الصفحة الرئيسية         الكتب           البحوث           المخطوطات          المجلة            راسلنا          الضيائية
 
 
 

«قُرَّةُ العَيْن» في بيان عِلّة حديث «دُعاء المَلَكَيْن المُنَادِيَيْن»!




الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيّه الأمين، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين، وبعد:

فقد أخرج الشيخان (البخاريّ ومسلم) حديثاً مشهوراً في دعاء المَلَكين للمُنفق، والدعاء على المُمْسِك، وبعد طول نظر تبيّن لي أن الحديث فيه علّة سأبيّنها إن شاء الله في هذا البحث.

·       تخريج الحديث:

أخرجه البخاري في «صحيحه»، كتاب الزكاة، بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل: 6]، «اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقَ مَالٍ خَلَفًا» (2/115) (1442) عن إِسْمَاعِيل بن أبي أُويس. [رواه البغوي في «تفسيره» (3/683) (1764) من طريق البخاري].

والنسائي في «السنن الكبرى»، كتاب عِشرة النساء، (8/269) (9134) عن مُحَمَّد بن نَصْرٍ، عن أَيُّوب بن سُلَيْمَانَ بنِ بِلَالٍ.

كلاهما (إسماعيل، وأيوب) عن أبي بكر بن أبي أُويس.

وأخرجه مسلمٌ في «صحيحه»، كتاب الزكاة، (2/700) (1010) عن القَاسِم بن زَكَرِيَّا.

والنسائي في «السنن الكبرى»، كتاب الملائكة، (10/424) (11928) عَنِ العَبَّاسِ بنِ مُحَمَّدٍ الدُّوري. [رواه البيهقي في «شعب الإيمان» (13/279) (10334)، و«السنن الكبرى» (4/314) (7816) من طريق أَبي العَبَّاسِ مُحَمَّد بن يَعْقُوبَ، عن العَبَّاس الدُّورِيّ].

كلاهما (القاسم، والدوري) عَنْ خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ القَطوانيّ.

وأخرجه الطبري في «تهذيب الآثار - مسند ابن عباس» (1/267) (445) عن ابن عَبْدِالرَّحِيمِ البَرْقِيّ، عن ابْن أَبِي مَرْيَمَ.

ثلاثتهم (أبو بكر بن أبي أويس، وخالد القطواني، وابن أبي مريم) عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ بِلَالٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي مُزَرِّدٍ، عَنْ أَبِي الحُبَابِ سَعِيدِ بنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ، إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا».

وذكره الألباني في «صحيحته» (2/590) (920).

وهذا الحديث لم يروه عن أبي هريرة إلا سعيد بن يسار، ولا يُعرف عن سعيد إلا من حديث معاوية، تفرد به سليمان بن بلال!

فمخرج الحديث غريب عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة!

·       تفرد سليمان بن بلال بالحديث!

وسُلَيْمَانُ بنُ بِلاَلٍ القُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ مَوْلاَهُم، المَدَنِيُّ (ت 172هـ): وَثَّقَهُ: أَحْمَدُ، وابنُ مَعِيْنٍ، والنَّسَائِيُّ.

وقال المروذي عن أحمد: "سُلَيْمَان بن بِلَال: صَالح الحَدِيث".

وقَالَ مُحَمَّدُ بنُ سَعْدٍ: كَانَ يُفْتِي بِالمَدِيْنَةِ، وَوَلِيَ خَرَاجَهَا، وَكَانَ ثِقَةً، كَثِيْرَ الحَدِيْثِ.

كذا قال ابن سعد: "كثير الحديث"، لكن قال الخليلي في «الإرشاد» (1/296): "ثِقَةٌ، وَلَيْسَ بِمُكْثِرٍ، لَقِيَ الزُّهْرِيَّ، لَكِنَّهُ يَرْوِي أَكْثَرَ حَدِيثِهِ عَنْ قُدَمَاءِ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ، مِثْلِ: مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ، وَأَقْرَانِهِ، وَلِأَبِي بَكْرِ بنِ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ نُسْخَةٌ يَتَفَرَّدُ بِهَا لَا يَرْوِيهَا غَيْرُ أَبِي بَكْرٍ، وَاحْتجَّ بِبَعْضِهَا. وَسَمِعَ سُلَيْمَانَ مِنْ رَبِيعَةَ الرَّأْيَ، وَأَخَذَ عَنْهُ الفِقْهَ، وَكَذَلِكَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَعَنْ غَيْرِهِمَا مِمَّنْ أَخَذَ عَنْهُ مَالِكٌ، وَهُوَ أَقْدَمُ مَوْتًا مِنْ مَالِكٍ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ مَالِكٌ، وَرَوَى عَنْهُ: أَبُو بَكْرٍ وَإِسْمَاعِيلُ أَبْنَاءُ أَبِي أُوَيْسٍ، وَابْنُ وَهْبٍ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَعَبْدُاللَّهِ القَعْنَبِيُّ، وَأَيُّوبُ بنُ سُلَيْمَانَ، وَآخِرُ مَنْ رَوَى عَنْهُ: لُوَيْنٌ، فَإِذَا رَوَى عَنْهُ الثِّقَاتُ فَكُلُّ حَدِيثِهِ مُحْتَجٌّ بِهِ".

ولما ذكره ابن شاهين في «الثقات» قال: قال عثمان بن أبي شيبة: "لا بأس به، وليس ممن يُعتمد على حديثه". [«إكمال تهذيب الكمال» (6/47)].

قلت: هو ثقة لا شك في ذلك، لكنه ينفرد عن بعض الشيوخ بأحاديث لا تُعرف إلا من طريقه! وله بعض المخالفات لغيره.

·       من تفردات سليمان بن بلال مما أخرجه مسلم في «صحيحه»!

ومن أشهر الأحاديث التي تفرد بها ولم يُتابع عليها ما رواه عَنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ»، وقَالَتْ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ».

فهذا الحديث اختلفت نظرة أهل العلم إليه، فمنهم من قال بأن يحيى بن حسّان هو من تفرد به! وليس كذلك.

والحديث مشهور من رواية الدارمي، وعنه رواه الإمام مسلم.

قال مسلمٌ في «صحيحه» (3/1618) (2046): حَدَّثَنِي عَبْدُاللهِ بنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، قال: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، قال: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَا يَجُوعُ أَهْلُ بَيْتٍ عِنْدَهُمُ التَّمْرُ».

وقال (3/1621) (2051): حَدَّثَنِي عَبْدُاللهِ بْنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، قال: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، قال: أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «نِعْمَ الْأُدُمُ - أَوِ الْإِدَامُ - الْخَلُّ».

قال: وَحَدَّثَنَاهُ مُوسَى بنُ قُرَيْشِ بنِ نَافِعٍ التَّمِيمِيُّ، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ صَالِحٍ الوُحَاظِيُّ، قال: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: «نِعْمَ الْأُدُمُ» وَلَمْ يَشُكَّ.

قلت: ذكر الإمام مسلم متابعة يحيى بن صالح ليحيى بن حسان ليزيل عنه التفرد الذي تكلّم عليه أهل العلم.

قال الترمذي في «العلل الكبير» (ص: 302) (561): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، قال: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ». قَالَتْ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ».

قال: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ فَقَالَ: "لَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ غَيْرُ يَحْيَى بْنِ حَسَّانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ".

قال: وَلَمْ يَعْرِفْهُمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.

فهذا البخاري يستغرب هذين الحديثين ويصرّح بأن يحيى بن حسان تفرد بهما.

ولهذا قال في «التاريخ الكبير» (8/269) (2961): "يحيى بن حسان التنيسي الشّامي عَنْ سُلَيْمَان بن بلال. مات سنة ثمان ومائتين أو نحوها".

قلت: أراد البخاري - رحمه الله - التنبيه إلى هذا الحديث الذي تفرد به يحيى بن حسان عن سليمان بن بلال.

وقد وقع في المطبوع: "يحيى بْن حسان التنيسي عَنْ سُلَيْمَان بْن بلال الشامي. مات سنة ثمان ومائتين أو نحوها"! وحصل خلط فجعل سليمان بن بلال هو الشامي، ولا يوجد في الشام سليمان بن بلال، فمن يراه هكذا يظنّ أن يحيى بن حسان يروي عن سليمان بن بلال شامي، وهو مجهول! وليس كذلك، فالشامي هو يحيى، وهو يروي عن سليمان بن بلال المدني.

وقد نقل ابن عساكر هذا من كتاب البخاري في «تاريخه» (64/114) من طريق أبي الحسن محمد بن سهل المقرئ، قال: أخبرنا البخاري قال: "يحيى بن حسان التنيسي الشامي، عن سليمان بن بلال. مات سنة ثمان ومائتين أو نحوها".

ومع أن البخاري أخبر الترمذي بغرابة هذين الحديثين، إلا أنه روى حديث «نعم الإدام الخلّ» في «جامعه» (3/342) (1840) عن مُحَمَّد بن سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ البَغْدَادِيّ، وعَبْداللَّهِ بن عَبْدِالرَّحْمَنِ الدارمي، عن يَحْيَى بن حَسَّانَ، به.

قال الترمذي: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ".

وذكر ابن عمّار الشهيد هذين الحديثين في «علل الأحاديث في صحيح مسلم» (ص: 70) (25)، ثم رواهما عن أَحْمَد بن مُحَمَّدِ بْنِ القَاسِمِ الفَسَويّ، عن أَحْمَد بن سُفْيَانَ، عن أَحْمَد بن صَالِحٍ المصريّ، عن يَحْيَى بن حَسَّانَ بِهَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ.

قَالَ أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ: "نَظَرْتُ فِي كُتُبِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلالٍ، فَلَمْ أَجِدْ لِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَصْلاً".

قَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ: وَحَدَّثَنِي ابنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ قَوْمًا، «مَا إِدَامِكُمْ؟»، قَالُوا: الخَلُّ. قَالَ: «نِعْمَ الإِدَامُ الْخَلُّ».

قلت: علل ابن عمار الشهيد هذين الحديثين بأمرين:

الأول: ما قاله أحمد بن صالح الحافظ بأنه لم يجد لهذين الحديثين أصلاً في كتب سليمان بن بلال، فكأنه يجعل العهدة فيها على يحيى بن حسان!

الثاني: أن الحديث رواه عبدالرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن رجل، عن النبي صلى الله عليه وسلم!

وابن أبي الزناد ضعفه الأئمة، وضعف حديثه إنما كان فيما حدّث به في العراق، وما حدث به في المدينة فمقبول، وهذا منها، وروايته عن هشام من أصح الروايات.

قَال أبو داود، عَن يحيى بن مَعِين: "أثبت الناس في هشام بْن عروة: عَبْدالرَّحْمَن بْن أَبي الزناد".

فهو مع ضعفه إلا أنه ضبط هذا الحديث، وحدث به في المدينة، وهو من صحيح حديثه.

وكأن سليمان بن بلال سلك فيه الجادة: هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة! فلم يضبطه وأخطأ.

فالتفرد من سليمان بن بلال لا من يحيى بن حسان، وقد تابعه غير الوحاظي، تابعه: مَروان بن مُحَمَّدٍ الطَّاطَري.

رواه ابن ماجه في «سننه» (4/432) (3316) عن أَحْمَد بن أَبِي الحَوَارِيِّ. وابن عساكر في «تاريخه» (23/289) من طريق أبي جعفر محمد بن عون بن أبي سفيان الطائي. كلاهما عن مَرْوَان بن مُحَمَّدٍ الطاطري، عن سليمان بن بلال به.

تنبيه:

روى ابن عساكر بعد هذه الرواية رواية عبدالله بن عبدالرحمن الدارمي، وجاء في المطبوع: "الدارمي: حدثنا يحيى بن حسان: حدثنا مروان بن محمد، فذكره"! وهذا تخليط من النسخة، وهي سقيمة جداً!

فالحديث لا يرويه يحيى بن حسان عن مروان بن محمد! ورواية الدارمي معروفة عن يحيى بن حسان، عن سليمان بن بلال.

وقد سأل ابن أبي حاتم أباه عن حديث مروان بن محمد في «علل الحديث» (6/131) (2384)، فقال: قَالَ أَبِي: "هَذَا حديثٌ مُنكَرٌ بهذا الإسناد".

وقال الدارقطني في «الغرائب والأفراد» [كما في الأطراف (5/500) (6198)]: "تفرد بِهِ سُلَيْمَان بن بِلَال عَن هِشَام، وَلم يروه عَنهُ غير يحيى بن حسان، ومروان بن مُعَاوِيَة".

وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: "تفرد بِهِ أَبُو أويس عَنهُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظ، وَلم يروه عَنهُ غير مُعلى بن مَنْصُور الرَّازِيّ".

قلت: يعني: تفرد به أَبو أُوَيْسٍ عَبْداللهِ بن عَبْداللهِ الأصبحي، عن هشام بن عروة، عن أبيه! لم يروه عن أبي أويس إلا المُعلّى!

وأبو أويس ضعيف، سيء الحفظ، ويُخالف في حديثه، واتهمه ابن معين بسرقة الحديث.

ففي «تاريخ ابن أبي خيثمة» عن يحيى: "هو وأبوه كانا يسرقان الحديث". [إكمال تهذيب الكمال (8/15)].

والمعلى صدوق، وفيه بعض الكلام، ولا يُحتمل تفرده! وهو يروي عن سليمان بن بلال، فيحتمل أنه سمعه من سليمان، ووهم فيه، والله أعلم.

فالحديث تفرد به سليمان بن بلال عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة! ولا يُعرف من حديث أصحاب هشام، ولا أصحاب عروة!

قال الذهبي في «السير» (12/229): "هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، غَرِيْبٌ، فَردٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَانْفَرَدَ مُسْلِمٌ بِهِ".

