الصفحة الرئيسية         الكتب           البحوث           المخطوطات          المجلة            راسلنا          الضيائية
 
 
 

«الإِفادات» في بعض السماعات (1).

«جَلاءُ الشَّك والرَّيْب» حول سَماعِ عَبدالله وسُليمان من أَبيهما بُريدة بن الحُصَيْب.




الحمدُ لله العليّ الأكرم، الذي علم بالقلم، والصلاة والسلام على النبيّ الأعظم، وعلى آله وصحبه الأَنجم، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين، وبعد:

فقد اختلف أهل العلم في سماع سليمان وعبدالله ابني بُريدة بن الحُصَيْب - رضي الله عنه - مع أنهما عاشا في كنف والدهما زمناً يؤهلهما للسماع منه!

وكان لرأي الإمام البخاري في إثبات السماع ونفيه حولهما الميدان الأوسع للحديث عن الشرط المنسوب للإمامين البخاري ومسلم في اشتراط السماع أو المعاصرة!!!

ولا بدّ من التنبيه قبل الشروع في الكلام على هذه المسألة المهمة: إن مسألة التنظير للقواعد لم تكن حاضرة في أذهان الأقدمين كالبخاري وغيره، فهم كانوا يَنْظرون للأحاديث نظرة شاملة، فتراهم يُصححون ويُضعّفون ضمن مقاييس عندهم لا ضمن قوالب جامدة كما هو الحال عند المتأخرين والمعاصرين! ولكنهم في الوقت ذاته لا تجدهم يخالفون الكليات المعروفة عندهم مما قرره علماء الأمة من النقاد.

فالبخاري مثل غيره من العلماء يعتني باللقاء والسماع، ويقبل أيضاً المعاصرة ضمن معايير نقدية عنده، وأحياناً يتزمّت ويتشدد كما في سماع «عبدالله بن بُريدة» من أبيه! ولا أحد يقول إن عبدالله لم يسمع من أبيه! ففي هذا بُعد واضح! لكن كم حجم الرواية التي سمعها من أبيه؟!

وعليه فوضع هؤلاء العلماء ضمن ما قرره الذين نظّروا من المتأخرين لا ينبغي!!!

وسنكشف في هذا البحث إن شاء الله عن وجهة نظر البخاري والتزامه بشرطه الذي خطّه لنفسه وغير ذلك من المسائل المهمة.

·       ترجمة مختصرة لسليمان وعبدالله ابني بُريدة:

إذا نظرت في ترجمة عَبْداللَّهِ بن بُرَيْدَةَ بنِ الحُصَيْب الأَسْلَمِيّ أبي سهل، وأخيه سليمان بن بريدة بن الحُصَيْب الأسلمي في كتب التراجم تجد أن أهل العلم يذكرون أنهما تَوْأَمين وُلِدَا فِي بَطْنٍ واحد!!

·       الرواية التي جاء فيها أن ابني بُريدة ولدا في بطن واحد منكرة! وراويها مجهول!!

وقيل ولدا بالمدينة في السنة الثالثة من خلافة عمر بن الخطاب سنة خمس عشرة.

روى ابن أبي خيثمة في «التاريخ الكبير» (2/984) (4237) عن الحَوْطِيّ عَبْدالوَهَّاب بن نَجْدَة.

وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (7/165) عن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيمَ بنِ كَثِيرٍ العَبْدِيّ.

وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (27/127) من طريق زكريا بن عدي والمنجاب بن الحارث الكوفيان.

أربعتهم عن يَحْيَى بن وَاضِحٍ أَبي تُمَيْلَةَ المروزي، قال: حَدَّثَنِي رُمَيْح بنُ هِلالٍ الطَّائِيّ قالَ: سَمِعْتُ عَبْداللَّهِ بنَ بُرَيْدَةَ يَقُولُ: وَلَدَتْ لِثَلاثَةِ أَيَّامٍ خَلَوْنَ مِنْ خِلاَفَة عُمَر بْنِ الْخَطَّاب، فَجَاءَ غُلامٌ لَنَا إِلَى أَبِي وَهُوَ عِنْدَ عُمَر، فَقَالَ: وُلِدَ لَكَ غلامٌ، فَقَالَ: أنت حر، قَالَ: وُلِدَ أَخِي سُلَيْمَان، وَكَانَا توأم، فَجَاءَ غلامٌ لَنَا آخَرُ فَقَالَ: قَدْ وُلِدَ لَكَ غُلامٌ، قَالَ: قَدْ سَبَقَكَ فُلانٌ، قَالَ: إِنَّهُ آخَرُ، فَقَالَ عُمَر: وَهَذَا - يَعْنِي أَعْتِقْهُ.

قَالَ: إِنْ كَانَ آخَرُ فَأَنْتَ حُرٌّ، قَالَ: فَلَمْ يَبْرَحْ أَبِي حَتَّى فَرَضَ لَنَا عُمَر مَا يَفْرِضُ لِلذُّرِّيَّةِ.

·       اعتراض الذهبي على ذكر ولادة ابني بريدة سنة (15) هجرية!

وقد ذكر هذا الذهبي في «تاريخ الإسلام» (3/256): "وعَنِ ابن بُرَيْدَةَ قَالَ: وُلدتُ أَنَا وأخي لثلاثٍ خَلَوْن مِنْ خلافة عُمَر".

ثم تعقبّه، فقال:" قلتُ: أراهُ وُلد بعد ذَلِكَ بمُدَيْدَة، فإنّ الفضل السّيناني رَوَى عَنْ حُسَين بن واقد، عَنْه قَالَ: جئتُ إلى أمّي فقلت: يا أُمّاه، قُتِل عثمان، فقالت: يا بُنَيّ اذهب فالعب مَعَ الغِلْمان".

قلت: أخرجه ابن عساكر في «تاريخه» (27/129).

والحسين بن واقد قاضي مرو قد سمع من عبدالله بن بريدة، وهو يروي المناكير عن عبدالله، وهذا في الأحاديث المرفوعة، ويخالف غيره في حديثه عن عبدالله، لكن هذه مما يقبل منه إذ أنها ليست بحديث مرفوع، وإنما قصة سمعها من عبدالله تخّصه، فهذا مما يقبل منه سيما وقد سمع منه.

وما ذكره الذهبي أرجح؛ لأن راوي القصة الأولى: رُميح بن هلال مجهول لا يُعرف!

قال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (3/522): سألت أبي عنه؟ فقال: "مجهول، لا يُعرف، لا أعلم روى عنه غير أبي تميلة".

وقال ابن حبان: "ينفرد عن المشاهير بالمناكير". [ميزان الاعتدال: 2/54].

والراوي عنه أبو تُميلة صدوق وكان يكتب عن كلّ ضرب!!

قال الأثرم في «سؤالاته لأحمد» (ص: 33): سمعت أبا عبدالله يُسأل عن أبي تميلة، يحيى بن واضح، كيف هو، ثقة؟ فقال: "ليس به بأس"، ثم قال: "أرجو إن شاء الله أن لا يكون به بأس". ثم قال: "كتبنا عنه على باب هشيم، ثم بقي بعد ذلك زمانا، وكان يختلف يكتب الحديث"، قيل له: كان يكتب عن كل ضرب؟ فقال: "نعم، كان يكتب عن كِلٍّ".

فإذا كان يوم مقتل عثمان سنة (35هـ) غلاماً يعني لم يبلغ الحُلم بعد، فتكون ولادته تقريباً نهاية خلافة عمر أو في بداية خلافة عثمان، يعني يكون عمره تقريباً (10) سنوات وولادته سنة (25هـ)، والله أعلم.

وبحسب هذه القصة التي رواها رُميح بن هلال فإن عبدالله ولد قبل سليمان. وقد اعتمد عليها أهل العلم في ذلك والترجمة لهما.

قال عباس بن محمد الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: "عبدالله بن بريدة وسليمان بن بريدة هما توأم ولد هذا قبل هذا بساعة".

وقال خليفة بن خياط: "عبدالله وسليمان ابنا بريدة بن حصيب بن أسلم هما توأم ولدا في خلافة عمر، وعبدالله أسنهما".

وقال أبو نصر الكُلاباذي: "عبد لله بن بريدة بن الحُصَيْب بن عبدالله بن الحارث بن الأعرج بن سعد بن رزاح بن عدي بن سهم بن مازن بن الحارث بن سلامان بن أسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر الأسلمي البصري، قاضي مرو، أخو سليمان وكانا توأمين، ولد عبدالله قبل سليمان".

وقال مُغلطاي: "وكان عبدالله ولد قبل سليمان، فكان سليمان يعرف له فضله بقدر ذلك".

وقيل إن سليمان ولد قبل عبدالله بساعة.

قال العجلي في «الثقات»: "سليمان بن بريدة: تابعي، ثقة، وهو أكبر من أخيه عبدالله".

وقد حدّث عبدالله عن: أبيه بريدة، وابن عمر، وأبي موسى الأشعري، وعبدالله بن عباس، وأبي هريرة، ومعاوية، والمغيرة بن شعبة، وسمرة بن جندب، وعائشة، وسعيد بن المسيب، ويحيى بن يَعمُر، وحميد بن عبدالرحمن الحميري. ووفد على معاوية مع أبيه.

روى عبدالله بن بريدة عن علي بن أبي طالب: «تزاوروا وتذاكروا» الحديث، وعن عمران بن حصين: حديث الناسور وحديث صلاة القاعد، وعن ابن عمر: «أنه طعم عند الحجاج»، وعن عبدالله بن مُغفل عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يغلبنكم الأعراب»، وحديث: «بين كل أذانين صلاة»، وعن سمرة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على امرأة»، وعن أبي موسى في الدعاء، وعن حويطب بن عبد العزى: «رفقة فيها جرس»، وعن ابن عباس: «أن رجلاً شتمه»، وعن أبي برزة حديث الحوض، وعن شداد بن أوس حديث الخاتم، وعن المغيرة بن شعبة حديث المسح على الخفين.

وحدّث سليمان عن: أَبِيهِ بريدة الأَسلميّ، وعِمْران بن حصين، ويحيى بن يعُمَر، وعائشة أم المؤمنين.

وقال خليفة بن خياط في الطبقة الثالثة من تابعي أهل البصرة: "عبدالله بن بريدة بن حصيب الأسلمي يكنى أبا سهل".

وكان عبدالله بن بريدة قاضي مرو أربعاً وعشرين سنة، وكان يأخذ الرزق على القضاء كان يزيد بن المهلب استقضاه، فلم يزل قاضياً حتى كان في ولاية أسد بن عبدالله.

قال الذهبي في «تذكرة الحفاظ»: "عبدالله بن بريدة بن الحُصَيْب الحافظ أبو سهل الأسلمي المروزي قاضي مرو وعالم خراسان... وهو متفق على الاحتجاج به، وقد عاش مائة سنة، توفي خمس عشرة ومائة، وقد نشر علماً كثيراً".

وقال في «السير»: "عَبْدُاللهِ بنُ بُرَيْدَةَ بنِ الحُصَيْب الحَافِظُ، الإِمَامُ، شَيْخُ مَرْو وَقَاضِيْهَا، أَبُو سَهْلٍ الأَسْلَمِيُّ، المَرْوَزِيُّ، أَخُو سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ، وَكَانَا تَوْأَمَيْنِ، وُلِدَا سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ. حَدَّثَ عَنْ: أَبِيْهِ فَأَكْثَرَ... وَكَانَ مِنْ أَوْعِيَةِ العِلْمِ".

وكان موت عبدالله بن بريدة بـ «جَاوَرْسَة» قرية من قرى مرو، ومات سليمان بن بريدة بـ «فَنِين» - بالفتح ثم الكسر، وياء مثناة من تحت ساكنة، ونون، وأهلها يقولون فني، بغير نون- من قرى مرو وقبره بها، وكان بين موته وموت أخيه عبدالله بن بريدة عشر سنين، مات سليمان قبله بعشر سنين سنة (105هـ).

قال ابن حبان في «صحيحه» (6/259): "لما وقعت فتنة عثمان بالمدينة خرج بريدة عنها بابنيه، وسكن البصرة، وبها إذ ذاك عمران بن حصين، وسمرة بن جندب، فسمع - أي عبدالله بن بريدة- منهما، ومات عمران سنة اثنتين وخمسين في ولاية معاوية، ثم خرج بريدة منها بابنيه إلى سجستان، فأقام بها غازياً مدة، ثم خرج منها إلى مرو على طريق هراة، فلما دخلها قطنها، ومات سليمان بن بريدة بمرو وهو على القضاء بها سنة خمس ومائة".

·       وهم للإمام مسلم!

ولما ذكره مسلم وأخاه في الطبقة الثانية من أهل البصرة قال: "مات هو وأخوه في يوم واحد بمرو، وولدا في يوم واحد".

فتعقبّه ابنُ حِبَّانَ فقال: "وُلِدَ ابنَا بُرَيْدَةَ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ خِلاَفَةِ عُمَرَ، سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَمَاتَ سُلَيْمَانُ بنُ بُرَيْدَةَ بِمَرْوَ، وَهُوَ عَلَى القَضَاءِ بِهَا، سَنَةَ خَمْسٍ وَمائَةٍ، وَوَلِيَ أَخُوْهُ بَعْدَهُ القَضَاءَ بِهَا، فَكَانَ عَلَى القَضَاءِ إِلَى أَنْ مَاتَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَمائَةٍ، فَيَكُوْنُ عُمُرُ عَبْدِاللهِ مائَةَ عَامٍ، وَأَخْطَأَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُمَا مَاتَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ".

وأكثر الذين يذكرون حديث عبدالله عن أبيه من أهل خراسان.

وأما سليمان فأكثرهم رواية عنه: علقمة بن مرثد.

ومن أولاد عبدالله بن بريدة: سهل بن عبدالله بن بريدة، وله رواية عن أبيه، وقيل إنه هرب من أبي مسلم أيام خروجه، وإنما كان هربه؛ لأن لاهز بن قريظ سأل أبا مسلم أن يمكنه من سهل فيقتله فلذلك هرب.

وروى عن سهل: أخوه أوس، وأوس لم يدرك أباه، وكان أكثر روايته عن أخيه سهل، ومات أوس بعد خروج المأمون من مرو سنة إحدى أو اثنتين ومائتين، وروى عنه: الحسين بن حريث، وأبو بريدة محمد بن الحُصَيْب، وأبو صالح سليمان بن صالح، وإسحاق بن إبراهيم، وجماعة، وأكثرهم رواية الحسين بن حريث.

وصخر بن عبدالله لم يرو عن أبيه شيئاً، ومن أولاد صخر: حماد بن صخر بن عبدالله بن بريدة، وكان من أهل الدعوة، وبشر بن صخر بن عبدالله بن بريدة، وذكر أن بشراً ولي قتل لاهز بن قريظ، وذلك أن أبا مسلم لما غضب على لاهز سأل بشر أن يوليه قتله ففعل فأمكنه قتله.

وجميل بن عبدالله بن بريدة، وكان أولاد عبدالله أربعة: سهل، وأوس، وصخر، وجميل، ولهم عقب بمرو بقرية تدعى «فَنِين»: حاتم بن سهل بن عبدالله، ومحمد بن سهل بن أوس بن عبدالله بن بريدة، وبـ «جاورسة»: سهيل بن حاتم بن سهل بن عبدالله بن بريدة، والنضر بن أوس بن عبدالله.

وكان لسليمان من الولد: قيس وحمزة. ومن ولد حمزة: حصيب بن حمزة. ومن ولد حصيب: محمد بن الحُصَيْب، وهو أبو بريدة، وكان يُحدّث عن أوس، وعن الفضل بن موسى، ومحمد بن شجاع. [مستفاد من تاريخ ابن أبي خيثمة، وتاريخ دمشق].

·       كلام أهل العلم في عبدالله وسليمان:

·       ترجيح سليمان على أخيه عبدالله!

قال عبدالله بن أحمد في «العلل» (1/409): سَأَلت أبي: أَيّمَا أوثق سُلَيْمَان بن بُرَيْدَة أَو عبدالله؟ قالَ: "سُلَيْمَان أوثق وَأفضل".

قَالَ أبي: قَالَ وَكِيع: "يرَوْنَ أَن سُلَيْمَان أصَحهمَا حَدِيثا - يَعْنِي ابْني بُرَيْدَة".

وقال إسماعيل بن أبي الحارث: حدثنا أحمد - يعني ابن حنبل-، عن وكيع قال: "يقولون: إن سليمان، يعني ابن بريدة كان أصح حديثاً وأوثق من عبدالله بن بريدة". [الجرح والتعديل: 4/102].

وقال عبدالله بن أحمد: قال أبي: "عبدالله بن بُرَيْدَة الَّذِي روى عَنهُ حُسَيْن بن وَاقد مَا أنكرها! وَأَبُو المُنِيب أَيْضاً، يَقُولُونَ: كَأَنَّهَا من قبل هَؤُلَاءِ".

قلت: يعني أن هذه المناكير التي تُروى عن عبدالله بن بريدة من حسين بن واقد وأبي المنيب.

وقال أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ هَانِئٍ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِاللَّهِ: ابْنَا بُرَيْدَةَ: سُلَيْمَانُ وَعَبْدُاللَّهِ؟ قالَ: "أَمَّا سُلَيْمَانُ فَلَيْسَ فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْءٌ، وأَمَّا عَبْدُاللَّهِ، ثُمَّ سَكَتَ، ثُمَّ قال: كَانَ وَكِيعٌ يَقُولُ: كَانُوا لِسُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ أَحْمَدَ مِنْهُمْ لِعَبْدِاللَّهِ بنِ بُرَيْدَةَ، أَوْ شَيْئًا هذا مَعْنَاهُ".

·       رأي أحمد في سماع سليمان وعبدالله من أبيهما:

وزاد ابن عساكر في رواية: قلت لأبي عبدالله: سمعا من أبيهما؟ قال: "ما رأيت أحداً يشك في هذا أنهما سمعا" [تاريخ دمشق: 27/134].

