الصفحة الرئيسية         الكتب           البحوث           المخطوطات          المجلة            راسلنا          الضيائية
 
 
 

تصحيفٌ عجيبٌ أَشار له ابنُ عَدي!



روى ابن ماجه «سننه» [ت الأرنؤوط] (3/25) (1807) قال: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ عُثْمَانَ بنِ حَكِيمٍ الْأَوْدِي، قال: حَدّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قال: حَدّثَنَا عَبْدُالسَّلَامِ بنُ حَرْبٍ، عَنْ يَزِيدَ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ، إِلَى عِشْرِينَ ومائة، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا شَاتَانِ، إِلَى مِائَتَيْنِ، فَإِنْ زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، إِلَى ثَلَاث مئة، فَإِنْ زَادَتْ فَفِي كُلِّ مئةٍ شَاةٌ، لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مفترق، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَكُلُّ خَلِيطَيْنِ يَتَرَاجَعَانِ بِالسَّوِيَّةِ، وَلَيْسَ لِلْمُصَدِّقِ هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، وَلَا تَيْسٌ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُصَّدِّقُ».

·       الترجمة لأبي هند!

كذا جاء في مطبوعات «سنن ابن ماجه»، وكذا في النسخ القديمة: «عن أبي هند».

قال المزي في «التحفة» (6/255): "أبو هند الصديق - أحد المجاهيل -، عن نافع، عن ابن عمر".

وقال الزيلعي في «نصب الراية» (2/355): "ورَوَى ابنُ مَاجَهْ فِي «سننه» مِنْ حَدِيثِ أَبِي هِنْدٍ الصِّدِّيقِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ..".

وأبو هند الصديق هذا لم يُشر إليه أي واحد من أهل النقد المتقدمين. وأول من ذكره الدارقطني.

قال في «المؤتلف والمختلف» (3/1438): "أبو هند الصِّدِّيق، عن نَافِع، عن ابن عُمَر، روى حديثه أبو نُعَيْم، عن عبدالسَّلام بن حرب، عن أبي خَالِد الدالاني، عن أبي هِنْد الصديق".

وذكره ابن ماكولا في «الإكمال» (5/176) فقال: "أما صِدّيق بكسر الصاد وتشديد الدال فهو... وأبو هند الصديق، عن نافع عن ابن عمر، روى حديثه أبو نعيم عن عبدالسلام بن حرب عن أبي خالد الدالاني عنه، واسمه: إبراهيم بن ميمون الصائغ".

وقال المزي في «تهذيب الكمال» (34/381) (7683): "ق: أَبُو هند الصديق، أحد المجاهيل. رَوَى عَن: نافع (ق) مولى ابن عُمَر. رَوَى عَنه: أَبُو خالد الدالاني (ق). قال أَبُو نصر بْن ماكولا: اسمه إِبْرَاهِيم بن ميمون الصائغ.

وقَال أَبُو عَبْداللَّهِ بن منده في كتاب «الكنى»: روى عنه عبد السلام بْن حرب وهو وهم، إنما روى عَن أَبِي خالد الدالاني عَنْهُ. روى له ابن ماجه حديث ابن عُمَر فِي أربعين شاة... الحديث".

وتبعه على ذلك تلميذه ابن كثير، فقال في «التكميل في الجرح والتعديل ومعرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل» (4/18) (2506): "(ق) أبو هِنْد الصِّدِّيق، أحدُ المجاهيل".

وقال الذهبي في «ميزان الاعتدال» (4/583)، وفي «المغني في الضعفاء» (2/813): "أبو هند الصديق [ق]. عن نافع مولى ابن عمر. لا يُدرى من هو. وعنه أبو خالد الدالاني".

وقال في «الكاشف» (2/469): "أبو هند الصديق عن نافع، وعنه أبو خالد الدالاني. مجهول".

وقال ابن حجر في «التقريب» (8428): "أبو هند الصديق مجهول. قيل: اسمه إبراهيم بن ميمون الصائغ، وإلا فهو مجهول".

قلت: هكذا سلّم أهل العلم المتأخرين بما في سنن ابن ماجه "عن أبي هند"

·       رأي الخطيب:

وقد أقر الخطيب هذه الكنية واللقب، فقال لما ذكر «إبراهيم الصائغ» في «موضح أوهام الجمع والتفريق» (1/374): "وهُوَ أَبُو هِنْد الصّديق، كنّاه وَنسبه كَذَلِك أَبُو خَالِد الدالاني فِي حَدِيث يرويهِ أَبُو نعيم الفضل بن دُكَيْن عَن عبدالسَّلَام بن حَرْب عَنهُ.

