الصفحة الرئيسية         الكتب           البحوث           المخطوطات          المجلة            راسلنا          الضيائية
 
 
 

سلسلة فهم أقوال أهل النَّقد (25).

قولُ يَحْيَى بْنِ مَعينٍ عَنْ سَعِيدِ بنِ هُبَيْرَةَ: «هَذَا الرَّجُلُ صَاحِبُ حَدِيثٍ وَلَكِنَّهُ مِثْلُ العَبَّاسِ بنِ طَالِبٍ الَّذِي تَحَوَّلَ مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى مصر فَكَتَبُوا في كِتَابه»!

وقولُ أَبي زُرعةَ عنه في حديث رواه: «تجد أن قوماً ذاكَروهُ، عن أَبي ضَمْرَةَ، أو إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ...»!

 



روى ابن حبان في «المجروحين» (1/327) قال: سَمِعْتُ الحُسَيْنُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ مُصْعَبٍ يَقُول: سَمِعت أَبا نَصْرٍ مُحَمَّد بْنِ سَهْلٍ المَرْوَزِيّ*، يَقُولُ: سُئِلَ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ، بِحَضْرَةِ سُلَيْمَانَ بنِ مَعْبَدٍ، عَنْ سَعِيدِ بنِ هُبَيْرَةَ؟ فَقَالَ يَحْيَى: "هَذَا الرَّجُلُ صَاحِبُ حَدِيثٍ، ولَكِنَّهُ مِثْلُ العَبَّاسِ بْنِ طَالِبٍ الَّذِي تَحَوَّلَ مِنَ البَصْرَةِ إِلَى مصر، فَكَتَبُوا في كِتَابه".

·       تصحيح خطأ في إسناد الحكاية!

[*وقع اسم شيخ شيخ ابن حبان محرفاً! ومخطوطة الكتاب سقيمة جداً! وأثبتها محقق الكتاب محمود إبراهيم زايد هكذا: "... يَقُول: سَمِعت منصورا [سُئِلَ] ابن (شَاه) الْمَرْوَزِيُّ يَقُولُ: سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ...". وأثبتها حمدي السلفي في طبعته هكذا: "... يقول: سمعت منصور بن المروزي..."!!! فأسقط منه الكلمة غير الواضحة! فلا يوجد شخص يسمى فلان بن المروزي! فالمروزي نسبة!

وعليه فيكون هذا الرجل مجهولاً لا نعرفه! ولو بحثنا في ترجمة شيخ ابن حبان الحَافِظ الكَبِيْر أَبي عَلِيٍّ الحُسَيْن بن مُحَمَّدِ بنِ مُصْعَبِ بنِ رُزَيْقٍ المَرْوَزِيّ، السِّنْجِيّ (ت315هـ) لما وجدنا أنهم ذكروا في شيوخه من اسمه "منصور"! ولا كذلك في ترجمة ابن معين (ت233هـ) لما وجدت في تلامذته من اسمه "منصور" من أهل مرو كذلك!

 وهذا السؤال تمّ بوجود سليمان بن مَعبد النحويّ السّنجىّ الْمَرْوَزِيّ (ت257هـ) في مجلس ابن معين، وهو من كبار المحدثين، وكان من أصحاب ابن معين، وكان رحل إليه، وكان يُذاكره، ولما مات ابن معين رثاه بقصيدة مبكية ذكرها ابن أبي حاتم في مقدمة «الجرح والتعديل»، ومن تلاميذه: الإِمَام الحَافِظ المُتْقِن أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بنُ حَمْدَوَيْه بنُ سَهْلٍ المَرْوَزِيُّ (ت329هـ)، فالأشبه أن يكون هو هذا الذي نقل الحكاية، فيكون سمعها من شيخه سليمان؛ لأن السؤال ليحيى كان وهو موجود عنده، ولا يمكن أن يكون ابن حمدويه سمعها في ذلك المجلس؛ لأنه لم يدرك ابن معين أصلاً، فيكون هو أخبر بها: "أن ابن معين سُئل بحضرة سليمان... إلخ". وتكون هذه الحكاية من الفوائد بين الأقران وإن كان الحسين بن محمد مات قبل ابن حمدويه، فهي حكاية نفيسة لا توجد عند أصحاب ابن معين المعروفين الذين نقلوا أقواله، وهي مسلسلة بالحفاظ المروزيين، وهذا يدلّ على صحتها، وأن ابن حمدويه أخذها من شيخه، ولهذا تفرد بها، والله أعلم.

