس، وله أصناف وأحاديث حسان وغرائب، وإذا حدّث عن ثقة فلا بأس به، ورُبما يؤتى ويوجد في بعض أحاديثه منكر إذا دلّس في حديثه عن غير ثقة".

بل إن هشيماً لا يكاد يُدلّس عن حصين، ولم أجد أئمة النقد والعلل ذكروا له حديثاً واحداً دلسه عنه بخلاف تدليسه عن أبي بشر.

قال عبدالرحمن بن مهدي: "أعلم الناس بحديث حصين قديمها وحديثها: هُشيم".

وقال حرب بن إسماعيل: سمعت أحمد بن حنبل يقول: "ليس أحد أصح سماعًا من حصين بن عبدالرحمن من هشيم، وهو أصح من سفيان".

وقال أحمد في رواية الأثرم: "هشيم لا يكاد يسقط عليه شيء من حديث حصين، ولا يكاد يُدلس عن حصين".

وقول أحمد هذا يعني أنه لم يكن يُدلّس عن حصين، ولهذا قال ابن رجب في «شرح علل الترمذي» (2/857): "ذكر من عرف بالتدليس وكان له شيوخ لا يُدلس عنهم فحديثه عنهم متصل، منهم: هشيم بن بشير: ذكر أحمد أنه لا يكاد يدلس عن حصين".

وقد استنزف هشيم حديث حصين، فهو لا يحتاج إلى أن يُدلّس عنه؛ لأنه سمع كلّ ما عنده.

روى بَحشل في «تاريخ واسط» (ص: 97) قالَ: حدثنا وَهْبُ بنُ بَقِيَّةَ بنِ عُبَيْدِ بنِ شَابُورَ، قَالَ: سمعت هُشيماً يقول: "كتبت عن حصين - يعني بواسط - حتى كنت لألقاه في الطريق فآخذ في طريق آخر".

قلت: يعني لأنه سمع منه كلّ حديثه فلا يحتاج لأن يسمع منه مرة أخرى فقد استنزفه.

والسبب في أن هشيماً كان يُدلّس عن أبي بشر هو: أنه لم يسمع منه كثيراً من حديثه، فكان يأخذ حديثه من أصحابه، ثم يُدلّسه عنه.

قَال أحمد بن علي الأبار: سمعت علي بن حُجر يقول: "هشيم فِي أبي بشر مثل ابن عُيَيْنَة فِي الزُّهْرِيّ، سبق الناس هشيم فِي أبي بشر".

قلت: يعني أن سماع هشيم من أبي بشر مثل سماع ابن عيينة من الزهري.

وهذه المقارنة التي ذكرها علي بن حجر مهمة جداً في بيان حجم ما سمعه هشيم من أبي بشر، فسماعه منه كسماع ابن عيينة من الزهري.

فسُفْيَان بن عُيَيْنَة ولد سنة (107هـ)، وجالس الزهري وهو ابن ست عشرة سنة = يعني سمع ابن عيينة من ابن شهاب سنة (23هـ) أي قبل موته بسنة واحدة، فلم يكثر عنه.

قَالَ إِبْرَاهِيْمُ بنُ عَبْدِاللهِ الهَرَوِيُّ: "سَمِعَ هُشَيْمٌ وابنُ عُيَيْنَةَ مِنَ الزُّهْرِيِّ فِي سَنَةِ ثَلاَثٍ وَعِشْرِيْنَ، فِي ذِي الحِجَّةِ".

وكذلك هشيم وُلد سنة (104هـ)، وسمع من أبي بِشر الواسطي (ت125هـ) وهو صغير قبل موت أبي بشر بيسير.

فطلبة الحديث سبقوه إلى السماع من أبي بِشر، فهشيم الواسطي (ت183هـ) سمع منه لكنه لم يسمع منه كثيراً، وقد سبقه إلى سماع غالب حديثه غيره مثل أبي عَوانة الوضاح اليشكري الواسطي (ت176هـ)، وشعبة بن الحجاج (ت160هـ)، ولهذا كان هشيم يسمع من أبي عوانة عن أبي بشر، ثم يُدلسه ويرويه عن أبي عوانة مباشرة، وكذا يسمع من شعبة عن أبي بشر ثم يدلسه.

وقد ذكر أهل النقد بعض الأحاديث التي دلّسها هشيم عن أبي بشر مما لم يسمعها منه.

- روى هُشَيْم بن بَشِيرٍ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ الخَبَرُ كَالمُعَايَنَةِ، إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ مُوسَى بِمَا صَنَعَ قَوْمُهُ فِي الْعِجْلِ فَلَمْ يُلْقِ الأَلْوَاحَ فَلَمَّا عَايَنَ مَا صَنَعُوا أَلْقَى الأَلْوَاحَ فَانْكَسَرَتْ».

ورواه يَحْيَى بنُ حَسَّانَ، عن هُشَيْم، ثم قَالَ يَحْيَى: "لَمْ يَسْمَعْهُ هُشَيْمٌ".

وذكره ابن عدي في ترجمة هشيم من «الكامل» ثم قال: "ويقال: إن هذا لم يسمعه هشيم من أبي بشر، إنما سمعه من أبي عَوَانة، عن أبي بشر، فدلّسه".

ثم روى من طريق يحيى بن حسان، قال: "هشيم لم يسمع حديث أبي بشر عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس: «ليس الخبر كالمعاينة»، إنما دلسه".

ثم ساقه من طرق عن أبي عوانة عن أبي بشر.

وقال إِسْحَاق بن مَنْصُورٍ: قالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: "لَمْ يَسْمَعْ هُشَيْمٌ حَدِيثَ أَبِي بِشْرٍ: «لَيْسَ الخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ»". [علل الترمذي الكبير (ص387)].

وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» (14/96) (6213) من طريق سُرَيْج بن يُونُسَ، قال: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ، قَالَ اللَّهُ لِمُوسَى: إِنَّ قَوْمَكَ صَنَعُوا كَذَا وَكَذَا، فَلَمَّا يُبَالِ، فَلَمَّا عَايَنَ أَلْقَى الْأَلْوَاحَ».

ثم قال ابن حبان: "ذِكْرُ الخَبَرِ المُدْحِضِ قَوْلَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذَا الخَبَرَ تَفَرَّدَ بِهِ هُشَيْمٌ".

ثم ساقه من طريق أَبي عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، به.

قلت: هشيم أخذه من أبي عوانة فدلسه، والحديث حديث أبي عوانة.

وأخرجه الحاكم في «المستدرك» (2/351) (3250) من طريق سُرَيْج بن النُّعْمَانِ، عن هُشَيْم، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ.

ثم قال: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ".

ولم يتنبّه الحاكم لتدليس هشيم لهذا الحديث!