أَخْبَرَنَاهُ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ الحِيرِيُّ، قال: حَدَّثَنَا أَبُو العَبَّاسِ مُحَمَّدُ بنُ يَعْقُوبَ الْأَصَم، قال: حَدَّثَنَا أَحْمَد بن حَازِم، قال: حَدَّثَنَا أَبُو نعيم، عَن عبدالسَّلَام، عَن يزِيد بن عبدالرَّحْمَن، عَن أبي هِنْد الصّديق. [ح]

وأَخْبَرَنَاهُ الحَسَنُ بنُ أَبِي بكر، قال: أَخْبَرَنَا حَامِد بن مُحَمَّد الْهَرَوِيُّ، قال: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بنُ عَبْدِالعَزِيز، قال: حَدَّثَنَا أَبُو نعيم، قال: حَدَّثَنَا عبدالسَّلَام، عَن يزِيد بن عبدالرَّحْمَن، عَن أبي هِنْد، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مثل حَدِيث قبله".

قال الخطيب: "قالَ لَنَا القَاضِي: قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الحَافِظُ: هُوَ إِبْرَاهِيمُ الصَّائِغُ - يَعْنِي أَبَا هِنْدٍ".

قال الخطيب: "وهَذَا القَوْل صَحِيح. بَيّن ذَلِك أَبُو غَسَّان مَالك بن إِسْمَاعِيل فِي رِوَايَة هَذَا الحَدِيث عَن عبدالسَّلَام بن حَرْب".

قال: أَخْبَرَنَاهُ الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْقَاسِمُ بنُ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْهَاشِمِيُّ، قال: حَدَّثَنَا أَبُو العَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الأَثْرَمُ فِي سَنَةِ ثَلاثِينَ وَثَلاثِ مِائَةٍ، قال: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بنُ الرَّبِيعِ، قال: حَدَّثَنَا مَالِكُ بنُ إِسْمَاعِيلَ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُالسَّلامِ بْنُ حَرْبٍ، عَن يزِيد بن عبدالرَّحْمَن، عَنْ إِبْرَاهِيمَ الصَّائِغِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النِّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ.

قال: أَخْبَرَنَاهُ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَم، قال: حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بن مُحَمَّد الدُّورِيُّ، قال: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُالسَّلامِ بْنُ حَرْبٍ، عَن يزِيد بن عبدالرَّحْمَن أَبِي خَالِدٍ الدَّالانِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ الصَّائِغ. [ح]

وأخبرناه عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِالله الْمعدل، قال: أَخْبَرَنَا عُثْمَان بن أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِاللَّهِ الدَّقَّاقُ، قال: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَلامٍ السَّوَّاقُ، قال: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُالسَّلَام، عَن يزِيد بن عبدالرَّحْمَنِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ الصَّائِغِ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الحديث.

وفِي آخِرِ الحَدِيثِ: "قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ هَكَذَا أَمْلاهُ عَلَيْنَا مِنْ كِتَابِهِ".

قال الخطيب: "إِبْرَاهِيم الصَّائِغ مروزي، وكنيته المَشْهُورَة: أَبُو إِسْحَاق، ولا أعلمهُ كُني بِأبي هِنْد إِلَّا فِي هَذَا الحَدِيث الَّذِي ذَكرْنَاهُ، وأما تَعْرِيفه بِالصديقِ فنرى أَن الرَّاوِي نسبه إِلَى ذَاك لما كَانَ عَلَيْهِ من الصّلاح وَالْفضل والورع والزهد مَعَ مَا ختم لَهُ بِهِ من الشَّهَادَة فَإِن أَبَا مُسلم صَاحب الدولة قَتله بمرو فِي الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ".

قلت: هذه محاولة من الخطيب تفسيره كيف لُقّب بالصديق! وفيه نظر! إذ لو كان كذلك لاشتهر بين أهل العلم مع التسليم بصحة إنزال اللقب عليه وقد قتل مظلوماً رحمه الله.

لكن هل قصد الراوي تلقيبه بهذا؟ ومن أين جاءت كنية أبي هند مع قول الخطيب أن الكنية المشهور بها أبا إسحاق! ولا يوجد ذكر بتكنيته بأبي هند إلا في هذا الحديث كما قال الخطيب!