وقد يعترض مُعترض، فيقول: "كيف يتتلمذ من توفي سنة (315هـ) - الحسين السنجي- على من توفي سنة (329هـ) - ابن حمدويه-؟" فأقول: هذا ليس بمستغرب، فهما تقريباً من الأقران، ورواية هذه الحكاية عنه لا تعني التلمذة المعروفة، بل هي من باب أخذ بعض الفوائد التي قد توجد عند هذا ولا توجد عند غيره، وهذا كثير بين الأئمة والحفاظ، ووفاته قبله لا يعني أنه لم يسمع هذه الفائدة منه، فهو سمعها ثم حدث بها وتوفي قبل من حدثه بها، فكان ماذا؟ لا مشكلة في ذلك. وقد يكون ابن حمدويه أخذ هذه الفائدة من كتب شيخه سليمان بن معبد، وقد يؤيد ذلك أنه لم يقل: سمعت أو أخبرني، وإنما قال: "سئل يحيى بن معين بحضور سليمان..." فيحتمل أنه وجدها في كتب شيخه أن بعضهم سأل ابن معين بحضوره، والله أعلم.

وقد يقول قائل: شيخ ابن حبان الحسين بن محمد بن مصعب من شيوخه: "أَبُو دَاوُدَ السِّنْجِيُّ سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ"، فإذا كانت هذه الحكاية عن سليمان، فلم لا يرويها هو حتى يرويها بواسطة؟

أقول: هذا ليس بلازم! فهو وإن روى عن سليمان فهذا لا يعني أن يسمع منه كلّ شيء سيما ولا نكاد نجد له عنه إلا حديثاً واحداً رواه له ابن حبان عنه في «صحيحه»، وروى عنه حديثاً واحداً، وهذه الحكاية في «المجروحين»، وهذا يدلّ على أنه لم يستنزف ما عنده، والله أعلم.

وعليه فيكون الأصل كما أثبته: "سَمِعت أَبا نَصْرٍ مُحَمَّد بْنِ سَهْلٍ المَرْوَزِيّ، يَقُولُ: سُئِلَ يَحْيَى..."، أو: " سَمِعت أَبا نَصْرٍ المَرْوَزِيّ، يَقُولُ: سُئِلَ يَحْيَى..." فتحرفت "أبا نصر" إلى "منصور"! وتحرف "سئل" إلى "سألت"؛ لأنه ليس هو من سأل.

**وقد يذهب البعض إلى أنه ربما "الإِمَام أَحْمَد بن مَنْصُوْرِ بنِ رَاشِدٍ، المَرْوَزِيّ، يُلَقَّب بِزَاجٍّ" (ت257هـ). وهو من شيوخ شيوخ ابن حبان.

قال بن حبان في «الثقات» (8/34) (12134): "أَحْمد بن مَنْصُور بن رَاشد الْمروزِي أَبُو صَالح الَّذِي يُقَال لَهُ زاج، يروي عَن أبي عَاصِم، وأبي نعيم. حدثَنَا عَنهُ شُيُوخنَا. مَاتَ سنة سِتِّينَ".

فيكون سقط من الإسناد: "أحمد بن"! ولا أظنّ ذلك صحيحاً لوجوه:

الأول: أن أحمد بن منصور هذا من تلاميذ سعيد بن هبيرة، فلا يحتاج لأن يسأل عنه ابن معين!

الثاني: لا نعرف له سؤالات لابن معين ولا لغيره على شهرته في زمنهم!

الثالث: روى عنه ابن حبان في «صحيحه» بواسطة بعض شيوخه في موضعين ويذكر لقبه في الإسناد.