وقال سلمة بن شبيب، عن أحمد بن حنبل قال: حدثنا وكيع قال: "يقولون: إن سليمان كان أصحهما حديثاً، وأوثقهما - يعني ابني بريدة". [المعرفة والتاريخ: 3/29].

وقال المَيْمُونِيّ: سَأَلته - يعني أحمد- عَن إبني بُرَيْدَة؟ فقالَ: "سُلَيْمَان أحلى فِي القلب، وَكَأَنَّهُ أصَحهمَا حَدِيثاً، وعبدالله لَهُ أَشْيَاء إِنَّا ننكرها من حسنها، وهُوَ جَائِز الحَدِيث" [العلل - رواية المروذي وغيره: ص: 199].

قلت: هذا هو سبب تقديم أحمد لسليمان على أخيه عبدالله، لكن هذه الأحاديث الحسنة = الغريبة المنكرة إنما البلاء فيها من الرواة عنه كحسين بن واقد وأبي المنيب، وهذا ما صرّح به أحمد نفسه.

وقال أبو طالب: قال أحمد بن حنبل: "سليمان بن بريدة أوثق من عبدالله بن بريدة". [الجرح والتعديل: 4/102].

·       توقف أحمد في سماع عبدالله من أبيه وميله إلى أنه لم يسمع منه!

وقال حنبل بن إسحاق: سألت أبا عبدالله أحمد بن حنبل عن عبدالله بن بريدة وسليمان؟ فقال: "قال وكيع: كانوا يقدمون سليمان بن بريدة على عبدالله"، قلت لأبي عبدالله: فسمع عبدالله من أبيه شيئاً؟ قال: "لا أدري" [تاريخ دمشق: 27/133].

وقال محمد بن علي الجوزجاني: قلت لأبي عبدالله - يعني أحمد بن حنبل- سمع عبدالله من أبيه شيئاً؟ قال: ما أدري! عامة ما يُروى عن بريدة عنه، وضعّف حديثه" [تهذيب التهذيب: 5/158].

·       رد الجوزجاني على أحمد في توقفه في سماع عبدالله بن بريدة من أبيه!

قال الجوزجاني: "ورأيت سليمان أخوه عنده أكثر منه، لا أدري ما معنى قول أحمد هذا! فإن عبدالله بن بريدة ولد في خلافة عمر بن الخطاب وبقي أبوه بريدة إلى أيام يزيد بن معاوية، فكيف لم يسمع منه! على أن أحمد قد روى له حديثاً أنه وفد مع أبيه على معاوية، فكيف خفي سماعه منه!".

قلت: وفوده مع أبيه على معاوية لا يعني أنه كان كبيراً، فقد يفد الصغير مع والده أيضاً. والجوزجاني وغيره من أهل العلم إنما بنوا اعتراضاتهم على ما جاء في قصة رُميح أن عبدالله وسليمان ولدا في خلافة عمر سنة (15هـ)! وقد بينت وهاء تلك القصة.

على أني لا أرى المفاضلة بينهما رحمهما الله، فكلاهما ثقة، إلا أن المشكلة في الرواة عنهما، فالأشياء المنكرة ليست من عبدالله وإنما من الرواة عنه!

والرواية عن أحمد فيهما فيه اختلاف!! فنُقل أنه قدّم سليمان على عبدالله! لكن قال عبدالله: قال أبي: "عبدالله بن بريدة ثقة هو وأخوه سليمان هما ثقتان، ولدا في بطن واحد".

وأكثر ما في الخلاف حولهما إنما هو في سماعهما من أبيهما!! فهناك أقوال للإمام أحمد يثبت فيها سماع سليمان من أبيه، وينفيه عن عبدالله! ولهذا ضعّف حديثه!! ورد عليه الجوزجاني واستغرب كيف خفي عليه سماعه من أبيه!

لكن في رواية عن ابن هانئ أنه لا يشك أحد في أنه سمع من أبيه - كما تقدم-، فأثبت سماعه من أبيه ولا يشك أحد في ذلك.

والذي أراه أن أحمد إنما ضعف هذه الأحاديث ليس من قبل عبدالله، وإنما من الرواة عنه كما هو صريح كلامه المتقدم.

وبسبب ما ذكر أحمد عن وكيع، وقول أحمد في عبدالله بن بريدة ذكره العقيلي في «الضعفاء» (2/238) (790) ولم يزد على ذكره لقول ابن هانئ عن أحمد، وقول أحمد عن وكيع، وإشارته أن النكارة في حديثه من قِبل حسين بن واقد وأبي المنيب.

وقد تأثر ابن عساكر بهذه الأقوال، فقال: "وقد أحسن سليمان الرواية عن أبيه، ويُقال: إنه أثبت من أخيه فيما روي عنه"!!

·       نفي الحافظ إبراهيم الحربي سماع عبدالله وسليمان من أبيهما!

وقال إبراهيم الحربي (ت285هـ): "عبدالله أتم من سليمان، ولم يسمعا من أبيهما، وفيما روى عبدالله عن أبيه أحاديث منكرة، وسليمان أصح حديثاً" [تهذيب التهذيب: 5/158].

·       تعقّب ابن حجر للحاكم في دعواه أن أثبت أسانيد الخراسانيين: الحسين بن واقد عن عبدالله بن بريدة عن أبيه!

قال الحاكم في «معرفة علوم الحديث» (ص: 56): "وأَثْبَتُ أَسَانِيدِ الخُرَاسَانِيِّينَ: الحُسَيْنُ بنُ وَاقِدٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ. ولَعَلَّ قَائِلًا يَقُولُ: إِنَّ هَذَا الْإِسْنَادَ لَمْ يُخَرَّجْ مِنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ إِلَّا حَدِيثَانِ، فَيُقَالُ لَهُ: وَجَدْنَا لِلْخُرَاسَانِيِّينَ أَصَحَّ مِنْ هَذَا الْإِسْنَادِ، فَكُلُّهُمْ ثِقَاتٌ وَخُرَاسَانِيُّونَ، وبُرَيْدَةُ بْنُ حُصَيْبٍ مَدْفُونٌ بِمَرْوَ".

فتعقبه الحافظ ابن حجر في «تهذيب التهذيب» (5/158) فقال بعد أن ساق نفي من نفى سماع عبدالله من أبيه: "ويتعجب من الحاكم مع هذا القول في ابن بريدة، كيف يزعم أن سند حديثه من رواية حسين بن واقد عنه عن أبيه أصح الأسانيد لأهل مرو!".

قلت: أخطأ الحاكم في هذا! فحسين بن واقد ينفرد عن ابن بريدة عن أبيه بمناكير!! ولا يُحتج بما انفرد به! فكيف يكون إسناده هذا من أثبت أسانيد الخراسانيين؟!!

·       قراءة في ترجمة البخاري وغيره لعبدالله وسليمان ابني بريدة:

قال البخاري في «التاريخ الكبير» (5/51): "عَبْداللَّه بن بريدة بن حصيب الأسلمي، قاضي مرو: عَنْ أَبِيه، سَمِعَ سمرة، ومن عمران بن الحصين.

قال أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُاللَّهِ بنُ عَمْرٍو: حَدَّثَنَا عَبْدالوَارِثِ، عَنِ الحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بنُ بُرَيْدَةَ: قال حَدَّثَنِي عَبْدُاللَّهِ المزني - رضي الله عَنْهُ - أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «لا يَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلاةِ المغرب، قال: وتقول الأعراب هي العشاء»".

ونقل ابن عساكر عن تاريخ البخاري: "عن أبيه، وسمع سَمُرة وعمران بن حصين".

وأشار المعلمي أنه في نسخة من كتاب البخاري: "سمع سمرة وعمران بن حصين"، وقال: "وهو الصواب".

قلت: لم يُثبت البخاري سماع عبدالله بن بُريدة من أبيه! وأثبت سماعه من سَمُرة ومن عمران بن حصين.

قال مغلطاي في «إكمال تهذيب الكمال» (7/257): "وقال البخاري في التاريخ: عبدالله بن بريدة عن أبيه وسمع سمرة وعمران انتهى. فيه إشعار بل جزم بأنه لم يسمع منه".

·       رواية تدلّ على سماع عبدالله بن بريدة من أبيه!

وقد رُويت قصة عن عبدالله بن بريدة ساق فيها حديثاً عن أبيه حدّثه به مما يدلّ على أنه سمع منه.

وهي: أنّ قُتَيْبَةَ بنَ مُسْلِمٍ أَرَادَ أَنْ يُوَلِّيَ عَلَى مَرْوَ، فَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِعَبْدِاللَّهِ بنِ بُرَيْدَةَ، فَسَأَلَهُ فَأَبَى، وقَالَ: لا أَقْعُدُ عَلَى القَضَاءِ بَعْدَ حَدِيثٍ حَدَّثَنِيهِ أَبِي، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «القُضَاةُ ثَلاثَةٌ قَاضِيَانِ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ فِي الجَنَّةِ، قَاضٍ قَضَى بِغَيْرِ حَقٍّ، وَهُوَ يَعْلَمُ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ قَضَى بِغَيْرِ الحَقِّ، وَهُوَ لا يَعْلَمُ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ قَضَى بِالحَقِّ فَهُوَ فِي الجَنَّةِ».

وذكرها مغلطاي في «إكماله» (7/257) في ترجمة «عبدالله بن بريدة» ثم قال: "وهو يخدش فيما تقدم من ولايته القضاء، فثبت سماعه من أبيه".

قلت: هذه القصة رويت بعدة أسانيد وكلها ضعيفة منكرة!

فرواها وكيع في «أخبار القضاة» (ص: 15) من طريق جُبارة بن المغلس الحماني الكوفي.

وابن عبدالبر في «جامع بيان العلم وفضله» (2/879) (1658) من طريق يُوسُف بن عَدِيٍّ الكوفي.

كلاهما عن عَبْداللهِ بن بُكيرٍ الغَنَوِيّ، قال: حَدَّثَنِي حكيم بن جبير، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُاللهِ بن بريدة قال: أراد يزيد بن المهلب أن يستعملني على قضاء خراسان؛ فألح علي فقلت: لا والله؛ قد حَدَّثَنِي أبي عَنْ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في: «القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة؛ قاض علم فقضى به فهو من أهل الجنة، وقاض علم الحق فجار متعمداً فهو من أهل النار، وقاض قضى بغير علم واستحيا أن يقول: لا أعلم فهو من أهل النار».

قلت: هذا إسناد مسلسل بالضعفاء!!

عبدالله بن بكير الغنوي الكوفي ليس بالقوي وعنده مناكير!

وحكيم بن جبير الأسدي الكوفي متروك! وهو متّهم بالكذب!

وروى الحاكم الحديث في «المستدرك» دون القصة (4/101) (7012) من طريق شِهَاب بن عَبَّادٍ، عن عَبْداللَّهِ بن بُكَيْرٍ، عَنْ حَكِيمِ بنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قال: «القُضَاةُ ثَلَاثَةٌ...».

ثم قال: "هذا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وَلَهُ شَاهِدٌ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ".

وتعقبه الذهبي بقوله: "ابن بكير الغنوي منكر الحديث".

ورُويت القصة من طريق آخر:

رواها أبو نُعيم الأصبهاني في «المنتخب من حديث يونس بن عبيد» (89) قال: حدثنا أَبُو أَحْمَدَ الغِطْرِيفِيُّ، قال: أخبرنا مُحَمَّدُ بنُ نُوحٍ الجُنْدَيْسَابُورِيُّ، قال: أخبرنا حَفْصُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عِيسَى أَبُو يَحْيَى العَسْكَرِيُّ النَّاقِدُ، قال: حدثنا شُعَيْبُ بنُ وَاقِدٍ المريُّ - بِالعَسْكَرِ -، قال: حدثنا خَاقَانُ بنُ عَبْدِاللَّهِ بنِ الأَهْتَمِ، عَنْ يُونُسَ بنِ عُبَيْدٍ، قالَ: أَرَادَ قُتَيْبَةَ بْنَ مُسْلِمٍ أَنْ يُوَلِّيَ عَلَى مَرْوَ، فَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِعَبْدِاللَّهِ بنِ بُرَيْدَةَ، فَسَأَلَهُ فَأَبَى، وقال: لا أَقْعُدُ عَلَى القَضَاءِ بَعْدَ حَدِيثٍ حَدَّثَنِيهِ أَبِي، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «القُضَاةُ ثَلاثَةٌ قَاضِيَانِ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ فِي الجَنَّةِ، قَاضٍ قَضَى بِغَيْرِ حَقٍّ، وَهُوَ يَعْلَمُ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ قَضَى بِغَيْرِ الحَقِّ، وَهُوَ لا يَعْلَمُ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ قَضَى بِالحَقِّ فَهُوَ فِي الجَنَّةِ».

ورواها ابن طولون في «الأحاديث المائة المشتملة على مائة نسبة إلى الصنائع» (ص: 82) (92) من طريق شيخ الإسلام أَبي العَبَّاسِ بن تَيْمِيَةَ، قال: أَخبرنا أَبُو الخَيْرِ بنُ أَبِي سَلامَةَ الحَدَّادُ، قال: أَخبرنا ابنُ أَبِي الرَّجَاءِ، قال: أَخبرنا أَبُو عَلِيٍّ الحداد، قال: أَخبرنا أَبُو نُعيمٍ الأَصْبَهَانِيُّ، به.

ورواها ابن عساكر في «تاريخه» (27/136) عن أبي القاسم ابن السمرقندي، عن أبي الحسين ابن النقور، عن عيسى بن علي الوزير، عن أبي الحسن محمد بن نوح الجنديسابوري، به.

·       تصحيف وتحريف وسقط في مطبوع ابن عساكر!

قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً!

شعيب بن واقد المري هو: البصري أبو مدين، وهو ضعيف!

ذكره ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (4/352) وقال بأن أباه سمع منه، وقال: سمعت أبي يقول: "ضرب أبو حفص الصيرفي على حديث هذا الشيخ حيث رآه في كتابي".

وأبو حفص الصيرفي هذا هو الفلّاس.

وقال الذهبي في «ديوان الضعفاء» (ص: 188): "واهٍ، ضرب الفلاس على حديثه".

وخاقان بن عبدالله ضعيف أيضاً.

قال الدارقطني في «العلل» (7/164): "خاقان ليس بالقوي".

وقال الذهبي في «ميزان الاعتدال» (1/627): "ضعفه أبو داود. ولا أعرفه".

ورُويت القصة بإسناد ثالث:

رواها ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (27/137) من طريق أبي عبدالله محمد بن عبدالله الحافظ الحاكم النيسابوري، قال: حدثنا أَبُو أَحْمَدَ عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدِ الحَبِيْبِيُّ - بمرو -، قال: حدثنا إبراهيم بن هلال البُوْزَنْجِرْدِيّ، قال: أخبرنا علي بن الحسن بن شقيق، قال: سمعت أبا حمزة السكري يقول: "استشار قتيبة بن مسلم أهل مرو في رجل يجعله على القضاء فأشاروا عليه بعبدالله بن بريدة، فدعاه، وقال له: إني قد جعلتك على القضاء بخراسان! فقال ابن بريدة: ما كنت لأجلس على قضاء بعد حديث سمعته من أبي بريدة، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «القضاة ثلاثة: فاثنان في النار وواحد في الجنة، فأما الإثنان فقاض قضى بغير الحق وهو يعلم فهو في النار، وقاض قضى بغير الحق وهو لا يعلم فهو في النار، وأما الواحد الذي هو في الجنة فقاض قضى بالحق فهو في الجنة»".

قال الحاكم: "هذا حديث تفرد به الخراسانيون، فإنّ رواته عن آخرهم مراوزة".

قلت: هذا إسناد باطل!!

أَبُو أَحْمَدَ عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ حَبِيْبٍ الحَبِيْبِيُّ، المَرْوَزِيُّ (ت 351هـ) كان يكذب!

قال الحَاكِمُ: "يكذبُ مِثْلَ السّكرِ، الحَسْنَوِيُّ أَحسنُ حَالاً مِنْهُ".

وقال الخليلي: سألت الحاكم عنه؟ فقال: "هو أشهر في اللين من أن تسألني عنه".

وقال الدارقطني في «المؤتلف»: "علي بن محمد الحبيبي، وابن عمه عبدالرحمن بن محمد الحبيبي يُحدّثان بنسخ وأحاديث مناكير".

وتعقبه الخطيب بأن عبدالرحمن عمّ عليّ لا ابن عمه، وأن غُنجارا ذكره في تاريخ بخارى وأرخ وفاته كما نقل السمعاني. [لسان الميزان: (6/22)].

وأَبُو حَمْزَة السكرِي هو: مُحَمَّد بن مَيْمُون المروزِي (168هـ) لم يدرك زمن هذه القصة!!

ولو كانت صحيحة وحدّث بها علي بن الحسن بن شقيق لوجدناها عند أحمد والبخاري وأبي خيثمة وابن أبي شيبة وعباس الدوري ممن رووا عنه، ويحرصون على مثل هذه الفوائد.

وجاء في بعض طرق القصة أن الذي طلب عبدالله للقضاء هو: قتيبة بن مسلم (ت 96هـ).

وفي بعضها: يَزِيْدُ بنُ المُهَلَّبِ بنِ أَبِي صُفْرَةَ (ت 102هـ)، وكان والياً على خُرَاسَانَ بعد أبيه المهلب (ت82هـ)، ثم عزل عَنْ خُرَاسَانَ سنة (85هـ)، وَوُلِّيَ أَخُوهُ المُفَضَّلُ يَسِيرًا، ثُمَّ عُزِلَ، ووُلِّيَ قُتَيْبَةُ بنُ مُسْلِمٍ خراسان إلى أن توفي سنة (96هـ)، فبقي والياً لخراسان عشر سنين، ثم رجع وولي خراسان يزيد بن المهلب إلى أن تم عزله سنة (99 هـ).

وبحسب القصة فإن عبدالله بن بريدة رفض تولي القضاء بسبب الحديث الذي سمعه من أبيه! لكنه تولى قضاء مرو بعد وفاة أخيه سُلَيْمَان الذي كان على القضاء بها حتى توفي سَنَةَ خَمْسٍ ومائَةٍ، وبقي عبدالله عَلَى القَضَاءِ إِلى أَنْ مَاتَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَمائَةٍ - كما ذكر أهل العلم -.