قلت: ليس بصحيح! ولا يُقبل تفرد سليمان بن بلال به، وقد خولف فيه كما سبق.

·       مخالفات سليمان بن بلال وتفرداته!

وقد أشار أهل العلم إلى مخالفاته وتفرداته في الأحاديث.

- سئل الدارقطني في «العلل» (13/327) (3200) عن حديث محمد بن علي، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَانَ يخطب قائما يوم الجمعة خطبتين يجلس بينهما»؟

فَقَالَ: "يَرْوِيهِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ: فَرَوَاهُ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ.

وخالفه مالك بن أنس رواه عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا، وَالمُرْسَلُ أَشْبَهُ".

- وقال الدارقطني في «الغرائب والأفراد» [كما في «الأطراف» (1/223) (1090) في حَدِيث: «لما أسر أبو العاص بن الربيع...» الحديث، وفيه: «قالت زينب: إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع...»: "تفرد بِهِ سُلَيْمَان بن بِلَال، عَن صَالح بن كيسَان، عَن الزهري، عن أنس، وَلم يروه عَنهُ غير أبي بكر بن أبي أويس".

- وقال أيضاً (1/386) (2087) في حديث «العرايا»: "غريبٌ من حديث عَبدالرحمن بن عَبدالله بن أبي عتيق، عَن نافع، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت، تَفَرَّدَ بهِ سُلَيمان بن بلال عنه، ولم يروه عنه غير أبي بكر بن أبي أويس".

- وقال أيضاً (1/419) (2279) في حديث: «إن سِنيناً أخبره...»: "تَفَرَّدَ بهِ سُلَيمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن سِنِين أبي جميلَة، ولم يروه عنه غير أبي بكر بن أبي أويس".

- وقال (1/536) (3075) في حَدِيث: «أَن ابن عمر طلق امْرَأَته... الحَدِيث»: "تفرد بِهِ سُلَيْمَان بن بِلَال عَن عبدالله بِهَذا اللَّفْظ، وَأخرجه مُسلم عَن أَحْمد بن عُثْمَان بن حكيم، عَن خَالِد بن مخلد، عَن سُلَيْمَان".

[رواه مسلم في «صحيحه» (2/1095) (1471) قال: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ الْأَوْدِيُّ، قال: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ - وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ -، قال: حَدَّثَنِي عَبْدُاللهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَسَأَلَ عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ يُطَلِّقُ بَعْدُ، أَوْ يُمْسِكُ»].

- وقال أيضاً (1/572) (3317) في حَدِيث: «إِن الْأَغَر كَانَت لَهُ أوسق من تمر... الحَدِيث»: "تفرد بِهِ سُلَيْمَان بن بِلَال، عَن عبدالرَّحْمَن بن عبدالله بن أبي عَتيق، عَن نَافِع، وَلم يروه عَنهُ غير أبي بكر بن أويس".

- وقال (2/97) (4218) في حَدِيث: «المَوَاقِيت»: "تفرد بِهِ سُلَيْمَان بن بِلَال، عَن يحيى بن سعيد، عَن الزُّهْرِيّ، عَن بشير، عَن أَبِيه، عن عقبة بن عمرو أبي مسعود البدري، وَتفرد بِهِ عَنهُ: أَبُو بكر بن أبي أويس".

- وقال (2/444) (6137) في حَدِيث: «قَالَت جَاءَت امْرَأَة مَعهَا ابنتان لَهَا... الحَدِيث»: "غَرِيب من حَدِيث ربيعَة بن أبي عبدالرَّحْمَن، عَن الزُّهْرِيّ، عَن عبدالله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عروة، تفرد بِهِ سُلَيْمَان بن بِلَال عَنهُ، وَتفرد بِهِ إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، عَن أَخِيه، عن سُلَيْمَان".

فالحديث تفرد به سُلَيْمَانَ بنِ بِلَالٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي مُزَرِّدٍ، عَنْ أَبِي الحُبَابِ سَعِيدِ بنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ، إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا».

·       رواية أخرى عن أَبِي هُرَيْرَةَ:

وللحديث طريق آخر عن أبي هريرة:

رواه أحمد في «مسنده» (13/419) (8054) عن بَهْز بن أسد، وعَفَّان بن مُسلم الصفّار. [ورواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (8/380) (8935) عن مِقْدَام، عن أَسَد].

والنسائي في «السنن الكبرى» (10/425) (11929) عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ سَلَّامٍ الطرسوسيّ، عَنْ حَجَّاجِ بنِ مُحَمَّدٍ المِصِّيصِيّ.

وابن حبان في «صحيحه» (8/124) (3333) من طريق إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيمَ، عن عَبْدالصَّمَدِ بن عبدالوارث.

والبيهقي في «شعب الإيمان» (13/232) (10245) من طريق حُمَيْد بن عَيَّاشٍ الرَّمْلِيّ، عن مُؤَمَّل بن إسماعيل البصريّ.

كلهم (بهز، وعفّان، وحجاج، وعبدالصمد، ومؤمّل) عن حَمَّاد بن سَلَمَةَ، عَنْ إِسْحَاقَ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ مَلَكًا بِبَابٍ مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ يَقُولُ: مَنْ يُقْرِضِ الْيَوْمَ، يُجْزَى غَدًا، وَمَلَكًا بِبَابٍ آخَرَ يَقُولُ: اللهُمَّ أَعْطِ لمُنْفِقٍ خَلَفًا، وَعَجِّلْ لِمُمْسِكٍ تَلَفًا».

وفي رواية مؤمل زيادة: «وَمَلَكٌ بِبَابٍ آخَرَ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ، فَإِنَّ مَا قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى، وَمَلَكٌ بِبَابٍ آخَرَ يَقُولُ: يَا بَنِي آدَمَ لِدُوا لِلتُّرَابِ، وَابْنُوا لِلْخَرَابِ».

قال ابن حجر في «موافقة الخبر الخبر في تخريج أحاديث المختصر» (2/298): "هذا حديث صحيح".

وأورده مقبل الوادعي في «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين» (2/415) (1447)، وقال: "هذا حديث صحيحٌ، رجاله رجال الصحيح".

وقال الطبراني: "لَمْ يَرْوِ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ إِلَّا إِسْحَاقُ، تَفَرَّدَ بِهِ: حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ".

قلت: تفرد به حماد بن سلمة، وهو ثقة إلا أنه ساء حفظه، وخالف في بعض حديثه، وله تفردات منكرة!

وقد خُولف في هذا الحديث:

رواه مُسَدَّدٌ في «مسنده» [كما في «المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية» (13/407) (3209)] عن خَالِد بن عبدالله الطحّان الواسطي، عن حُصَيْن بن عبدالرحمن السُّلميّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ أَبِي عَمْرَةَ، قَالَ: «إِذَا كَانَ جَوْفُ اللَّيْلِ، اطَّلَعَ مَلَكٌ فقال: سحبوا الْمَلِكَ الْقُدُّوسَ. ثُمَّ يَطَّلِعُ مَلَكٌ آخَرُ فَيَقُولُ: سَبِّحُوا الْمَلِكَ الْقُدُّوسَ. فَعِنْدَ ذَلِكَ تُحَرِّكُ الطَّيْرُ أَجْنِحَتَهَا، ثُمَّ يَطَّلِعُ مَلَكٌ آخَرُ فَيَقُولُ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ! هَلُمَّ. ثُمَّ يَطَّلِعُ مَلَكٌ آخر فيقول: يَا بَاغِيَ الشَّرِّ! أَقْصِرْ. ثُمَّ يَطَّلِعُ آخَرُ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِمُنْفِقٍ خَلْفًا، ثُمَّ يَطَّلِعُ آخَرُ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِمُمْسِكٍ تَلَفًا».

ورواه محمّد بنُ فُضَيْل بن غَزوان الضبيّ في كتاب «الدعاء» (ص: 311) (124) عن حُصَيْن بن عَبْدِالرَّحْمَنِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَيَحْيَى بنُ جَعْدَةَ، فَدَخَلْنَا عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُالرَّحْمَنِ بنُ أَبِي عَمْرَةَ، وَهُوَ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ قَالَ: «إِذَا كَانَ جَوْفُ اللَّيْلِ - أَوْ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ - اطَّلَعَ مَلَكٌ مِنَ السَّمَاءِ فَقَالَ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ، ثُمَّ اطَّلَعَ آخَرُ فَقَالَ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ، فَذَلِكَ حِينَ تُخْرِجُ الطَّيْرُ أَجْنِحَتَهَا، ثُمَّ يَطَّلِعُ آخَرُ فَيَقُولُ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، ثُمَّ يَطَّلِعُ آخَرُ فَيَقُولُ: يَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، ثُمَّ يَطَّلِعُ آخَرُ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِكُلِّ مُنْفِقٍ خَلَفًا، ثُمَّ يَطَّلِعُ آخَرُ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِكُلِّ مُمْسِكٍ تَلَفًا».

قلت: وهذا إسناد صحيح إلى عبدالرحمن بن أبي عمرة من قوله، وهو أصح من حديث حماد بن سلمة، وقد وهم فيه حماد، فرواه عن إسحاق بن عبدالله، عن ابن أبي عمرة، عن أبي هريرة!

وروى هنّاد بن السري في كتاب «الزهد» (1/339)، و(2/448) عن أَبي الْأَحْوَصِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ أَبِي عَمْرَةَ، قَالَ: «مَا مِنْ صَبَاحٍ إِلَّا وَمَلَكَانِ مُوَكَّلَانِ يَقُولَانِ: يَا طَالِبَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا طَالِبَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَمَلَكَانِ مُوَكَّلَانِ يَقُولَانِ: سُبْحَانَ الْقُدُّوسِ، وَمَلَكَانِ مُوَكَّلَانِ بِالصُّورِ».

ويُروى أيضاً من قول مجاهد:

رواه عَبْدُالرَّزَّاقِ في «مصنفه» (8/435) (20560) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «إِذَا أخْفَقَتِ الطَّيْرُ بِأَجْنِحَتِهَا - يَعْنِي السَّحَرَ -، نَادَى مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ هَلُمَّ، وَيَا فَاعِلَ الشَّرِّ انْتَهِ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ، هَلْ مِنْ تَائِبٍ يُتَابُ عَلَيْهِ، قَالَ: ثُمَّ يُنَادِي: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَأَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا، حَتَّى الصُّبْحِ».

قلت: هذا إسناد صحيح إلى مجاهد.

وروى أبو الشيخ الأصبهاني في «العظمة» (3/963) (487) عن عَبْدالرَّحْمَنِ بن الحَسَنِ، عن أَبي شَيْبَةَ إبراهيم بن أبي بكر بن أَبِي شَيْبَةَ، عن بَكْر بن عَبْدِالرَّحْمَنِ ابن أبي ليلى، عَنْ ابن عمّه عِيسَى بنِ المُخْتَارِ الكوفي، عَنِ عمّ جدّه محمد بن عبدالرحمن بنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ المِنْهَالِ بن عمرو، عَنْ مُجَاهِدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثَمَانِيَةَ أَمْلَاكٍ، أَرْبَعَةً بِالْمَشْرِقِ، وَأَرْبَعَةً بِالْمَغْرِبِ، فَإِذَا أَمْسَى قَالَ الَّذِي بِالْمَشْرِقِ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، فَيَقُولُ الَّذِي بِالْمَغْرِبِ: يَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، فَإِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ قَالَ الَّذِي بِالْمَشْرِقِ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقَ مَالِهِ خَلَفًا، وَيَقُولُ الَّذِي بِالْمَغْرِبِ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا، فَإِذَا مَضَى ثُلُثَا اللَّيْلِ قَالَ الثَّالِثُ الَّذِي بِالْمَشْرِقِ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ، وَيَقُولُ الَّذِي بِالْمَغْرِبِ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ، وَالرَّابِعُ وَاضِعٌ الصُّورَ عَلَى فِيهِ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ بِالنَّفْخَةِ، وَالْآخَرُ مُقَابِلَهُ».

قلت: هذا إسناد لا بأس به إلى مجاهد.

والخلاصة أن الحديث يرويه التابعي عَبْدالرَّحْمَنِ بن أَبِي عَمْرَةَ من قوله، ويرويه عنه مجاهد بن جبر، ويرويه مجاهد أيضاً من قوله بزيادات، وفيها نكارة!

·       رواية أخرى عن أبي هريرة!

وروى هنّاد بن السري في «الزهد» (1/340) عن يَعْلَى بن عُبيد الطنافسيّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِاللَّهِ التيميّ المدنيّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ فِي السَّمَاءِ مَلَكَيْنِ مَالَهُمَا عَمَلٌ إِلَّا يَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ ابْغِ مُمْسِكًا تَلَفًا».

قلت: هذا إسناد منكر!

يحيى بن عبيدالله: منكر الحديث، ليس بثقة.

·       رواية موقوفة على أبي هريرة!

ورُوي عن أبي هريرة موقوفاً عليه:

رواه أحمد في «مسنده» (14/239) (8571/2) عن عَفَّان بن مُسلم الصفّار، عن هَمَّام بن يحيى العوْذي، عن مُحَمَّد بن جُحَادَةَ، عن سلمان أَبي حَازِمٍ الأشجعيّ، عن أَبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «عَنْ يَمِينِ العَرْشِ، مُنَادٍ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ: أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَأَعْطِ - أَوْ عَجِّلْ - لِمُمْسِكٍ تَلَفًا».

قلت: هذا إسناد صحيح إلى أبي هريرة.

·       أصل الحديث من كلام كعب الأحبار!

فالصواب في هذا الحديث أنه موقوف على أبي هريرة - رضي الله عنه -، وإنما أخذه أبو هريرة من كعب الأحبار.