الرابع: متى لقي أحمد بن منصور ابن معين وسأله؟ وأين؟

فيحيى توفي سنة (233هـ) وهو بغدادي، وأحمد بن منصور زاج ورد بغداد حاجاً في سنة أربع وخمسين ومائتين كما يقول الخطيب في «تاريخه» (6/360)، أي بعد وفاة ابن معين بإحدى وعشرين سنة!

ولو قلنا إنه سمع الحكاية من سليمان بن معبد فهذا بعيد أيضاً؛ لأن بين وفاتيهما ثلاثة أيام فقط!

فقد روى الخطيب في «تاريخه» (6/360) بإسناده إلى أَبِي أَحْمَد مُحَمَّد بْن أَحْمَد الحنفِي، عَن شيوخه، قَالَ: "مات أَبُو صَالِح أَحْمَد بْن منصور زاج فِي شهر ذي الحجة اليوم الثالث من وفاة أَبِي داود بْن معبد السنجي، وَهُوَ يوم الخميس العاشر من ذي الحجة سنة سبع وخمسين ومائتين".

وعليه فلا أظنه هو، والله أعلم.

***وقد يعترض معترض بقوله: ها هو أحمد بن منصور زاج روى بعض كلام أحمد، وأحمد بغدادي (ت241هـ)، فهذا يدل على أنه ورد بغداد قبل سنة (254هـ)، فإذا كان دخل بغداد ولقي أحمد فلا بدّ أنه لقي ابن معين أيضاً؟

أقول: نعم، قال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (2/189): ذكره أبي قال: حدثنا أحمد بن منصور المروزي قال: قلت لأحمد بن حنبل، عمّن أكتب من المشيخة؟ قال: "أبو المنذر إسماعيل بن عُمر، وحُجَيْنُ بنُ الْمُثَنَّى".

وقال (3/347): حدثنا أحمد بن سلمة النيسابوري، قال: حدثنا أحمد بن منصور المروزي قال: قال أحمد بن حنبل: "خالد بن القاسم يزيد في الإسناد".

فهذا ما رواه زاج عن أحمد، لكن هذا لا يدلّ على أنه سمع منه ذلك ببغداد، بل النص الأول يدل على أنه سمع ذلك خارج بغداد، وكان زاج يطلب العلم، فسأل أحمد عمن يكتب من المشيخة الموجودين في المكان الذي سأله فيه، فحجين أصله يماني، ونزل بغداد، وكَانَ قَاضِياً عَلَى خُرَاسَانَ، وأبو المنذر واسطي، ونزل بغداد، فالظاهر أن زاج لقي أحمد خارج بغداد في خراسان فسأله عمّن يكتب هناك، ويبدو أن أبا المنذر كان هناك أيضاً لما سأله.

ولو كان أحمد زاج دخل بغداد قبل سنة (254هـ) لذكر ذلك الخطيب، والله أعلم].

·       تفسير كلام ابن معين:

قبل أن نُبيّن كلام ابن معين نترجم لسعيد بن هُبيرة، والعباس بن طالب؛ لأنه ذكر تشابهاً بينهما في أمور:

الأول: في حالهما.

ثانياً: في تحولهما من بلدهما إلى بلد آخر.

ثالثاً: في أن الخلل الذي حصل في حديثهما أنهم كتبوا في كتبهما!

ولهذا أورد ابن حبان هذه الحكاية في ترجمة «سعيد بْن هُبَيْرَة».

·       ترجمة سَعِيدِ بْنِ هُبَيْرَةَ المَرْوَزِيِّ:

هو: سَعِيدُ بْنُ هُبَيْرَةَ بن عَدَبَّس بن أنس بْن مالك الكَعْبيّ، العَامِرِيُّ، أَبُو مَالِكٍ المَرْوَزِيّ. أصله من البصرة، ثم سكن مرو، يروي عن حماد بن سلمة، وأهل العراق، كسعيد بن زيد أخي حماد بن زيد، وأبي هلال الراسبي.