فالقصة بهذا الاعتبار فيها نكارة! إذ كيف يرفض القضاء بسبب حديث مرفوع سمعه من أبيه ثم يخالف ما سمع!

لكن قد يقول قائل: عبدالله بن بريدة قد تولى القضاء بعد وفاة قتيبة بن مسلم ويزيد بن المهلب، فقد يكون غيّر رأيه؟!!

أقول: كان على قضاء مرو في حياتهما بحسب كلام أهل العلم سليمان بن بريدة الذي ولي عبدالله القضاء بعده، فكيف يترك أخاه يستلم القضاء ولم يخبره بهذا الحديث!!

ثم كيف يخالف ما سمعه من أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستلم القضاء!!

على أنه رُوي ما يناهض هذه القصة تماماً.

روى ابن عساكر في «تاريخه» (27/137) من طريق الحاكم النيسابوري أبي عبدالله، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبدالله بن الجراح - بمرو -، قال: أخبرنا أبو رجاء محمد بن حَمدويه، قال: حدثنا أبو عمّار، قال: حدثني أوس بن عبدالله بن بريدة قال: "كان عبدالله بن بريدة قاضي مرو أربعاً وعشرين سنة، وكان يأخذ الرزق على القضاء، كان يزيد بن المهلب استقضاه، فلم يزل قاضياً حتى كان في ولاية أسد بن عبدالله".

قلت لأوس: من حدثك بهذا الحديث؟ قال: "سهل أخي، والوالدة، وأهل بيتي".

قلت: السائل هو أبو عمّار.

وهذه القصة مقبولة ورواتها أئمة حفاظ، والكلام في أوس في حديثه المرفوع لا في مثل هذه الروايات.

وشيخ الحاكم: محمَّد بن عبدالله بن الجراح، أبو بكر، الجراحي، المَرْوَزِي، الحافظ المعدل.

وأَبُو رَجَاءَ: الإِمَامُ المُحَدِّثُ مُحَمَّدُ بنُ حَمْدُوَيْه بنِ مُوْسَى بنِ طَرِيْفٍ السِّنْجِيّ المَرْوَزِيُّ الهُوْرْقَانِي، مؤرخ مرو صاحب كتاب «تاريخ المراوزة».

وأبو عمّار هو: الحافظ الثقة الحسين بن حُريث المروزي (ت 244هـ)

وأوس بن عَبْداللَّه بن بُريدة بن الحُصَيْب الأسلميُّ المَرْوَزِيّ. لم يدرك أَبَاهُ، لعلّه مات وأوس حَمْل. وعُمَر دهراً، ورَوَى عَنْ: أخيه سهل، والحسين بن واقد.

وقال الحسين بن حريث: "كأنه مات سنة اثنتين ومائتين، تُوُفّي بعد خروج المأمون من مَرْو".

وذكره الذهبي في «تاريخه» (4/1076) في طبقة من مات بين سنة (191 - 200 هـ)، ثم ذكره مرة ثانية (5/37) في الطبقة التي تليها فيمن مات بين سنة (201 - 210هـ).

قَالَ أبو حاتم: "سألنا المَرَاوِزة عَنْهُ فعرفوه، وقالوا: تَقَادَمَ موتُه".

وقال البخاري: "سكن مرو، فيه نظر".

وقال الدارقطني: "متروك".

وذكره ابن حبان في «الثقات» (8/135) وقال: "يروي عَن أَخِيه سهل بن عبدالله عَن عبدالله بن بُرَيْدَة. روى عَنهُ أَبُو عمار الحُسَيْن بن حريث، كَانَ مِمَّن يخطىء، فَأَما الْمَنَاكِير فِي رِوَايَته فَإِنَّهَا من قبل أَخِيه سهل لا مِنْهُ".

وذكر «سهل» في «المجروحين» (1/348) وقال: "مُنكر الحَدِيث يَرْوِي عَن أَبِيهِ مَا لا أصل لَهُ لَا يَجُوز أَن يشْتَغل بحَدِيثه".

قلت: هذه الرواية ليست مما يُنكر، وإنما هي معروفة عند آل بيت بريدة، فحدثه بها أخوه سهل ووالدته وأهل بيته.

والذي لا يقبل من أوس وسهل ما يرويانه مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه الروايات منكرة!

وهذه الرواية تدل على أن يزيد بن المهلب طلب من أن يكون قاضياً فقبل، وبقي قاضيا على مرو (24) عاماَ.

فإن كان يزيد بن المهلب هو من استقضاه فيكون فعل ذلك في ولايته على خراسان قبل سنة (85هـ)، فيكون عبدالله بقي على قضاء مرو أكثر من (24) سنة إذا كان توفي سنة (115هـ)، ويُحتمل أنه استقضاه في ولايته الثانية لخراسان سنة (96هـ)؛ لأن قتيبة بن مسلم كان قد استقضى يحيى بن يعمر على مرو أيام ولايته عليها، والله أعلم.

وعليه تكون مدة بقاء عبدالله بن بريدة في قضاء مرو تقريباً (20) سنة، بالإضافة إلى (3) سنوات في مدة ولاية يزيد بن المهلب الأولى على خراسان، فمجموعها تقريباً كما ذكر أوس بن عبدالله بن بريدة.

وهذا ينقض قول أهل العلم أن أخاه سليمان كان قاضياً على مرو قبله!!! لأنهم قالوا بأن سليمان توفي سنة (105هـ) وكان حينها على قضاء مرو، واستلم بعده أخوه عبدالله! يعني عبدالله بقي في القضاء مدة (10) سنوات! وهذا خلاف ما يرويه أهل بيته كما قال أوس بن عبدالله بن بريدة!

فالظاهر أن عبدالله بن بريدة كان قاضياً بمرو منذ ولاية يزيد بن المهلب على خراسان، وعزل عن القضاء في ولاية قتيبة بن مسلم وكان قاضيه يحيى بن يعمر، ثم رجع للقضاء لما ولي يزيد بن المهلب خراسان مرة أخرى، وبقي على القضاء عندما ولي خراسان أَسَد بن عَبْدِاللَّهِ القَسْرِيّ سنة (106هـ)، وكان أخوه خالدٌ الْقَسْرِيُّ اسْتَعْمَلَه عَلَى إِقْلِيمِ خُرَاسَانَ نِيَابَةً عَنْهُ، وبقي واليها حتى توفي سنة (120هـ).

وروى ابن عساكر في «تاريخه» (27/137) من طريق أبي زُرعة الدمشقيّ، قال: أخبرني أحمد بن شَبُّويَه بقضاة مرو، قال: "كان من قضاة مرو: عبدالله بن بريدة (ت115هـ)، ويحيي بن يَعْمُر، وأبو مُنَازِل ابن أخت شُريح، وأبو عثمان الأنصاري صاحب حديث القاسم عن عائشة في المسكر واسمه فلان بن سعد (!) - قال لي أحمد: ذهب عني اسمه -، ويعقوب بن القعقاع، ومحمد بن ثابت من ولد عمرو بن أخطب".

قلت: كأن ابن شَبّويه - وهو: أبو الحسن المروزي (ت230هـ) - رتب قضاة مرو بحسب الأقدمية في ذلك.

فبدأ بعبدالله بن بريدة (ت115هـ)، ثم يحيى بن يَعمر (ت تقريباً سنة 100هـ)، وكان قاضياً لقتيبة بن مسلم أثناء ولايته خراسان.

ثم ذكر عُثْمَان بن عبيداللَّه أَبا المُنَازل ابن أخي شُرَيْح القاضي، ويقال: ابن أخته، وكانَ على قَضَاء خُرَاسَان، وروى عن شُريح الذي مات سنة (80هـ).

ثم ذكر أبا عثمان الأنصاري، واسمه عُمَر بن سالم، وقيل: عمرو، قاضي مرو خراساني، وكان من أصحاب القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق الذي مات سنة (106هـ).

ثم ذكر يعقوب بن القعقاع، وكان من أهل مرو، وكان قاضياً بها أَيَّامَ أَبِي مُسْلِمٍ الخراساني (ت 137هـ) ثُمَّ عَزَلَهُ، وكان من أصحاب عطاء بن أبي رباح الذي مات سنة (114هـ)، ووفاة يعقوب ما بين سنة (141 - 150هـ).

ثم ذكر مُحَمَّد بن ثابت بن عَمْرو بن أخطب أَبا النضر الْأَنْصَارِيّ قاضي مرو (ت 147هـ)، وهو أخو عزرة وعلي ابني ثابت، بصري سكن مرو.

ولم يذكر ابن شبوية في قضاة مرو: سليمان بن بريدة!!!.

وهذا يشكك فيما نقله أهل العلم من أن سليمان بن بريدة ولي قضاء مرو قبل أخيه، وتوفي قبله بعشر سنين!! والله أعلم.

·       حديث: «القضاة ثلاثة»:

وحديث: «القضاة ثلاثة» يُروى عن عبدالله بن بريدة عن أبيه دون ذكر القصة!

رُوي عن سعد بن عبيدة الكوفي، وأبي هاشم الرُّمَّاني، وأبي إسحاق السبيعي، وعمارة بن عمير التيمي الكوفي، ويونس بن خباب الكوفي، والحكم بن عُتيبة.

كلهم عن عبدالله بن بريدة عن أبيه.

·       رواية سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ عن عبدالله بن بُريدة:

أما حديث سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ:

فرواه الترمذي في «جامعه» (3/6) (1322)، والروياني في «مسنده» (1/94) (66)، وابن الأعرابي في «معجمه» (1/193) (336)، ومحمد بن خلف وكيع في «أخبار القضاة» (1/13)، والطبراني في «المعجم الكبير» (2/20) (1154)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (10/199) (20355)، وفي «شعب الإيمان» (10/34) (7125)، كلهم من طريق الحَسَن بن بِشْرٍ البَجَلِيّ.

والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (1/43) (54)، وابن عدي في «الكامل» (3/406)، من طريق حَاتِم بن إسْمَاعِيلَ المدني.

وابن عدي في «الكامل» (3/406)، من طريق جُبارة بن مغلس.

ووكيع في «أخبار القضاة» (1/13) من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهريّ.

والحاكم في «المستدرك» (4/102) (7013) من طريق أَبي غَسَّانَ مالك بن إسماعيل النهديّ، وعَلِيّ بن حَكِيمٍ الأوديّ.

كلهم (الحسن بن بشر، وحاتم، وجبارة، ويعقوب، والنهدي، والأودي) عَنْ شَرِيك بن عبدالله القاضي، عَنِ الأَعْمَش، عَنْ سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ، عنِ ابنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وسَلَّم قَال: القُضَاةُ ثلاثة فذكره.

وهذا الحديث معروف من طريق شَريك بن عبدالله النخعي، تفرد به عن الأعمش!!! ولم يُتابع عليه، وهو ضعيف، لا يُحتج بما انفرد به، وخاصة إذا كان عن راو مشهور كالأعمش ممن تدور عليه الأسانيد!

وقد أورده ابن عدي في منكرات شريك في ترجمته من «الكامل» (5/25).

·       رواية فيها متابعة لشَريك!

ورواه البزار في «مسنده» (10/337) (4468) عن أَحْمَد بن عُثمَان بن حكيم الأودي.

وابن سمعون الواعظ في «أماليه» (ص: 178) (155) من طريق أَحْمَد بن حَازِمِ بنِ أَبِي غَرْزَةَ.

كلاهما عن بَكْر بن عَبْدِالرَّحْمَنِ القاضي الكوفي، عن قَيْس بن الربيع الأسدي الكوفي، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ، به، نحوه.

وخالفه عَبَّادُ بنُ زِيَادٍ الْأَسَدِيُّ فرواه عن قَيْس بن الرَّبِيعِ، عَنْ عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، به، نحوه.

أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (2/21) (1156) عن عَبْداللهِ بن أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، عن عَبَّاد، به.

قلت: عبّاد بن زياد الكوفي، ويُقال: عبادة، متكلّم فيه.

قال موسى بن هارون الحمّال: "عَبَادة بن زِياد الكوفي تركت حديثه".

وقال عبدالرحمن ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه؟ فقال: "هو كوفي من رؤساء الشيعة، أدركته ولم أكتب عنه، ومحله الصدق".

قال عبدالرحمن: سألت موسى بن إسحاق، قلت: هو صدوق؟ قال: "قد روى عنه الناس مُطين وغيره".

وقال محمد بن محمد بن عَمْرو النَّيْسَابُوري الحافظ: "عَبَادة بْن زياد مُجْمَعٌ على كذبه ووضعه الأحاديث".

وقال ابن عدي: "عَبَادة بن زِياد هو من أهل الكوفة من الغالين في الشيعة وله أحاديث مناكير في الفضائل".

وقال ابن حجر: "صدوق رمي بالقدر والتشيع".

قلت: لو صحت رواية عباد عن قيس، فتكون العهدة على قيس! وهو ليس بشيء! متروك.

فروايته مضطربة!! وروايته عن الأعمش لهذا الحديث لا تصلح لأن تكون متابعة لرواية شريك؛ لأن الحديث معروف عن شريك عن الأعمش! وشريك ضعيف لا يُحتج بما انفرد به كما قدّمنا.

·       طريقة شعيب الأرنؤوط في الحكم على الحديث! وتعقبه!

والعجب من شعيب الأرنؤوط! فإنه لما تكلّم على الحديث في تحقيقه لسنن أبي داود (5/427) جزم بصحة الرواية عن سعد بن عبيدة!!! وخلط الأسانيد بعضها ببعض وصحح الحديث بمجموع الطرق!!!

قال: "وأخرجه الترمذي (1322 م) من طريق سعْد بن عبيدة، عن ابن بريدة، به.

وسنده حسن في المتابعات.

وأخرجه محمد بن خلف وكيع في "أخبار القضاة" 1/15 من طريق داود بن عبد الحميد الكوفي، عن يونس بن خباب، ووكيع 1/15، والحاكم في المستدرك، 1/90 من طريق عبدالله بن بكير الغنوي، عن حكيم بن جبير، والحاكم في "معرفة علوم الحديث" ص 98، ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" 27/137 من طريق أبي حمزة السكري، وابن عساكر 27/136، وابن طولون في "الأحاديث المئة في الصنائع" (92) من طريق خاقان بن عبد الله بن الأهتَم، عن يونس بن عبيد، أربعتهم عن عبدالله بن بريدة، عن أبيه.

وأسانيدها كلها ضعيفة، لكن بمجموعها يتقوى الحديث.

وأخرجه الطبراني في "الكبير" (1156) من طريق قيس بن الربيع، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه. وقيس - وإن كان ضعيفاً- تابعه أبو حنيفة الإِمام كما في "أطراف الغرائب والأفراد" ثم بمتابعة الباقين عن عبد الله بن بريدة يرتقي الحديث إلى رتبة الصحيح" انتهى كلامه.

قلت: لم يثبت الحديث عن سعد بن عبيدة! ولا عن الأعمش!! فقد تفرد به شريك القاضي عنه وهو ضعيف!

ثم إن هذه الروايات التي ساقها في المتابعات منكرة! وقد سبق وبينت ذلك لما تكلمت عن القصة الواردة في الحديث!! ولم يُشر الأرنؤوط لذلك!!!

والعجب كيف أتى برواية واحدة عن قيس بن الربيع ولم يتنبّه للأخرى التي رواها عن الأعمش!!!

والأعجب من ذلك أنه جزم برواية أبي حنيفة وجعلها متابعة لرواية قيس!! وتهوينه من حال قيس بوصفه بأنه "ضعيف"!! والصواب أنه ليس بشيء!!

ورواية أبي حنيفة قد أشار الدارقطني إلى أن حَفْص بن عبدالرَّحْمَن البَلْخِي قد تفرد بها عَن أبي حنيفَة، عَن عَلْقَمَة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه!

وحفص فيه كلام! ولا يُقبل تفرده!

قال عبدالرحمن ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه؟ فقال: "هو صدوق، وهو مضطرب الحديث، وحفص بن عبدالله أحسن حالاً منه".

وقال الخليلي: "تَعْرِفُ، وَتُنْكِرُ".

وقال السليماني: "فيه نظر".

وَقَال النَّسَائي: "صدوق".

وقال العقيلي: "وحديثه غير محفوظ".

وذكره ابنُ حِبَّان في "الثقات".

وقال الدارقطني: "صالح".

وقال الحاكم: "هو أفقه أصحاب أبي حنيفة الخراسانيين"، وساق لَهُ عدّة أحاديث غرائب وأفراد. [سير أعلام النبلاء: (9/311)].

قلت: ولو صحّ أن أبا حنيفة رواه، فلا يُحتج به لضعفه في الحديث.

·       هل تُوبع الأعمش عليه؟!

روى الطبراني في «المعجم الأوسط» (7/39) (6786) قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ هَارُونَ بن محمد بن بكّار بن بلال الدمشقيّ، قال: أخبرنَا أَبِي، عَنْ جَدِّي، قال: أخبرنَا يَحْيَى بنُ حَمْزَةَ الحضرميّ، قال: حَدَّثَنِي سَعْدُ بنُ عُبَيْدَةَ، عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «القُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ، قَاضٍ تَرَكَ الْحَقَّ وَهُوَ يَعْلَمُ، وَقَاضٍ قَضَى بِغَيْرِ الْحَقِّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَأُهْلِكَ بِحُقُوقِ النَّاسِ، فَهَذَانِ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ قَضَى بِالْحَقِّ فَهَذَا فِي الْجَنَّةِ».

قال الطبراني: "لمْ يَرْوِ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ إِلَّا يَحْيَى بنُ حَمْزَةَ، تَفَرَّدَ بِهِ: مُحَمَّدُ بنُ بَكَّارٍ"!

قلت: يشير الطبراني إلى تعليل هذا الحديث! وأنّ مثل هذا التفرد لا يُقبل!

ومحمد بن بكار بن بلال أبو عبدالله العاملي قاضي دمشق (ت216هـ): صدوق.