رواه وَكيع بن الجرّاح في «الزهد» (ص: 666) (379)، و(381). [رواه هنّاد بن السَّري في «الزهد» (1/339)، والحُسَيْنُ المَروزيّ في «زوائده على الزهد» (1/378) (1070) كلاهما عن وَكِيع].

وهنّاد بن السَّري في «الزهد» (1/340) عن أَبي مُعَاوِيَةَ الضرير.

والخرائطي في «مكارم الأخلاق» (ص: 192) (583)، وفي «مساوئ الأخلاق» (ص: 174) (370) عن عَلِيّ بن حَرْبٍ، عن عَبْدالحَمِيدِ بن يَحْيَى الحِمَّانِيّ.

وابن عساكر في «تاريخه» (60/80) من طريق عيسى بن يونس.

كلهم (وكيع، وأبو معاوية، وعليّ بن حرب، وعيسى بن يونس) عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ ضَمْرَةَ السَّلُولِيِّ، عَنْ كَعْبٍ قَالَ: «مَا مِنْ صَبَاحٍ إِلَّا وَمَلَكَانِ يُنَادِيَانِ: يَا بَاغِيَ الخَيْرِ، هَلُمَّ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ، أَقْصِرْ، وَمَلَكَانِ يُنَادِيَانِ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَأَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا، وَمَلَكَانِ يُنَادِيَانِ يَقُولَانِ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ، وَمَلَكَانِ مُوَكَّلَانِ بِالصُّورِ، يَنْتَظِرَانِ مَتَى يُؤْمَرَانِ فَيَنْفُخَانِ».

وفي رواية أبي معاوية زيادة: «وَمَلَكٌ يُنَادِي: المَوْتَ المَوْتَ».

قلت: وهذا إسناد صحيح. والأعمش قد سمع من مجاهد بعض الأحاديث المرفوعة، وروى عنه الكثير من الموقوفات.

وقد روى الأعمش، عن مجاهد، عن عبدالله بن ضمرة، عن كعب الأحبار عدّة أحاديث، وهي صحيحة إلى كعب.

والخلاصة أن هذا الحديث أصله من كلام كعب الأحبار، وقد رواه أبو هريرة من قوله؛ لأنه أخذه من كعب، وكان أبو هريرة يسمع من كعب فيروي حديثه، ويأتي بعض الرواة فيخطؤون فيرفعونه، وإنما رواه أبو هريرة موقوفا.

فالحديث محفوظ من رواية أبي هريرة لكن موقوفاً، والظاهر أن سليمان بن بلال وهم فيه، وسلك فيه الجادة، فرواه عَنْ مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي مُزَرِّدٍ، عَنْ سَعِيدِ بنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

والصواب أنه من قول كعب الأحبار.

ومما يدلّ على أنه من الإسرائيليات ما رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (6/1943) (10328) عن أَبِيه، عن هِشَام بن خَالِدٍ الدمشقيّ، عن شُعَيْب بن إِسْحَاقَ البصري ثمّ الدمشقيّ، عن سَعِيد بن أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ في قوله تعالى: {وَاللَّهُ يدعوا إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} قَالَ: «ذُكِرَ لَنَا أَنَّ فِيَ التَّوْرَاةِ مَكْتُوبًا: يَا بَاغِيَ الخَيْرِ هَلُمَّ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ انْتَهِ».

فها هو قتادة يُصرّح أن هذا ذُكر لهم أنه في التوراة.

·       رواية مكذوبة على أبي حازم!

وروى الثعلبيّ في «تفسيره» (22/118) (2328) من طريق صالح بن محمَّد الترمذي، عن سليمان بن عمرو، عن أبي حازم، عن أنس بن مالك، عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قال: «ينادي مناد كل ليلة: لدوا للموت، وينادي آخر: ابنوا للخراب، وينادي مناد: اللهم هب للمنفق خلفًا، وينادي مناد: اللهم هب للممسك تلفًا، وينادي مناد: ليت النَّاس لم يُخلقوا، وينادي مناد: ليتهم إذا خُلقوا فكروا فيما خلقوا له».

قلت: وهذا حديث مكذوب على أبي حازم عن أنس!

صالح بن محمد الترمذي: ساقط، دجّال من الدجاجلة! وسليمان بن عمرو أبو داود النخعي: كان كذاباً، ويضع الحديث على أبي حازم، وهذا منها.

والمحفوظ ما رواه مُحَمَّد بن جُحَادَةَ، عن أَبي حَازِمٍ الأشجعيّ، عن أَبي هُرَيْرَةَ موقوفاً، كما سبق بيانه.

·       مرسل عُثْمَان بن المُغِيرَةِ!

ورواه ابن شاهين في «الترغيب في فضائل الأعمال» (ص: 139) (484) من طريق شُعَيْبِ بنِ اللَّيْثِ.

وابن سمعون الواعظ في «أماليه» (ص: 200) (184) من طريق أَبي صَالِحٍ عبدالله بن صالح كاتب الليث.

كلاهما (شعيب، وأبو صالح) عن اللَّيْث بن سعد، عن عُقَيْل بن خالد الأيليّ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ محمّد بن المُغِيرَةِ بْنِ الأَخْنَسِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ طَلَعَتْ شَمْسُهُ إِلا يَقُولُ: مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَعْمَلَ خَيْرًا فَلْيَعْمَلْ، فَإِنِّي غَيْرُ مَكْرُورٍ عَلَيْكُمْ أَبَدًا، وَمَا مِنْ لَيْلَةٍ طَلَعَتْ نُجُومُهَا إِلا هِيَ تَقُولُ: مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَعْمَلَ فِيَّ خَيْرًا فَلْيَعْمَلْ، فَإِنِّي غَيْرُ مَكْرُورَةٍ عَلَيْكُمْ أَبَدًا، وَمَا مِنْ يَوْمٍ إِلا يُنَادِي مُنَادِيَانِ فِي السَّمَاءِ: يَا طَالِبَ الْخَيْرِ أَبْشِرْ، وَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: يَا طَالِبَ الشَّرِ أَقْصِرْ، وَمَا مِنْ يَوْمٍ إِلا يُنَادِي مُنَادِيَانِ فِي السَّمَاءِ، يَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقَ مَالٍ خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: أَعْطِ مُمْسِكَ مَالٍ تَلَفًا».

قال البيهقي في «شعب الإيمان» (5/366): "هَذَا مُنْقَطِعٌ".

قلت: نعم، هذا مرسل، وعُثْمَان تابعي، وهو: ابن مُحَمَّدِ بنِ المُغِيرَةِ بنِ الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيّ ليس بالقوي.

·       شواهد الحديث:

·       شاهد أَبِي الدَّرْدَاءِ:

رواه أبو داود الطيالسي في «مسنده» (2/323) (1072). وأحمد في «مسنده» (36/52) (21721) عن عَبْدالرَّحْمَنِ بن مهدي. والطبري في «تهذيب الآثار -مسند ابن عباس» (1/267) (444)، و(1/269) (447) عن ابن بشار، وابن السني في «القناعة» (ص: 58) (32) من طريق مُحَمَّد بن المُثَنَّى، كلاهما (ابن بشار، وابن المثنى) عن مُعَاذ بن هِشَامٍ. والحاكم في «المستدرك» (2/482) (3662) من طريق عَبْدالصَّمَدِ بن عَبْدِالوَارِثِ. وأبو القاسم الأصبهاني قوام السنة في «الترغيب والترهيب» (3/62) (2075) من طريق وهب بن جرير. خمستهم (الطيالسي، وابن مهدي، ومعاذ، وعبدالصمد، ووهب) عن هِشَام الدستوائي. [وقد أثبت شعيب الأرنؤوط في طبعته لمسند أحمد: "عن هَمَّام"! وفي «جامع المسانيد» لابن الجوزي (6/404) (5987) الحديث الثاني والثلاثون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا عبدالرحمن قال: أخبرنا هشام... وفي مطبوع «الزهد» لأحمد (ص: 19) (102): "عن همام"!]. [ررواه أبو نُعيم في «الحلية» (1/226) من طريق الطيالسي].

ومُسَدَّد في «مسنده» [كما في إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة (4/174) (3367)]. وابن أبي الدنيا في «الزهد» (ص: 180) (403) عن خالد بن خِدَاشِ بن عَجْلَانَ، وخَلَف بن هِشَامٍ. ثلاثتهم (مسدد، وابن خداش، وخلف) عن أَبي عَوَانَةَ.

وابن أبي الدنيا في «الزهد» (ص: 180) (403)، وفي «ذم الدنيا» (2/554) (451) من طريق عَبْدالْأَعْلَى بن عَبْدِالْأَعْلَى، عَنْ سَعِيدِ بنِ أَبِي عَرُوبَةَ.

وعبد بن حُميد في «مسنده» [كما في «المنتخب منه» (1/198) (207)]، وأَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ في «مسنده» (1/48) (36). والبيهقي في «شعب الإيمان» (13/17) (9888) من طريق مُحَمَّد بن إِسْحَاقَ الصَّغَانِيّ. ثلاثتهم (عبد بن حميد، وابن أبي شيبة، والصغاني) عن الحَسَن بن مُوسَى الْأَشْيَب. والبغوي في «شرح السنة» (14/247) (4045) من طريق آدَم بن أَبِي إِيَاسٍ. كلاهما (الأشيب، وآدم) عن أَبي مُعَاوِيَةَ شَيْبَانَ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ.

وأَبُو يَعْلَى المَوْصِلِيّ في [كما في «مسنده» «إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة» (4/174) (3367)]. والقُضاعي في «مسند الشهاب» (2/25) (810) من طريق الحَسَنِ بنِ سُفْيَانَ. كلاهما (أبو يعلى، والحسن) عن شَيْبَان بن فَرُّوخٍ. والذهبي في «تاريخ الإسلام» (5/660) من طريق القَاسِم بن سَلامِ بنِ مِسْكِينٍ. كلاهما (شيبان، والقاسم) عن سَلَّام بن مِسْكِينٍ. [ورواه ابن حبان في «صحيحه» (8/121) (3329) عن أبي يعلى)، ورواه ابن السنّي في «القناعة» (ص: 57) (30) عن عَبْدَان، وأَبي يَعْلَى، عن شيبان.].

والطبري في «تهذيب الآثار - مسند ابن عباس» (1/266) (443)، وفي «التفسير» (12/154)، (24/465)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (6/1942) (10326)، و(10/3441) (19365) من طريق عَبْدالمَلِكِ بن عَمْرٍو العَقديّ. وابن بشران في «أماليه» [الجزء الثاني] (ص: 43) (1039)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (5/90) (3139) من طريق بَدَل بن المُحَبِّرِ. كلاهما (عبدالملك، وبَدل) عن عَبَّاد بن رَاشِدٍ.

والطبراني في «المعجم الأوسط» (3/188) (2891) من طريق عَاصِم بن النَّضْرِ الأحول. وابن حبان في «صحيحه» (2/462) (686)، وابن السني في «القناعة» (ص: 57) (31)، وأبو القاسم الأصبهاني قوام السنة في «الترغيب والترهيب» (1/323) (543) ثلاثتهم من طريق أَبي الْأَشْعَثِ أَحْمَد بن المِقْدَامِ العِجْلِيّ. كلاهما (عاصم، وأبو الأشعث) عن المُعْتَمِر بن سُلَيْمَانَ، عن أَبِيه سليمان التيميّ.

كلهم (هشام الدّستوائي، وأَبُو عَوَانَةَ، وابن أبي عَروبة، وشَيْبَانُ، وسَلَّامُ بن مِسْكِينٍ، وعَبَّادُ بن رَاشِدٍ، وسُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ) عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خُلَيْدٍ العَصَري، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا طَلَعَتْ شَمْسٌ قَطُّ إِلَّا بُعِثَ بِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ, إِنَّهُمَا لَيَسْمَعَانِ مَنْ عَلَى الأَرْضِ غَيْرَ الثَّقَلَينِ: يَا أَيَّهَا النَّاسُ، هَلُمُوا إِلَى رَبِّكُم؛ فَإِنَّ مَا قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كثر وألهى، ولا آبت شَمْسٌ إِلَّا بُعِثَ بِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وأعط ممسكا تلفا».

وفي رواية عَبْدالصَّمَدِ بن عَبْدِالوَارِثِ عن هِشَام بن أَبِي عَبْدِاللَّهِ: حدثنا قَتَادَةُ، وَتَلَا، قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءَ} [الشورى: 27] فَقَالَ: حدثنا خُلَيْدُ بنُ عَبْدِاللَّهِ العَصَرِيُّ، فذكره.

وفي رواية عَبَّاد بن رَاشِدٍ زاد: "وَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي ذَلِكَ كُلِّهِ قُرْآنًا فِي قَوْلِ الْمَلَكَيْنِ: يَأَيُّهَا النَّاسُ هَلُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ، فِي سُورَةِ يُونُسَ: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [يونس: 25]، وَأَنْزَلَ فِي قَوْلِهِمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا وَأَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا، {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} [الليل: 1] ، {وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} [الليل: 2] ، {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى} [الليل: 3] إِلَى قَوْلِهِ {لِلْيُسْرَى} [الليل: 7]".

وهَذه الزيادة غَرِيبة مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ، عَنْ خُلَيْدٍ العَصَرِيِّ، لا يُعْلَمُ حَدَّثَ بِها إِلا عَبَّادُ بنُ رَاشِدٍ! وعبّاد فيه ضعف، وليس بقويّ.

·       الاختلاف في وقفه ورفعه!

وقد اختلف أصحاب قتادة في رفعه ووقفه! فقال أَبُو عَوَانَةَ: "رَفَعَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَأَمَّا أَنَا فَلَمْ أَحْفَظْ رَفْعَهُ".

وقال أبو نُعيم في «الحلية» (1/227): "حَدِيثُ المُنَادِيَيْنِ تَفَرَّدَ بِهِ قَتَادَةُ عَنْ خُلَيْدٍ".