- قال عبدالله بن أحمد في «العلل» (2/249) (2143): سَمِعت أَبِي يَقُول: حَدَّثَنَا هُشَيْم، عَن أَبِي بشر، عَن عَطاء، قلت لِابْنِ عَبَّاس: «أَسْتَأْذن على أُمِّي وأختي، قَالَ: اسْتَأْذن»، سَمِعت أَبِي يَقُول: "لم يسمعهُ هُشَيْم من أَبِي بشر".

- وقال أيضاً (2/254) (2164): حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَن أبي بشر، عَن أبي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «تَذَاكَرُوا الحَدِيثَ فَإِنَّ الحَدِيثَ يُهَيِّجُ بَعْضُهُ بَعْضًا»، سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: "وَلَمْ يَسْمَعْهُ هُشَيْمٌ مِنْ أَبِي بِشْرٍ، هَذَا حَدِيثُ شُعْبَة".

- وقال (2/264) (2200): حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: زعم أَبُو بشر عَن سَعِيد بن جُبَيْر فِي قَوْله عز وَجل {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ} الْآيَة، قَالَ أَبِي: "لم يسمعهُ هُشَيْم من أَبِي بشر".

- وقال (2/270) (2219): سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ فِي حَدِيثِ هُشَيْمٍ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابن عَبَّاسٍ: «أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ ذَرَارِي المُشْرِكِينَ»، قَالَ أَبِي: "لَمْ يَسْمَعْهُ هُشَيْم من أَبِي بشر".

وكان البخاري يحرص في تخريج حديث هشيم عن أبي بشر في «صحيحه» بذكر سماع هشيم من أبي بشر، ومتابعة أبي عوانة له أحياناً، إلا في حديثين رواهما له عن أبي بشر بالعنعنة!

وعموماً فهشيم لم يكن يُدلّس عن حصين، وروايته عنه متصلة كما نص على ذلك ابن رجب، والرواية السابقة أخرجها أيضاً ابن أبي شيبة في «مصنفه» (2/49) برقم: (1149) قال: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: الحَمَّامُ يَدْخُلُهُ المَجُوسُ والجُنُبُ؟ فقالَ: «المَاءُ طَهُورٌ، لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ».

ورواه ابن الجعد في «مسنده» (ص: 439) برقم: (2998) عن أَبي جَعْفَرٍ الرازي، عَنْ حُصَيْنٍ قَالَ: سَأَلْتُ عِكْرِمَةَ عَنِ الحَمَّامِ يَدْخُلُهُ الجُنُبُ وَاليَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ وَالْمَجُوسِيُّ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ».

وروى عَبْدُالرَّزَّاقِ في «مصنفه» (1/78) برقم: (257) عَنْ مَعْمَرٍ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ عِكْرِمَةَ يَقُولُ: «إِنَّ المَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، والمَاءُ طَهُورٌ».

وأما الأثر الآخر الذي ذكرته الباحثة من «مصنف ابن أبي شيبة» (2/137) برقم: (1530) قال: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي عُمر البَهْرَانِيِّ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، قالَ: «المَاءُ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ».

فذكرت الباحثة أن في إسناده الأعمش وهو مدلس، ذكره ابن حجر في المرتبة الثانية من مراتب المدلسين!

وذكرها لذلك يعني أنها تُضعّف الأثر بعنعنة الأعمش؛ لأنه مدلس!

والمرتبة الثانية من مراتب التدليس التي ذكرها ابن حجر: "من احتمل الأئمة تدليسه وأخرجوا له في الصحيح لإمامته وقلة تدليسه في جنب ما روى كالثوري، أو كان لا يدلس إلا عن ثقة كابن عيينة".

قلت: وهو - وإن ذكر الأعمش في هذه المرتبة - إلا أنه لم يكن مثل الثوري وابن عيينة، ولهذا كان الأئمة يخشون من عنعنة الأعمش.

ولهذا قال شعبة: "كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش، وأبي إسحاق، وقتادة".

قال الحافظ ابن حجر: "فهذه قاعدة جيدة في أحاديث هؤلاء الثلاثة، أنها إذا جاءت من طريق شعبة دلت على السماع ولو كانت معنعنة".

وأَبُو عمر البهراني يَحْيَى بن عُبَيد الكوفي صدوق سمع من ابن عباس، وروى عنه شعبة والأعمش وغيرهما.

وأخرج له مسلم عن ابن عباس من رواية شعبة عنه.

ورواية الأعمش عنه محتملة، ولا أظنه يُدلّس عنه، والله أعلم.

وقول الباحثة: "ورود للحديث شواهد عن أبي سعيد الخدري وعائشة - رضي الله عنهما-" قول غير محقق! وفيه نظر!

فقد أثبتت الباحثة هذين الحديثين دون تحرير!

قالت في الحاشية: "أخرج الترمذي في «سننه» - كتاب الطهارة - باب ما جاء في أن الماء لا ينجسه شيء - (ح66) من حديث أبي سعيد الخدري، قال: قيل: يا رسول الله، أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها الحيض، ولحوم الكلاب، والنتن؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الماء طهور لا ينجسه شيء». قال الترمذي: (هذا حديث حسن، وقد جوّد أبو أسامة هذا الحديث، فلم يرو أحد حديث أبي سعيد في بئر بضاعة أحسن مما روى أبو أسامة" انتهى كلام الباحثة.

أقول:

حديث بئر بضاعة حديث مشهور، وكان ينبغي على الباحثة التفصيل فيه لا أن تقتصر فيه على قول الترمذي وتدلّس على القارئ بأنه ثابت!!

ثم هل يصلح في مثل البحوث المحكمة أن تخرّج الحديث فقط من كتاب الترمذي؟ أهكذا يكون التخريج العلمي؟

ثم أين إسناد الحديث؟!

فالحديث رواه الشَّافعي، وأحمد، وابن أبي شيبة، وأصحاب السنن، والدّارَقطنيّ، والحاكم، والبيهقيُّ، وغيرهم.

وهو مشهور من رواية أَبي أُسَامَةَ حماد بن أسامة الكوفي، عَنِ الوَلِيدِ بنِ كَثِيرٍ المخزومي، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ كَعْبٍ القُرَظيّ، عَنْ عُبَيْدِاللهِ بنِ عَبْدِاللهِ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ، وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الحِيَضُ، وَلُحُومُ الكِلاَبِ، وَالنَّتْنُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لاَ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ».

وقد اختلف في إسناده اختلافاً كثيراً بيّنه الدارقطني في «علله» (11/285) (2287).

والحديث صححه بعض أهل العلم، وضعفه آخرون، والميل إلى تضعيف أقرب، وفيه نكارة! وليس هذا محل تفصيل ذلك.