والحديث منقطع! يحيى بن حمزة الحضرمي قاضي دمشق لم يسمع من سعد بن عُبيدة الكوفي! بل لم يدركه!

فيَحْيَى بنُ حَمْزَةَ وُلِدَ سَنَةَ ثَلاَثٍ وَمائَةٍ - فِيْمَا نَقَلَهُ أَبُو مُسْهِرٍ -، وقالَ المُفَضَّلُ الغَلاَبِيُّ: سَنَةَ ثَمَانٍ وَمائَةٍ (108هـ)، وتُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلاَثٍ وَثَمَانِيْنَ ومائَةٍ (183هـ).

وسَعْد بن عُبَيدة السلمي الكُوفِيّ، مات فِي ولاية عُمَر بن هبيرة على الكوفة، وعمر توفي سنة (107هـ)، وذكر الذهبي وفاته بين سنة (101 - 110هـ).

فيحيى ولد بعد وفاة سعد، فكيف يسمع منه؟!!!

·       تحريف عجيب!

وقد ذكر صاحب كتاب «أنيس الساري تخريج أحاديث فتح الباري» (5/3860) متابعة لـ «يزيد بن عبيدة بن أبي المهاجر الدمشقي» وقال: ["أخرجه الطبراني في «الأوسط» (6782) عن محمد بن هارون بن محمد بن بكار بن بلال الدمشقي: حدثنا أبي عن جدي: ثنا يحيى بن حمزة ثني يزيد بن عبيدة عن ابن بريدة عن أبيه.

وقال: "لم يروه عن يزيد بن عبيدة إلا يحيى بن حمزة، تفرد به محمد بن بكار".

قلت: ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو حاتم: صدوق، وهارون بن محمد ويزيد بن عبيدة صدوقان، ويحيى وابن بريدة ثقتان، ومحمد بن هارون ذكره ابن حبان في "الثقات"] انتهى كلامه.

قلت: رواية الطبراني في «المعجم الأوسط» عن «سعد بن عبيدة» - كما تقدّم - لا «عن يزيد بن عبيدة»!!

والظاهر أنها تحرّفت على صاحب الكتاب، فجعلها متابعة! وليس كذلك! فلا مدخل ليزيد بن عبيدة الدمشقي بهذا الحديث! ولا أدري كيف تحرفت عليه! وهي على الصواب في كتاب الطبراني؟!!

·       تعقّب الحويني!

ذكر أبو إسحاق الحويني في كتابه «تنبيه الهاجد إلى ما وقع من النظر في كتب الأماجد» (1/167) (124) هذا الحديث من معجم الطبراني، ثم قال: "قُلْتُ: رضى الله عنك!

فلم يتفرَّد به يحيى بن حمزة، بل تابعه الأعمش، عن سعد بن عبيدة بسنده سواء.

أخرجه الترمذىُّ (1322)، والحاكم (4/90)، وابن عدي في "الكامل" (2/864 - 865)، (4/1332)، وابن عبدالبر في "الجامع" (2/69)، والبيهقيّ (10/117)، ووكيع في "أخبار القضاة" (1/13 - 14)، والطبرانيّ، وعنه الشجري في "الأمالي" (2/232) من طريق شريك النخعيّ، عن الأعمش، به" انتهى.

قلت: في الظاهر هذا الاستدراك له وجه، لكن كأن الطبراني كلامه متوجه إلى هذه الرواية الشامية عن سعد بن عبيدة الكوفي! ولهذا نصّ على التفرد فيها.

على أن الرواية عن الأعمش لا تصح، فقد تفرد بها شريك عنه! وتفرده لا يقبل عن مثل الأعمش! فأين أصحابه الثقات عن هذا الحديث.

وكذلك رواية يحيى بن حمزة مرسلة فهو لم يدرك سعد بن عبيدة، ولم يتنبه الحويني لهذا!

·       رواية أبي هاشم الرُّمَّاني عن عبدالله بن بُريدة:

وأما حديث أبي هاشم الرُّمَّاني:

فرواه أبو داود في «سننه» (5/426) (3573) عن محمد بن حسّان السَّمتيّ.

والنسائي في «السنن الكبرى» (5/397) (5891) من طريق سَعِيد بن سُلَيْمَان الواسطي سَعدويه.

وابن ماجه في «سننه» (2/776) (2315) عن إِسْمَاعِيل بن تَوْبَةَ القزويني.

والبزار في «مسنده» (10/337) (4467) من طريق عِمْرَان بن أَبَان الواسطي.

والطبراني في «المعجم الأوسط» (4/63) (3616) من طريق إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيمَ أَبي مَعْمَرٍ القَطِيعِيّ.

ووكيع في «أخبار القضاة» (1/14) من طريق علي بن عَبْداللهِ.

والشجري [كما في «ترتيب الأمالي الخميسية» (2/324) (2620) من طريق يَحْيَى بن عَبْدِالحَمِيدِ الحِمَّانِيّ.

والبيهقي في «السنن الكبرى» (10/199) (20354) من طريق سَعِيد بن مَنْصُورٍ.

وابن عبدالبر في «جامع بيان العلم وفضله» (2/879) (1657) من طريق أَبِي العَوَّامِ البَغْدَادِيّ.

كلهم عن خَلَف بن خَلِيفَةَ، قالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هَاشِمٍ، قَالَ: لوْلَا حَدِيثُ ابنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقُلْتُ: إِنَّ القَاضِيَ إِذَا اجْتَهَدَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، ولكِنْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «القُضَاةُ ثَلَاثَةٌ اثْنَانِ فِي النَّارِ، وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ رَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ، فَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ، فَلَمْ يَقْضِ بِهِ، وَجَارَ فِي الْحُكْمِ، فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ لَمْ يَعْرِفِ الْحَقَّ، فَقَضَى لِلنَّاسِ عَنْ جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ».

قال أبو داود: "وهذا أصحُّ شيء فيه" - يعني حديث ابن بُريدة: «القضاة ثلاثة».

وقال الطبراني: "لَمْ يَرْوِ هذا الحَدِيثَ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الرُّمَّانِيِّ، إِلَّا خَلَفُ بنُ خَلِيفَةَ".

قلت: هذا الحديث تفرد به خلف بن خليفة عن أبي هاشم الرماني! ولا يُعرف لأبي هاشم رواية عن عبدالله بن بريدة إلا في هذا الحديث!!!

والظاهر أنه لم يسمعه منه، والرواية: "قال أَبُو هَاشِمٍ الرُّمَّانِيُّ: لوْلَا حَدِيثُ ابنِ بُرَيْدَةَ لَقُلْتُ: إِنَّ القَاضِيَ إِذَا اجْتَهَدَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ سَبِيلٌ وَلَكِنْ قَالَ ابْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ...".

وخلف بن خليفة صدوق إلا أنه اختلط! فلا يُحتج بما انفرد به! ولهذا تجنبه البخاري ولم يخرّج له في الصحيح، وأخرج له مسلم في الشواهد.

قال عَباس الدُّورِيُّ، وعبدالخالق بن منصور، وأبو بكر بن أبي خيثمة، عَنْ يحيى بن مَعِين: "ليس به بأس".

وزاد عبدالخالق: "صدوق".

وقال النَّسَائي: "ليس به بأس".

وقال أحمد: "رأيت خلف بن خليفة وهو مفلوج سنة سبع وثمانين ومئة، قد حُمِل، وكان لا يفهم، فمن كتب عنه قديماً فسماعه صحيح".

وقَال أَبُو بَكْر الأثرم، عَنْ أَحْمَد بن حنبل: "قد أتيته فلم أفهم عنه".

قال: قلت له: فِي أي سنة مات؟ قال: "أظنه فِي سنة ثمانين أو آخر سنة تسع وسبعين".

وقال عَبداللَّهِ بن أحمد بن حنبل، عَن أبيه: "رأيت خلف بن خليفة وهو كبير فوضعه إنسان من يده، فلما وضعه صاح، يعني من الكِبَر - فقَالَ لَهُ إنسان: يا أبا أَحْمَد، حدثكم محارب بن دثار، وقص الحديث، فتكلم بكلام خفي، وجعلت لا أفهم، فتركته ولم أكتب عنه شيئاً".

وقال الترمذي: قالَ مُحَمَّدٌ - يعني: البخاري -: "خَلَفُ بنُ خَلِيفَةَ صَدُوقٌ، ورُبَّمَا يَهِمُ فِي الشَّيْءِ".

وقال مُحَمَّد بن عَبداللَّهِ بن عمّار: "لا بأس بِهِ، ولم يكن صاحب حديث".

وقال أَبُو حاتم: "صدوق".

وقال ابن سعد: "كان من أهل واسط فتحوّل إلى بغداد. وكان ثقة، ثم أصابه الفالج قبل أن يموت حتى ضعف وتغير لونه، واختلط".

وقال أحمد بن صالح العِجلي: "ثقة".

وقال ابن عدي: "وأرجو أنه لا بأس به كما قال يَحْيى بن مَعِين". ثم ذكر له بعض المنكرات، ثم قال: "ولا أبرئه من أن يخطىء في الأحايين في بعض رواياته".

وقال مسلمة بن قاسم الأندلسي في كتاب «الصلة»: "ثقة مشهور، وتغير بأخرة، فمن روى عنه قبل التغير فروايته صحيحة".

ولما ذكره ابن شاهين في «جملة الثقات» قال: "وقال عثمان بن أبي شيبة: صدوق ثقة، لكن خرف فاضطرب عليه حديثه".

وقال الحاكم: "تكذيب ابن عيينة له في رؤيته عمرو بن حريث لا في غيره، تعجب من أن يكون في وقته ذلك من رأى عَمراً، لا قصداً منه بذلك تجريح خلف بنوع من أنواع الجرح، على أن خلفاً من الطبقة الثانية من أهل الصدق الذين يخرجهم مسلم في الشواهد".

وقال الساجي: ضعيف. [إكمال تهذيب الكمال (4/201)].

فرواية خلف هذه عن أبي هاشم الرماني ضعيفة لا تُقبل، ولا تصلح لأن تعضد غيرها من الروايات الضعيفة الأخرى!

·       رواية أبي إسحاق السَّبيعي عن عبدالله بن بريدة:

وأما حديث أبي إسحاق السبيعيّ:

فرواه ابن عدي في «الكامل» (7/337) في ترجمة «محمد بن جابر الكوفي» من طريق إِسْحَاق بن أَبِي إِسْرَائِيلَ: حَدَّثَنا مُحَمد بنُ جَابِرٍ، عَن أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وسَلَّم قَال: «القُضَاةُ ثَلاثَةٌ» فَذَكَرَهُ.

قال ابن عدي: "وهذا لا أعلم رواه عَن أَبِي إسحاق غير مُحَمد بن جابر".

قلت: محمد بن جابر هذا ليس بشيء متروك.

·       رواية عُمَارَة بنِ عُمَيْرٍ الكوفي عن عبدالله بن بريدة:

وأما حديث عمارة بن عمير التيمي الكوفي:

فرواه أبو الشيخ في «حديثه» (122) قال: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بنُ عَبْدِاللَّهِ بنِ أَيُّوبَ المُخَرِّمِيُّ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بنُ مُحَمَّدٍ الجَرْمِيُّ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بنُ جَابِرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بنِ عُمَيْرٍ، عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ» فذكره.

قلت: أيوب بن جابر اليمامي ضعيف جداً.

قال ابن معين: "ليس بشيء".

·       تحريف:

وقد روى ابن العسكري هذا الحديث في «حديثه عن شيوخه» (97) بالإسناد نفسه عن إِبْرَاهِيم بن عبدالله قَالَ: حدثَنَا سعيد، قَالَ: حدثَنَا أَيُّوب بن جَابر، عَن الْأَعْمَش، عَن عمَارَة بن عُمَيْر، عَن أبي بَرزَة الْأَسْلَمِيّ، عَن أَبِيه، به.

قلت: تحرّف «ابن بريدة» فصارت «أبي برزة»!! وأبو برزة صحابي لا يروي عن أبيه!!!

·       رواية يُونُسَ بنِ خَبَّابٍ عن عبدالله بن بريدة:

وأما حديث يُونُسَ بنِ خَبَّابٍ:

فرواه وكيع في «أخبار القضاة» (1/14) قال: أَخْبَرَنَا إسحاق بن إبراهيم بن عَبْدالرحمن لؤلؤ، قالَ: أَخْبَرَنَا داود بن عَبْدالحميد، قال: حَدَّثَنَا يونس بن خباب أَبُو حمزة، عَنْ عَبْدِاللهِ بن بريدة، عَن أبيه بريدة، فذكره.

قلت: هذا إسناد منكر!!!

داود بن عبدالحميد الكوفي نزيل الموصل منكر الحديث.

قال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (3/418): سألت أبي عنه، وعرضت عليه حديثه؟ فقال: "لا أعرفه، وهو ضعيف الحديث، يدل حديثه على ضعفه".

وقال الحافظ الأزدي: "منكر الحديث".

وقال الذهبي: "ينفرد بغرائب، صويلح الحديث".

ويونس بن خباب ليس بشيء!

قال إسحاق بن منصور، عَن يحيى بن مَعِين: "يونس بن خباب لا شيء".

وقال عَباس الدُّورِيُّ، عَن يحيى بن مَعِين: "يونس بن خباب رجل سوء، كَانَ يشتم عثمان".

وقال البُخارِيُّ: "منكر الحديث".

وقال إِبْرَاهِيم بن يعقوب الجوزجاني: "كذاب مفتري".

وقال أَبُو حاتم: "مضطرب الحديث، ليس بالقوي".

وقال النَّسَائي: "ليس بالقوي، مختلف فيه".

وقال في موضع آخر: "ليس بثقة".

·       رواية الحَكَمِ بنِ عُتَيْبَةَ عن عبدالله بن بريدة:

وأما حديث الحَكَمِ بنِ عُتَيْبَةَ:

فرواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (7/30) (6757) قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ أَبِي زُرْعَةَ، قال: حدثَنَا هِشَامُ بنُ عَمَّارٍ، قال: أخبرنَا مُحَمَّدُ بنُ مَسْرُوقٍ الكِنْدِيُّ، قال: حدثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عُبَيْدِاللَّهِ العَرْزَمِيُّ، عَنِ الحَكَمِ بنِ عُتَيْبَةَ، ويُونُسَ بنِ خَبَّابٍ، عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، به.

قال الطبراني: "لَمْ يَرْوِ هذا الحَدِيثَ عَنِ الحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ إِلَّا العَرْزَمِيُّ، ولا رَوَاهُ عَنِ العَرْزَمِيِّ إِلَّا مُحَمَّدُ بنُ مَسْرُوقٍ، تَفَرَّدَ بِهِ: هِشَامُ بنُ عَمَّارٍ".

قلت: هذا إسناد ضعيف جداً!

محمد بن مسروق الكندي ضعيف.

وقد ذكره ابن حبان في «الثقات» (9/68) قال: "مُحَمَّد بن مَسْرُوق الكِنْدِيّ من أهل الكُوفَة كَانَ على قَضَاء مصر، يروي عَن أَبِيه والكوفيين. روى عَنهُ: سعيد بن أبي مَرْيَم".

ثم أعاده بعد عدّة صفحات (9/77) وقال: "مُحَمَّد بن مَسْرُوق الكِنْدِيّ قَاضِي مصر، يروي عَن جرير بن حَازِم، وَاللَّيْث بن سعد. روى عَنهُ: سعيد بن كثير بن عفير، وقد قيل: مُحَمَّد بن مسرور. يُخطىء".

وقال وكيع في «أخبار القضاة» (3/238): "وقد حدث مُحَمَّد بن مسروق الكندي، وعنده أحاديث فيها نكير".

ومُحَمَّد بن عُبَيْدِاللَّهِ العَرْزَمِيّ متروك الحديث.

قال مسلم والنسائي: "مَتْرُوك الحَدِيث".

وقال الجوزجاني: "محمد بن عبيدالله العرزمي ساقط".

وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن محمد بن عبيدالله العرزمي؟ فقال: "ضعيف الحديث جداً".

وقال: سألت أبا زرعة عن محمد بن عبيدالله العرزمي؟ فقال: "لا يكتب حديثه"، وترك قراءة حديثه علينا.

وقال جَعْفَرَ بن أبان: قلت لِابنِ نُمير، مَا تَقول فِي مُحَمَّد بن عبيدالله العَرْزَمِي؟ فقال: "رجل صَدُوق، ولَكِن ذهبت كتبه، وكَانَ رَدِيء الحِفْظ، ومن ثمَّ أنْكرت أَحَادِيثه".

وقال ابن حبان: "كَانَ صَدُوقًا إِلَّا أَن كتبه ذهبت وكَانَ رَدِيء الحِفْظ فَجعل يحدّث من حفظه ويَهم، فَكثر الْمَنَاكِير فِي رِوَايَته. تَركه ابن المُبَارك، ويَحْيَى القَطَّان، وابن مهْدي، ويحيى بن معِين".

وعليه فكلّ طرق الحديث عن عبدالله بن بريدة معلولة، ولا تصلح لأن تتقوى ببعضها.

·       تصحيح المتأخرين لهذا الحديث!

قال ابن عبدالهادي في «تنقيح التحقيق» (5/62): "حديثٌ حسنٌ أو صحيحٌ".

وقال العراقي في «المغني عن حمل الأسفار» (ص: 78): "أخرجه أَصْحَاب السّنَن من حَدِيث بُرَيْدَة، وهُوَ صَحِيح".

وقال الهيثمي في «مَجمع الزوائد» (4/196): "رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ".