وغالب الرواة عنه من أهل مرو؛ لأنه انتقل من البصرة إلى مرو، وحدثّ بها، ومنهم: أحمد بن منصور المروزي المعروف بزاج، وحَامِد بْن أَحْمَدَ المَرْوَزِيّ، وأَحْمَد بْن عَبْدالْمُؤْمِن الْمَرْوَزِيّ، وعَبْدَة بن عَبْدِالرَّحِيمِ المَرْوَزِيّ، ومحمد بن عمرو أبي الموجّه الفَزَاري المَرْوَزِيّ اللُّغَويّ الحَافِظ، وغيرهم.

قال الخليلي في «الإرشاد» (3/921): "قَدِيمٌ، سَمِعَ جَعْفَرَ بنَ سُلَيْمَانَ، وَغَيْرَهُ، رَوَى عَنْهُ شُيُوخَ مَرْوَ، وَلَهُ غَرَائِبُ يُسْأَلُ عَنْهَا".

وكانت وفاته ما بين سنة (201 - 210هـ).

قال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (4/70) (298): سألت أبي عنه؟ فقال: "ليس بالقوي، روى أحاديث أنكرها أهل العلم".

وأورد الخليلي في ترجمته - بعد أن ذكر أنه له غرائب - حديثه عن هَمَّام، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كُلِّ يَوْمٍ: أَنَا الْعَزِيزُ فَمَنْ أَرَادَ عِزَّ الدَّارَيْنِ فَلْيُطِعِ الْعَزِيزَ».

ثم قال: "هَذَا لَيْسَ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، لَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مِنْ حَدِيثِ هَمَّامٍ لَا سِيَّمَا عَنْ قَتَادَةَ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ إِسْنَادٌ غَيْرُهُ".

وهذا الحديث رواه عن سعيد: أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرِ بْنِ شَيْبَةَ الْمَرْوَزِيُّ.

ولما أورده ابن الجوزي في «الموضوعات» (1/120) قال: "وَهَذَا مِنْ تَلصصِ سَعِيدِ بْنِ هُبَيْرَةَ الْعَامِرِيِّ".  يعني أنه سرقه. يُقال: "لَصَّ الشيءَ: سَرَقَهُ".

وكان أورد قبله الحديث من رواية دَاوُد بْن عَفَّانَ بْنِ حَبِيبٍ النَّيْسَابُورِيّ عن أَنَس بْن مَالِكٍ.

وقال: "هَذَا حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ. قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: دَاوُدُ كَانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَ لَمَّا وَضَعَ هَذَا سرق مِنْهُ".

قال ابن حبان في «المجروحين» (1/292): "دَاوُد بْن عَفَّان بْن حبيب: شيخ كَانَ يَدُور بخراسان، وَيَزْعُم أَنَّهُ سمع أَنَس بن مَالِك، ويروي عَنْهُ، وَيَضَع عَلَيْهِ، وَلَيْسَ حَدِيثه عِنْدَ أَصْحَاب الْحَدِيث، وَإِنَّمَا كتب أَصْحَاب الرَّأْي والكرامية عَنْهُ، وَلَكِنِّي ذكرته لِئَلَّا يغتر عوام أَصْحَاب الْحَدِيث بِشَيْء من رِوَايَته. روى عَن أَنَس نُسْخَة مَوْضُوعَة".

فهذا الكذاب كان يضع الحديث عن أنس وهو في خراسان، فلما كان سعيد بن هبيرة هناك في خراسان كأنهم وضعوا هذا في كتابه فحدّث به! وليس هو من وضعه أو سرقه. فالحديث في خراسان وليس عند أهل البصرة، وهذا من وضعه.

وقال ابن حبان في ترجمة «سعيد بن هبيرة»: "كَانَ مِمَّن رَحل وَكتب، وَلَكِن كثيراً مَا يُحدِّث بالموضوعات عَن الثِّقَات، كَأَنَّهُ كَانَ يَضَعهَا أَوْ تُوضَع لَهُ فيجيب فِيهَا، لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ بِحَال، رَوَى عَنْ حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ، عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تَضْرِبُوا إِمَاءَكُمْ عَلَى كَسْرِ إِنَائِكُمْ، فَإِنَّ لَهَا آجَالا كَآجَالِ النَّاسِ»، فِيمَا يشبه هَذَا مِمَّا يطول ذكره".