ثم قالت الباحثة: "وأخرج الإمام أحمد في «مسنده» (ح25389) من طريق محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة، عن يزيد الرشك، عن معاذة، قالت: سألت عائشة عن الغسل من الجنابة؟ فقالت: «إن الماء لا ينجسه شيء، قد كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد يبدأ فيغسل يديه». قلت: إسناده صحيح" انتهى كلام الباحثة.

أقول:

أثبت محققو «المسند»: «إِنَّ المَاءَ لَا يُجَنِّبُهُ شَيْءٌ»، وأشاروا إلى اختلاف هذه اللفظة في النسخ، ثم قالوا: "إسناده صحيح على شرط الشيخين. يزيد الرِّشْك: هو ابن أبي يزيد الضُّبعي".

واكتفاء الباحثة بتخريج الحديث من «المسند» فيه قصور شديد في البحث العلمي!

فالحديث أخرجه ابن الجعد في «مسنده» (ص: 226) (1515) من طريق أَبي النَّضْرِ، عن شُعْبَة.

وأخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» (1/124) (251) من طريق عَبْدالوَارِثِ بن سَعِيدٍ، عَنْ يَزِيدَ الرَشْك، عَنْ مُعَاذَةَ العَدَوِيَّة قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ أَتَغْتَسِلُ الْمَرْأَةُ مَعَ زَوْجِهَا مِنَ الْجَنَابَةِ مِنَ الْإِنَاءِ الْوَاحِدِ جَمِيعًا؟ قَالَتِ: «الْمَاءُ طَهُورٌ وَلَا يُجْنِبُ الْمَاءَ شَيْءٌ، لَقَدْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْإِنَاءِ الْوَاحِدِ». قَالَتْ: «أَبْدَأُهُ فَأُفْرِغُ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَغْمِسَهُمَا فِي الْمَاءِ».

وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» (3/466) (1192) عن ابنِ خُزَيْمَةَ.

ويستفاد من هذا أن ابن خزيمة وابن حبان صححاه.

وهذا اللفظ: «إِنَّ المَاءَ لَا يُجَنِّبُهُ شَيْءٌ» تفرد به يزيد الرشك عن معاذة!

فالحديث رواه عَاصِم الْأَحْوَلِ، وقَتادة، عَنْ مُعَاذَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَاحِدٍ، فَيُبَادِرُنِي حَتَّى أَقُولَ: دَعْ لِي، دَعْ لِي. قَالَتْ: وَهُمَا جُنُبَانِ».

والحديث مشهور عن عائشة بهذا اللفظ، أخرجه البخاري وغيره من حديث هِشَام بن عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، نَغْرِفُ مِنْهُ جَمِيعًا».

·       نقد المثال الثالث عند الباحثة:

 

ثم قالت الباحثة: "المثال الثالث: حديث «أن رجلاً رهن رجلاً فرساً فهلك الفرس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ذهب حقك».

قال الشافعي - رحمه الله -: (فقيل له: أخبرنا إبراهيم عن مصعب بن ثابت عن عطاء، قال: زعم الحسن كذا، ثم حكى هذا القول، قال إبراهيم: كان عطاء يتعجب مما روى الحسن، وأخبرنيه غير واحد عن مصعب عن عطاء عن الحسن، وأخبرني من أثق به، أن رجلاً من أهل العلم رواه عن مصعب عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وسكت عن الحسن، فقلت له: أصحاب مصعب يروونه عن عطاء عن الحسن؟ فقال: نعم، كذلك حُدثنا، ولكن عطاء مرسلاً اتَّفَق من الحسن مرسلاً).

قلت: ضعّف الإمام الشافعي الحديث من الوجهين، وبيّن أنّ مردهما واحد، وأن عبدالله بن المبارك كان لا يذكر فيه الحسن البصري، وأنَّ أكثر أصحاب مصعب يذكرون الحسن البصري فيه. ثم بيّن الشافعي أنّ المشهور والرائج بين الناس هي روايته عن عطاء بن أبي رباح؛ ولعل هذا هو سبب الوهم فيه لكون عطاء من الفقهاء المشهورين لذلك نسبت الرواية إليه.

وضعفه كذلك البيهقي فقال: (رواه عطاء عن الحسن مرسلاً، ومراسيل الحسن ضعيفة).

وقال عبدالحق الإشبيلي: (هو مرسلٌ، وضعيفٌ).

وقال ابن القطان: (ومصعب بن ثابت بن عبدالله بن الزبير: ضعيف كثير الغلط، وإن كان صدوقاً).

الكلمة الدالة على استعمال قرينة مخالفة الراوي لما رواه من كلام العلماء:

قال الشافعي: ومما يدلك على وهن ذلك عن عطاء إن كان رواه أن عطاء يفتي بخلافه، ويقول: «فيما ظهر هلاكه أمانة، وفيما خفي هلاكه يترادان الفضل»، وهذا أثبت الرواية عنه، وقد روي عنه: «يترادّان» مطلقه وما شككنا فيه فلا نشك إن عطاء إن شاء الله لا يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم مثبتا عنده ويقول بخلافه، مع أني لم أعلم أحدًا روى هذا عن عطاء يرفعه إلا مصعب).

قلت: ذكر الشافعي إعلال الحديث من جهة السند، ثم استدل بمخالفة الراوي لها.

تعقَّب ابن التركماني الشافعي، فقال: (لم يسند الشافعي قول عطاء حتى يُنظر فيه، وقد قال الطحاوي: حدثنا ابن مرزوق - يعني إبراهيم - حدثنا أبو عاصم - يعني الضحاك بن مخلد - عن ابن جريج، عن عطاء: في رجل رهن رجلاً جارية فهلكت؟ قال: «هي بحقّ المرتهن»، وهذا إسناد جيّد يظهر به أن قول عطاء موافق لحديثه المرسل لا مخالف له، ثمّ لو ثبت أن قوله مخالف لما رواه فالعبرة عند الشافعي وأكثر المحدثين لما روى لا لما رأى على ما عُرِف) انتهى كلام الباحثة.

أقول:

أولاً: كان ينبغي للباحثة أن تبيّن المسألة كما أوضحها الشافعي، وأنه كان يرد على المخالفين، بقوله: "فقيل له" أي للمخالف.

ثانياً: كان ينبغي عليها أيضاً فصل الروايات عند التخريج!

فرواية إبراهيم بن أبي يحيى عن مصعب، عن عطاء، عن الحسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم، مرسلاً.

ورواية ابن المبارك عن مصعب، عن عطاء، عن النبي صلى الله عليه وسلم، مرسلاً.