وقال ابن الملقن في «البدر المنير» (9/552): "هذا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من خلال سعد بن عُبَيْدَة السّلمِيّ، عَن عبدالله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه بُرَيْدَة مَرْفُوعا. وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وابن مَاجَه من حَدِيث أبي هَاشم الرماني الكَبِير - واسْمه يَحْيَى. وَقيل: نَافِع - عَن عبدالله بن بُرَيْدَة، عَن أَبِيه بُرَيْدَة مَرْفُوعا. وَفِي إِسْنَاد أبي دَاوُد رجل فِيهِ لين. وَرَوَاهُ البَيْهَقِيّ من هذَيْن الطَّرِيقَيْنِ، والحَاكِم من حَدِيث عبدالله بن بكير، عَن حَكِيم بن جُبَير، عَن عبدالله بن بُرَيْدَة، عَن أَبِيه مَرْفُوعا، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح. قَالَ: وَله شَاهد بِإِسْنَاد صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم... فَذكره بطرِيق التِّرْمِذِيّ الَّتِي قدمناها".

وقال السخاوي في «المقاصد الحسنة» (ص: 489): "وصححه والحاكم وغيره، وأفرد شيخنا طرقه، وهو عند الطبراني وغيره عن ابن عمر، وعند البيهقي عن علي مرفوعا، وحكمه الرفع وهي مبيّنة عند شيخنا في الجزء المشار إليه".

وقال الألباني في «إرواء الغليل» (2614): "صحيح".

قلت: قد بينت حال طرق الحديث عن ابن بريدة، وهي واهية كلها، وكذلك الشواهد من حديث ابن عمر وعليّ، ولا يصح في الباب شيء مرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم.

·       أصل حديث ابن بريدة:

وأصل حديث ابن بريدة عن كعب الأحبار!

رواه محمد بن خلف بن حيّان المعروف بوكيع في «أخبار القضاة» (1/16) قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن بشر بن مطر، قالَ: حَدَّثَنَا إسماعيل بن بهرام، قال: حَدَّثَنَا الأشجعي، عَن سُفْيَان، عَن علقمة بن مرثد، عَن ابن بريدة، عَن كعب، قال: «القضاة ثلاثة» فذكر نحوه.

وسفيان هو الثوري، وابن بريدة هو سليمان.

وهذا هو أصل الحديث الذي يُروى عن عبدالله بن بريدة، ظنّ هؤلاء الضعفاء أن ابن بريدة هو عبدالله، فرووه عنه، وسلكوا فيه الجادة: عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

والصواب أن الحديث يرويه سليمان بن بريدة، عن كعب الأَحبار قوله.

وروى وكيع أيضاً عن عَبْداللهِ بن مُحَمَّد بن أيوب بن صبح، قَالَ: حَدَّثَنَا روح بن عبادة، قالَ: حَدَّثَنَا الأخضر بن عجلان التيمي، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُالرحمن بن عتبة بن عَبْداللهِ بن مسعود، عَن أبيه، عَن كعب، قال: «بعث عُمَر إِلَى كعب إني جاعلك قاضياً قال: لا تفعل يا أمير المؤمنين. قال: لم يا كعب؟ قال: إن القضاة ثلاثة؛ فقاضيان في النار وقاض في الجنة؛ قاض علم وترك علمه فقضى بجور، وقاض لم يعلم فقضى بجهالة فهو معه في النار، وقاض قضى بعلمه ومضى عليه فهو من أهل الجنة. فقال: يا كعب فإنك قد علمت؛ تقضي بعلم وتمضى عليه؛ قال: يا أمير المؤمنين أختار لنفسي أحب إليّ من أن أخاطر بها».

قلت: عبدالرحمن كأنه: ابن عبدالله بن عتبة بن عبدالله بن مسعود المعروف بالمسعودي، وكان ثقة إلا أنه تغير في آخر عمره.

ومثل هذه الروايات مما تُحتمل لأنها ليست مرفوعة للنبي صلى الله عليه وسلم، وهي تؤكد صحة هذا القول لكعب الأحبار، والله أعلم.

·       تعقّب بعض المعاصرين وبيان الخلل في منهجه!

قال صلاح الدين بن أحمد الإدلبيّ بعد أن ذكر تخريج الحديث مختصراً في موقعه على الشبكة العنكبوتية:

"فهذا الحديث له سبعة طرق عن عبدالله بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثلاثة منها لينة وبعضها ضعيف وبعضها شديد الضعف وبعضها منقطع، وهو بمجموعها لا ينزل عن مرتبة الحسن، ويتقوى بالشاهد من رواية ابن عمر.

ـ قد يقال:

حديث "القضاة ثلاثة" رُوي عن كعب الأحبار من قوله، ورُوي من طريق علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عن كعب!، أفلا يكون طريق عبدالله بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم معلولا بطريق علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عن كعب؟!.

فأقول:

الحديث عن كعب من قوله رواه وكيع في أخبار القضاة عن عبدالله بن محمد بن أيوب بن صبح عن روح بن عبادة عن الأخضر بن عجلان التيمي عن عبدالرحمن بن عتبة بن عبدالله بن مسعود عن أبيه عن كعب، قال: بعث عمر إلى كعب إني جاعلك قاضيا، فقال: لا تفعل يا أمير المؤمنين. قال: لم يا كعب؟. قال: "إن القضاة ثلاثة فقاضيان في النار وقاض في الجنة...". الحديث.

[عبدالله بن محمد بن أيوب بن صبح أو صبيح المخرمي صدوق مات سنة 265. روح بن عبادة بصري ثقة مات سنة 206. الأخضر بن عجلان بصري صدوق ثقة فيه لين. عبدالرحمن بن عتبة بن عبدالله بن مسعود وأبوه عتبة لم أجد لهما ترجمة، ولعل المراد عبدالرحمن بن عبدالله بن عتبة بن عبدالله بن مسعود، فإن يكن كذلك فهذا كوفي ثقة مات سنة 160 واختلط قبل موته بسنتين اختلاطا شديدا، ولم أجد من ذكر رواية الأخضر بن عجلان عنه، فضلا عن أن يذكروا سماعه منه قبل الاختلاط. عبدالله بن عتبة بن عبدالله بن مسعود لم أجد له ترجمة]. فهذا الإسناد تالف.

ورواه كذلك وكيع في أخبار القضاة عن محمد بن بشر بن مطر عن إسماعيل بن بهرام عن الأشجعي عن سفيان عن علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عن كعب.

[محمد بن بشر بن مطر بغدادي صدوق ثقة مات سنة 285. إسماعيل بن بهرام كوفي صدوق يغرب، ففيه لين، ومات سنة 241. الأشجعي عبيدالله بن عبيدالرحمن كوفي ثقة مات سنة 182. سفيان بن سعيد الثوري ثقة إمام مات سنة 161. علقمة بن مرثد كوفي ثقة مات سنة 120]. وهذا الإسناد من الأوهام، ففيه إسماعيل بن بهرام وهو صدوق يغرب، وقد روى سفيان الثوري عدة روايات عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة، ولم أجد له عن علقمة بن مرثد عن عبدالله بن بريدة رواية، سوى رواية واحدة وهي معلولة، وهذا يدل على ضعف إسماعيل بن بهرام، وأن هذه الرواية من أوهامه.

وحيث إن هذا الحديث من طريق عبدالله بن بريدة عن كعب هو مجرد وهَم من الأوهام فهو لا يصلح دليلا على إعلال الروايات التي يُروى فيها هذا الحديث من طريق عبدالله بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم" انتهى كلامه.

قلت:

هذا منهج عجيب عند الرجل!! تجده يتعسّف أحياناً في تضعيف أحاديث صحيحة لا علة فيها! وتجده هنا يقوي الحديث الضعيف بمتابعات واهية بأسلوب فيه نوع من التدليس! من خلال تخفيف الكلام الذي يذكره كإطلاق مصطلح "الضعف"! مما يعني أن هذا الضعف قد ينجبر! ويكون هذا الضعف وصل لدرجة النكارة بل وأشد!!

وكذلك من خلال إطلاقات "الضعف" و"اللين" على بعض الرواة! مع أن الكلام فيهم يكون شديداً يصل لحد الترك أحياناً!!

وكذلك تعسّفه في رد الروايات غير المرفوعة بأدنى شيء!!

فقوله عن رواية كعب مع عمر: "[... الأخضر بن عجلان بصري صدوق ثقة فيه لين. عبدالرحمن بن عتبة بن عبدالله بن مسعود وأبوه عتبة لم أجد لهما ترجمة، ولعل المراد عبدالرحمن بن عبدالله بن عتبة بن عبدالله بن مسعود، فإن يكن كذلك فهذا كوفي ثقة مات سنة 160 واختلط قبل موته بسنتين اختلاطا شديدا، ولم أجد من ذكر رواية الأخضر بن عجلان عنه، فضلا عن أن يذكروا سماعه منه قبل الاختلاط. عبدالله بن عتبة بن عبدالله بن مسعود لم أجد له ترجمة]. فهذا الإسناد تالف".

قول مردود!!

فكيف يجمع بين "صدوق ثقة فيه لين" في راو واحد؟!!

نعم، اختلف أهل النقد في حال الأخضر بن عجلان، فمنهم من وثقه، ومن مشّى حاله، ومنهم من ضعفه!

قال إسحاق بن منصور، عَن يحيى بن مَعِين: "صالح".

وقَال عَباس الدُّورِيُّ، عَن يحيى: "ليس به بأس".

وقال أحمد: "ما أرى به بأساً".

وقَال أبو حاتم: "يكتب حديثه".

وقَال البخاري والنَّسَائي: "ثقة".

وقال الذهبي وابن حجر: "صدوق".

فالظاهر أنه صدوق وله أوهام وغرائب، لكن مثل هذه القصص لا يُتشدد بها كما يُتشدد في الأحاديث المرفوعة، فتفرده بحديث مرفوع لا يُقبل منه حتى يُتابع عليه.

وما ظنه أن "عبدالرحمن بن عتبة بن عبدالله بن مسعود" هو: "عبدالرحمن بن عبدالله بن عتبة بن عبدالله بن مسعود" هو الصواب، وهو ثقة كان قد اختلط قبل موته بسنة أو سنتين، لكن لم يصفه أحد من أهل العلم بأن اختلاطه "كان شديدا"!! كما زعم الإدلبي!!

ثم ليس من الضرورة أن يذكروا في ترجمته في الرواة عنه كلّ أحد! فهذه مسألة ترجع لمن يصنف، فبعضهم يحاول أن يستقصي الرواة عن الراوي كما يفعل المزي مع التركيز على من روى المرفوعات لا مثل هذه القصص التي يندر تداولها بين طلبة العلم؛ لأن التركيز في حديث الراوي يكون على مرفوعاته مع كتابة بعض الطلبة مثل هذه القصص والفوائد.

والراوي عنه "الأخضر بن عجلان" بصري، والغالب أنه سمع منه هناك، وقد قال أحمد: "سماع وكيع من المسعودي بالكوفة قديم، وأبو نعيم أيضًا، وإنما اختلط المسعودي ببغداد. ومن سمع منه بالبصرة والكوفة فسماعه جيد".

ووالده لا رواية له، ولهذا لم يترجم له أهل العلم، وليس بعيداً أن يروي بعض الفوائد عنه كهذه القصة، ومثله يكون صدوقاً.

ودعواه بأن هذا الإسناد تالف دعوى تالفة!! فسياق القصة يدلّ على صحتها، والله أعلم.

وكلامه عن الإسناد الآخر من أعجب العجب!! حيث يتخيّل ويتوهم أشياء بعيدة!!

فقد ضعف الإسناد بإسماعيل بن بهرام وجعلها من أوهامه دون دليل علمي!!

قال عن إسماعيل: "صدوق يغرب"! نعم قال ابن حبان عنه هذا لما ذكره في ثقاته "يغرب"! فكان ماذا؟!

هل وصفه بهذا يعني ضعفه؟! وترد روايته بذلك؟!!

ابن حبان يقول هذه العبارة: "يغرب" يعني يروي الغرائب ويقصد بذلك الأحاديث المرفوعة لا مثل هذه الروايات الموقوفة!

قال أبو حاتم: "شيخ صدوق، أتيته غير مرة فلم يقض لي السماع منه".

ووثقه الذهبي في «الكاشف»، وقال في «المغني في الضعفاء»: "يَأْتِي بِغَرَائِب وَلم يُضعف"، وقال في «الميزان»: "ذو غرائب. وهو صدوق".

فالرجل صدوق، ويروي الغرائب، وليس كل غريب مردود.

ومما يدل على بُعد الرجل عن عمق منهج الأئمة النقاد أنه جزم بأن "ابن بريدة" في حديث ابن بهرام هو: "عبدالله بن بريدة"! مع أنه ذكر أن سفيان الثوري يروي عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة!!! وقال بأنه لن يجد له عن علقمة بن مرثد عن عبدالله بن بريدة رواية!! فبنى على ذلك أن إسماعيل بن بهرام وهم في روايته!! مع أن إسماعيل لم يصرّح باسم "ابن بريدة"!!

وكان ينبغي له بذكره لهاتين القرينتين - رواية الثوري عن علقمة عن سفيان، وعدم وجود رواية لعلقمة عن عبدالله بن بريدة – أن ابن بريدة هنا هو: "سليمان" لا "عبدالله"!!

فكيف يُوهم إسماعيل في شيء هو لم يذكره!!!

وعليه فقوله: "وحيث إن هذا الحديث من طريق عبد الله بن بريدة عن كعب هو مجرد وهَم من الأوهام فهو لا يصلح دليلا على إعلال الروايات التي يُروى فيها هذا الحديث من طريق عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم"! مجازفة ووهم منه هو! وقول كعب هذا هو أصل الروايات الضعيفة التي تُروى عن عبدالله بن بريدة.

والعجب من حال هذا الإدلبي كيف ضعف هذه الروايات الموقوفة التي هي ليست ضعيفة أصلاً، وضعّف الروايات عن ابن عمر في هذا الباب ثم جعلها شاهداً للروايات الضعيفة الواردة عن ابن بريدة!!!

·       ما يُروى عن عليّ قوله!

ويُروى هذا الحديث من قول عليّ رضي الله عنه:

رواه عليّ بن الجعد في «مسنده» (ص: 155) (989).

وابن أبي شيبة في «مصنفه» (4/540) (22963) عن شَبابة بن سوّار.

والبخاري في «التاريخ الأوسط» (1/225) عن آدم بن أبي إياس.

ووكيع في «أخبار القضاة» (1/18) من طريق رَوح بن عبادة.

وابن عدي في «الكامل» (4/97) من طريق أبي داود الطيالسي.

كلهم (ابن الجعد، وشبابة، وآدم، وروح، والطيالسي) عن شعبة، عن قتادة، قال: سمعت رُفيعاً أبا العالية، قال: قال علي: "القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة "، فذكر اللذين في النار، قال: «رجل جار متعمدا فهو في النار، ورجل أراد الحق فأخطأ فهو في النار، آخر أراد الحق فأصاب فهو في الجنة». قال: فقلت لرفيع: أرأيت هذا الذي أراد الحق فأخطأ؟ قال: "كان حقه إذا لم يعلم القضاء لا يكون قاضياً".

ورواه وكيع في «أخبار القضاة» من طريق همام بن يحيى، عَن قتادة، عَن أبي العالية؛ قال: قَالَ: علي: القضاة ثلاثة. فذكر مثله ولم يذكر كلام أبي العالية.

ورواه معمر بن راشد في «جامعه» [المطبوع مع مصنف عبدالرزاق: (11/328) (20675) عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّ عَلِيًّا، قَالَ: «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: قَاضٍ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ رَأَى الْحَقَّ فَقَضَى بِغَيْرِهِ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ اجْتَهَدَ فَأَصَابَ فِي الجَنَّةِ».

لم يذكر فيه: "أبا العالية"! ويحتمل أنه سقط من النسخ، والله أعلم.

·       هل سمع أبو العالية من عليّ بن أبي طالب؟!

فالحديث مشهور عن أبي العالية عن عليّ رضي الله عنه، وأبو العالية أدرك علياً، واختلف العلماء في سماعه من عليّ.

فأثبته ابن المديني، ونفاه شعبة.

قال علي بن المديني: "أبو العالية سمع من عمر بن الخطاب، ومن علي، ومن أبي موسى، وابن عمر".

قال عباس الدوري: سَمِعت يحيى يَقُول: قَالَ شُعْبَة: "قد أدْرك رفيع أَبُو العَالِيَة عَليّ بن أبي طَالب، وَلم يسمع مِنْهُ شَيْئاً".

وقال حَجَّاج الأعور: قَالَ شُعْبَةُ: "قَدْ أَدْرَكَ رُفَيْعٌ عَلِيًّا، ولَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ".

والذي أميل إليه أنه لم يسمع منه شيئاً!! ولا توجد له رواية عنه، ولم يذكر سماعاً في هذا الحديث!

وكذا روى عنه أثراً آخر لا سماع فيه! وفيه نكارة!

وهو ما رواه هِشَام بن حسّان، عَنْ حَفْصَةَ بنت سيرين، عَنْ أَبِي العَالِيَةِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: «اسْتَكْثِرُوا مِنَ الطَّوَافِ بِهَذَا البَيْتِ، فَكَأَنِّي بِرَجُلٍ من الحبش أَصْلَعَ أَصْمَعَ، حَمْشَ السَّاقَيْنِ، مَعَهُ مِسْحَاةٌ يَهْدِمُهَا».

فقوله: "فكأني برجل.." منكر! وهذا لا يصدر إلا من المعصوم صلى الله عليه وسلم.

والذي صحّ من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يُخَرِّبُ الكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الحَبَشَةِ».

وإنما عِيب على أبي العالية أنه كان يروي عن كلّ أحد ويصدقه، فيروي المراسيل المنكرة!!!

قال ابن عون عن محمد بن سيرين، قال: "كان أربعة يُصدّقون من حدثهم ولا يبالون ممن سمعوا الحديث: الحسن وأبو العالية وحميد بن هلال"، ولم يذكر الرابع.

وقال ابن عون: "كان الحسن وأبو العالية وحميد بن هلال يُصدّقون من حدثهم، ولا يبالون ممن سمعوا".

وقال حماد بن سلمة عن علي بن يزيد، قال: "كان ثلاثة من أصحابنا إذا سمعوا الحديث رفعوه: الحسن، والعالية وآخر"، والرجل الثالث الذي لم يسمه هو: "حميد بن هلال".