وقال الحاكم: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ".

وقال الذهبي في «تاريخ الإسلام» (5/660): "صَحِيحٌ عَالٍ".

وقال في كتاب «الرد على ابن القطان في كتابه بيان الوهم والإيهام» (ص: 53): "إِسْنَاده صَالح".

·       ترجمة لخُليد العصري:

قلت: هذا الحديث لم يروه عن أبي الدرداء إلا خُلَيْدُ بنُ عَبْدِاللَّهِ العَصَرِيُّ أَبُو سُلَيْمَانَ البَصْرِيُّ، وهو تابعيّ ثقة، وكان عابداً زاهداً، لا يُعرف له إلا هذا الحديث، وحديث آخر رواه عَنِ الْأَحْنَفِ بنِ قَيْسٍ، عن أَبي ذَرٍّ في الذين يكنزون المال، وقد خرّجه مسلمٌ في «صحيحه» (2/690) (992).

وقد أورد أبو نُعيم في ترجمته من «الحلية» بعض أقواله في الزهد والعبادة، وغالبها من رواية قتادة عنه، وقد سمعها منه، وكان أحياناً يدخل المسجد فيرى طلبة العلم فيقف وينصحهم، ويعظهم.

وهذا الحديث الذي رواه خليد عن أبي الدرداء من هذه البابة التي كان خليد يُعنى بها في الزهد والابتعاد عن الدنيا، وقصر الأمل.

·       هل سمع خُليد من أبي الدرداء؟!

ولم يسمع من أبي الدرداء (ت 32هـ)، ولم يلقه، فهو بصري توفي ما بين سنة (101 - 110هـ)، وأبو الدرداء شاميّ! فأين لقيه وسمع منه؟!

وقد أثبت ابن معين سماع خليد من أبي الدرداء!

قال عبّاس الدوري في «تاريخ ابن معين - روايته» (4/287) (4421): سَمِعت يحيى يَقُول: "خُلَيْد العصري سمع من أبي الدَّرْدَاء"، فراجعوا يحيى بن معِين فِيهِ، فَقَالَ: "نعم، قد سمع من أبي الدَّرْدَاء".

قلت: لا يوجد ما يدلّ على أنه سمع منه! ومراجعة تلاميذ يحيى له يدلّ على أنهم لم يروا أنه سمع منه! لكن غفر الله لأبي زكريا بقي على رأيه في هذا، ولا ندري ما حجته!

والعجيب أن ابن معين ناقض نفسه! فأثبت سماع خليد من أبي الدرداء مع عدم ثبوت اللقي وبُعد الدار، ونفى سماعه من سلمان الفارسي مع قُرب الدار، وقرب وفاة أبي الدرداء (32هـ)، وسلمان (34هـ)!

قال إِسحاق بن مَنصور، عن يحيى بن مَعين: "لم يَسمع خُلَيد بن عبدالله من سَلمان". فقلتُ: يقول: «لما وَرَدَ علينا سَلمان»؟ قال: "يعني بالبَصرة".

قلت: نفى ابن معين سماع خليد من سلمان مع اتحاد الدار، وأوّل ما ورد عنه من قوله: «لما ورد علينا سلمان» يعني أتى أهل البصرة، لا أنه أتى البصرة وكان خليد موجوداً! ولهذا نظائر، كقول الحسن البصري: "خطبنا ابن عباس"، و"خطبنا عتبة بن غزوان"، وإنما أراد أهل البصرة بلده، فإنه لم يكن بها حين خطبتهما، وقوله أيضاً: "حدثنا أبو هريرة"، أي حدث أهل بلده، وقول طاوس: "قدم علينا معاذ اليمن"، وأراد أهل بلده، فإنه لم يدركه.

فإن كان قصد ابن معين هذا: أنه لما ورد عليهم يعني أهل البصرة، وأنه لم يقصد أنه كان معهم فهذا تنقضه الرواية نفسها!

روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» (15/435) (30548) عن أَبي أُسَامَةَ، وفي (17/331) (33135) عن ابن أَبِي عَدِيٍّ. وابن عساكر في «تاريخه» (19/439) من طريق بشر بن المفضل. ثلاثتهم (أبو أسامة، وابن أبي عدي، وبشر) عَنْ عَوْفٍ الأَعرابيّ، عَنْ خُلَيْدٍ العَصْرِيِّ، قَالَ: لَمَّا وَرَدَ عَلَيْنَا سَلْمَانُ أَتَيْنَاهُ لِنَسْتَقْرِئَهُ، فَقَالَ: «إنَّ القُرْآنَ عَرَبِيٌّ فَاسْتَقْرِئُوهُ عَرَبِيًّا»، فَكَانَ زَيْدُ بنُ صُوحَانَ يُقْرِئُنَا، فَإِذَا أَخَطَأَ أَخَذَ عَلَيْهِ سَلْمَانُ، وَإِذَا أَصَابَ، قَالَ: «أَيْمُ اللهِ».

وفي رواية: «لَمَّا قَدِمَ عَلَيْنَا سَلْمَانُ أَتَيْنَاهُ»، «فإذا أخطأ غير علته، فإذا أصاب قال: أي، والإله».

فهذه الرواية صريحة في أنه لما أتاهم سلمان البصرة أتاه خليد مع من أتى لقراءة القرآن عليه، وقال: «يُقْرِئُنَا» و«فَاسْتَقْرَأْنَا».

فإذا كان خليد لم يسمع من سلمان الذي جاء عندهم البصرة، فمن باب أولى أن لا يسمع من أبي الدرداء الذي هو في الشام!

وكيف يسمع خليد من أبي الدرداء الذي هو في الشام ومات قبل سلمان بسنتين؟ فهل يُعقل أنه أتى الشام وسمع منه، ثم رجع البصرة ولم يسمع من سلمان؟!

والذي أراه أنه لم يسمع لا من أبي الدرداء ولا من سلمان، وإنما أتى مع الناس ليقرؤوا على سلمان لما جاءهم البصرة، والذي كان يُقْرؤهم هو: زَيْدُ بنُ صُوحَانَ بحضور سلمان، فربما كان صغيراً حينها لما جاءهم سلمان، ولم يسمع منه الحديث؛ لأنه توفي تقريباً بعد سنة (100هـ)، ثم لا ندري متى نزل سلمان عندهم البصرة، وكان رضي الله عنه أميراً على المدائن منذ زمن عمر - رضي الله عنه -، ومات فيها.

فنزوله البصرة لا نعرف متى كان! ولا أشك أن خليداً كان صغيراً لما زارهم سلمان، وكان زيد بن صوحان من أصحاب سلمان وكان دائماً معه.

والذي أراه أن خليدا لم يسمع من أيّ صحابي، وهو إنما يرسل عن بعضهم، ولهذا قال ابن حجر في «التقريب»: "صدوق يُرسل".

وكان المزي قال في ترجمته من «تهذيب الكمال» (8/310): "رَوَى عَن: الأَحنف بن قيس، وزيد بن صوحان، وقرأ عليه القرآن، وسلمان الفارسي، وعلي بن أَبي طالب، وأَبي الدَّرْدَاء، وأبي ذر الغفاري".

قال ابن حجر في «تهذيب التهذيب» (3/159) بعد أن نقل نفي ابن معين سماعه من سلمان: "وعلى هذا فيبعد سماعه من علي، وأبي ذر رضي الله عنهما، وأما أبو الدرداء فقال: ابن حبان في «الثقات» لما ذكره: يُقال إن هذا مولى لأبي الدرداء رضي الله عنه".

قلت: لم يستبعد ابن حجر سماعه من أبي الدرداء لقول ابن حبان إنه مولى لأبي الدرداء، ونقله أيضاً في ترجمته من «التقريب»، والمولى يسمع من مولاه، وإلا كان حقه أن يدرجه مع علي وأبي ذر، وهو الصواب؛ لأن خليدا هذا لم يكن مولى لأبي الدرداء! وابن حبان إنما قال: "ويقال...".

قال ابن حبان في «الثقات» (4/210) (2540): "خُلَيْد بن عَبْدالله العصري البَصْرِيّ أَبُو سُلَيْمَان العَبْدي، عداده فِي أهل البَصْرَة، يروي عَن أَبِي الدَّرْدَاء. روى عَنهُ: قَتَادَة. وَيُقَال إِن هَذَا مولى لأَبِي الدَّرْدَاء، وَهُوَ الَّذِي يروي عَن الْأَحْنَف بْن قَيْس".

وكان ذكر قبله بترجمة (2539): "خُلَيْد بن سعد مولى أَبِي الدَّرْدَاء، عداده فِي أهل الشَّام، يروي عَن أَبِي الدَّرْدَاء. روى عَنهُ: طَلْحَة بْن نَافِع. كَانَ يسكن بَيت الْمُقَدّس".

وقول ابن حبان فيه: "ويقال إن هذا مولى لأبي الدرداء" خطأ! ولا نعرف من قاله، فجميع أهل العلم على أن خليد العصري ليس بمولى لأبي الدرداء، وإنما المولى هو الآخر، وقد ترجم له ابن عساكر في «تاريخه» (17/26) (2010) فقال: "خليد بن سعد السلاماني، ويقال مولى أم الدرداء، ويقال مولى أبي الدرداء، روى عنه: عثمان بن أبي سودة، وطلحة بن نافع، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني، وعبدالرحمن بن يزيد بن جابر".

وعليه فإذا كان خليد العصري لم يسمع من أبي ذر وعلي فهو لم يسمع من أبي الدرداء أيضاً، وهو الصواب.

وقد أشار البخاري من خلال ترجمته في «التاريخ الكبير» إلى عدم سماعه منه، فإنه قال (3/198) (673): "خليد بن عَبْداللَّه أَبُو سُلَيْمَان العصري العبدي البَصْرِيّ، عَنْ أَبِي الدرداء، روى عنهُ قتادة".

فإيراد البخاري لروايته عن أبي الدرداء أراد بذلك تضعيفها بالانقطاع؛ لأنه لم يسمع منه، ولهذا قال: "عن أبي الدرداء"، وهذا هو الحديث الذي رواه عن أبي الدرداء، فهو مرسل.

·       شاهد عبدِالله بن مسعود:

رواه أبو يعلى في «مسنده» [كما في «المطالب العالية» (5/655) (958)] عن سفيان بن وكيع، قال: حدثنا أَبِي، عَنْ حُميد، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ الحَارِثِ، قَالَ: قَالَ عَبْدُاللَّهِ بنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ صَبَاحٍ إلَّا ومناد ينادي من السماء؛ اللهم أعط كُلّ منفق خَلَفًا وكُلَّ مُمْسِكٍ تَلَفًا، يَا بَاغِيَ الخَيْرِ هلمّ أقبل، ويا باغي الشر أقصر».

قلت: هذا حديث منكر!

سفيان بن وكيع مُتكلّم فيه، وكان يتلقّن!

وحُمَيْدُ هو: ابنُ عَلِيٍّ الْأَعْرَجُ، كُوفِيٌّ، ليس بشيء! منكر الحديث.

قَالَ أحمد: "أَحَادِيثُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ الحَارِثِ مُنْكَرَةٌ".

وقال ابن معين - وَقِيْلَ لَهُ: عبدالله بن الحَارِث، هَذَا الذي يُحَدِّث عَنْهُ خَلَف بن خَلِيْفَة؟ فَقَالَ: "مُكْتِبٌ، وهو كُوفِيٌّ، ولَمْ يَسْمَعْ من ابن مَسْعُود شَيْئًا، وهي مُرْسَلَةٌ" - يَعْنِي أَحَادِيْث خَلَف بن خَلِيْفَة، عن حُمَيْد الأَعْرَج، عن عبدالله الحَارِث.

·       شاهد أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ:

رواه البزار في «مسنده» [كما في «كشف الأستار عن زوائد البزار» (4/153) (3424) عن عَمْرو بن عَبْدِاللَّهِ الأَوْدِيّ، وصَالِح بن مُعَاذٍ البَغْدَادِيّ. وعبد بن حميد في «مسنده» [كما في «المنتخب منه» (ص: 298) (963)] عن ابن أَبِي شَيْبَةَ. وابن ماجه في «سننه» (5/135) (3999) عن أَبي بَكْرِ بن أَبِي شَيْبَةَ، وعَلِيّ بن مُحَمَّدٍ الطنافسيّ. وابن عدي في «الكامل» (4/350) (6312) عن الحسن بن سفيان، عن أَبي بكر بن أبي شيبة. والحاكم في «المستدرك» (2/173) (2672) عن أَبي عَمْرٍو عُثْمَانَ بنِ أَحْمَدَ البَزَّاز، عن الحُسَيْن بن أَبِي مَعْشَرٍ. كلهم (الأودي، وصالح، وابن أبي شيبة، وعلي الطنافسي، وابن أبي مَعشر) عن وَكِيع بن الجَرَّاحِ.

ورواه الطبري في «تهذيب الآثار - مسند ابن عباس» (1/268) (446) عن زَكَرِيَّا بن أَبَانَ المِصْرِيّ، عن نُعَيْم بن حمّاد الخُزاعيّ.

ورواه الحاكم في «المستدرك» (4/604) (8679) من طريق مُحَمَّد بن عَمْرِو بنِ النَّضْرِ بنِ عَمْرٍو الحَرَشِيّ، وَجَعْفَر بن مُحَمَّدِ بنِ الحُسَيْنِ، عن يَحْيَى بن يَحْيَى النيسابوريّ.