وقد بيّن الشافعي أن غير واحد رواه عن مصعب عن عطاء عن الحسن، وأن ابن المبارك سمعه كذلك، لكنه لما رواه لم يذكر فيه "الحسن"، وعزا ذلك إلى أن رواية "عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، مرسلاً أَنفق من رواية الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم، مرسلاً".

والمصيبة أن الباحثة أثبتت في المتن: "اتَّفَق" بالتاء، ثم قالت في الحاشية: "وقع في «الأم» للشافعي (3/192) وفي «السنن الكبرى» للبيهقي (ح11225) هذه الكلمة بلفظ «اتّفق» بالتاء، ووقع في «معرفة السنن والآثار» للبيهقي (8/223) بلفظ: «أنفق» بالنون، وفي كلا الحالين فإن معنى هذه الكلمة هي الشهرة والرَّواج، انظر: لسان العرب مادة و ف ق (10/382)، والمصباح المنير للفيومي مادة: ن ف ق (2/618)"!!

فمن المعلوم أن كثيراً من الكتب المطبوعة فيها تصحيفات وتحريفات، والصواب: «أَنْفَقُ» بالنون = يعني أن رواية عطاء مرسلاً أرغب للناس، فيرغبون فيها أكثر من رواية الحسن المرسلة.

والرواج يأتي بمعنى: نَفَق، وأهل اللغة لا يذكرون عند معنى «نَفق» الرواج، وإنما العكس كما قال الفيومي في «المصباح المنير في غريب الشرح الكبير» في مادة (ر و ج): "رَاجَ المَتَاعُ يَرُوجُ رَوْجًا مِنْ بَابِ قَالَ، وَالِاسْمُ: الرَّوَاجُ، نَفَقَ وَكَثُرَ طُلَّابُهُ وَرَاجَتْ الدَّرَاهِمُ رَوَاجًا: تَعَامَلَ النَّاسُ بِهَا".

وأما معنى الشهرة فهو من كيس الباحثة فيما يبدو!

ومعنى «اتفق» أي الشيء الذي اتفقوا واصطلحوا عليه، والمصدر الذي أحالت إليه الباحثة من لسان العرب في مادة «وفق» ليس فيه ما يدل على الشهرة والرواج الذي ادّعته!

ومادة «نفق» التي أحالت عليها من كتاب «المصباح المنير» ليس فيها ما قالت، وقد يناسب المعنى ما فيه: "ونَفَقَتْ السِّلْعَةُ وَالمَرْأَةُ نَفَاقًا بِالفَتْحِ كَثُرَ طُلَّابُهَا وَخُطَّابُهَا".

والأصل أن يرجع لكتب اللغة في معاني الكلمات، ورجوع الباحثة لكتاب الفيومي «المصباح المنير» مخالف للبحث العلمي؛ لأنه في غَرِيبِ شَرْحِ الوَجِيزِ لِلْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ، فهو ليس أصالة في اللغة، إنما في لغة الفقهاء.

ثالثاً: قول الباحثة: "ضعّف الإمام الشافعي الحديث من الوجهين. وبيّن أنّ مردهما واحد، وأن عبدالله بن المبارك كان لا يذكر فيه الحسن البصري، وأنَّ أكثر أصحاب مصعب يذكرون الحسن البصري فيه"! عبارة غير سليمة!

نعم، الشافعي بيّن أن ابن المبارك طان لا يذكر فيه الحسن مع أنه سمعه وفيه الحسن، لكنه لم يذكره في روايته؛ لأن روايته من مرسل عطاء أنفق عند الناس.

والشافعي لم يُضعف الوجهين صراحة! وإنما ساق الرواية كما هي وبيَّن أنها مرسلة.

رابعاً: قول الباحثة: "ثم بيّن الشافعي أنّ المشهور والرائج بين الناس هي روايته عن عطاء بن أبي رباح؛ ولعل هذا هو سبب الوهم فيه لكون عطاء من الفقهاء المشهورين لذلك نسبت الرواية إليه" تعليل سقيم، ولا يستقيم!

فالرواية كيفما دارت هي عن عطاء.

فإبراهيم وغيره يرونها عن مصعب، عن عطاء، عن الحسن، مرسلاً، وابن المبارك يرويها عن مصعب، عن عطاء، مرسلاَ.

فأين الوهم في الرواية الذي زعمت الباحثة أن سببه شهرة الرواية عن عطاء؟!

وهل يرويه إلا عطاء أصلاً؟!

وما دخل أن عطاء من الفقهاء المشهورين حتى نسبت الرواية إليه؟!

فلم يروها أحد أنها من قول عطاء حتى يستقيم كلام الباحثة! وإنما هي عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلة، وكذا عن عطاء عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلة.

والحسن أيضاً من الفقهاء المشهورين فلِم لم تُنسب الرواية إليه كما نسبت لعطاء كما زعمت الباحثة؟!

خامساً: قالت الباحثة في الحاشية بعد أن خرّجت الرواية: "قلت: إسناده ضعيف، لأجل مصعب بن ثابت بن عبدالله بن الزبير: ضعفه الإمام أحمد وابن معين. انظر: العلل ومعرفة الرجال (رقم3218)، وتاريخ ابن معين - رواية الدارمي. وقال أبو حاتم: (صدوق كثير الغلط ليس بالقوي، وقال أبو زرعة: ليس بقوي) الجرح والتعديل (ت1407). ولأجل الإرسال؛ فإنه من مرسلات عطاء بن أبي رباح، وقد ضعفها العلماء" انتهى كلام الباحثة.

أقول:

نعم مصعب بن ثابت ضعّفوه لغلطه، لكنه قد توبع على هذه الرواية.

فقد ذكر الذهبي في «اختصار سنن البيهقي الكبرى» (4/2168) ذلك، فقال: "قلت: ومصعب فيه ضعف، وقد توبع".

ثم ساق ما رواه أبو داود في «المراسيل» (ص: 173) (190) قال: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ، قال: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ، قال: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ: أَنَّ رَجُلًا رَهَنَ فَرَسًا فَنَفَقَ الفَرَسُ، فقالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ».

وأبو عمرو هو الإمام الأوزاعي، والوليد هو: ابن مسلم.

فالأوزاعي تابع مُصعباً عليه، لكنه لم يذكر فيه: «الحسن»، والأوزاعي أوثق وأحفظ من مصعب، وهذا يدلّ على أن الثابت في هذا الباب هو: عن عطاء مرسلاً، وكأن مصعباً أخطأ فيه بذكر «الحسن»، أو أن عطاء كان يرويه عن الحسن مرسلاً، ويرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً دون ذكر الحسن، والله أعلم.

ويُروى هذا من قول الحسن، فقد رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (4/103) (5901) من طريق حَمَّاد بن سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّ الحَسَنَ وَشُرَيْحًا قَالَا: «الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ».