وأراد الخطيب أن يُبيّن أن أبا هند الصديق الوارد في هذا الحديث هو: إبراهيم الصائغ لئلا يظن بعضهم أنه آخر فيفرّق بينهما.

·       رأي ابن عدي:

لكن ابن عدي له رأي آخر، فإنه ذكر هذا الحديث في ترجمة «يزيد بن عبدالرحمن الدالاني» من «الكامل» (9/167) قال: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ عَبدالرَّحْمَنِ البَزَّازُ، قال: حَدَّثَنا عَلِيُّ بنُ عَبدالعَزِيزِ. [ح]

وسَمِعْتُ إِسْحَاقَ بنَ إِبْرَاهِيمَ الهَجَرِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنا إِبْرَاهِيمُ بنُ الحُسَيْنِ الهَمْدَانِيُّ، قالا: حَدَّثَنا أبو نعيم، قال: حَدَّثَنا عَبدالسلام - هو: ابن حَرْبٍ -، عَنْ يَزِيدَ بنِ عَبدالرَّحْمَنِ - هُوَ: أَبُو خَالِدٍ الدَّالانِيُّ-، عَن أَبِي هِنْدٍ الصِّدِّيقِ، عَنْ نَافِعٍ، عنِ ابْنِ عُمَر، عَنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسلَّمَ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ فَذُكِرَ الْحَدِيثُ بِطُولِهِ فِي الصَّدَقَاتِ فِي زَكَاةِ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ.

قال ابن عدي: "هكَذَا رَوَى عَلِيُّ بنُ عَبدالعَزِيزِ وإِبْرَاهِيمُ بنُ الحُسَيْنِ بن ديزيل هذا الحَدِيثَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبدالسَّلامِ عَنْ يَزِيدَ، عَن أَبِي هِنْدٍ الصِّدِّيقِ، عَنْ نَافِعٍ، عنِ ابْنِ عُمَر فَصَحَّفَا فِي قَوْلِهِمَا: «عَن أَبِي هِنْدٍ الصِّدِّيقِ»، ولاَ أَدْرِي التَّصْحِيفَ مِمَّنْ، وإِنَّما هُوَ إِبْرَاهِيمُ الصَّائِغُ، رَواه عَن أَبِي نُعَيْمٍ غَيْرُهُمَا فقالُوا: عَنْ إِبْرَاهِيمَ الصَّائِغِ، وهَكَذا رَوَاهُ أَبُو غَسَّانَ عَنْ عَبدالسَّلامِ.

حَدَّثَنَاهُ ابنُ صاعد، قَال: حَدَّثَنا أَحْمَدُ بنُ عُثْمَانَ بنُ حكيم، حَدَّثَنا أَبُو غَسَّانَ، حَدَّثَنا عَبدالسَّلامِ بْنُ حَرْبٍ، عَن أَبِي خَالِدٍ الدَّالانِيِّ يَزِيدَ بْنِ عَبدالرَّحْمَنِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ الصَّائِغِ، عَنْ نَافِعٍ، عنِ ابنِ عُمَر، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسلَّمَ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ فِي الصَّدَقَاتِ".

قلت: وهذا تنبيه عجيب من الحافظ ابن عدي! فلله درّه عرف من أين أُتيت هذه الكنية وهذا اللقب.

وهو كما قال، فإن الكلمات قريبة جداً في الرسم ولهذا حصل التصحيف فيها.

أبو هند = إبراهيم

قرأوا الراء "ر": واوا "و"، والألف "ا" لم يكونوا يكتبونها قديماً مثل "إسحق" هكذا تُكتب. والياء "ي" قرأت نوناً "ن" لعدم وجود النقط الكثير أو تكون النقطة ليست واضحة، وصارت الميم "م" دالا "د".

وأما الصديق = الصائغ

فالألف لا تكتب "الصيغ" أو أحيانا يضعون ألفا صغيرة فوق الكلمة، و"ئـ" تكتب وتقرأ ياء، والغين "غ" قرأت قافا "ق" ورسمهما قريب جداً.

فقد أصاب ابن عدي في قوله.

لكن لا نعرف كيف حصل التصحيف، ولهذا صرح ابن عدي بأنه لا يدري ممن حصل التصحيف!

لكن، هل يمكن أن يحصل التصحيف لأكثر من راو؟

فالبنظر إلى روايات الحديث السابق عن أبي نعيم، نجد أنه رواه عنه:

أَحْمَدُ بنُ عُثْمَانَ بنِ حَكِيمٍ الْأَوْدِي، وأَحْمَد بن حَازِم، وعَلِيُّ بنُ عَبدالعَزِيزِ البغوي، وإِبْرَاهِيمُ بنُ الحُسَيْنِ بن ديزيل، كلهم قالوا: "عن أبي هند الصديق"!