كلهم ( وكيع، ونُعيم، ويحيى) عن خَارِجَة بن مُصْعَبٍ الخُراسانيّ، عَنْ زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَا مِنْ صَبَاحٍ إِلَّا وَمَلَكَانِ يُنَادِيَانِ، يَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا، وَمَلَكَانِ مُوَكَّلَانِ بِالصُّورِ يَنْتَظِرَانِ مَتَى يُؤْمَرَانِ فَيَنْفُخَانِ، وَمَلَكَانِ يُنَادِيَانِ، يَقُولُ أَحَدُهُمَا: وَيْلٌ لِلرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ، وَيَقُولُ الْآخَرُ: وَيْلٌ لِلنِّسَاءِ مِنَ الرِّجَالِ».

وبعضهم خرّج الجزء الأول منه، وبعضهم الجزء الثاني، وبعضهم خرّجه تامّاً كما فعل الحاكم.

قَالَ البَزَّارُ: "لا نَعْلَمُ رَوَاهُ بِهَذَا الإِسْنَادِ إِلا خَارِجَةُ، وَهُوَ صَالِحٌ".

وقال الحاكم: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ"!

فتعقّبه الذهبي في «تلخيصه» فقال: "خارجة واهٍ".

وقال الحاكم في الموضع الثاني: "تَفَرَّدَ بِهِ خَارِجَةُ بنُ مُصْعَبٍ، عَنْ زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ".

فعلّق الذهبي بقوله: "خارجة ضعيف".

قلت: هذا حديث منكر! لم يروه إلا خارجة وهو منكر الحديث، متروك الحديث، ليس بشيء!

وقول البزار فيه: "صالح" = أي صالح في نفسه.

·       قول الحسن البصري!

وقد رُوي هذا الحديث من قول الحسن البصري.

رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (6/1943) (10327) عن أَبِيه، عن سَهْل بن عُثْمَانَ الكندي الرازي، عن يَحْيَى بن يَمَانٍ، عَنْ عَمَّارِ بنِ عُمَرَ، عَنِ الحَسَنِ، قَالَ: «مَا مِنْ لَيْلَةٍ إِلا يُنَادِي مُنَادٍ: يَا صَاحِبَ الخَيْرِ هَلُمَّ، وَيَا صَاحِبَ الشَّرِّ أَقْصِرْ». فَقَالَ رَجُلٌ لِلْحَسَنِ: أَتَجِدُهَا في كتاب الله؟ قال: "نعم {والله يدعوا إِلَى دَارِ السَّلامِ}".

قلت: تحرّف الإسناد في المطبوع إلى: "يَحْيَى بن أَبَان، عَنْ عَمَّارِ بنِ عُمَيْرٍ"!

قال البخاري في «التاريخ الكبير» (7/29) (126): "عمار بن عُمَر عَنِ الحَسَن، روى عَنْهُ: يَحْيَى بن اليمان".

قلت: يشير البخاري إلى مثل هذه الرواية، فيكون عمار هذا مجهولاً! لكن أبا حاتم يرى أن «عمار بن عمر» هذا هو «عمار بن عمارة»، وكان يحيى بن يمان يخطئ فيه.

قال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (6/390) (126): "عمار بن عمارة أبو هاشم الزعفراني البصري، روى عن الحسن، وصالح بن عبيد، وكثير أبي اليمان، وربيع بن لوط، ومحمد بن عبدالله. روى عنه: يحيى بن يمان، وروح بن عبادة، وأبو الوليد الطيالسي، وسهل بن تمام. سمعت أبي يقول ذلك".

وقال: سمعت أبي يقول: "أخطأ يحيى بن يمان فيما قال «عمار بن عمر»، وإنما هو: «عمار بن عمارة»".

قلت: وقد أود البخاري بعد الترجمة السابقة ترجمة ابن عمارة هذا (127) قال: "عَمَّارُ بن عُمَارَةَ أَبُو هاشم الزعفراني البَصْرِيّ عَنِ الحَسَن، روى عَنْهُ: أَبُو الوليد، وروح بن عبادة".

فالبخاري قد فرّق بين الترجمتين، وجمع بينهما أبو حاتم إذ رأى أن يحيى بن يمان كان يُخطئ في اسمه، وهذا هو الأقرب، والله أعلم.

وعَمَّارُ بنُ عُمَارَةَ وثقه ابن معين وغيره، وقال البُخَارِيّ: "فِيهِ نَظَرٌ".

وروى الطبري في «تفسيره» (20/246) عن عَلِيّ بن الحَسَنِ الْأَزْدِيّ. وأبو الشيخ الأصبهاني في كتاب «العظمة» (2/442) عن أَبي يَحْيَى الرَّازِيّ، عن سَهْل بن عُثْمَانَ. كلاهما (علي، وسهل) عن يَحْيَى بن يَمَانٍ، عَنْ عَمَّارِ بنِ عُمَرَ، عَنِ الحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الزمر: 67] قَالَ: «كَأَنَّهَا جَوْزَةٌ فِي يَدِهِ بِقَضِّهَا وَقَضِيضِهَا».

وتحرّف في مطبوع تفسير الطبري إلى: "عمّار بن عَمرو"!!

وكأن يحيى بن يمان كان عنده نسخة تفسيرية عن عمار عن الحسن، والله أعلم.

·       ورود الحديث كجزء من حديث مشهور!

وقد رُوي الحديث ضمن حديث مشهور عن شهر رمضان من عدّة طرق، من حديث أبي هريرة، وعُتبة بن فَرْقد، وابن مسعود، وابن عمر.

·       حديث أَبِي هُرَيْرَةَ:

أما حديث أَبِي هُرَيْرَةَ:

فرواه الترمذي في «جامعه» (2/59) (682)، وابن ماجه في «سننه» (2/559) (1642)، وابن خزيمة في «صحيحه» (2/907) (1883)، وأَبُو بَكْرٍ القَاسِمُ بنُ زَكَرِيَّا المُطَرِّزُ في «أماليه» (41). [ورواه الآجري في «الشريعة» (3/1359) (929)، والشجري في «أماليه» (1/382) (1366)، و(2/4) (1393)، وأبو نُعيم في «الحلية» (8/306) من طريق القَاسِم بن زَكَرِيَّا المُطَرِّز].

وابن حبان في «صحيحه» (8/221) (3435) عن أبي يَعلى الموصليّ أَحْمَد بن عَلِيِّ بنِ المُثَنَّى. والبيهقي في «شُعب الإيمان» (5/217) (3327) من طريق أَبي بَكْرٍ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيلَ بنِ مِهْرَانَ وأَبي العَبَّاسِ مُحَمَّد بن إِسْحَاقَ الثَّقَفِيّ. والشّجري في «أماليه» (2/57) (1574) من طريق مُحَمَّد بن يَحْيَى بنِ مَنْدَه.

كلهم (الترمذي، وابن ماجه، وابن خزيمة، والمطرّز، وأبو يعلى، وابن مهران، والثقفي، وابن مَنده) عن أَبي كُرَيْبٍ مُحَمَّد بن العَلاَءِ بنِ كُرَيْبٍ.

ورواه الحاكم في «المستدرك» (1/582) (1532) عن أَبي عَمْرٍو عُثْمَان بن أَحْمَدَ بنِ السَّمَّاكِ، عن أَحْمَد بن عَبْدِالجَبَّارِ العُطَارديّ. [رواه البيهقي في «فضائل الأوقات» (ص: 139) (33)، وفي «السنن الكبرى» (4/500) (8501) عن الحاكم].

ورواه الحاكم في «المستدرك» (1/582) (1532) عن أَبي مُحَمَّدٍ أَحْمَد بن عَبْدِاللَّهِ المُزَنِيّ، عن أَحْمَد بن نَجْدَةَ، عن سَعِيد بن مَنْصُورٍ.

ثلاثتهم (أبو كُريب، وأحمد بن عبدالجبار، وسعيد بن منصور) عن أَبُي بَكْرِ بن عَيَّاشٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وَمَرَدَةُ الجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ».

قال الحاكم: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ بِهَذِهِ السِّيَاقَةِ".

وقال الترمذي: "حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بنُ عَيَّاشٍ حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لاَ نَعْرِفُهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بنِ عَيَّاشٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلاَّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي كُريبٍ.

وَسَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ»، فَذَكَرَ الحَدِيثَ.

قَالَ مُحَمَّدٌ: وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدِي مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بنِ عَيَّاشٍ".

قلت: جاء في كتاب الترمذي: "رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بنُ عَيَّاشٍ حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لاَ نَعْرِفُهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بنِ عَيَّاشٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلاَّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بكر".

كذا فيه! والصواب: "أبي كُريب".

ولم يتفرد به أبو كُريب بل تابعه عليه أحمد بن عبدالجبار، وهو وإن تكلّم فيه بعض أهل العلم إلا أن أبا كريب نفسه أثنى عليه، وقال: "قد سمع أَحْمَد بن عَبْدالجَبَّارِ من أَبِي بَكْر بن عياش".

وتابعهما أيضاً عليه سعيد بن منصور.

فأبو بكر بن عيّاش رواه عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وخالفه أَبُو الأَحْوَصِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ».

قال الترمذي في «العلل الكبير» (ص: 111) (190): سَأَلْتُ مُحَمَّدًا قُلْتُ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ» الحَدِيثُ؟

فَقَالَ: "غَلَطَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ".

قَالَ مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «إِذَا كَانَ رَمَضَانُ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ».

قَالَ: "وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدِي مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ".

قلت: أبو الأحوص هو: سَلاَّمُ بنُ سُلَيْمٍ الحَنَفِيُّ الكُوْفِيُّ، وهو ثقة ثبت، وأبو بكر بن عياش صدوق فِي حِفظِهِ شَيءٌ، يَهم ويغلط في حديثه.

قال عباس الدُّوري: قيل ليحيى بن مَعين: أَبو بكر بن عَيَّاش أَثبَت، أَو أَبو الأَحوص؟ قال: "أَبو الأَحوص".

وقال أَحمد بن علي بن سعيد أَبو بكر المَرْوَزي: سمعتُ يحيى يقول: "أَبو الأَحوص أَحبّ إِليَّ من أَبي بكر".

وقَالَ عُثْمَانُ بنُ سَعِيْدٍ الدارمي: قُلْتُ لِيَحْيَى: أَبُو الأَحْوَصِ أَحَبُّ إِلَيْكَ، أَوْ أَبُو بَكْرٍ بنُ عَيَّاشٍ؟ قَالَ: "مَا أَقْرَبَهُمَا".

وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن أبي بكر بن عياش وأبي الأحوص؟ قال: "ما أقربهما، لا أبالي بأيهما بدأت".

وقَالَ أَحْمَدُ: "كَانَ يَحْيَى بنُ سَعِيْدٍ لاَ يَعْبَأُ بِأَبِي بَكْرٍ، وَإِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ، كَلَحَ وَجْهُهُ".

ورَوَى: مُهَنَّا بنُ يَحْيَى، عَنْ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: "أَبُو بَكْرٍ كَثِيْرُ الغَلَطِ جِدّاً، وَكُتُبُهُ لَيْسَ فِيْهَا خَطَأٌ".

وقال عبدالله بن أحمد عن أبيه: "أَبُو بكر بن عَيَّاش ثِقَة، وَرُبمَا غلط".

وقال الآجري: قلتُ لأَبي داود: أَبو بكر بن عياش كان يغلط؟ فقال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: "كان أَبو بكر يُحدّث بخت بن بخت".

قال أَبو داود: "أَبو بكر ثقة".

وقَالَ عَلِيُّ بنُ المَدِيْنِيِّ: سَمِعْتُ يَحْيَى القَطَّانَ يَقُوْلُ: "لَوْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ بنُ عَيَّاشٍ بَيْنَ يَدِيَّ، مَا سَأَلتُهُ عَنْ شَيْءٍ"، ثُمَّ قَالَ: "إِسْرَائِيْلُ فَوْقَهُ".

وقَالَ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِاللهِ بنِ نُمَيْرٍ: "أَبُو بَكْرٍ ضَعِيْفٌ فِي الأَعْمَشِ، وَغَيْرِهِ".

وَقَالَ عُثْمَانُ الدَّارِمِيُّ: "أَبُو بَكْرٍ، وَأَخُوْهُ حَسَنٌ: لَيْسَا بِذَاكَ".

وقال أبو نعيم: "لم يكن في شيوخنا أحد أكثر غلطاً منه".

وقال يعقوب بن شيبة: "شيخ قديم معروف بالصلاح البارع، وكان له فقه كثير وعلم بأخبار الناس، ورواية للحديث، يعرف له سنة وفضل، وفي حديثه اضطراب".

وقال الحاكم أبو أحمد: "ليس بالحافظ عندهم".

وقال الساجي: "صدوق يهم".

وقال البزار: "لم يكن بالحافظ، وقد حدّث عنه أهل العلم واحتملوا حديثه".

وقال ابن سعد: "كان أبو بكر ثقة صدوقاً عارفاً بالحديث والعلم، إلا أنه كثير الغلط".

وقال ابن حبان: "وَكَانَ يَحْيَى القَطَّان وَعلي بن المَدِينِيّ يسيئان الرَّأْي فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لما كبر سنه سَاءَ حفظه، فَكَانَ يهم إِذا روى، والخَطَأ وَالوهم شَيْئَانِ لَا يَنْفَكّ عَنْهُمَا البشر، فَلَو كثر خطأه حَتَّى كَانَ الغَالِب على صَوَابه لَا يسْتَحق مجانبة رواياته، فَأَما عِنْد الوَهم يهم أَو الخَطَأ يُخطىء لَا يسْتَحق ترك حَدِيثه بعد تقدم عَدَالَته وَصِحَّة سَمَاعه".

وقال ابن رجب: "رجل صالح، لكنه كثير الوهم، ومع هذا فقد خرّج البخاري حديثه، وأنكر عليه ابن حبان تخريج حديثه وتركه لحماد بن سلمة".