وقال حرملة بن يحيى: سمعت الشافعي يقول: "حديث أبي العالية الرياحي رياح"، قال: "أعني الذي يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في الضحك في الصلاة أن على الضاحك الوضوء".

قلت: فحديث أبي العالية مرسل؛ لأنه لم يسمع من عليّ رضي الله عنه.

·       رواية أخرى عن عليّ:

ورُوي عن عليّ من طريق آخر:

رواه وكيع في «أخبار القضاة» (1/16، 19) من طريق إبراهيم بن الحكم بن ظهير، عَن أبيه، عَن السدي، عَنْ عَبْدِ خير، عَن عليّ رضي الله عنه، قال: «القضاة ثلاثة» فذكر نحوه.

قلت: هذا إسناد باطل!

إبراهيم بن الحكم بن ظهير أبو إسحاق: شيعيّ جلد ضعيف!

كتب عنه أبو حاتم ولم يُحدّث عنه ترك حديثه، وكذّبه.

وأبوه: الحكم بن ظهير الفرازي، أَبُو مُحَمَّد بن أَبي ليلى الكوفي: منكر الحديث متروك.

·       طريق أخرى عن عليّ:

قال البخاري في «التاريخ الكبير» (7/21): "عياض بن عَبْدالرَّحْمَن الحَجَبي: يُعدّ فِي أهل المدينة، عن أبيه، عَنْ عَلِيّ، قالَ: «القضاة ثلاثة». قاله إِبرَاهِيم بن المنذر، عَنْ إِسْحَاق بن جَعْفَر: سَمِعَ عَبْداللَّه بن جَعْفَر، عَنْ عياض".

وقال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (6/408): "عياض بن عبدالرحمن الحجبي: روى عن ابن أبي ليلى عن أبيه عن علي رضي الله عنه: «القضاة ثلاثة». روى عنه ...".

وقال ابن حبان في «الثقات» (7/283): "عِيَاض بن عبدالرَّحْمَن الحَجبي: يرْوي عَن ابن أبي مليكَة. روى عَنهُ: عبداللَّهِ بن جَعْفَر المدنِي".

وذكره السمعاني في «الأنساب» في نسبة «الحَجَبيّ» (4/65): "وعياض بن عبدالرحمن الحجبي، يروي عن ابن أبي مليكة، روى عنه عبدالله ابن جعفر المديني".

·       سقط في تاريخ البخاري، وإكمال البياض في كتاب ابن أبي حاتم، وتصحيف في كتاب ابن حبان والسمعاني!!

قلت: الظاهر أنه حصل سقط في «تاريخ البخاري»، وعادة ما يتبع أبو حاتم البخاري في تراجمه، والصواب أنه «عن ابن أبي ليلى عن أبيه» فسقط: «ابن أبي ليلى» فصارت رواية عياض عن أبيه! وليس كذلك.

فتكون الترجمة الصحيحة عند البخاري: "عياض بن عَبْدالرَّحْمَن الحَجَبي: يُعدّ فِي أهل المدينة. [ابن أبي ليلى] عن أبيه، عَنْ عَلِيّ، قالَ: «القضاة ثلاثة». قاله إِبرَاهِيم بن المنذر، عَنْ إِسْحَاق بن جَعْفَر: سَمِعَ عَبْداللَّه بن جَعْفَر، عَنْ عياض".

والبياض الذي عند ابن أبي حاتم: "عياض بن عبدالرحمن الحجبي: روى عن ابن أبي ليلى عن أبيه عن علي رضي الله عنه: «القضاة ثلاثة». روى عنه [عبدالله بن جعفر]".

وأما ما وقع عند ابن حبان والسمعاني فهو تصحيف شنيع!!! فابن أبي مُليكة لا يروي عن أبيه، وإنما الذي يروي عن أبيه هو: ابن أبي ليلى. وهو: مُحَمَّد بن عَبْدالرَّحْمَنِ بن أَبي ليلى الأَنْصارِيّ، أَبُو عبدالرحمن الكوفي الفقيه قاضي الكوفة، وكان سيء الحفظ، مضطرب الحديث. وهذا الأثر يُضعّف به أو بعياض الراوي عنه؛ لأنه مجهول الحال، والله أعلم.

والخلاصة أنه لا يصح عن عليّ بن أبي طالب شيء في هذا الباب، والصواب في ما رُوي من كل ذلك أنه من قول كعب الأحبار.

ونعود إلى حديث عبدالله بن بريدة:

·       حديث عبدالله بن بريدة عن عبدالله بن مُغفّل:

ثم ساق البخاري لعبدالله بن بريدة حديثاً عن عبدالله المزني وهو ابن مُغفل، وظاهر ذلك بحسب طريقة البخاري في كتابه من خلال الاستقراء تضعيفه لهذا الحديث!! إلا أنه أخرجه في «الصحيح»!

قال البخاري في «صحيحه» (1/117) (563): حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ - هُوَ عَبْدُاللَّهِ بنُ عَمْرٍو-، قالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُالوَارِثِ، عَنِ الحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بنُ بُرَيْدَةَ، قالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُاللَّهِ بنُ مُغَفَّلٍ المُزَنِيُّ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلاَتِكُمُ المَغْرِبِ» قالَ الأَعْرَابُ: وَتَقُولُ: هِيَ العِشَاءُ.

فقد يكون رأي البخاري قد تغيّر في ذلك، فلما ثبت الحديث عنده أخرجه في «صحيحه»، لما ثبت سماع عبدالله لهذا الحديث من ابن مُغفل، والله أعلم.

فإذا كان عبدالله بن بريدة سمع من عبدالله ابن مُغفّل المزني، نزل البصرة، مات سنة (57هـ)، فكيف لا يسمع من أبيه الذي توفي سنة (63هـ)! فروايته عنه تؤكد أنه سمع من أبيه.

·       حديث عبدالله بن بريدة عن سَمُرَة بن جُندب:

وقد أثبت البخاري سماع عبدالله بن بريدة من سمرة وخرّج له في «الصحيح» حديثاً واحداً فقط.

أخرجه في «صحيحه»، بَابُ الصَّلاَةِ عَلَى النُّفَسَاءِ وَسُنَّتِهَا، (1/73) (332) من طريق شُعْبَةُ. وفي بَاب الصَّلاَةِ عَلَى النُّفَسَاءِ إِذَا مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، (2/88) (1331) من طريق يَزِيد بن زُرَيْعٍ، كلاهما عَنْ حُسَيْنٍ المُعَلِّمِ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ: «أَنَّ امْرَأَةً مَاتَتْ فِي بَطْنٍ، فَصَلَّى عَلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ وَسَطَهَا».

فإذا سمع عبدالله بن بريدة من سمرة الذي بالبصرة سنة (58هـ)، فكيف لا يسمع من أبيه الذي مات سنة (63هـ)!!

·       شك ابن المديني بسماع ابن بريدة من سمرة ثم إثباته ذلك.

وكان عليّ بن المديني يشك في سماع عبدالله من سمرة حتى وقف على رواية فيها تصريحه بالسماع منه.

وقد روى أَبُو شُعَيْبٍ الحَرَّانِيُّ هذا الحديث عن عَلِيّ بن المَدِينِيِّ عن يَزِيدُ بن زُرَيْعٍ ويَحْيَى بن سَعِيدٍ القطان ومُعَاذ بن مُعَاذٍ وَبِشْر بن المُفَضَّلِ كُلُّهُمْ عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ بُرَيْدَةَ عَنْ سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ.

قال عَلِيُّ بنُ المَدِينِيِّ: فَكُنْتُ أَخَافُ أَنْ يَكُونَ ابنَ بُرَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ سَمُرَةَ وَهُوَ أَصْلٌ مِنَ الْأُصُولِ!

قال أبو شُعَيْب: فَحَدَّثَنَا عَلِيٌّ، قال: حدثَنَا عَبْدُالصَّمَدِ بنُ عَبْدِالوَارِثِ، قال: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ حُسَيْنٍ المُعَلِّمِ، عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ: سَمِعْتُ سَمُرَةَ بنَ جُنْدُبٍ يَقُولُ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَى أُمِّ كَعْبٍ وَمَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا فَقَامَ عَلَيْهَا وَسَطَهَا».

وذَكَرَ ابنُ أَبِي عَدِيٍّ فِي حَدِيثِهِ قَالَ: «لَقَدْ كُنْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُلامًا كُنْتُ أَحْفَظُ عَنْهُ وَمَا يَمْنَعُنِي مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا أَنَّ هَاهُنَا رِجَالًا هُمْ أَسَنُّ مِنِّي وَلَقَدْ صَلَّيْتُ وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ... الحَدِيثُ» [المسند المستخرج على صحيح مسلم لأبي نعيم: 3/46].

·       حديث عبدالله بن بريدة عن عمران بن حُصين:

وأثبت البخاري سماع عبدالله بن بريدة من عمران بن حصين، وروى له في «الصحيح» حديثاً واحداً فقط.

أخرج في «صحيحه»، بَابُ صَلاَةِ القَاعِدِ، (2/47) (1115) قال: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ، قال: أَخْبَرَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ سَأَلَ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

قال: وأَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُالصَّمَدِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ، عَنْ ابنِ بُرَيْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ - وَكَانَ مَبْسُورًا - قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَلاَةِ الرَّجُلِ قَاعِدًا، فَقَالَ: «إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا، فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا، فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَاعِدِ».

وأخرجه في بَاب إِذَا لَمْ يُطِقْ قَاعِدًا صَلَّى عَلَى جَنْبٍ، (2/48) (1117) عن عَبْدَان، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بن المبارك، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بنِ طَهْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الحُسَيْنُ المُكْتِبُ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّلاَةِ، فَقَالَ: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ».

وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» من طريق أَبي أُسَامَةَ، عَنْ حُسَيْنٍ المُعَلِّمِ، به، نحوه.

ثم قال: "هذا إِسْنَادٌ قَدْ تَوَهَّمَ مَنْ لَمْ يُحْكِمْ صِنَاعَةَ الْأَخْبَارِ، وَلَا تَفَقَّهَ فِي صَحِيحِ الْآثَارِ، أَنَّهُ مُنْفَصِلٌ غَيْرُ مُتَّصِلٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُرَيْدَةَ وُلِدَ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ، هُوَ وَسُلَيْمَانُ بْنُ بُرَيْدَةَ أَخُوهُ تَوْأَمٌ، فَلَمَّا وَقَعَتْ فِتْنَةُ عُثْمَانَ بِالْمَدِينَةِ خَرَجَ بُرَيْدَةُ عَنْهَا بِابْنَيْهِ، وَسَكَنَ الْبَصْرَةَ، وَبِهَا إِذْ ذَاكَ عِمْرَانُ بنُ حُصَيْنٍ، وَسَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ، فَسَمِعَ مِنْهُمَا، وَمَاتَ عِمْرَانُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ فِي وِلَايَةِ مُعَاوِيَةَ، ثُمَّ خَرَجَ بُرَيْدَةُ مِنْهَا بِابْنَيْهِ إِلَى سِجِسْتَانَ، فَأَقَامَ بِهَا غَازِيًا مُدَّةً، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا إِلَى مَرْوَ عَلَى طَرِيقِ هَرَاةَ، فَلَمَّا دَخَلَهَا قطنهَا، وَمَاتَ سُلَيْمَانُ بْنُ بُرَيْدَةَ بِمَرْوَ وَهُوَ عَلَى الْقَضَاءِ بِهَا سَنَةَ خَمْسٍ وَمِائَةٍ، فَهَذَا يَدُلُّكُ عَلَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُرَيْدَةَ سَمِعَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ".

قلت: فإذا كان عبدالله بن بريدة سمع من عمران بن حصين الذي مات بالبصرة سنة (52هـ)، فكيف لا يسمع من أبيه الذي مات سنة (63هـ)!!

والملاحظ أنه لا يُعرف لعبدالله بن بريدة عن هؤلاء الصحابة (عبدالله بن مُغفل، وسَمُرة بن جُندب، وعمران بن حصين) إلا حديثاً واحداً عن كلّ واحد، والذي روى هذه الأحاديث عنه هو: الحسين بن ذكوان المعلم العوذي المكتب البَصْرِيّ.

وقد روى عنه حسين المعلم عن عبدالله بن بريدة عن أبيه حديثاً واحداً أيضاً!

قال عَلِيٌّ بنُ المَدِينِيِّ فِي كتاب «الجرح والتعديل»: "لم يحمل حسين المعلم عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ، عَن أَبِيهِ، مرفوعا شيئاً إلا حرفاً واحدًا وكلها عن رجال أخر".

وقال أَبُو داود: "لم يرو حسين المعلم عن عَبداللَّهِ بنِ بُرَيْدَةَ عَن أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم شيئاً".

قال المزي في «تهذيب الكمال» (6/374): "يعني: إنما يروي عن عَبداللَّهِ بن بريدة عن غير أبيه. ولعله أراد أن غالب روايته عنه كذلك، لا أنه لم يرو عنه عَن أبيه شيئاً البتة، فإنه قد روى في السنن حديثاً من روايته عن عَبداللَّهِ بنِ بُرَيْدَةَ، عَن أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا... الحديث".

وقال ابن حجر في «تهذيب التهذيب» (2/338) بعد أن ذكر كلام أبي داود وابن المديني: "قلت: هذا يوافق قول أبي داود المتقدم إلا في هذا الحرف المستثنى، وكأنه الحديث الذي تعقب به المزي قول أبي داود بأن أبا داود روى في السنن من حديث حسين عن عبدالله بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم: من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا... الحديث".

قلت: الحديث رواه أبو داود في «سننه»، باب في أرزاق العمال، (2943)، وابن خزيمة في «صحيحه» (2369)، والبزار في «مسنده» (4427) قالوا: حَدَّثَنَا زَيْدُ بنُ أَخْزَمَ الطَّائِيُّ، قال: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِالوَارِثِ بنِ سَعِيدٍ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنَ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ رِزْقًا، فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ».

ورواه البزار أيضاً عن بِشْر بن آدَمَ، عن أبي عاصم، به.

ورواه الحاكم في «المستدرك» (1/563) (1472) من طريق أَحْمَد بن حَيَّانَ بنِ مُلَاعِبٍ، عن أَبي عَاصِمٍ، به.

قال البزار: "وهذَا الحَدِيثُ لا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَن بُرَيدة إلاَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، ولا نَعْلَمُ أَسْنَدَ الحُسَيْنُ المُعَلِّمُ عَنْ عَبداللَّهِ بْنِ بُرَيدة، عَن أَبيهِ، عَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم غَيْرَ هَذَا الحديث".

وقال الحاكم: "هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، ولَمْ يُخَرِّجَاهُ".

قلت: حديث حسين هذا هو الذي عناه ابن المديني بأنه لم يرو عن عبدالله بن بريدة عن أبيه مسنداً إلا هو.

وعليه فتبقى مسألة ثبوت سماع عبدالله لهذا الحديث من أبيه عند البخاري، ولأنه لم يثبت عنده أنه سمعه لم يخرّجه مع أنه من رواية حسين المعلم، وهو من أثبت الناس في عبدالله بن بريدة.

عدا عن مسألة السماع ربما يرى البخاري عدم ثبوت هذا الحديث أصلا عن حسين المعلم!!

فلم يروه عن حسين المعلم إلا عبدالوارث بن سعيد! تفرد به عنه: أبو عاصم النبيل الضحاك بن مَخْلد!

وعبدالوارث وأبو عاصم من الثقات.

وقَال حرب بن إِسْمَاعِيل، عَن أحمد بن حنبل، قال: "كان عبدالوارث أصح الناس حديثا عن حسين المعلم، وكان صالحاً في الحديث".

فالظاهر صحة الإسناد؛ لأن رواته ثقات.

وعبدالوارث وأبو عاصم لم يتكلم فيهم أحد، إلا أن العقيلي ذكرهم في جملة الضعفاء، فذكر عبدالوارث بسبب تهمة القدر!

وذكر لهما ابن أبي حاتم بعض الأحاديث التي وهموا في أسانيدها في «العلل»!

وهذا الإسناد لا أعلم له علة، إلا عدم ثبوت سماع عبدالله من أبيه! وتفرد الضحاك به عن عبدالوارث! وتفرد عبدالوارث به عن حسين المعلم!!

فالظاهر أن البخاري لم يخرّجه للتفرد الكبير في طبقاته، والله أعلم.

والحديث مشهور وصحيح بلفظ قريب منه من رواية إِسْمَاعِيل بن أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ عَدِيِّ بنِ عَمِيرَةَ الكِنْدِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ، فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا، فَمَا فَوْقَهُ كَانَ غُلُولًا يَأْتِي بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ»، قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَسْوَدُ مِنَ الْأَنْصَارِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اقْبَلْ عَنِّي عَمَلَكَ، قَالَ: «وَمَا لَكَ؟» قَالَ: سَمِعْتُكَ تَقُولُ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: «وَأَنَا أَقُولُهُ الْآنَ، مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ، فَلْيَجِئْ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ أَخَذَ، وَمَا نُهِيَ عَنْهُ انْتَهَى».

رواه مسلم في «صحيحه» وغيره.

·       تخريج البخاري لعبدالله بن بريدة عن أبيه في «صحيحه»:

ومع أن البخاري لم يُثبت سماع عبدالله بن بُريدة من أبيه في «التاريخ» إلا أنه احتج به في «صحيحه» في موضع واحد من كتاب المغازي، في باب بعث النبي صلى الله عليه وسلم عليّ بن أبي طالب، وخالد بن الوليد إلى اليمن، قبل حجة الوداع.

قال البخاري في «صحيحه» (5/163) (4350) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حَدَّثَنَا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ، قال: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ سُوَيْدِ بنِ مَنْجُوفٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا إِلَى خَالِدٍ لِيَقْبِضَ الخُمُسَ - وَكُنْتُ أُبْغِضُ عَلِيًّا وَقَدِ اغْتَسَلَ-، فَقُلْتُ لِخَالِدٍ: أَلاَ تَرَى إِلَى هَذَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «يَا بُرَيْدَةُ أَتُبْغِضُ عَلِيًّا؟» فَقُلْتُ: نَعَمْ، قال: «لاَ تُبْغِضْهُ فَإِنَّ لَهُ فِي الخُمُسِ أَكْثَرَ مِنْ ذلك».