ويُروى أيضاً من قول عطاء، فقد رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (11/556) (23252) عن ابن فُضَيْلٍ، عَنْ عَبْدِالمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، قالَ: «مَا زِلْنَا نَسْمَعُ: أَنَّ الرَّهْنَ بِمَا فِيهِ».

والعجيب أن الباحثة نقلت قول ابن القطان في مصعب، وقد ذكر ابن القطان رواية الأوزاعي مباشرة بعد قوله في مصعب (3/528) ثم قال: "وهَذَا صَحِيح إِلَى مرسله عَطاء".

فلم تنظر إليها!

وغفلت عن حكم ابن القطان على حديث مصعب حيث قال أيضاً في الصفحة نفسها: "هَذَا مُرْسل وَضَعِيف الْإِسْنَاد".

سادساً: نقلت الباحثة قول البيهقي في الحديث، وغفلت أيضاً عن قوله في بداية الباب: "والأَصْلُ فِي هَذَا البَابِ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ وفِيهِ مِنَ الوَهَنِ مَا فِيهِ..."، ثم ساق حديث ابن المُبَارَكٍ عَنْ مُصْعَبِ بنِ ثَابِتٍ، ثم قال عن مرسلات الحسن وعطاء: "لَيْسَ هِي بِذَاكَ هِي أَضْعَفُ المُرْسَلاَتِ؛ لأَنَّهُمَا كَانَا يَأْخُذَانِ عَنْ كُلٍّ".

سابعاً: خرّجت الباحثة ما نقله الشافعي من قول عطاء: «فِيمَا ظَهَرَ هَلَاكُهُ أَمَانَةٌ، وَفِيمَا خَفِي هَلَاكُهُ يَتَرَادَّانِ الفَضْلَ»، قالت: "أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (ح11233) من طريق الحجاج بن أرطأة عن عطاء قال: «كان يقال: يترادّان الفضل بينهما». قال الشافعي: (وهذا أثبت الرواية عنه). قلت: فيه الحجاج بن أرطأة: صدوق كثير الخطأ ومدلس من المرتبة الرابعة".

ثم خرجت ما أشار إليه الشافعي من قوله: "وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ: «يَتَرَادَّانِ»، مُطْلَقَةً"، فقالت: "أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (ح22789) من طريق إسماعيل بن علية، قال: سألت ابن أبي نجيح عن الرهن إذا هلك؟ قال: (كان عطاء يقول: «الذهب والفضة والعروض يترادان، والحيوان لا يترادان، هو من الأول»). قلت: إسناد صحيح" انتهى.

أقول: الباحثة لم تفهم كلام الشافعي الذي نقله عن عطاء!

فالرواية الأولى التي نقلها عن عطاء فيها تفصيل، والثانية لا تفصيل فيها، فعكست الباحثة تخريج كلّ واحدة!

فالأولى عن عطاء: «فِيمَا ظَهَرَ هَلَاكُهُ أَمَانَةٌ، وَفِيمَا خَفِي هَلَاكُهُ يَتَرَادَّانِ الفَضْلَ» هذه ليست مطلقة، وهي الرواية التي ذكرتها الباحثة عند قول الشافعي: "وقد روي عنه: «يترادان» مطلقة" = أي دون تفصيل!

فالذي يُخرّج هنا هو ما ذكره ابن أبي نجيح عن عطاء: «الذَّهَبُ وَالفِضَّةُ والعُرُوضُ يَتَرَادَّانِ، والحَيَوَانُ لاَ يَتَرَادَّانِ، هُوَ مِنَ الأَوَّلِ» = «فِيمَا ظَهَرَ هَلَاكُهُ أَمَانَةٌ، وَفِيمَا خَفِي هَلَاكُهُ يَتَرَادَّانِ الفَضْلَ» = إِذَا كَانَ الرَّهْنُ مِمَّا يَظْهَرُ هَلَاكُهُ نَحْوَ الدُّورِ، وَالْأَرَضِينَ، والحَيَوَانِ، وَمَا كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ فَهَلَكَ أَنَّهُ مِنْ مَالِ الرَّاهِنِ وَمُصِيبَتِهِ مِنْهُ، والمُرْتَهِنُ فِيهِ أَمِينٌ. وإذا كان مما يَخْفَى هَلَاكُهُ نَحْوَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وَالثِّيَابِ وَالحُلِيِّ وَالسَّيْفِ وَاللِّجَامِ وَسَائِرِ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنَ المَتَاعِ وَيَخْفَى هَلَاكُهُ فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَى المُرْتَهِنِ إِنْ هَلَكَ وَخَفِيَ هَلَاكُهُ وَيَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ فِيمَا بَيْنَهُمَا.

وأما الرواية المطلقة عن عطاء التي أشار إليها الشافعي فهي ما ذكرته الباحثة عند التفصيل في الرواية!

وهي ما رواه البيهقي من طريق مَعْمَر بن سُلَيْمَانَ، عَنِ الحَجَّاجِ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: «كَانَ يُقَالُ: يَتَرَادَّانِ الفَضْلَ بَيْنَهُمَا». - أي الزائد.

قال البيهقي: "الحَجَّاجُ بنُ أَرْطَاةَ ومَعْمَرُ بنُ سُلَيْمَانَ غَيْرُ مُحْتَجٍّ بِهِمْ".

فهذا الذي قال عنه الشافعي أثبت الرواية عن عطاء قد ضعفه البيهقي، وكأن الشافعي نقله عن عطاء بالمعنى، ولذا قال ابن التركماني في الرد عليه: "لم يسند الشافعي قول عطاء حتى يُنظر فيه"!

وكان ينبغي للباحثة أن تبيّن هذه النقطة.

وكذلك فإن تعقّب ابن التركماني للشافعي بما رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (4/103) (5905) عن ابن مَرْزُوقٍ، عن أَبي عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ فِي رَجُلٍ رَهَنَ رَجُلًا جَارِيَةً فَهَلَكَتْ قَالَ: «هِيَ بِحَقِّ المُرْتَهِنِ»، تعقب صحيح، ولم تناقشه الباحثة؛ وكأنها لم تحسن تصور معنى هذا الباب، وما جاء فيه عن السلف.

وقد ردت تعقب ابن التركماني بقول المعلمي اليماني: "والشافعي والمحدثون وإن قالوا: العبرة بما روى دون ما رأى؛ فإنهم لا ينكرون أن فتوى الراوي بخلاف ما روى تُورث شبهة ما فيما روى، فإذا انضم إلى ذلك وهنٌ في السند أو نحوه قويت الشبهة؛ فقد تبلغ إلى حدّ يتعين بسببه رد الرواية أو تأويلها".

أقول: قول المعلمي في واد، وإنزال الباحثة هذا القول على تعقب ابن التركماني في واد!