وقال الذهبي في «السير»: "وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: إِنَّهُ صَدُوْقٌ، وَلَهُ أَوهَامٌ"، ثم قال: "وَأَمَّا الحَدِيْثُ: فَيَأْتِي أَبُو بَكْرٍ فِيْهِ بِغَرَائِبَ وَمَنَاكِيْرَ".

وقال في «الميزان»: "صدوق ثبت في القراءة، لكنه في الحديث يغلط ويهم. وقد أخرج له البخاري، وهو صالح الحديث، لكن ضعّفه محمد بن عبدالله بن نُمير".

قلت: رواية أبي الأحوص مقدمة على روايته في الأعمش، لكن قد ذكر أبو نُعيم الأصبهاني أن قطبة بن عبدالعزيز الحماني الكوفي قد تابع ابن عيّاش عليه، فقال: "غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، لَمْ يَرْوِهِ عَنْهُ إِلَّا قٌطْبَةُ بنُ عَبْدِالعَزِيزِ، وأَبُو بَكْرٍ".

وقطبة وَثَّقَهُ ابنُ مَعِينٍ، وَأَحْمَدُ، وغيرهما، وقال البزار: "صالح وليس بالحافظ".

ولم أقف على روايته هذه، فإن صحّ أنه قد رواه عن الأعمش، فيعدّ ذلك من الوهم؛ لأنه ليس بالحافظ كما قال البزار، ورواية أبي الأحوص مقدمة على روايته وعلى رواية أبي بكر.

قال العراقي في «شرح الترمذي»: "لم يحكم المصنّف على حديث أبي هريرة بصحة ولا حسن، مع كون رجاله رجال الصحيح، وكأن ذلك؛ لتفرد أبي بكر بن عياش به، وإن كان احتج به البخاري، فإنه ربما غلط كما قال أحمد، ولمخالفة أبي الأحوص له في روايته عن الأعمش، فإنه جعله مقطوعاً به من قول مجاهد، كما رواه في آخر الباب، وكذلك أدخله المصنف في كتاب «العلل المفرد»، وذكر أنه سأل البخاري عنه، وذكر كونه عن مجاهد أصح عنده".

قلت: الظاهر أن البخاري وغيره كانوا يرون تفرد أبو بكر بن عيّاش به، لكن ذكر أبو نُعيم أن قطبة تابعه عليه، ونحتاج لأن نقف على رواية قطبة حتى نجزم بصحتها إليه، فربما رواها بعض الضعفاء عنه، والله أعلم.

وعموماً فأصل الحديث في «الصحيحين» من حديث أبي هُرَيْرَةَ، عن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ».

 دون قوله: «وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ».

فهذه زيادة منكرة، وقد صحت من قول مجاهد فيما سبق، وهذا يدلّ على أن الصواب رواية أبي الأحوص، عن الأعمش، عن مجاهد من قوله. فجمع مجاهد بين الحديثين!

فالحديث معلول، وقد أخطأ من صححه كالحاكم وغيره، وكذا من سكت عنه واحتج به كابن حجر!

قال ابن حجر في «فتح الباري» (4/114) في بيانه لمعنى «وسلسلت الشياطين» بعد أن ذكر قول الحَليمي: "وَقَالَ غَيْرُهُ المُرَادُ بِالشَّيَاطِينِ بَعْضُهُمْ، وهم المردة مِنْهُم، وَترْجم لذَلِك ابن خُزَيْمَةَ فِي «صَحِيحِهِ»، وَأَوْرَدَ مَا أَخْرَجَهُ هُوَ، وَالتِّرْمِذِيّ، وَالنَّسَائِيّ، وابن مَاجَهْ، وَالحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الجِنِّ»، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: «وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ» زَادَ أَبُو صَالِحٍ فِي رِوَايَتِهِ: «وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ وَنَادَى مُنَادٍ يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ وَذَلِكَ كل لَيْلَة» لفظ ابن خُزَيْمَةَ".

قلت: لم يصح عن أبي صالح بهذا اللفظ، فلا يجوز نسبة ذلك له! لكن ابن حجر يرى صحة الحديث! وليس كذلك، والعجب كيف غفل عن كلام الترمذي فيه، ونقله تعليل البخاري له!

وتبع العيني ابن حجر على ذلك، فقال في «عمدة القاري» (10/270): "وَقيل: المُرَاد بالشياطين بَعضهم، وهم المردة مِنْهُم، وَترْجم لذَلِك ابن خُزَيْمَة فِي «صَحِيحه»، وَأورد مَا أخرجه هُوَ، وَالتِّرْمِذِيّ، وَالنَّسَائِيّ، وَابن مَاجَه، وَالحَاكِم من طَرِيق الْأَعْمَش، عَن أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: «إِذا كَانَ أول لَيْلَة من شهر رَمَضَان صفدت الشَّيَاطِين مَرَدَة الجِنّ»...".

وعزو ابن حجر هذا الحديث للنسائي وهم! وتبعه على هذا العيني دون تحقيق! فالنسائي لم يُخرّج حديث الأعمش هذا عن أبي صالح، عن أبي هريرة! وإنما خرّج الحديث باللفظ المتفق عليه دون هذه الزيادة المنكرة!

·       حديث عُتْبَة بن فَرْقَدٍ:

وأما حديث عُتْبَة بن فَرْقَدٍ:

فرواه عبدالرزاق في «مصنفه» (4/176) (7386)، وأحمد في «العلل ومعرفة الرجال» (3/165) (4738). والنسائي في «السنن الكبرى» (3/96) (2428) عن مُحَمَّد بن مَنْصُورٍ الخزاعي المكي. ثلاثتهم (عبدالرزاق، وأحمد، ومحمد بن منصور) عَنِ ابنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَطَاءِ بنِ السَّائِبِ، عَنْ عَرْفَجَةَ قَالَ: كُنَّا نَذْكُرُ شَهْرَ رَمَضَانَ فَقَالَ عُتْبَةُ بنُ فَرْقَدٍ: مَاذَا تَذْكُرُونَ؟ قَالَ: كُنَّا نَذْكُرُ شَهْرَ رَمَضَانَ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ النَّارِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ، وَيُنَادِي فِيهِ مِنَادٍ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ هَلُمَّ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ».

وفي رواية أحمد: عَنْ عَرْفَجَةَ قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ، فَذَكَرُوا شَهْرَ رَمَضَانَ، فَقَالَ: مَا سَمِعْتُمْ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ...».

وفي رواية مُحَمَّد بن مَنْصُورٍ: «عُدْنَا عُتْبَةَ بْنَ فَرْقَدٍ، فَتَذَاكَرْنَا شَهْرَ رَمَضَانَ، فَقَالَ: مَا تَذْكُرُونَ؟...».

ورواه ابن قانع في «معجم الصحابة» (2/269). والطبراني في «المعجم الكبير» (17/132) (326). وأبو نُعيم في «معرفة الصحابة» (4/2135) (5360) عن حَبِيب بن الحَسَنِ. ثلاثتهم (ابن قانع، والطبراني، وحبيب) عن عُمَر بن حَفْصٍ السَّدُوسِيّ، عن أَبي بِلَالٍ الْأَشْعَرِيُّ، عن عَبْدالسَّلَامِ بَيَّاعُ الْمَلَا، عَنْ عَطَاءِ بنِ السَّائِبِ، عَنْ عَرْفَجَةَ الثَّقَفِيِّ، عَنْ عُتْبَةَ بنِ فَرْقَدٍ السُّلَمِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا جَاءَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وَنَادَى مُنَادٍ: يَا طَالِبَ الْخَيْرِ هَلُمَّ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، حَتَّى يَنْسَلِخَ الشَّهْرُ».

[وقع في مطبوع الطبراني: "عَبْداللهِ بن حَرْبٍ"! والصواب: "عبدالسلام بن حرب"].

قال أبو نُعيم: "رَوَاهُ شُعْبَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَطَاءٍ نَحْوَهُ".

قلت: رواية شعبة، والثوري فيها زيادة رجل كما سيأتي فالذي حدّث بهذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم رجل لا عتبة!

لكن الطبراني بعد أن ساق رواية عبدالسلام بن حرب أتبعها برواية أَبي الوَلِيدِ الطَّيَالِسِيّ، عن شُعْبَةُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عَرْفَجَةَ، بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ = يعني عن عرفجة، عن عتبة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، دون ذكر "عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم"!

فالظاهر أن شعبة كان يرويه على الوجهين عن عطاء، والله أعلم.

ورواه سفيان الثوري في «حديثه» [رواية قبيصة عنه، رواية السَّرِيُّ بن يَحْيَى عنه] (ص: 106) (168). [وهو في «أحاديث السري بن يحيى» (ص: 162) (161)].

وأحمد في «مسنده» (31/93) (18795) عن عَبِيدَة بن حُمَيْدٍ أَبي عَبْدِالرَّحْمَنِ. و(38/476) (23491) عن إِسْمَاعِيل بن عُليّة.

وابن أبي شيبة في «مسنده» (2/413) (941)، وفي «مصنفه» (6/94) (8960). وأبو طاهر المخلّص في «المخلصيات» (1/461) (218) من طريق عليّ بن المنذرِ الطَّريقيّ. كلاهما (ابن أبي شيبة، والطريقي) عن مُحَمَّد بن فُضَيْلٍ.

والحارث بن أبي أسامة في «مسنده» [كما في «بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث» (1/411) (320) عن يَحْيَى بن أَبِي بُكَيْرٍ، عن إِبْرَاهِيم بن طَهْمَانَ. [ورواه أبو نُعيم في «معرفة الصحابة» (5/2948) (6884) من طريق الحارث].

وأحمد في «مسنده» (31/91) (18794) عن مُحَمَّد بن جَعْفَرٍ. والنسائي في «السنن الكبرى» (3/97) (2429) عن مُحَمَّد بن بَشَّارٍ، عن مُحَمَّد بن جعفر غُندر. والطبراني في «المعجم الكبير» (17/133) (327) عن العَبَّاس بن الفَضْلِ الْأَسْفَاطِيّ، عن أَبي الوَلِيدِ الطَّيَالِسِيّ. كلاهما (غندر، وأبو الوليد) عن شُعْبَة.

والمحاملي في «أماليه» [رواية ابن يحيى البيع] (ص: 270) (268) عن يُوسُف بن موسى، عن جَرِير بن عبدالحميد.

والبيهقي في «شعب الإيمان» (5/218) (3329) من طريق عَبْدالوَاحِدِ بنِ غِيَاثٍ، عن حَمَّاد بن سَلَمَةَ.

والشجري في «أماليه» (1/351) (1238) من طريق مُحَمَّد بن مِنْجَابِ بنِ الحَارِثِ. وأبو نُعيم في «معرفة الصحابة» (6/3162) (7278) من طريق هَنَّاد. كلاهما (ابن منجاب، وهناد) عن أَبي الْأَحْوَصِ سلاّم بن سُليم.

كلهم (الثوري، وعبيدة، وابن علية، وابن فضيل، وابن طهمان، وشعبة، وجرير، وحماد بن سلمة، وأبو الأحوص) عن عَطَاء بن السَّائِبِ، عَنْ عَرْفَجَةَ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عُتْبَةَ بنِ فَرْقَدٍ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ رَمَضَانَ، قَالَ: فَدَخَلَ عَلَيْنَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَلَمَّا رَآهُ عُتْبَةُ هَابَهُ فَسَكَتَ. قَالَ: فَحَدَّثَ عَنْ رَمَضَانَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «فِي رَمَضَانَ تُغَلَّقُ فِيهِ أَبْوَابُ النَّارِ، وَتُفَتَّحُ فِيهِ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَتُصَفَّدُ فِيهِ الشَّيَاطِينُ. قَالَ: وَيُنَادِي فِيهِ مَلَكٌ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَبْشِرْ، يَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، حَتَّى يَنْقَضِيَ رَمَضَانُ».

قَالَ حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَطَاءٍ: «يَا أَبَا عَبْدِاللهِ، حَدِّثْنَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ فِي رَمَضَانَ؟».

وَرَوَاهُ ابنُ عُيَيْنَةَ، وَعَبْدُالسَّلَامِ بنُ حَرْبٍ، عَنْ عَطَاءٍ مِثْلَهُ، لَمْ يَذْكُرُوا أَبَا عَبْدِاللهِ.

فابنُ عُيَيْنَةَ رواه عَنْ عَطَاءِ بنِ السَّائِبِ، عَنْ عَرْفَجَةَ، عن عُتْبَة بن فَرْقَدٍ، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وخالفه الجماعة، فرووه عن عطاء بن السائب، عن عرفجة، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال بعض أهل العلم أن سفيان بن عيينة كان يُخطئ فيه!

قال عبدالله بن أحمد في «العلل ومعرفة الرجال» (3/165) (4738): سَمِعْتُ أبي يَقُول: "كَانَ سُفْيَان يخطىء فِي هَذَا الحَدِيثِ، لَمْ يَسْمَعْهُ عُتْبَةُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رَجُلٌ حَدَّثَ عُتْبَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".

وقال النسائي بعد أن ذكر حديث ابن عيينة: "هَذَا خَطَأٌ"، ثم ساق رواية شعبة، ثم قال: "وَحَدِيثُ شُعْبَةَ هَذَا أَوْلَى بِالصَّوَابِ، وَاللهُ أَعْلَمُ".

وقال ابن عبدالبر في «التمهيد» (16/155): "رَوَى هَذَا الحَدِيثَ سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَطَاءِ بنِ السَّائِبِ، عَنْ عَرْفَجَةَ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَهُ، وهُوَ عِنْدَهُمْ خَطَأٌ، وَلَيْسَ الحَدِيثُ لِعُتْبَةَ، وَإِنَّمَا هُوَ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ غَيْرِ عُتْبَةَ".

قلت: لم يُخطئ ابن عيينة فيه، بل تابعه عليه: عَبْدُالسَّلَامِ بنُ حَرْبٍ المُلائي الكوفي، والظاهر أن عطاء بن السائب نفسه كان يضطرب فيه.