وأخرجه أبو نُعيم في «معرفة الصحابة» (1/432) (1257)، وأبو بكر الإسماعيلي في «معجم شيوخه» (3/796) من طريق لُوَيْن، قال: حدثنا أَبُو مَعْشَرٍ البَرَاءُ، عَنْ عَلِيِّ بنِ سُوَيْدِ بْنِ مَنْجُوفٍ. عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ عَلِيًّا. فَذَكَرَ نَحْوَهُ.

وأبو معشر البراء هو يوسف بن يزيد العطار البصري، وثقه بعضهم وضعفه آخروه، وهو صدوق ربما أخطأ، وحديثه جيد في المتابعات.

وعَلِيّ بن سويد بن منجوف السدوسي البَصْرِيّ ثقة، قال البخاري في «التاريخ الكبير» (6/277): "سَمِعَ أَبَا رافع وعبداللَّه بن بريدة".

وللحديث متابعة أخرى تُبين صحة سماع عبدالله بن بُريدة هذا الحديث من أبيه.

أخرجها أحمد في «مسنده» (38/65) (22967) قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُالجَلِيلِ، قالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى حَلْقَةٍ فِيهَا أَبُو مِجْلَزٍ، وَابْنَا بُرَيْدَةَ فَقَالَ: عَبْدُاللهِ بنُ بُرَيْدَةَ، حَدَّثَنِي أَبِي بُرَيْدَةُ قالَ: أَبْغَضْتُ عَلِيًّا بُغْضًا لَمْ أَبْغِضْهُ أَحَدًا قَطُّ. قَالَ: وَأَحْبَبْتُ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ لَمْ أُحِبَّهُ إِلَّا عَلَى بُغْضِهِ عَلِيًّا. قَالَ: فَبُعِثَ ذَاكَ الرَّجُلُ عَلَى خَيْلٍ فَصَحِبْتُهُ مَا أَصْحَبُهُ إِلَّا عَلَى بُغْضِهِ عَلِيًّا. قَالَ: فَأَصَبْنَا سَبْيًا. قَالَ: فَكَتَبَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْعَثْ إِلَيْنَا مَنْ يُخَمِّسُهُ. قَالَ: فَبَعَثَ إِلَيْنَا عَلِيًّا، وَفِي السَّبْيِ وَصِيفَةٌ هِيَ مِنْ أَفْضَلِ السَّبْيِ فَخَمَّسَ، وَقَسَمَ فَخَرَجَ رَأْسُهُ يَقْطُرُ فَقُلْنَا: يَا أَبَا الحَسَنِ مَا هَذَا؟ قَالَ: أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْوَصِيفَةِ الَّتِي كَانَتْ فِي السَّبْيِ، فَإِنِّي قَسَمْتُ وَخَمَّسْتُ فَصَارَتْ فِي الْخُمُسِ، ثُمَّ صَارَتْ فِي أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ صَارَتْ فِي آلِ عَلِيٍّ وَوَقَعْتُ بِهَا. قَالَ: فَكَتَبَ الرَّجُلُ إِلَى نَبِيِّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: ابْعَثْنِي فَبَعَثَنِي مُصَدِّقًا. قَالَ: فَجَعَلْتُ أَقْرَأُ الْكِتَابَ وَأَقُولُ: صَدَقَ. قَالَ: فَأَمْسَكَ يَدِي وَالْكِتَابَ وَقَالَ: "أَتُبْغِضُ عَلِيًّا؟" قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: "فَلَا تَبْغَضْهُ، وَإِنْ كُنْتَ تُحِبُّهُ فَازْدَدْ لَهُ حُبًّا، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَنَصِيبُ آلِ عَلِيٍّ فِي الخُمُسِ أَفْضَلُ مِنْ وَصِيفَةٍ" قَالَ: فَمَا كَانَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ بَعْدَ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ عَلِيٍّ.

قال عَبْدُاللهِ: فَوَالَّذِي لا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الحَدِيثِ غَيْرُ أَبِي بُرَيْدَةَ.

فهذه متابعة جيدة لعليّ بن سويد من عبدالجليل بن عطية القيسي البصري وهو صدوق ربما وهم، وقد ضبط هذا الحديث، وفيها النص القاطع على أن هذا الحديث سمعه عبدالله بن بريدة من أبيه.

وأبو مِجلز لاحق بن حُميد البصري كان على بيت مال خراسان وتوفي سنة (99هـ)، فهذه الحلقة يمكن أنها كانت في البصرة لأن الرواة عن أبي مجلز من أهل البصرة وعبدالله بن بريدة كان فيها، ويُحتمل أنها كانت في مرو في مجلس أبي مجلز وكان هؤلاء الرواة في ذلك المجلس إذ هناك علاقة وثيقة بين رواة أهل البصرة وأهل خراسان، وتحديث عبدالله بن بريدة يدلّ على أنه كان أكبر من أخيه سليمان إذ يبدو أنه كان يتصدر المجلس.

ويبدو أن قوله في آخر الحديث: "فَوَالَّذِي لا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الحَدِيثِ غَيْرُ أَبِي بُرَيْدَةَ" يدلّ على أنه لم يسمع كل الأحاديث من أبيه، وكأنه كان معروفاً بينهم أن ما يُحدّث به عن أبيه لم يسمعه فأراد أن يُبيّن لمن هم في تلك الحلقة أنه سمع هذا من أبيه، وليس بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا والده.

وهذا النص هو الذي جعل الإمام البخاري يُخرج له هذا الحديث فقط حيث تبيّن له سماعه له من أبيه.

فهو على أصله لم يثبت السماع في الغالب والعموم واستثنى هذا؛ لأنه ثبت سماعه له، وهذا لا يخرم قاعدة البخاري في نفيه السماع من أبيه.

وعليه فالأصل أن عبدالله بن بريدة لم يسمع من أبيه إلا هذا الحديث الواحد.

والملاحظ أن البخاريّ خرّج حديث عبدالله بن بريدة من طريق البصريين عنه فقط. وكأنه لا يعتبر حديثه من طريق الخراسانيين!!

وفي هذا رد على قول الحاكم المتقدّم في أن أثبت أسانيد الخراسانيين: "الحسين بن واقد، عن عبدالله بن بُريدة، عن أبيه"!

والحسين بن واقد من أكثر الناس رواية عن عبدالله عن أبيه، ولم يلتفت البخاري إليه أبداً.

وسبق قول الإمام أحمد: "عبدالله بن بُرَيْدَة الَّذِي روى عَنهُ حُسَيْن بن وَاقد مَا أنكرها! وَأَبُو المُنِيب أَيْضاً، يَقُولُونَ: كَأَنَّهَا من قبل هَؤُلَاءِ".

فالإمام أحمد يستنكر ما يرويه الحسين بن واقد وأبو المنيب عُبَيداللَّه بن عَبدالله العتكي المروزي عن عبدالله بن بريدة، ويجعل العهدة عليهما!

·       أثر رواه البخاري في «صحيحه» عن عبدالله بن بريدة عن أبيه:

قال البخاري في «صحيحه»، كتاب المغازي، باب: كم غزا النبيّ صلى الله عليه وسلم، (6/16) (4473): حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بنُ الحَسَنِ، قال: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ حَنْبَلِ بنِ هِلاَلٍ، قال: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ كَهْمَسٍ، عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قالَ: «غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّ عَشْرَةَ غَزْوَةً».

وهو عند أحمد في «مسنده» (38/50) (22954).

وعن أحمد مباشرة أخرجه مسلم في «صحيحه» (3/1448) (1814).

وأخرجه أحمد أيضاً (22953) عن يَزِيد بن هارون، عن سعيد بن إياس الجُرَيْرِيّ البصري، عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ بُرَيْدَةَ: «أَنَّ أَبَاهُ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّ عَشْرَةَ غَزْوَةً».

وأخرجه أبو عوانة في «مستخرجه» (7402) من طريق عبدالوهاب بن عطاء الخفاف البصري، قال: أخبرنا الجريري، عن عبدالله بن بريدة: «أنّ أباه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع عَشْرةَ غزوة». قلت: أكان من أصحاب الشجرة؟ قال: "نعم".

قلت: الجريري كان قد اختلط في آخر عمره، فيُحتمل أنه اضطرب فيه!! فقال مرة: "ست عشرة"، وقال مرة: "تسع عشرة"! والصواب "ست عشرة" كما قال كهمس في روايته.

ويُحتمل أن ما جاء فيه: "تسع" محرفة والصواب: "ست" أو هو خلل في النسخ، وهو الظاهر عندي، والله أعلم.

ورواية الجريري عندي أضبط من رواية كهمس! وكهمس ثقة ثبت إلا أن الراوي عنه، وهو "معتمر بن سليمان" ليس بجيد الحفظ!

قال عبدالله بن أحمد في «العلل ومعرفة الرجال» (3/266) (5175): سَمِعت أبي يَقُول: "أول مَا جلسنا إِلَى المُعْتَمِر كَانَ يقْرَأ المَغَازِي أَحَادِيث مَرَاسِيل عَن أَبِيه وَغَيره فَلم نفهم وَلم نكتب مِنْهَا شَيْئا، وَقَرَأَ علينا أَحَادِيث عَن أَبِيه عَن مُغيرَة فعلقت مِنْهَا أَحَادِيث صَالِحَة من كِتَابه كتاب خلق، وَأما أَحَادِيث كهمس فَكَتَبْنَاهُ فقرأه علينا ويرد أَيْضا من كتاب لَيْسَ من كتاب نَفسه، وَكتاب فُضَيْل بن ميسرَة كتبنَا كل مُرْسل وَتَركنَا كل مُسْند إِلَّا حَدِيث وَاحِد كتبناه وَسلم أَيْضا من كتاب، أما حَدِيث مُغيرَة من كِتَابه وَحده".

قَالَ أبي: "ولم يكن مُعْتَمر بجيد الحِفْظ".

وأخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (7/351) (36646) عن زيد بن الحباب، قال: حدثنا حسين بن واقد، قال: حدثنا عبدالله بن بريدة، عن أبيه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا تسع عشرة غزوة، قاتل في ثمان».

وأخرجه مسلم في «صحيحه» (3/1448) (1814) عن أَبي بَكْرِ بن أَبِي شَيْبَةَ، به.

وأخرجه أيضاً من طريق أَبي تُمَيْلَةَ، عن حُسَيْن بن وَاقِدٍ، به.

وأخرجه أبو عوانة في «مستخرجه» (15/46) (7403) من طريق علي بن الحسن بن شقيق، عن الحسين بن واقد، به.

قلت: خالف الحسين بن واقد الثقات من البصريين في رواية هذا الحديث عن عبدالله بن بريدة، فجعل الإخبار من بريدة نفسه أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا تسع عشرة غزوة! والرواة البصريون جعلوا الإخبار من عبدالله بن بريدة أن أباه غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم ست عشرة غزوة!

فأخطأ الحسين في موضعين: إسناده للحديث عن بريدة! ومخالفته في عدد الغزوات!!

وهذا يؤيد قول الإمام أحمد أن ما يرويه الحسين بن واقد عن عبدالله بن بريدة مناكير!!

وكأنه اختلط على الحسين في هذا الحديث؛ لأنه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا تسع عشرة غزوة، فدخل له حديث في حديث!! والله أعلم.

وكان البخاري أخرج أولاً: عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السبيعي، قَالَ: سَأَلْتُ زَيْدَ بنَ أَرْقَمَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: كَمْ غَزَوْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: سَبْعَ عَشْرَةَ، قُلْتُ: كَمْ غَزَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: "تِسْعَ عَشْرَةَ".

ثم ذكر ما رواه أَبو إِسْحَاقَ السبيعي، عن البَرَاء بن عازب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسَ عَشْرَةَ».

ثم أتى برواية عبدالله بن بريدة عن أبيه.

وتخريج البخاري لهذا الأثر في «صحيحه» لا يؤثر على نفيه سماع عبدالله من أبيه في العموم، فهذا أثر يرويه عن أبيه وليس مرفوعاً، ثم هو يُخبر بأمر الظاهر أنه مشتهرٌ في بيتهم عن والده في عدد الغزوات التي غزاها مع النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف لا يعرف أهل بيت الرجل كم غزوة غزاها والدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم! ويؤيده ما جاء في رواية الجريري: "أَنَّ أَبَاهُ غَزَا...".

فالبخاري نفى سماع عبدالله بن بريدة من أبيه في العموم لما صنّف «التاريخ الكبير» الذي هو بمثابة توطئة للصحيح، لكن تبيّن له أنه سمع من أبيه حديثاً واحداً فأخرجه في «صحيحه»، وكذلك لا يخفى على البخاري أن عبدالله رأى أباه يفعل أشياء وأخبر عن أشياء.

فروى ابن أبي شيبة في «صحيحه» (1/253) (2912) قال: حدثنا أبو أسامة، عن كهمس، عن عبدالله بن بريدة، قال: رأى أبي ناساً يمرون بعضهم بين يدي بعض في الصلاة، فقال: «ترى أبناء هؤلاء إذا أدركوا يقولون: إنا وجدنا آباءنا كذلك يفعلون».

وروى أيضاً (1/499) (5757) قال: حدثنا شَبابة بن سوار، قال: حدثنا المغيرة بن مسلم، عن عبدالله بن بريدة، عن أبيه: «أنه كان يصلي يوم العيد قبل الصلاة أربعاً، وبعدها أربعاً».

فهذه التي أخبر بها عبدالله مما رآى من أبيه فيما يتعلق بالصلاة مما يحرص حتى الصغار على ضبطه لأنه مشاهدة.

والظاهر أن بريدة لم يكن كثير التحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقضى وقتاً في المرابطة والسفر، وكان يُحدّث لسبب أو مناسبة، والله أعلم.

·       ذكر بعض أهل العلم عبدالله بن بريدة في الرواة عن أبيه لا يعني أنه سمع منه!

بعض أهل العلم وطلبته إذا نظروا في كتب التراجم ووجدوا بعض الرواة ذُكروا في بعض التراجم أنهم رووا عن المترجَم له ظنّوا ثبوت سماعه منه! وليس كذلك!!

فغاية ما يفعله أصحاب كتب الرجال ذكر كلّ من روى عن صاحب الترجمة، وهذا ليس إثباتاً أنه سمع منه، ولهذا عُرف البخاري بالعناية بذلك من خلال تراجم كتابه حيث كان يتفنن في ذكر الرواة عن صاحب الترجمة بالعنعنة في بعضهم ليدلل على عدم ثبوت السماع! وينص على السماع إذا ثبت عنده.

قال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (5/13): "عبدالله بن بريدة بن حصيب الأسلمي قاضي مرو: روى عن أبيه بريدة الأسلمي، وعبدالله بن مغفل، وأبي موسى الأشعري، وعمران بن حصين، وابن عباس، والمغيرة بن شعبة، وأبي هريرة، وسمرة بن جندب، ومعاوية، وعائشة. روى عنه: حسين المعلم، ومالك بن مغول، ومقاتل بن حيان، وحسين بن واقد. سمعت أبي يقول ذلك".

قال ابن أبي حاتم: أخبرنا عبدالله ابن أحمد بن حنبل فيما كتب إليَّ قال: قال أبي: "عبدالله بن بريدة الذي روى عنه حسين بن واقد، ما أنكرها - يعني الأحاديث التي رواها حسين عنه".

وقال: ذكره أبي عن إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين قال: "عبدالله بن بريدة: ثقة".

وقال: سئل أبي عن عبدالله بن بريدة؟ فقال: "ثقة، هو وأخوه سليمان توأمان ولدا في بطن واحد".

وقال ابن حبان في «الثقات» (5/16): "عَبْداللَّه بن بريدة بن الحُصَيْب الْأَسْلَمِيّ، ولد فِي عهد عمر لثلاث سِنِين خلون مِنْهُ، كَانَ هُوَ وَأَخُوهُ سُلَيْمَان توأمين، كَانَ عَبْداللَّه قَاضِياً بمرو، وولاه يزِيد بن المُهلب، يَرْوِي عَن سمرة وَعمْرَان بْن حُصَيْن وَأَبِيهِ. روى عَنهُ النَّاس. مَاتَ سنة خمس عشره ومائه بجاورسة قَرْيَة من قرى مرو وَبهَا قَبره".

قلت: ذكر أبي حاتم لرواية عبدالله بن بريدة عن هؤلاء لا يعني أنه سمع منهم كلهم! بل هو يسرد ما وقف عليه من رواية عبدالله عن الصحابة، وعادة ما يتبع في ذلك الإمام البخاري، ويزيد عليه في بعض التراجم.

وكذا ابن حبان يتبع البخاري في تراجمه، ونرى هنا مدى التوافق فيما ذكره الإمام البخاري.

وتبع أبو حاتم وابن حبان غيرهما في الاعتماد على القصة التي ذكرها "رُميح بن هلال" في أنهما ولدا في بطن واحد!!! وقد بينت وهاء هذه القصة فيما سبق.

والذي أراه أن عبدالله بن بُريدة أكبر من أخيه سليمان، ولم أستطع معرفة ولادة سليمان، لكن عدم إيراده سماعه من أبيه يدلّ على أنه كان صغيراً جداً لما توفي والده بُريدة! ولا يصح أن سليمان توفي قبل عبدالله.

وما بناه أهل العلم على أنّ سليمان أصح حديثاً من أخيه عبدالله ليس بصحيح! بل عبدالله ثقة مطلقاً ولا مقارنة بين حديثه وبين حديث أخيه!!

ولهذا لا نكاد نجد لهما اشتراكاً لا في الشيوخ ولا في التلاميذ، وسأزيد هذا بياناً إن شاء الله تعالى عند الحديث عن حديث سليمان.