فالمعلمي يقول إن الرواي إذا قال ما يخالف ما يرويه فهذا يورث شبهة فيما روى، فإذا كان في سند ما يرويه ضعف فتقوى الشبهة، فحينئذ إما أن ترد الرواية أو تؤول.

لكن قول ابن التركماني ليس من هذه البابة، فقول عطاء لا يخالف ما رُوي عنه مرسلا، فهو لا يخالف ما رواه وإن كان ما رواه ضعيفاُ؛ لأنه مرسل.

وزعمت الباحثة في مقدمة بحثها أن من فوائد هذا البحث: "ضرب أمثلة تطبيقية جديدة لم ترد في الدراسات السابقة، وهذا مما يثري الساحة العلمية بأمثلة قلّ من تطرق لها بالبحث والدراسة"!

لكن هذا المثال قد ورد في دراسة الباحث د. عادل المطرفي في "الفصل الرابع: منهج المحدثين في الإعلال إذا صح السند فيما يرويه إلى الراوي المخالف"، قال: تقدم أن لهذه المسألة (مخالفة الراوي لما رواه) صورتين:

الصورة الأولى: أن يتبين من المخالفة أن الحديث المرفوع لم يحدث به الراوي ولم يقع له عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهو لم يسمع به أصلاً، فالحديث وهم على الراوي في إسناده أو في متنه، وهذا القسم هو جل أحاديث هذا البحث.

الصورة الثانية: أن يكون الحديث المرفوع قد تحمله راويه المخالف، والإسناد إليه بذلك صحيح، إلا أن العلة فيه هي بعد ذلك الراوي، فيكون الراوي قد أدرك علته، فلذلك استجاز مخالفته حين لم يثبت عنده.

وفي هذه الصورة حديثان من أمثلة البحث التطبيقية، كلا هذين الحديثين مرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم".

ثم قال: "المثال الثاني: حديث عطاء في الرهن، وهو من تطبيق الإمام الشافعي.

روى عطاء، عن الحسن: أن رجلاً رهن رجلاً فرساً فهلك الفرس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم - أي للمرتهن -: «ذهب حقك».

قال الشافعي: «ومما يدل على وهن هذا عند عطاء إن كـان رواه: أن عطاء يفتي بخلافه ويقول فيه بخلاف هذا كله، ويقول: فيما ظهر هلاكه أمانة، وفيما خفي يترادان الفضل، وهذا أثبت في الرواية عنه، وقد روي عنه: يترادان مطلقه، وما شككنا فيه فلا نشك أن عطاء إن شاء الله تعالى لا يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً مثبتاً عنده ويقول بخلافه، مع أني لم أعلم أحداً روى هذا عن عطاء يرفعه إلا مصعب».

والكلام على إعلال الشافعي، هو كنحو الكلام على إعلال من تقدم مرسل الحسن السابق. ففي كلتا هاتين الصورتين قد خالف الراوي حديثه المرفوع، وبهذه المخالفة في كلتا الصورتين أعل الأئمة حديث الراوي المخالف، كما أن الاعتبارات التي أعل بها الأئمة الحديث في الصورتين واحدة، إلا أن الصورة الثانية تفترق بفوارق عن الصورة الأولى ومن هذه الجهة خصصت لها هذا الفصل.

والجامع بين هذين القسمين هو الإعلال بمخالفة راوي الحديث له. وهذا القسم الثاني من المسألة كما تقدم هو المبحوث في كتب مصطلح الحديث، وقد جاء عندهم أن هذه المخالفة لا يضعف بها الحديث ولا تجرح راويه.

وأكتفي هنا بنقل كلام ابن الصلاح وما أضافه ابن كثير على كلامه للتذكير بما قالا، وللوقوف عند نقطة أشار إليها ابن كثير.

قال ابن الصلاح: «إن عمل العالم أو فتياه على وفق حديث ليس حكماً منه بصحة ذلك الحديث وكذلك مخالفته للحديث ليست قدحاً منه في صحته ولا في راويه».

وقال ابن كثير: «وأما إعراض العالم عن الحديث المعين بعد العلم به، فليس قدحاً في الحديث باتفاق، لأنه قد يعدل عنه لمعارض أرجح عنده مع اعتقاده صحته».

فيلاحظ في كلام ابن كثير الذي هو تلخيص لكلام ابن الصلاح السابق، اشتراط علم الراوي بحديثه الذي خالفه، يعني أن يكون ذاكراً له عند المخالفة.

وهذا الاشتراط يشعر به كلام غير ابن كثير في هذه المسألة، وذلك من خلال ذكرهم الاحتمالات الأخرى لهذه المخالفة والتي بها ينتفي تضعيف الرواية، فإنهم لا يذكرون من بين تلك الاحتمالات احتمال أن يكون الراوي قد نسي حديثه، فقد ذكروا من الاحتمالات كون الراوي قد يترك العمل بالخبر لخبر آخر يعارضه، أو عموم، أو قياس، أو لكونه منسوخاً عنده.. ولم يتعرضوا لاحتمال النسيان.

وهذا الشرط الذي أشار إليه ابن كثير هو فوق ما يكتفي به المحدثون في هذه المسألة من صحة الرواية المرفوعة، مع بقاء احتمال النسيان إلا أنه عندهم خلاف الأصل، فلا يمنعهم هذا الاحتمال إذا توفرت القرائن الأخرى من الإعلال بالمخالفة.

وممن ذهب إلى القول الذي أشار إليه ابن الصلاح، ابن التركماني، فقد تعقب البيهقي في المثال السابق عنه في إعلاله حديث الحسن في الضحك في الصلاة، وقد نسب القول به إلى عامة المحدثين.

قال ابن التركماني: «مذهب المحدثين: أن مخالفة الراوي للحديث ليس بجرح فيه»...".

أقول: فلا ريب فيما يظهر أن الباحثة أخذت هذا المثال من دراسة د. عادل المطرفي، ثم تزعم أنه ليس في الدراسات السابقة!!

·       نقد المثال الرابع عند الباحثة:

ثم قالت الباحثة: "المثال الرابع: «حديث بين كُلِّ أذانين صلاةٌ، بين كُل أذانين صلاة، لمَن شَاء، ما خلا المغرب»".

وقالت في الحاشية: "أخرجه البزار كما في «كشف الأستار» للهيثمي (ح693)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (ح8328)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (ح4669)، ثلاثتهم: (البزار، والطبراني، والبيهقي) من طريق حيّان بن عبيدالله، حدثني عبدالله بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن عند كل أذانين ركعتين ما خلا المغرب»" انتهى كلام الباحثة.

أقول:

ما هكذا التخريج العلمي!