قلت: وهذا أيضاً حديث موضوع رواه سعيد عن حماد! فكأنه مما وُضع له أيضاً.

وكان سعيد بن ُهبيرة قد صنّف كتاباً في «الفتن»، وكان يرويه عنه: أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بنُ إِبْرَاهِيمَ البُخْتِيّ المروزيّ، وكان ثقة، واشتهر برواية كتاب «الفتن» هذا، فقصده الناس له.

وقد روى الإمام الحاكم في «مستدركه» في «كِتَاب الفِتَنِ وَالمَلَاحِمِ» ثمانية أحاديث من هذا الكتاب، وقد توبع سعيد بن هبيرة على ستة منها، ولم يتفرد بها كما بينته في موضع آخر بعنوان: «كتاب الفتن لسعيد بن هُبيرة! ورواية الحاكم منه في مستدركه».

فهو قد طلب الحديث، وسمعه، وكتبه، وتحوّل من البصرة إلى مرو فحدّث بها، ووقعت المناكير في حديثه هناك.

·       ترجمة عَبَّاس بن طَالب الْأَزْدِيّ البَصْرِيّ:

هو: العباس بن طالب الأزدي البَصْرِيّ أبو عمرو، وقيل: أبو الفضل. نزل مصر، وحدّث بهَا عَن: حَمَّاد بن سَلمَة، وَأبي عوَانَة، وخَالِد بن عبدالله الوَاسِطِيّ، والعَلَاء بن خَالِد، وروح بن عَطاء بن أبي مَيْمُونَة، وَيزِيد بن زُرَيْع.

روى عَنهُ: يحيى بن معِين، وَأَبُو حَاتِم الرَّازِيّ، وَإِسْمَاعِيل بن عبدالله الْأَصْبَهَانِيّ سمويه، وَغَيرهم.

وذكره ابنُ يُونس في «تاريخ الغرباء»، وقال: "عباس بن طالب الأزدي، يكنى أبا عمرو، بصري قدم مصر، وحدّث بها، وتوفى بمصر يوم الأحد لخمس خلون من جمادى الأولى سنة عشرين ومائتين، وكان سبب موته أنه شرب دواء فمات منه".

وقال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (6/216) (1186): "سمع منه أبي بمصر سنة ست عشرة ومائتين".

قال: سألت أبي عنه؟ فقال: روى حديثاً عن يزيد بن زريع فأنكره يحيى بن معين ووهّى امره قليلاً".

وقال: سُئِلَ أبو زرعة عنه؟ فقال: "بصري وقع إلى مصر، ليس بذاك".

قلت: الذي سأل أبا زرعة عنه هو البرذعي.

قال البرذعي في «سؤالاته» (2/537): قلت: العباس بن طالب؟ قال: "بصري وقع إلى ناحية مصر".

قلت: كيف حديثه؟ قال: "ليس بذاك".

وذكره ابن حبان في «الثقات» (8/510) (14731) فقال: "عَبَّاس بن طَالب الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ أَبُو الْفضل: سكن مصر. يروي عَن حَمَّاد بن زيد. روى عَنهُ: مُحَمَّد بن دَاوُد بن نَاجِية، وَأهل مصر. مَاتَ سنة سبع عشرَة وَمِائَتَيْنِ".

وقال ابن عدي في ترجمة «أبي يحيى الوَقَّار المصريّ» - وكان كذّاباً يضع الحديث، ويروي عن العباس-: "العباس بن طالب: صدوق بصري، سكن مصر، لا بأس به".

وقال أبو زرعة الدمشقي في «تاريخه» (ص: 286): "وَشَهِدْتُ جِنَازَةَ العَبَّاسِ بْنِ طَالِبٍ بِمِصْرَ فِي سَنَةِ تِسْعَ عشرة ومائتين".

قلت: فهو قد طلب الحديث، وكتبه في البصرة، ونزل مصر، وحدث هناك، وروى عنه المصريون.

والظاهر أنه كان لا بأس به، وله أحاديث عن بعض البصريين قد توبع عليه، لكنه لما نزل مصر دخل عليه الوهم، وتفرد بأحاديث أنكرها عليه أهل العلم.