ورواه الحَسَنُ بنُ سَلامٍ السَّوَّاقُ، عن أَبي نُعَيْمٍ، فقال: "عَنْ إِبْرَاهِيمَ الصَّائِغِ".

وقد قال ابن عدي: "رَواه عَن أَبِي نُعَيْمٍ غَيْرُهُمَا - يعني: علي بن عبدالعزيز وابن ديزيل- فقالُوا: عَنْ إِبْرَاهِيمَ الصَّائِغِ".

فالاختلاف هنا على أبي نُعيم! وعليه لا يمكن أن يكون التصحيف من هؤلاء الرواة، ولا يمكن أن يكون الدالاني رواه مرة عن إبراهيم الصائغ، ومرة كنّاه ولقّبه كما قال الخطيب!!

فالحديث معروف عن عَبدالسَّلامِ بن حَرْبٍ، عَن أَبِي خَالِدٍ الدَّالانِيِّ يَزِيدَ بنِ عَبدالرَّحْمَنِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ الصَّائِغِ.

كذا رواه عنه أَبُو غَسَّانَ النّهدي مالك بن إسماعيل، وأبو نُعيم في روايات عنه.

وأبو نُعيم كان شَرِيك عبدالسلام بن حرب الملائي في دكان واحد يبيعان الملاء وكان من الرواة عنه وله عنه ألوف.

فالتصحيف جاء في بعض الروايات عن أبي نُعيم، فيستحيل أن يكون الوهم من كل هؤلاء، والذي أراه أن التصحيف من أبي نُعيم على جلالته ومكانته وحفظه وضبطه، فيُحتمل أنه عندما حدّث به من حفظه ضبطه فقال: "عن إبراهيم الصائغ"، ولما قُرئ عليه من كتابه كان التصحيف فيه، فربما تصحّف على القارئ ولم يتنبه الشيخ، والله أعلم.

·       اعتماد بعضهم على هذه الرواية في اتهام أبي خالد الدالاني بأنه دلّس اسم شيخه! وأن الخطيب هو من كشف هذا التدليس! وتوهيمه لابن عدي!

ذهب بعض "الدكاترة الضعفاء" في بحث له حول تدليس الشيوخ - وأتى على ذكر أبي هند الصديق، وكيف خفي أمره على بعض أهل العلم فجهّلوه - إلى أنه معروف، وهو: إبراهيم الصائغ، وقد دلّسه أبو خالد الدالاني!

فأشار إلى تجهيل المزي والذهبي له، ثم أتى بقول الخطيب، ثم قال: "فإذا عرف أن الدالاني مدلس بما ذكره الكرابيسي وابن حجر عنه في المدلسين يتبين لنا أن الخطيب كشف عن وقوع تدليس شيوخ في تكنية الصايغ بأبي هند، مما أدى لجهالته عند بعض العلماء. ومما يذكر هنا أن المزي والذهبي ذكرا للصائغ ترجمة منفصلة وهذا دليل ترسخ جهالة أبي هند عندهم. فالمجهول هنا ليس الصائغ إنما أبا هند".

ثم قال: "أوقع هذا التدليس ابن عدي في الوهم فيه؛ فبعد إخراجه الحديث عن أبي هند في ترجمة الدالاني قال: "كذا روى علي بن عبدالعزيز وإبراهيم بن الحسين بن ديزيل بن هند الحديث عن إبراهيم عن عبد السلام عن يزيد عن أبي هند الصديق عن نافع عن ابن عمر فصحفا في قولهما عن أبي هند الصديق، ولا أدري التصحيف ممن وإنما هو إبراهيم الصائغ". قلت: ليس في الأمر تصحيف، ذلك أن التصحيف إنما يكون من وجه مقارب رسما أو لفظا، أما أن يصحف الاسم بالكنية فهذا ما لم أقف عليه".

قلت:

أولاً: علّق هذا المسكين العهدة في هذا الأمر برقبة أبي خالد الدالاني! وأنه دلّس شيخه "إبراهيم الصائغ" وسماه: "أبا هند الصديق"!

وأيّد ذلك بوصف الكرابيسي وابن حجر له بالتدليس! وكذلك تفسير الخطيب وصفه بالصديق! وهذا كله فهم أعوج!