والأصل أن نقول: أخرجه البزار في «مسنده» (10/303) (4422)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (8/179) (8328) عن مُوسَى بن زَكَرِيَّا. كلاهما (البزار، وموسى بن زكريا) عن عَبْدالوَاحِدِ بن غِيَاثٍ.

وأخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (2/667) (4172) من طريق عُثْمَان بن سَعِيدٍ الدَّارِمِيّ، عن عَبْداللهِ بن صَالِحٍ.

وأخرجه الدارقطني في «سننه» (1/497) (1040) من طريق الحَسَن بن غُلَيْبٍ، عن عَبْدالغَفَّارِ بن دَاوُدَ الحرّاني.

ثلاثتهم (عبدالواحد بن غياث، وعبدالله بن صالح، وعبالغفار بن داود) عن حَيَّان بن عَبْيدِاللهِ، عن عَبْداللهِ بن بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ عِنْدَ كُلِّ أَذَانَيْنِ رَكْعَتَيْنِ مَا خَلَا المَغْرِبَ».

قَالَ البَزَّارُ: "وَهَذَا الحَدِيثُ لا نعلَمُ أحَدًا يَرْوِيهِ إلاَّ بُرَيدة، ولاَ نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ عَبداللَّهِ بنِ بُرَيدة إلاَّ حَيَّانُ بنُ عُبَيداللَّهِ، وَحَيَّانُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مَشْهُورٌ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ".

وقال الطبراني: "لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ حَيَّانَ إِلَّا عَبْدُالوَاحِدِ".

ونقلت الباحثة كلام الطبراني هذا ولم تتعقبه!

فلم ينفرد به عبدالواحد عن حيان، وقد تابعه عليه: عبدالله بن صالح، وعبدالغفار بن داود كما تقدم.

وقد خرجت الباحثة الحديث من عند البزار معتمدة على كتاب الهيثمي! وهو موجود في «مسنده» المطبوع كما سبق.

وقد نقلت الباحثة تضعيف أهل العلم لحديث حيّان وأنه أخطأ في سنده ومتنه، وأن المحفوظ ما رواه الجُريري، وكهمس بن الحسن، عن عبدالله بن بريدة، عن عبدالله بن مُغفل.

وحكمت على حيان بن عبيدالله بأنه: "ضعيف مختلط"!!

أما قولها: "ضعيف"، فنعم، قد ضعفه الدارقطني، وأكثر أهل العلم على أنه صدوق، لا بأس به.

وقال إسحاق بن راهويه: "كان رجل صدق"، وذكره ابن حبان في «الثقات».

ونقلت الباحثة عن الذهبي قوله فيه في «المغني»: "ليس بحجة"! وهذه انتقائية!

فقد قال الذهبي أيضاً في «تاريخ الإسلام» (4/347): "وَلَهُ مَنَاكِيرُ وَغَرَائِبُ، وَمَا رَأَيْتُ أحدا وهاه".

وقال في «ديوان الضعفاء» (ص: 108) (1194): "جائز الحديث".

وذكره ابن عدي في «الكامل»، وذكر له بعض الأحاديث التي تفرد بها، ثم قال: "ولحيان غير ما ذكرت من الحديث وليس بالكثير وعامة ما يرويه إفرادات ينفرد بها".

فهو صدوق له أوهام.

وأما وصفه بالاختلاط فقد ذكر العقيلي في ترجمته من «الضعفاء» قال: وَحَدَّثَنِي آدَمُ بنُ مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ البُخَارِيَّ قَالَ: "حَيَّانُ بنُ عُبَيْدِاللَّهِ أَبُو زُهَيْرٍ ذَكَرَ الصَّلْتُ مِنْهُ الِاخْتِلَاطَ".

وقال سبط ابن العجمي في «الاغتباط لمعرفة من رمي بالاختلاط»: "حيان بن عبيدالله أبو زهير شيخ بصري، قال البخاري: ذكر الصلت منه الاختلاط، وقد ذكر هذا الرجل ابن حبان في ثقاته ولم يذكره بالاختلاط".

وهذا الذي ذكره العقيلي في ترجمته لم يذكره البخاري في ترجمته من «التاريخ الكبير»، لكن ذكر ذلك في ترجمة «حِبان بن يسار» (3/85) فقال: "حِبَّانُ بنُ يَسَارٍ أَبُو رَوْحٍ الْكِلابِيُّ - قَاله مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ وَمَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ.

وَقال الصلت بن محمد: حيان بن زهير.

سَمِعَ بُرَيْدَ بنَ أَبِي مَرْيَمَ، وَمُحَمَّدَ بنَ واسع، وطلحة بن كريز، وَثَابِتًا، وَهِشَامَ بنَ عُرْوَةَ.

قَالَ الصَّلْتُ: رَأَيْتُ حيان آخِرَ عَهْدِهِ - فَذَكَرَ مِنْهُ الاخْتِلاطَ.

وَقال مُوسَى: حدثنا حِبَّانُ بْنُ يَسَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُطَرِّفٍ عُبَيْدُاللَّهِ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِالله بن كريز، حدثني محمد بن عَلِيٍّ الْهَاشِمِيُّ، عَنْ نُعَيْمٍ المُجْمِرِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكْتَالَ بِالْمِكْيَالِ إِذَا صَلَّى عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى النَّبِيِّ وَأَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَذُرِّيَّتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».

وَرَوَى دَاوُدُ بنُ قَيْسٍ، عَنْ نُعَيْمٍ المُجْمِرِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: الصَّلاةَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَقَالَ عَبْداللَّهِ بنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نُعَيْمٍ: سَمِعَ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِاللَّهِ بنِ زَيْدٍ، عَنِ ابنِ معسود، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهَذَا أَصَحُّ.

وقال وهب بن جَرِيرٍ: حدثنا أَبُو زُهَيْرٍ حَيَّانُ بنُ زُهَيْرٍ العدوي، وقال غيره: حيان بن عُبَيْدِاللَّهِ".

قلت: البخاري يرى أن هذا الذي اختلط هو «حبان بن يسار»، وإنما ذكر هنا اختلاف أهل العلم في تسميته، فسماه الصلت بن مُحمد أَبو همام الخاركي البصري: «حَيان بن زُهَير».

وكذا سماه وهب بن جرير، وسماه بعضهم: «حيان بن عبيدالله».

ولهذا ذكر العقيلي مسألة الاختلاط عن البُخَارِيَّ في ترجمة «حيان بن عبيدالله»، قَالَ: "حَيَّانُ بنُ عُبَيْدِاللَّهِ أَبُو زُهَيْرٍ ذَكَرَ الصَّلْتُ مِنْهُ الِاخْتِلَاطَ".