ومن هذه الأحاديث: ما رواه الدارقطني في «الأفراد» (ص: 173) (45) من طريق الحافظ يُوْسُف بن سَعِيْدِ بنِ مُسَلَّم أَبي يَعْقُوْبَ المِصِّيْصِيّ، قال: حَدَّثَنا عباس بن طالب أبو عَمْرو، قال: حَدَّثَنا الليث، قال: حدثني عقيل، عَن ابن شهاب، عَن عروة، عَن عائشة قالت: قال رسول الله صَلى الله عَليهِ وسَلم: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من اليمن تضيء لها أعناق الإبل ببُصرى».

قال الدارقطني: "هذا حديثٌ غريبٌ من حديث الزهري، عَن عروة، عَن عائشة! تَفَرَّدَ به عباس بن طالب، عَن الليث، عَن عقيل".

وهذا الحديث وغيره مما أُدخل عليه في مصر فحدّث بها، وقد روى بعض الأحاديث هناك وافق فيها بعض الضعفاء في مصر كعبدالله بن صالح كاتب الليث عن الليث، فيُحتمل أنه سمعها أو ذاكر بها هناك فرواها عن الليث وهو لم يسمعها من الليث!

فقد روى عبدالله بن صالح، عن اللَّيْث بن سَعْدٍ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ».

ورواه يوسف بن مُسَلم، عن عباس بن طالب، عن الليث، به. [إتحاف المهرة لابن حجر (14/746)].

وَرَوَاهُ أيضاً عَبَّاسُ بنُ طَالِبٍ أَبُو عَمْرٍو، عَنِ اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عن عائشة. [علل الدارقطني (9/192)].

فالحديث معروف عن الليث بهذا الإسناد، ورواه عباس مرة كما رواه الآخرون، وأخطأ فيه مرة!

وكذلك روى أَبُو صَالِحٍ، عن اللَّيْث، عَنْ عبيدالله بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عن صَفْوَان بن سليم، عَن أبي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم: «مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ وَلا بَعْدَهُ مِنْ خَلِيفَةٍ إِلا كَانَ لَهُ بِطَانَتَانِ».

وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ من حَدِيث عَبَّاس بن طَالب، عَن اللَّيْث. [تغليق التعليق (5/312)].

·       ربط كلام ابن معين بكلام أبي زرعة:

وعودة إلى كلام ابن معين، فهو لما سُئل عن سعيد بن هُبيرة قال بأنه «صاحب حديث» = يعني أنه طلب الحديث وحصّله، فجمع وكَتب، وهذا ما عبّر عنه ابن حبان في ترجمته: " كَانَ مِمَّن رَحل وَكتب"، وتشبيه يحيى له هنا بالعباس بن طالب ليس في ضعف حديثه، وإنما كيف حصل معه الضعف، وهذه الأحاديث التي ينكرونها عليه، ولا تعرف عمّن يرويها عنهم! ولهذا قال عنه «صاحب حديث» = أي هو لم يسرق أو يضع هذه الأحاديث، فهو عنده حديث وله كتب، لكن المشكلة أنه لما رحل من مرو إلى البصرة كتبوا في كتابه ما ليس من حديثه، كما كتبوا في كتاب العباس في مصر لما تحوّل إليها من البصرة!

فكلاهما من أصحاب الحديث، لكن لمّا نزل كل واحد منهم في بلد آخر، كُتب في كتبهم أحاديث ليست من أحاديثهم!

وقول ابن معين: "فكتبوا في كتابه" قد يحتمل الظاهر أنهم أدخلوا في كتابه أحاديث ليست من حديثه، ثم رواها على التوهم، أو أنه ذاكرهم في أحاديث فكتبها أو كُتبت له وهي ليست من حديثه، ولم يسمعها.

والظاهر أن هذه الأحاديث كانت توضع له فيجيب فيها كما قال ابن حبان في ترجمة سعيد بن هبيرة لما ذكر تحديثه عن الثقات بالموضوعات: "كَأَنَّهُ كَانَ يَضَعهَا أَوْ تُوضَع لَهُ فيجيب فِيهَا"!