فلا علاقة لأبي خالد الدالاني بهذا كلّه، وهو لم يُدلسه! ووصف الكرابيسي له بالتدليس مردود، ولا دليل عليه! وإنما هو كان يُخطئ.

وقد بينت فيما سبق أن الاختلاف في الاسم على أبي نُعيم، فكيف نعلّق ذلك برقبة أبي خالد؟

وأما تفسير الخطيب وصفه بالصديق فلأنه سلّم بصحة ما جاء في الإسناد، فحاول معرفة كيف لُقّب بهذا فقال ما قال.

على أن الخطيب لم يُشر إلى ما توهمه الدكتور من كشفه لتدليس الشيوخ هنا! ولا يوجد أدنى إشارة إلى ذلك! وإنما هو يُبيّن أن أبا هند هذا هو إبراهيم الصائغ مُنبهاً غيره لئلا يجعلهما اثنين وهما واحد.

ثانياً: جهّله بعض أهل العلم لأنهم لم يُحرروا ترجمته، وإنما اعتمدوا على الإسناد فجهّلوه، لا أنهم جهلوه بسبب تدليس شيخه له كما زعم الدكتور!

ثالثاً: الجزم بوهم ابن عدي بسبب هذا التدليس يدلّ على جهل هذا الدكتور!! فاثبت العرش ثم انقش = أثبت تدليس الشيوخ ثم تكلّم على قول ابن عدي!

بل قول ابن عدي هو الصواب، فلله درّه كيف كشف هذا التصحيف العجيب الغريب!

ورد الدكتور قول ابن عدي بالتصحيف بزعمه "أن التصحيف إنما يكون من وجه مقارب رسما أو لفظا، أما أن يصحف الاسم بالكنية فهذا ما لم أقف عليه"! فهذا مردود عليه!

فالرسم مقارب جداً كما بينته آنفاً، لكن أنّى لمثل هذا الدكتور استيعابه! وقوله إنه لم يقف على تصحيف الاسم بالكنية فهل هناك قواعد معروفة في التصحيف حتى يقول الدكتور هذا القول؟!!

تصحّف الاسم فصار كنية، فما الضّير في ذلك؟

ابر هيم = أبو هند [أغمض عينيك قليلاً يا دكتور وتخيّل الاسم كيف يصبح كنية].

وحجة ابن عدي قوية في التصحيف وهي أن غير واحد رووه عن أبي نعيم فقالوا: "عن إبراهيم الصائغ"، ومن ذكرهم رووه عن أبي نعيم فقالوا: "عن أبي هند الصديق"، فلا يمكن أن يكون الدالاني حدّث به مرة هكذا ومرة هكذا! لأن مخرج هذا الإسناد هو أبو نُعيم، فالاختلاف عليه فيه، ولا علاقة للدالاني به حتى نقول بأن الدالاني دلّسه كما توهم الدكتور، ووجب القول بالتصحيف؛ لأن الحديث يرويه غير أبي نعيم عن عبدالسلام بن حرب عن أبي خالد الدالاني عن إبراهيم الصائغ. فافهم.

رابعاً: هذا الدكتور وكثير مثله ينقلون من الموسوعات الحاسوبية بما فيها من تحريفات وتصحيفات دون التنبّه!

فها هو ينقل من قول ابن عدي: "... وإبراهيم بن الحسين بن ديزيل بن هند الحديث"! وهو محرّف ومصحف!

فهل إبراهيم هذا جده الأعلى "هند"؟

وصواب العبارة: "... وإبراهيم بن الحسين بن ديزيل هذا الحديث..".

فأي دكاترة حديث هؤلاء! يتكلمون على التصحيف وهم ينقلون ما تصحف وما تحرّف!!

والله المستعان.

 

وكتب: أبو صهيب خالد الحايك

5 ربيع الثاني 1441هـ.

 

دُورُ الحديث
تحقيق التراث
فوائد حديثية
المناهج والنقد
مصطلح الحديث
علوم الرّجال
علل الأحاديث
فقه الحديث
المغازي والسّير
المدارس الحديثية
أسئلة وأجوبة
السرقات العلمية
متفرقات
علوم أخرى
 
   
   الاسم
  البريد الإلكتروني
البلد
  التعليق*:

 
     
 
 
 
 
     
       
         
 
الصوتيات والمرئيات  |   الكتب  |   البحوث   |   المخطوطات   |    المجلة   |    الأرشيف
جميع الحقوق محفوظة لدار الحديث الضيائية