وقال ذلك أيضاً في الترجمة التي قبله: ترجمة «حبان بن يسار» (1/318) (392) قال: "حَبَّانُ بنُ يَسَارٍ أَبُو رَوْحٍ الكِلَابِيُّ بَصْرِيٌّ. حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ قَالَ: حَبَّانُ بْنُ يَسَارٍ أَبُو رَوْحٍ الْكِلَابِيُّ وَيُقَالُ: السَّلُولِيُّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ لِي الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ: رَأَيْتُ حَبَّانَ آخِرَ عُمْرِهِ فَذَكَرَ مِنْهُ الِاخْتِلَاطَ".

فالعقيلي نقل هذا في كلا الترجمتين! وفيه نظر!

وغيره ذكروا هذا في ترجمة «حبان بن يسار»، وهو أولى، إذ لو كان الذي ذُكر بالاختلاط «حيان بن عبيدالله» لذكر ذلك البخاري في ترجمته، لكنه لم يفعل.

وقد نقل ابن عدي ذلك في ترجمة «حبان بن يسار» من «الكامل» (4/154) (5732) فقال: سمعتُ ابن حماد يقول: قال البُخاري: "حِبَّان بن يسَار أَبو رَوح الكِلابي، قاله موسى بن إسماعيل، هو أَبو سلمة التبوذكي. وقال الصلت بن مُحمد - قال الشَّيخ: هو أَبو همام الخاركي بصري -: حَيان بن زُهَير، قال البُخاري: سمع بُرَيد بن أبي مريم، ومُحمد بن واسع، وهشام بن عروة، وقال الصلت: رأيت حَيان آخر عمره، وذكر منه اختلاط، وهو بصري".

ثم قال في آخر ترجمته: "ولِحِبَّان أحاديث وليس بالكثير، وأحاديثه فيه ما فيه، لأجل الاختلاط الذي ذُكِر عنه".

وذكر ابن حبان في «المجروحين»: "حِبَّان بن زهير: يروي عن يزيد بن أبي مريم، ومحمد بن واسع، كنيته أبو روح الكلابي، روى عنه أبو همام الخاركي والبصريون، اختلط بأخرة، حتى كان لا يدري ما يُحدث، ولم يتميز حديثه القديم من حديثه الذي حدث به في اختلاطه، فبطل الاحتجاج به".

وقد علّق المعلمي اليماني على ما ذكره البخاري (3/86) فقال: "فالذي يتحقق ان هناك رجلين مشهورين، أحدهما: حيان بن عبيدالله الذى تقدم رقم (213)، والآخر: حبان بن يسار صاحب هذه الترجمة، ثم كأن البخاري شك في شيخ الصلت أيهما هو؟ فجاء ابن حبان فجعله ثالثًا، والذي يظهر من كلام المؤلف في آخر هذه الترجمة أن الذى روى عنه وهب بن جرير هو المتقدم رقم (213) كما يأتي، فكذلك ينبغي أنه شيخ الصلت، فالاختلاط إنما هو من حيان بن عبيدالله بن زهير، وإنما نسبه الصلت إلى جده كما فعل وهب بن جرير ومثل ذلك كثير، والله اعلم" انتهى كلامه.

قلت: هذا الذي قاله المعلمي فيه نظر! والذي يظهر لي أن البخاري ذكر اختلاف الرواة في اسم شيخهم، وليس هو «حيان بن عبيدالله»، فهذا آخر، ولم يذكره بالاختلاط، والله أعلم.

فكان على الباحثة أن تتحقق من ذلك وتفصّل القول فيه.

والذي أراه أنّ «حيان بن عبيدالله» لم يُخطئ في حديثه.

فقد روى الدارقطني في «سننه» (1/499) (1041) قال: حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِالعَزِيزِ، قال: حدثنا عَبْدُالوَاحِدِ بنُ غِيَاثٍ، قال: حدثنا حَيَّانُ بنُ عُبَيْدِاللَّهِ العَدَوِيُّ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عَبْدِاللَّهِ بنِ بُرَيْدَةَ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُ صَلَاةِ الظُّهْرِ فَلَمَّا سَمِعَ الْأَذَانَ قَالَ: قُومُوا فَصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْإِقَامَةِ فَإِنَّ أَبِي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عِنْدَ كُلِّ أَذَانَيْنِ رَكْعَتَانِ قَبْلَ الْإِقَامَةِ مَا خَلَا أَذَانَ المَغْرِبِ».

قَالَ ابنُ بُرَيْدَةَ: لَقَدْ أَدْرَكْتُ عَبْدَاللَّهِ بنَ عُمَرَ يُصَلِّي تَيْنِكَ الرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَ المَغْرِبِ لَا يَدَعُهُمَا عَلَى حَالٍ، قَالَ: فَقُمْنَا فَصَلَّيْنَا الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْإِقَامَةِ، ثُمَّ انْتَظَرْنَا حَتَّى خَرَجَ الْإِمَامُ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ المَكْتُوبَةَ".

قال الدارقطني: "خَالَفَهُ حُسَيْنٌ المُعَلِّمُ، وَسَعِيدٌ الجُرَيْرِيُّ، وَكَهْمَسُ بنُ الحَسَنِ، وَكُلُّهُمْ ثِقَاتٌ، وَحَيَّانُ بنُ عُبَيْدِاللَّهِ لَيْسَ بِقَوِيٍّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ".

ثم روى من طريق حُسَيْن المُعَلِّم، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بن مُغفَل المُزَنِيّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ»، ثُمَّ قَالَ: «صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ»، ثُمَّ قَالَ: «صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ لِمَنْ شَاءَ». - خَشْيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً.

قال الدارقطني: "هَذَا أَصَحُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ".

قلت: رواية حسين المعلم مخالفة لرواية كهمس والجريري، وكذا لرواية حيان، وقد بينت صحة هذه الروايات في بحثي «جَلاءُ الشَّك والرَّيْب حول سَماعِ عَبدالله وسُليمان من أَبيهما بُريدة بن الحُصَيْب»، وعالجت الاختلاف بينها، وكلام أهل العلم في تضعيف رواية حيّان بن عبدالله والرد عليهم.

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

وكتب: خالد الحايك

2 شعبان 1442هـ.

 

دُورُ الحديث
تحقيق التراث
فوائد حديثية
المناهج والنقد
مصطلح الحديث
علوم الرّجال
علل الأحاديث
فقه الحديث
المغازي والسّير
المدارس الحديثية
أسئلة وأجوبة
السرقات العلمية
متفرقات
علوم أخرى
 
   
   الاسم
  البريد الإلكتروني
البلد
  التعليق*:

 
     
 
 
 
 
     
       
         
 
الصوتيات والمرئيات  |   الكتب  |   البحوث   |   المخطوطات   |    المجلة   |    الأرشيف
جميع الحقوق محفوظة لدار الحديث الضيائية