فيُستبعد أنه كان يضع الحديث، وإنما لوجوده في بلد غريب حيث لم يكن حوله الثقات من أهل العلم، كان من حوله يضعون له الأحاديث على أنها من حديثه فيجيب فيها، فدخل حديثه هذه المنكرات والموضوعات.

ويؤكد هذا المعنى ما بيّنه أبو زرعة في وصف حال سعيد بن هبيرة، وكيف دخل في حديثه ما ليس منه، وهو الذي قارن ابن معين بينه وبين العباس بن طالب.

قال البرْذعيُّ في «سؤالاته لأبي زرعة» (2/457): "وسألته: عن أَبي مَالِكٍ سَعِيد بْنِ هُبَيْرَةَ بن عَدبَّس الأنصاري؟ قال: كان يسكن مرو، وحدّث عن دَاوُد بْنِ أَبِي الْفُرَاتِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ في المُسّكِر.

قال لي أبو زرعة: "تجد أن قوماً ذاكروه، عن أبي ضَمْرَةَ، أو إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عن داود بن بكر بن أبي الفرات، فرواه عن داود بن أبي الفرات، وليس هذا من حديث داود بن أبي الفرات، إنما رُوي هذا داود بن بكر بن أبي الفرات".

فقلت له: ما أبعد ما وقع!

قال: افتضح فيه".

قلت: بيّن أبو زرعة أن هذا الحديث ليس من حديث سعيد بن هُبيرة؛ لأن هذا الحديث يرويه أهل المدينة عن داود بن بكر بن أبي الفرات، وهو مدني، وليس من حديث داود بن أبي الفرات، وهو مروزي، فكأنه ذُوكِر عن أبي ضمرة أو إسماعيل بن جعفر؛ لأن الحديث يرويه هؤلاء عن داود بن بكر بن أبي الفرات، فلما حدّث به ظنّ أنه داود بن أبي الفرات المروزي؛ لأنه هو كان هناك في مرو، فافتضح أمره!

والحديث رواهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، وأَبُو ضَمْرَةَ، كلاهما عن دَاوُدَ بْنِ بَكْرِ بْنِ أَبِي الْفُرَاتِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ».

وداود بن بكر بن أبي الفرات مدنيّ ليس بالقوي، يُعتبر به.

ويكأن أبو زرعة أراد أن يُنبّه: لا يغرنك أنه مروزي وداود بن أبي الفرات مروزي فتظنّ صحة الرواية! وإنما الحديث حديث داود بن بكر بن أبي الفرات المدني.

وما حصل مع سعيد بن هبيرة كما شخّص ذلك ابن معين لما تحوّل من البصرة لمرو فكتبوا في كتابه هو ما حصل مع العباس بن طالب لما تحوّل من البصرة لمصر فكتبوا في حديثه أيضاً.

فلما روى العباس حديثاً ليس من حديثه أنكروه عليه؛ وقد اتّهمه بعضهم بذلك!

وهو ما رواه إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِاللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ العَبْدِيُّ سَمُّويه، قَالَ: حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ طَالِبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ المُرادي، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ نَظَرَ إِلَى الأَشْتَرِ فَصَعَّدَ فِيهِ النَّظَرَ ثُمَّ صَوَّبَهُ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ هَذَا يَوْمًا عَصِيبًا».

وهذا الحديث أنكره أحمد ويحيى بن مَعِين على بَشَّار بْنِ مُوسَى الخَفَّاف البصريّ أيضاً لما رواه عن يزيد بن زُريع!

قال عَبْدُاللَّهِ بن أحمد بن حنبل: قَالَ أَبِي: فِي حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: «دَخَلْنَا عَلَى عُمَرَ مَعَاشِرَ وَفْد مَذْحِجٍ، وَكُنْتُ مِنْ أَقْرَبِهِمْ مِنْهُ مَجْلِسًا، فَجَعَلَ عُمَرُ يَنْظُرُ إِلَى الأَشْتَرِ وَيَصْرِفُ بَصَرَهُ، فَقَالَ: أَمِنْكُمْ هَذَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: مَا لَهُ، قَاتَلَهُ اللَّهُ؟! كَفَى اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ شَرَّهُ، وَاللَّهِ إِنِّي لأَحْسَبُ أَنَّ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُ يَوْمًا عَصِيبًا».