وعَطاء بن السَّائِب من كبار أئمة الحديث في الكوفة، وتوافقت كلمة أهل النقد على أنه كَانَ اخْتَلَط، فَمن سمع مِنْهُ قبل الِاخْتِلَاط فجيد، وَمن سمع مِنْهُ بعد الِاخْتِلَاط فَلَيْسَ بِشَيْء.

ومن ثمّ حصروا بعض من سمع منه قبل الاختلاط وبعده:

فذكروا من سمع منه قديماً قبل الاختلاط، ومنهم: شعبة، وسفيان الثوري، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة.

وذكروا من سمع منه حديثاً بعد الاختلاط، ومنهم: جرير، وخالد بن عبدالله الطحان، وهُشيم، وإسماعيل بن عُلية، وعلي بن عاصم، ومحمد بن فُضيل، وعَبِيدَة بن حُمَيْد.

قال الساجي: "صدوق ثقة، لم يتكلّم الناس في حديثه القديم، مات سنة ست وثلاثين ومائة، واختلط عطاء، فسمع منه: ابن عيينة، وخالد الطحان، وجرير سمعوا من عطاء وربما في الأول، وأبو عوانة ممن سمع منه في الاختلاط".

قلت: ابن عيينة سمع منه قبل الاختلاط، وسمع منه بعد الاختلاط فوجده يُخلط فاعتزله.

قال الحُمَيْدِيُّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: "كُنْتُ سَمِعْتُ مِنَ عَطَاءِ بنِ السَّائِبِ قَدِيمًا، ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْنَا قَدْمَةً فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ بَعْضَ مَا كُنْتُ سَمِعْتُ فَخَلَطَ فِيهِ، فَاتَّقَيْتُهُ وَاعْتَزَلْتُهُ".

وهذا الحديث ممن رواه عن عطاء: الثوري، وابن علية، وابن فضيل، وشعبة، وجرير، وحماد بن سلمة، وعبيدة، وابن عيينة.

وقد قال أهل العلم بأن الثوري، وشعبة، وحماد بن سلمة سمعوا منه قديما قبل اختلاطه = وهذا يعني أنه رواه قديماً عن عرفجة عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

ووافق هؤلاء عليه: ابن علية، وابن فضيل، وجرير، وعبيدة، وقد سمعوا منه بعد اختلاطه.

وهذا يعني أنه حدّث به قبل الاختلاط وبعده بزيادة هذا الرجل في إسناده.

وابن عيينة سمع منه قبل اختلاطه دون ذكر هذا الرجل، وتابعه عبدالسلام بن حرب!

وهذا كلّه يدلّ على أن عطاء بن السائب كان يضطرب في حديثه قبل دعوى الاختلاط وبعدها، وقد تفرد بهذا الحديث، فلا يُحتج بما يرويه.

قال ابن أبي حاتم في «العلل» (3/22) (664): وسألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ الثَّوري، عن عَطاء بن السَّائِب، عَنْ عَرفَجَة، عَنْ عُتبَة بنِ فَرقَد، عَنْ رجُلٍ مِنْ أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ قَالَ: «إِذَا جاءَ رمضانُ، فُتِّحَت أبوابُ الجنَّة، وغُلِّقَتْ فِيهِ أبوابُ النَّار، وصُفِّدَت فِيهِ الشَّياطينُ».

وَرَوَاهُ حمَّاد بنُ سَلَمة، عَنْ عَطاء، عَنْ عَرفَجَة؛ قَالَ: كنَّا عِنْدَ عُتبَة بنِ فَرقَد وَهُوَ يحدِّثنا عَنْ رَمَضَانَ؛ إِذْ جَاءَ رجُلٌ مِنْ أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لَهُ عُتبَة: حَدِّثنا عَنْ رَمَضَانَ بِشَيْءٍ سمعتَه مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ....

فقلتُ لأَبِي: أيُّهما أصَحُّ؟

قَالَ: "مرفوعٌ، عَنْ عَرفَجَة؛ قَالَ: كنَّا عِنْدَ عُتبَة بنِ فَرقَد، فَجَاءَ رجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم".

قلتُ: يُسمَّى هَذَا الرجُلُ مِنْ أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم؟

قَالَ: "لا".

قلت: رجّح أبو حاتم أن الحديث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم يُسم.

والأصل أن الحديث إذا رواه صحابي ولم يُسم أن يُقبل، لكن لا بدّ من ثبوت الإسناد إليه بأن يرويه ثقة، ومثل عطاء بن السائب لا يُعتمد عليه في هذا سيما وقد تفرد به عن عرفجة، ولم يروه أحد من أصحاب عرفجة الكوفيين.

وعرفجة هو: ابن عَبْداللَّه الثَّقَفِيّ تابعيّ كوفيّ ثقة، من أصحاب عَلِيّ بن أبي طالب - وجعله إماماً على النساء في قيام رمضان -، وعبداللَّه بن مسعود - وقرأ القرآن عليه -، ويروي عنه: مَنْصُور بن المُعْتَمِر، وعُمَرَ بن يَعْلَى الثَّقَفِيّ، وتَمِيم بن سَلَمة الكوفيّ.

روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» (3/221) (3577) عن ابن فُضَيْلٍ، عَنْ عَطَاءِ بنِ السَّائِبِ، قَالَ: «صَلَّيْت خَلْفَ عَرْفَجَةَ فَرُبَّمَا قَرَأَ بِالمَائِدَةِ فِي الفَجْرِ».

فعطاء لا شك أنه سمع من عرفجة، وهو من أصحابه، لكنه تفرد بهذا الحديث عنه، واضطرب فيه.

وما ورد في الحديث من قصة ربما يدلّ على صحة أصلها، فربما أن هذا الذي قيل عنه أنه صحابي حدّث بالحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن أبواب الجنة تفتح في رمضان، وتغلق أبواب النار، وتُصفّد الشياطين، وهذا صحيح ومشهور، لكن ما يتعلق بمناداة الملكين ليس بمحفوظ، وربما أن عطاء بن السائب دخل له هذا في هذا الحديث، والله أعلم.

وقد ترجم بعض أهل العلم لهذا الرجل في كتب الصحابة، وكنّوه اعتماداً على ما ورد في رواية حماد بن سلمة عن عطاء.

قال أبو نُعيم في «معرفة الصحابة» (5/2948): "أَبُو عَبْدِاللهِ رَجُلٌ لَهُ صُحْبَةٌ، حَدَّثَ عَنْهُ: عَرْفَجَةُ".

وقال ابن الأثير في «أسد الغابة» (6/191) (6061): "أبو عبدالله رجل من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عنه: عرفجة".

وقال ابن حجر في «الإصابة» (7/216) (10206): "أبو عبداللَّه: غير منسوب. أظنه أحد الذين قبله، ويجوز أن يكون هو عتبة بن فرقد".

قلت: ليس هو أحد الذين قبله، وليس هو عتبة بن فرقد، ولا يُعرف.

والخلاصة أن حديث عطاء بن السائب هذا لا يصح.

·       حديث عَبْدِاللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ:

وأما حديث عَبْدِاللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ:

فرواه البيهقي في «فضائل الأوقات» (ص: 168) (51)، و«شعب الإيمان» (5/221) (3334) عن أَبي عُثْمَانَ سَعِيد بن مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدَانَ، عن أَبي بَكْرٍ مُحَمَّد بن المُؤَمَّلِ بنِ الحَسَنِ بنِ عِيسَى.

وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (61/381) عن أبي عبدالله الفراوي، عن أبي بكر محمد بن عبدالله بن عمر العمري، عن أبي محمد بن أبي شريح.

كلاهما (محمد بن المؤمل، وابن أبي شريح) عن أَبي جَعْفَرٍ مُحَمَّد بن أَحْمَدَ بنِ عَبْدِالجَبَّارِ النَّسَوِيّ، عن حُمَيْد بن زَنْجَوَيْهِ، عن أَبي أَيُّوبَ الدِّمَشْقِيّ سليمان بن عبدالرحمن، قال: أَخْبَرَنَا نَاشِبُ بنُ عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ - قَالَ: وَكَانَ ثِقَةً صَائِمًا وَقَائِمًا -، قَالَ: حَدَّثَنَا مُقَاتِلُ بنُ حَيَّانَ، عَنْ رِبْعِيِّ بنِ حِرَاشٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجِنَانِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ وَاحِدٌ الشَّهْرَ كُلَّهُ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ وَاحِدٌ الشَّهْرَ كُلَّهُ، وَغُلَّتْ عُتاةُ الْجِنِّ، وَنَادَى مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى انْفِجارِ الصُّبْحِ، يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ يَمِّمْ وَأَبْشِرْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَأَبْصِرْ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ نَغْفِرُ لَهُ، هَلْ مِنْ تَائِبٍ نَتُوبُ عَلَيْهِ، هَلْ مِنْ دَاعٍ نَسْتَجِيبُ لَهُ، هَلْ مِنْ سَائِلٍ نُعْطِي سُؤْلَهُ، وَلِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَ كُلِّ فِطْرٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ كُلَّ لَيْلَةٍ عُتَقَاءَ مِنَ النَّارِ سِتُّونَ أَلْفًا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْفِطْرِ أَعْتَقَ مِثْلَ مَا أَعْتَقَ فِي جَمِيعِ الشَّهْرِ ثَلَاثِينَ مَرَّةً سِتِّينَ أَلْفًا سِتِّينَ أَلْفًا».

ولم يسق ابن عساكر لفظه، وإنما ذكر الإسناد فقط في ترجمة «ناشب» لتوثيق أبي أيوب له.

وناشب هذا مجهول لا يُعرف، وحديثه منكر! وتوثيق أبي أيوب له فيه نظر!

وقد ذكره الذهبي في «الميزان» (4/239) ونقل عن البخاري أنه قال: "ناشب بن عمرو الشيباني: منكر الحديث"، وساق له حديثاً منكراً.

وقال الدارقطني في «السنن» (2/156) وأورد له حديثاً: "نَاشِبٌ ضَعِيفٌ".

وزاد ابن حجر في «اللسان» (8/245) على «الميزان»: "وروى له البيهقي في الشعب حديثاً في فضل شهر رمضان فيه زيادات منكرة، وهو من طريق حميد بن زنجويه في كتاب «الترغيب» له".

·       حديث ابنِ عمرَ:

وأما حديث ابنِ عمرَ:

فرواه ابن شاهين في «فضائل شهر رمضان» (11) عن يُوْسُف بن يَعْقُوْبَ بنِ إِسْحَاقَ بن بُهْلُوْلِ الأَزْرَق حفيد إسحاق.

وأبو طاهر المخلّص في «المخلصيات» (3/226) (2388)، و(4/169) (3178) عن أبي جعفرٍ أحمد بن إسحاقَ بنِ البهلولِ. [ورواه قاضي المارستان في «مشيخته» (2/708) (202) من طريق المخلص].

كلاهما (يوسف، وأحمد) عن إسحاق بن البهلول، عن أبيه بهلول بن حسّان، عن محمدِ بنِ يونسَ بنِ خبابٍ، عن يونسَ بنِ خبابٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عمرَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إذا كانَ أولُ ليلةٍ مِن رمضانَ فُتحتْ أبوابُ الجِنانِ كلُّها لا يُغلقُ مِنها بابٌ واحدٌ الشهرَ كلَّه، وغُلقتْ أَبوابُ النارِ فلم يُفتحْ مِنها بابٌ واحدٌ، وغُلتْ عُتاةُ الشياطينِ، ونَادى منادٍ في السماءِ الدُّنيا كلَّ ليلةٍ إلى انفجارِ الصبحِ: يا باغيَ الخيرِ هَلمَّ، يا باغيَ الشرِّ انتهِ، هل مِن مُستغفرٍ فيُغفرُ له؟ هل مِن تائبٍ فيتابُ عليه؟ هل مِن سائلٍ فيُعطى سؤلَه؟ هل مِن داعٍ فيُستجابُ له؟ وللهِ عزَّ وجلَّ عندَ وقتِ فِطرِ كلِّ ليلةٍ مِن رمضانَ عُتقاءُ يُعتَقونَ مِن النارِ».

قلت: حديث غريب من حديث سعيد عن ابن عمر، تفرد به البهْلُول بن حسّان عن محمد بن يونس بن خباب عن أبيه!!

وهو حديث منكر!

يُونُس بن خَبَّاب: منكر الحديث لَيْسَ بِثِقَةٍ، وابنه محمد مجهول لا يُعرف!

وكأن البهلول بن حسان يروي عن محمد بن يونس عن أبيه نسخة منكرة!

·       خلاصة وفوائد:

1- روى البخاري ومسلم في «صحيحيهما» من حديث سُلَيْمَان بنِ بِلَالٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي مُزَرِّدٍ، عَنْ أَبِي الحُبَابِ سَعِيدِ بنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ، إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا».

وهذا الحديث لم يروه عن أبي هريرة إلا سعيد بن يسار، ولا يُعرف عن سعيد إلا من حديث معاوية، تفرد به سليمان بن بلال!

وسليمان بن بلال ثقة لكنه ينفرد عن بعض الشيوخ بأحاديث لا تُعرف إلا من طريقه! وله بعض المخالفات لغيره.

والمحفوظ عن أبي هريرة من قوله.

رواه سلمان أَبو حَازِمٍ الأشجعيّ، عن أَبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «عَنْ يَمِينِ العَرْشِ، مُنَادٍ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ: أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَأَعْطِ - أَوْ عَجِّلْ - لِمُمْسِكٍ تَلَفًا».

وأبو هريرة إنما أخذه من كعب الأحبار؛ لأنه محفوظ عنه.

رواه الْأَعْمَش، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ ضَمْرَةَ السَّلُولِيِّ، عَنْ كَعْبٍ قَالَ: «مَا مِنْ صَبَاحٍ إِلَّا وَمَلَكَانِ يُنَادِيَانِ: يَا بَاغِيَ الخَيْرِ، هَلُمَّ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ، أَقْصِرْ، وَمَلَكَانِ يُنَادِيَانِ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَأَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا، وَمَلَكَانِ يُنَادِيَانِ يَقُولَانِ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ، وَمَلَكَانِ مُوَكَّلَانِ بِالصُّورِ، يَنْتَظِرَانِ مَتَى يُؤْمَرَانِ فَيَنْفُخَانِ».

فالحديث أصله من كلام كعب الأحبار، وقد رواه أبو هريرة من قوله؛ لأنه أخذه من كعب، وكان أبو هريرة يسمع من كعب فيروي حديثه، ويأتي بعض الرواة فيخطؤون فيرفعونه، وإنما رواه أبو هريرة موقوفا.

فالحديث محفوظ من رواية أبي هريرة موقوفاً، والظاهر أن سليمان بن بلال وهم فيه، وسلك فيه الجادة، فرواه عَنْ مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي مُزَرِّدٍ، عَنْ سَعِيدِ بنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

والصواب أنه من قول كعب الأحبار.

ومما يدلّ على أنه من الإسرائيليات ما رواه سَعِيد بن أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ في قوله تعالى: {وَاللَّهُ يدعوا إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} قَالَ: «ذُكِرَ لَنَا أَنَّ فِيَ التَّوْرَاةِ مَكْتُوبًا: يَا بَاغِيَ الخَيْرِ هَلُمَّ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ انْتَهِ».

2- للحديث شاهد من حديث أبي الدرداء، رواه قَتَادَةَ، عَنْ خُلَيْدٍ العَصَري، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا طَلَعَتْ شَمْسٌ قَطُّ إِلَّا بُعِثَ بِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ, إِنَّهُمَا لَيَسْمَعَانِ مَنْ عَلَى الأَرْضِ غَيْرَ الثَّقَلَينِ: يَا أَيَّهَا النَّاسُ، هَلُمُوا إِلَى رَبِّكُم؛ فَإِنَّ مَا قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كثر وألهى، ولا آبت شَمْسٌ إِلَّا بُعِثَ بِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وأعط ممسكا تلفا».

وقد رفعه بعضهم عن قتادة، ووقفه بعضهم، والأشهر فيه الرفع.

ولم يروه عن أبي الدرداء إلا خُلَيْد بن عَبْدِاللَّهِ العَصَرِيّ أَبُو سُلَيْمَانَ البَصْرِيّ، وهو تابعيّ ثقة، وكان عابداً زاهداً، لا يُعرف له إلا هذا الحديث، وحديث آخر رواه عَنِ الْأَحْنَفِ بنِ قَيْسٍ، عن أَبي ذَرٍّ في الذين يكنزون المال، وقد خرّجه مسلمٌ في «صحيحه».

وقد أثبت ابن معين سماع خليد من أبي الدرداء! وأخطأ في ذلك! فقد نفى سماع خليد من سلمان الفارسي (ت 34هـ) ودخل البصرة ورآه خليد واستقرأه القرآن، فكيف يثبت سماعه من أبي الدرداء (ت 32هـ) الذي توفي قبل سلمان، وهو من الشام، وهو لم يدخل الشام!

فخليد لم يسمع من أبي الدرداء، ولم يلقه، فهو بصري توفي ما بين سنة (101 - 110هـ)، وأبو الدرداء شاميّ! فأين لقيه وسمع منه؟!

فالحديث مرسل، وخليد كان يرسل الأحاديث.

3- لم يسمع خليد من أي صحابي، لا من أبي الدرداء ولا من سلمان، وإنما أتى مع الناس ليقرؤوا على سلمان لما جاءهم البصرة، والذي كان يُقْرؤهم هو: زَيْدُ بنُ صُوحَانَ بحضور سلمان، فربما كان صغيراً حينها لما جاءهم سلمان، ولم يسمع منه الحديث.

4- رُوي الحديث من حديث ابن مسعود، ومن حديث أبي سعيد الخدري، وكلاهما باطل!

5- روى حَمَّاد بن سَلَمَةَ، عَنْ إِسْحَاقَ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ مَلَكًا بِبَابٍ مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ يَقُولُ: مَنْ يُقْرِضِ الْيَوْمَ، يُجْزَى غَدًا، وَمَلَكًا بِبَابٍ آخَرَ يَقُولُ: اللهُمَّ أَعْطِ لمُنْفِقٍ خَلَفًا، وَعَجِّلْ لِمُمْسِكٍ تَلَفًا».

وخالفه حُصَيْن بن عبدالرحمن السُّلميّ، ومنصور بن المعتمر، فروياه عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ أَبِي عَمْرَةَ، قوله.

وهذا أصح من حديث حماد بن سلمة، وقد وهم حماد فيه!

6- حديث مناداة المَلكين رُوي أيضاً ضمن حديث مشهور عن شهر رمضان من عدّة طرق، من حديث أبي هريرة، وعُتبة بن فَرْقد، وابن مسعود، وابن عمر، ولا يصح في ذلك شيء!

7- روى أَبو بَكْرِ بن عَيَّاشٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وَمَرَدَةُ الجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ».

واستغربه الترمذي، وأعلّه البخاري بحديث أَبي الأَحْوَصِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ: «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ» الحَدِيثَ.

وقد وهم فيه أبو بكر بن عيّاش، وهو صدوق يهم ويغلط في حديثه!

وقد ذكر أبو نُعيم الأصبهاني أن قطبة بن عبدالعزيز الحماني الكوفي قد تابع ابن عيّاش عليه، فقال: "غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، لَمْ يَرْوِهِ عَنْهُ إِلَّا قٌطْبَةُ بنُ عَبْدِالعَزِيزِ، وأَبُو بَكْرٍ".

وقطبة وَثَّقَهُ ابنُ مَعِينٍ، وَأَحْمَدُ، وغيرهما، وقال البزار: "صالح وليس بالحافظ".

ولم أقف على روايته هذه، فإن صحّ أنه قد رواه عن الأعمش، فيعدّ ذلك من الوهم؛ لأنه ليس بالحافظ كما قال البزار، ورواية أبي الأحوص مقدمة على روايته وعلى رواية أبي بكر، ولا ندري هل صحّ الحديث إلى قطبة؟!

8- أصل الحديث في «الصحيحين» من حديث أبي هُرَيْرَةَ، عن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ»، دون قوله: «وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ».

فهذه زيادة منكرة، وقد صحت من قول مجاهد، وهذا يدلّ على أن الصواب رواية أبي الأحوص، عن الأعمش، عن مجاهد من قوله. فجمع مجاهد بين الحديثين!

فالحديث معلول، وقد أخطأ من صححه كالحاكم وغيره، وكذا من سكت عنه واحتج به كابن حجر!

9- روى سفيان بن عُيينة وعَبْدالسَّلَامِ بن حرب المُلائي، عَنْ عَطَاءِ بنِ السَّائِبِ، عَنْ عَرْفَجَةَ الثَّقَفِيِّ، عَنْ عُتْبَةَ بنِ فَرْقَدٍ السُّلَمِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا جَاءَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وَنَادَى مُنَادٍ: يَا طَالِبَ الْخَيْرِ هَلُمَّ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، حَتَّى يَنْسَلِخَ الشَّهْرُ».

ورواه الثوري، وعبيدة بن حميد، وابن علية، وابن فضيل، وابن طهمان، وشعبة، وجرير، وحماد بن سلمة، وأبو الأحوص، عن عَطَاء بن السَّائِبِ، عَنْ عَرْفَجَةَ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عُتْبَةَ بنِ فَرْقَدٍ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ رَمَضَانَ، قَالَ: فَدَخَلَ عَلَيْنَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَلَمَّا رَآهُ عُتْبَةُ هَابَهُ فَسَكَتَ. قَالَ: فَحَدَّثَ عَنْ رَمَضَانَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول، وذكره.

فابنُ عُيَيْنَةَ وعبدالسلام رووه عَنْ عَطَاءِ بنِ السَّائِبِ، عَنْ عَرْفَجَةَ، عن عُتْبَة بن فَرْقَدٍ، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وخالفهما الجماعة، فرووه عن عطاء بن السائب، عن عرفجة، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال أحمد والنسائي وغيرهما إن سفيان بن عيينة كان يُخطئ فيه!

والصحيح أن ابن عيينة لم يُخطئ فيه، بل تابعه عليه: عَبْدُالسَّلَامِ بنُ حَرْبٍ المُلائي الكوفي، والظاهر أن عطاء بن السائب نفسه كان يضطرب فيه.

وعَطاء بن السَّائِب من كبار أئمة الحديث في الكوفة، وتوافقت كلمة أهل النقد على أنه كَانَ اخْتَلَط، فَمن سمع مِنْهُ قبل الِاخْتِلَاط فجيد، وَمن سمع مِنْهُ بعد الِاخْتِلَاط فَلَيْسَ بِشَيْء.

وهذا الحديث رواه الثوري، وشعبة، وحماد بن سلمة، وهؤلاء سمعوا منه قديما قبل اختلاطه = وهذا يعني أنه رواه قديماً عن عرفجة عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

ووافق هؤلاء عليه: ابن علية، وابن فضيل، وجرير، وعبيدة، وقد سمعوا منه بعد اختلاطه، وهذا يعني أنه حدّث به قبل الاختلاط وبعده بزيادة هذا الرجل في إسناده.

وابن عيينة سمع منه قبل اختلاطه دون ذكر هذا الرجل، وتابعه عبدالسلام بن حرب!

وهذا كلّه يدلّ على أن عطاء بن السائب كان يضطرب في حديثه قبل دعوى الاختلاط وبعدها، وقد تفرد بهذا الحديث عن عرفجة، فلا يُحتج بما يرويه.

10- تفرد سُلَيْمَان بن بِلَالٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَا يَجُوعُ أَهْلُ بَيْتٍ عِنْدَهُمُ التَّمْرُ»، وقالت: إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «نِعْمَ الْأُدُمُ - أَوِ الْإِدَامُ - الخَلُّ».

خرّجهما مسلمٌ في «صحيحه»! واستغربهما البخاري، وانتقد مسلم لتخريجهما!

وهذا الحديث لا يُعرف من حديث أصحاب هشام، ولا أصحاب عروة!

وقال الترمذي في حديث «نعم الإدام الخلّ»: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ".

وقال الحافظ أَحْمَدُ بنُ صَالِحٍ المصريّ: "نَظَرْتُ فِي كُتُبِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلالٍ، فَلَمْ أَجِدْ لِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَصْلاً".

وذكر علّة حديث سليمان بما رواه ابنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ قَوْمًا، «مَا إِدَامِكُمْ؟»، قَالُوا: الخَلُّ. قَالَ: «نِعْمَ الإِدَامُ الخَلُّ».

وابن أبي الزناد ضعفه الأئمة، وضعف حديثه إنما كان فيما حدّث به في العراق، وما حدّث به في المدينة فمقبول، وهذا منها، وروايته عن هشام من أصح الروايات. والضعيف يضبط أحياناً الرواية، وقوله: "عن رجل من الأنصار" دليل الضبط، والنقاد يحكمون للضعيف مقابل الثقة لقرائن، وهذه قرينة، مع صحة روايته في أهل المدينة، وخاصة عن هشام.

والظاهر أن سليمان بن بلال سلك فيه الجادة: هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة! فلم يضبطه وأخطأ.

11- فرّق البخاري بين «عمار بن عُمَر» الذي يروي عَنِ الحَسَن، ويروي عَنْهُ: يَحْيَى بن اليمان، وبين «عَمَّار بن عُمَارَة الزعفراني» الذي يروي أيضًا عَنِ الحَسَن، ويروي عَنْهُ: أَبُو الوليد، وروح بن عبادة!

وجمع بينهما أبو حاتم، وقال بأن يحيى بن يمان أخطأ فيما قال «عمار بن عمر»، وإنما هو: «عمار بن عمارة»، وهو الصواب إن شاء الله.

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

وكتب: د. أبو صهيب خالد الحايك.

11 صفر 1442هـ.

 

دُورُ الحديث
تحقيق التراث
فوائد حديثية
المناهج والنقد
مصطلح الحديث
علوم الرّجال
علل الأحاديث
فقه الحديث
المغازي والسّير
المدارس الحديثية
أسئلة وأجوبة
السرقات العلمية
متفرقات
علوم أخرى
 
   
   الاسم
  البريد الإلكتروني
البلد
  التعليق*:

 
     
 
 
 

******
الكاتـب احمد فوزي
الـبلـد مصر
التـاريخ 10/27/2020


   السلام عليكم كتبت بحثا في تخريج هذا الحديث وانتهيت منه منذ عشرة ايام تقريبا خلصت فيه لنفس النتيجة مع بعض الاختلاف في التخريج وايراد العلل القادحة. وكنت عازما علي نشره قريبا ضمن سلسلتي مقارنة ودراسة في بيان الاحاديث المعلة والتي اصلها من كلام كعب الاحبار. والآن انت سبقتني بنشر بحثكم في تخريج الحديث واعلاله لذا اطلب منك المشورة والراي هل انشر بحثي في الحديث وانا قد اتممته قبل ان اطلع علي بحثكم وقبل نشره ولكني بالطبع ساشير الي بحثكم وانك سبقتني بنشره وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء

******
الكاتـب د. خالد الحايك
الـبلـد الأردن
التـاريخ 10/30/2020


   أنشره.. وفقك الله.
 
     
       
         
 
الصوتيات والمرئيات  |   الكتب  |   البحوث   |   المخطوطات   |    المجلة   |    الأرشيف
جميع الحقوق محفوظة لدار الحديث الضيائية