قال عبدالله: والحديث حدثناه بشار الخفاف، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثني شعبة، قال: حدثني عمرو بن مرة، وقال فيه كلاماً كثيراً أكثر من هذا.

قال عبدالله: قَالَ أَبِي: قَرَأْتُهُ فِي كِتَابِ عَمِّي صَالِحِ بْنِ حَنْبَلٍ، عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، يَعْنِي هَذَا الحَدِيْثَ.

قلت: يعني أن الحديث حديث الهيثم بن عَدي، عن عبدالله بن عمرو بن مرة، عن أبيه!

وقال عبدالله بن أحمد بن الدورقي: مضيت إلى بشار بن موسى الخفاف، فحدّثنا عن يزيد بن زريع، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبدالله بن سلمة، قال: «دخلنا على عمر بن الخطاب في وفد مذحج، ومعنا الأشتر، فجعل ينظر إلى الأشتر ويصرف بصره منه، فقال: ويل لهذه الأمة منك، ومن ولدك، إن للمؤمنين منك يوماً عصيباً».

قال عبدالله: فأتيت منزلنا، فإذا فيه يحيى بن معين، وخلف بن سالم فناداني يحيى بن معين: يا عبدالله أين كنت؟ قلت: كنت في ذاك الجانب عند بشار بن موسى، فقال يحيى: وأيش حدثكم؟ قلت: حدثنا عن يزيد بن زريع، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبدالله بن سلمة، وذكرت له الحديث، فقال يحيى: ما له! فعل الله به وفعل، والله ما حدّث بهذا يزيد بن زريع قط، ولا سمعه شعبة من عمرو بن مرة! فقال له خلف بن سالم: يا أبا زكريا، فأيش الحجة عندك؟ قال: سرقوه من حديث الهيثم بن عدي، عن ابن عمرو بن مرة، عن أبيه.

قال الخطيب في «تاريخه» (7/617) بعد أن ذكر هذا عن ابن معين: "قلت: قد رواه العباس بن أبي طالب البصري نزيل مصر أيضاً عن يزيد بن زريع نحو رواية بشار".

وقال ابن حجر في «اللسان» بعد أن ذكر الذهبي هذا الحديث للعباس في «الميزان»: "قلت: فالظاهر أن العباس سرقه أيضًا، ويحتمل أن يكونا جميعاً سمعاه من يزيد بن زريع إن كانا ضبطا، والله أعلم".

قلت: لم يسرقه العباس ولم يسمعه من يزيد بن زُريع، فإما أن يكون ذوكر به فرواه وتوهّم أنه من حديثه، أو كتبوه في كتابه فحدّث به.

فكلام ابن معين في سعيد بن هُبيرة، والعباس بن طالب لما تحوّل كل واحد من بلده، ونزل في بلد آخر، كتبوا في كتبهم أحاديث لم يسمعوها، وبيّن أبو زرعة كيف حصل ذلك لسعيد بن هُبيرة، وهذه المنكرات والموضوعات في حديثهما ليس من وضعهما أو أنهما سرقاه.

والحمد لله على فضله.

وكتب: د. خالد الحايك.

 

دُورُ الحديث
تحقيق التراث
فوائد حديثية
المناهج والنقد
مصطلح الحديث
علوم الرّجال
علل الأحاديث
فقه الحديث
المغازي والسّير
المدارس الحديثية
أسئلة وأجوبة
السرقات العلمية
متفرقات
علوم أخرى
 
   
   الاسم
  البريد الإلكتروني
البلد
  التعليق*:

 
     
 
 
 
 
     
       
         
 
الصوتيات والمرئيات  |   الكتب  |   البحوث   |   المخطوطات   |    المجلة   |    الأرشيف
جميع الحقوق محفوظة لدار الحديث الضيائية