·       الأحاديث التي أخرجها الإمام مسلم لعبدالله بن بُريدة عن أبيه:

من المعلوم أن الإمام مسلماً - رحمه الله- يُخرّج أحاديث المتعاصرين في عصر واحد، فكيف بمن عاش في بيت والده زمناً كعبدالله بن بريدة!

ولهذا احتج بعض المعاصرين في الخلاف بين الإمامين: البخاري ومسلم في قضية اللقاء والسماع والمعاصرة بهذا الأمر! وهو تحقق سماع عبدالله من أبيه لأنه عاش عنده في بيته زمناً، فكيف لم يتحقق سماعه منه؟!!

وسأعرض لهذه المسألة إن شاء الله بعد الحديث عن الأحاديث التي أخرجها مسلم لعبدالله عن أبيه.

وتخريج مسلم لهذه الأحاديث يدلّ على إثباته لسماع عبدالله من أبيه وأن هذه الأحاديث صحيحة عنده.

الحديث الأول: حديث عدد الغزوات التي غزاها النبيّ صلى الله عليه وسلم:

قال مسلم في «صحيحه»، كتاب المغازي، (3/1448) (1814): حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، قال: حَدَّثَنَا زَيْدُ بنُ الحُبَابِ [ح].

وحَدَّثَنَا سَعِيدُ بنُ مُحَمَّدٍ الجَرْمِيُّ، قال: حَدَّثَنَا أَبُو تُمَيْلَةَ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بنُ وَاقِدٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قالَ: «غَزَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، قَاتَلَ فِي ثَمَانٍ مِنْهُنَّ»، وَلَمْ يَقُلْ أَبُو بَكْرٍ: مِنْهُنَّ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: حَدَّثَنِي عَبْدُاللهِ بنُ بُرَيْدَةَ.

قلت: سبق الكلام عليه وبيان وهم الحسين بن واقد فيه!

وقد صحح مسلم هذا الحديث ولم يعدّه وهماً؛ لأنه أخرجه ضمن الأحاديث التي أخرجها في أنه صلى الله عليه وسلم غزا تسع عشرة غزوة.

ساق أولاً حديث زيد بن أرقم، ثم حديث جابر، ثم ختم بحديث بريدة هذا.

ثم ساق حديث بريدة أنه غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم ست عشرة غزوة، ثم حديث سلمة بن الأكوع أنه غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم سبع غزوات.

الحديث الثاني: حديث عدد الغزوات التي غزاها بريدة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قال مسلم في «صحيحه»، كتاب المغازي، (3/1448) (1814) وحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، قال: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ كَهْمَسٍ، عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: «غَزَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّ عَشْرَةَ غَزْوَةً».

وقد سبق بيان أن البخاري أخرجه عن أحمد بن الحسن الترمذي، عن أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال.

ورواية مسلم أعلى من رواية البخاري؛ لأنه رواه عن أحمد مباشرة، والبخاري رواه بواسطة أحمد بن الحسن الترمذي.

وقد سبق الكلام عن سبب تخريج البخاري لهذا الأثر.

الحديث الثالث: حديث أبي موسى الأشعري أنه أعطي مزماراً من مزامير آل داود:

قال مسلم في «صحيحه»، كتاب الصلاة، (1/546) (793): حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بنُ نُمَيْرٍ [ح].

وحَدَّثَنَا ابنُ نُمَيْرٍ، قال: حَدَّثَنَا أَبِي، قال: حَدَّثَنَا مَالِكٌ - وهُوَ ابنُ مِغْوَلٍ-، عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ عَبْدَاللهِ بنَ قَيْسٍ أَو الْأَشْعَرِيَّ أُعْطِيَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ».

والحديث في «مصنف ابن أبي شيبة» (6/118) (29938).

والحديث مشهور عن مالك بن مِغول الكوفي، رواه عنه جماعة.

رواه عنه:

سفيان بن عُيينة كما عند عبدالرزاق في «مصنفه» (4178).

وعثمان بن عمر العبدي كما عند أحمد في «مسنده» (22952).

وزيد بن الحُباب كما عند أحمد في «مسنده» (23033)، وأبي الشيخ في «ذكر الأقران» (133)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (21053).

وشعيب بن حرب كما عند أبي عوانة في «مستخرجه» (3890).

وعَمْرُو بن مَرْزُوقٍ كما عند أبي نُعيم في «الحلية» (1/257).

لكن رواية ابن عيينة وعثمان بن عمر مطولة: فروياه عَنْ مَالِكِ بنِ مِغْوَلٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَاللَّهِ بنَ بُرَيْدَةَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِيهِ قالَ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْتَ الْأَشْعَرِيِّ أَبِي مُوسَى وَهُوَ يَقْرَأُ، فَقَالَ: «لَقَدْ أُوتِيَ هَذَا مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ» فَحَدَّثَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: الْآنَ أَنْتَ لِي صِدِّيقٌ حِينَ أَخْبَرْتَنِي هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِي حَبَّرْتُهَا تَحْبِيرًا قَالَ: وَسَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْتًا آخِرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتَقُولُهُ مُرَائِيًا؟» فَلَمْ أُجِبِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ حَتَّى رَدَّدَهَا عَلِيَّ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَقُلْتُ بَعْدَ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَتَقُولُهُ مُرَائِيًا بَلْ هُوَ مُنِيبٌ قَالَ: وَسَمِعَ آخَرَ يَدْعُو: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُكَ، الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَكَ كُفُوًا أَحَدٌ، فَقَالَ: «لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى».

وكذا في رواية زيد بن الحباب التي أخرجها ابن حبان في «صحيحه» (892) عن أَبي الحُسَيْنِ أَحْمَد بن سُلَيْمَانَ بنِ أَبِي شَيْبَةَ الرَّهَاوِيّ، والتي أخرجها البيهقي في «الدعوات الكبير» (226) من طريق يَحْيَى بن أَبِي طَالِبٍ، كلاهما عن زَيْد بن الحُبَابِ، به، مطولاً.

وفي آخره:

"قالَ زَيْدُ بنُ الحُبَابِ: فَحَدَّثْتُ زُهَيْرَ بنَ مُعَاوِيَةَ بِهَذَا الحَدِيثِ فقال: حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ بِهَذَا الحَدِيثِ بِعَيْنِهِ، وَأَخْبَرَنِي بِهِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَالِكِ بنِ مِغْوَلٍ".

قلت: هذا الحديث مشهور عن مالك بن مغول، رواه عنه جماعة حتى رواه عنه شيخه أبو إسحاق السبيعي، وكان يُحدّث به مطولاً، وكان يحدّث به مختصراً بقصة الأشعري فقط ليس فيه قصة الدعاء.

ورواه وَكِيع بن الجراح، ويَحْيَى بنِ سَعِيدٍ القطان، وأَبو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، والنُّعْمَان بن عَبْدِالسَّلَامِ، كلهم عن مَالِك بن مِغْوَلٍ، بهذا الإسناد بِقِصَّةِ الدُّعَاءِ فقط: أنه سَمِعَ رَجُلًا، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الْأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَقَدْ سَأَلْتَ اللَّهَ بِالِاسْمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ».

وفي رواية عن عثمان بن عمر عند ابن عساكر في «تاريخه» (32/41): "وإذا الرجل أبو موسى الأشعري".

·       الاختلاف في إسناد الحديث!

وقد تفرد به مالك بن مغول بهذه السياقة!!

وخالفه حسينُ بن ذَكْوان المُعلِّم البصري في إسناده وبعض متنه!

رواه عبدالوارث بن سعيد التميمي البصري، عن حُسَيْن المُعَلِّم البصري، عَنِ عبدالله بنِ بُرَيْدَةَ، قال: حَدَّثَنِي حَنْظَلَةُ بنُ عَلِيٍّ: أَنَّ مِحْجَنَ بنَ الْأَدْرَعِ، حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَدْ قَضَى صَلَاتَهُ وَهُوَ يَتَشَهَّدُ وَهُوَ يَقُولُ: "اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِاللهِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ الصَّمَدِ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ"، قَالَ: فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ» ثَلَاثَ مِرَارٍ.

رواه أحمد في «مسنده» (31/310) (18974)، وابن خزيمة في «صحيحه» (1/358) (724) عن عَبْدالصَّمَدِ بن عبدالوارث. وأبو داود في «سننه» (2/229) (985) عن أبي مَعْمَر عَبداللَّهِ بن عَمْرو المُقْعَد، كلاهما عن عبدالوارث، به.

ورواه النسائي في «السنن الكبرى» (2/79) (1225)، (7/125) (7618) عن عَمْرو بن يَزِيدَ البَصْرِيّ أَبي بُرَيْدٍ، عَنْ عَبْدِالصَّمَدِ بنِ عَبْدِالوَارِثِ، به.

ورواه الطبراني في «المعجم الكبير» (20/296) (703) عن عَلِيّ بن عَبْدِالعَزِيزِ. وأبو عبدالله ابن منده في «التوحيد» (2/61) عن أَبي مَسْعُودٍ أَحْمَد بن الفُرَاتِ. والحاكم في «المستدرك» (1/400) (985) من طريق جَعْفَر بن مُحَمَّدِ بنِ شَاكِرٍ، كلهم عن أَبي مَعْمَرٍ المُقْعَد، به.

قال الحاكم: "هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ".

ولما ذكر النسائي هذا الحديث قال: "خَالَفَهُ مَالِكُ بنُ مِغْوَلٍ".

·       ترجيح تعليل أبي حاتم الرازي، والرد على شعيب ورفاقه!

وقال ابن أبي حاتم في «علل الحديث» (5/416) (2082): وسألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ مالكُ بنُ مِغْوَل، عن ابنِ بُرَيْدة، عَنْ أَبِيهِ: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم دخَلَ المَسجِدَ فَإِذَا رجلٌ يَقُولُ: يَا أللهُ الواحدُ الصمدُ...، فذكَرَ الحديثَ؟

قال أبي: "رواه عبدُالوارثِ، عَنْ حُسَيْنٍ المُعَلِّم، عَنِ ابْنِ بُرَيْدة، عن حَنْظَلة ابن عليٍّ، عَنْ مِحْجَن بنِ الأَدْرَع، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم.

وحديثُ عبدِالوارثِ أشْبهُ".

قلت: أبو حاتم تكلّم على هذا الجزء من الحديث، ولا يعني أن حسين المعلم رواه بطوله كما رواه مالك بن مغول! فالظاهر أن مالك بن مغول قد دخل له حديث في حديث كما سأبينه إن شاء الله.

وما رجحه أبو حاتم هو الصواب؛ لأن حسين المعلم من أثبت الناس في عبدالله بن بريدة، ومالك بن مغول ليس بكثير الرواية عن ابن بريدة وهو كوفي ولم يضبط حديثه.

وعليه فلا قيمة لتعليق شعيب الأرنؤوط ورفاقه حول كلام أبي حاتم! حيث قالوا في تحقيق مسند أحمد: "قلنا: كذا قال أبو حاتم، ولا وجه لترجيح إحدى الروايتين على الأخرى، خاصة وأن ألفاظهما متباينة، فلا مانع أن يكونا قصتين، وأن يكون ابن بريدة رواهما جميعاً، ثم إن مالك بن مغول لم ينفرد به عن عبدالله بن بريدة، فقد تُوبع على بعضه كما سلف آنفاً".

قلت: يقصدون رواية الحسين بن واقد عن ابن بريدة! وهذا فيه نظر! لأن رواية الحسين بن واقد في ذكر الأشعري فقط! وحديث حسين المعلم في قصة دعاء الرجل فقط!!

وقال شعيب ورفيقه أيضاً في كلامهما على سنن أبي داود: "قلنا: كذا قال أبو حاتم، ولا وجه لترجيح إحدى الروايتين على الأخرى، فإن ألفاظهما متباينة، فلا مانع أن يكونا قصتين، وأن يكون ابن بريدة رواهما جميعاً".

قلت: القصة واحدة! والتباين بين ألفاظها يدلّ على عدم ضبط مالك بن مغول لها حيث خالف حسين المعلم بقوله: «لَقَدْ سَأَلْتَ اللَّهَ بِالِاسْمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ».

وفي رواية حسين: «قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ».

·       وهم لابن منده! وبيان خطأ في إسناد رواية أخرى!

وقال أبو عبدالله ابن منده في كتاب «التوحيد» (1/65): "ورَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بنُ مُسْلِمٍ البَصْرِيُّ، وَعَبْدُالوَارِثِ بنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ جُحَادَةَ، عَنْ ابنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ. وقَالَ عَبْدُالْوَارِثِ، عَنْ حُسَيْنِ المُعَلِّمِ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ حَنْظَلَةَ بنِ عَلِيّ، عن مِحْجَنِ بنِ الْأَدْرَعِ".

قلت: وهم ابن منده في الجمع بين رواية إسماعيل بن مسلم وعبدالوارث!!!

فقد قال المزي في «تحفة الأشراف» (2/90): "ورواه إسماعيل بن مسلم، عن محمد بن جحادة، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه. ورواه عبدالوارث بن سعيد، عن محمد بن جحادة، عن رجلٍ، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه".

قلت: فرواية إسماعيل تختلف عن رواية عبدالوارث، وزاد عبدالوارث في الإسناد "عن رجل"! والاختلاف فيه على محمد بن جحادة.

ثم إن هذا الحديث "عن سليمان بن بريدة" لا عن أخيه عبدالله!! وهذا خطأ!! ولم يتنبّه له ابن منده فجعله "عن ابن بريدة" دون تحديد من هو؟ سليمان أم عبدالله!! والظاهر كما ذكره المزي أنه من رواية محمد بن جحادة عن سليمان بن بريدة!!

وهذا الإسناد فيه وهم من وجهين! الأول في كلا الروايتين عن محمد بن جحادة ذكر "سليمان بن بريدة"! وإنما هو "عبدالله بن بريدة"! والثاني: إسقاط الرجل من رواية إسماعيل بن مسلم البصري! والخطأ منه وهو ضعيف جداً، تركه بعضهم.

·       رواية مسندة عن عبدالوارث ليس فيها: "عن رجل"!

ثم وجدت رواية مسندة عن عبدالوارث ليس فيها: "عن رجل"!

فقد ذكر المزي - كما سبق – أن عبدالوارث بن سعيد رواه، عن محمد بن جحادة، عن رجلٍ، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، وخالف فيه إسماعيل بن مسلم.

لكن روى أبو الحسن علي بن أحمد بن عمر بن حفص المُقرئ الحَمَّاميّ كما في «الجزء التاسع مِن الفوائدِ المُنتقاةِ مِن حديثه عن شيوخِهِ - انتقاءُ أبي الفتحِ ابنِ أبي الفَوارسِ الحافظِ» (6) قال: حدثنا أبو سهلٍ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ زيادٍ، قال: حدثنا صالحُ بنُ محمدٍ الرَّازيُّ، قال: حدثنا محمدُ بن عمرَ القَصَبيُّ، قال: حدثنا عبدُالوارثِ، قال: حدثنا محمدُ بنُ جُحادةَ، عن سليمانَ بنِ بُريدةَ، عن أَبيه قالَ: كنتُ معَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ليلةً أَمشي، فسمعَ رجلاً يَقرأُ يَرفعُ صوتَهُ بالقراءةِ، فقالَ لي: «يا بريدةُ» قلتُ: لبيَّكَ يا رسولَ اللهِ وسعدَيْكَ، قال: «أَتراهُ مُرائياً؟» قلتُ: اللهُ ورسولُهُ أعلمُ، قالَها ثلاثاً، قالَ: «بلْ هو مؤمنٌ مُنيبٌ»، ثم أَتى على رجلٍ يقولُ: اللهمَّ إنِّي أسألُكَ بأنَّك اللهُ لا إلَه إلا أنتَ الأحدُ الصمدُ الذي لم يلدْ ولم يولدْ ولم يكنْ لكَ كُفواً أحدٌ، فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لقدْ دَعا اللهَ عزَّ وجلَّ باسمِهِ الذي إذا دُعيَ بِه استجابَ».

قالَ أبو الفتحِ الحافظ: "هذا حديثٌ غريبٌ مِن حديثِ محمدِ بنِ جُحادةَ، عن سليمانَ بنِ بُريدةَ، لا أعلمُ حدَّثَ بِه إلا عبدُالوارثِ بنُ سعيدٍ".

فهذه الرواية ليس فيها: "عن رجل"! وهي من رواية عبدالوارث! وأغلب الظن أنه ربما سقطت من النسخ؛ لأن المزي جزم بأن في رواية عبدالوارث: "عن رجل"!

وعلى كل حال فحديث محمد بن جحادة لا يصح؛ ولهذا قال أبو الفتح الحافظ بأنه غريب!!

·       ترجيح ابن منده لرواية مالك بن مغول على رواية حسين المعلم! والرد عليه!

قال أبو عبدالله ابن منده في كتاب «التوحيد» (2/60): "هذا حَدِيثٌ مَشْهُورٌ عَنْ مَالِكِ بنِ مِغْوَلٍ. رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مَالِكٍ، ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْ مَالِكٍ، وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بنُ جُحَادَةَ، عَنِ ابنِ بريدة، عَنْ أَبِيهِ. وخَالَفَهُمَا حُسَيْنٌ المُعَلِّمُ، وحَدِيثُ مَالِكٍ أَشْبَهُ".

قلت: رجّح ابن منده حديث مالك بن مغول لأنه عدّ رواية محمد بن جحادة متابعة له في مقابل رواية حسين المعلم! وليس كذلك!! فقد بيّنت أن رواية محمد بن جحادة فيها اختلاف عليه، وهو يرويها عن رجل مجهول عن سليمان بن بريدة لا عبدالله!! والحديث لا يُعرف عن سليمان وإنما لأخيه عبدالله.

فرواية محمد بن جحادة غير معتبرة! والمعوّل على رواية مالك بن مغول مقابل رواية حسين المعلم، ورواية المعلم أرجح، وهي الصواب؛ لأن المعلم البصري أثبت في عبدالله بن بريدة من الرواة الكوفيين عن عبدالله بن بريدة.

·       من أين جاءت رواية مالك بن مغول في هذا الحديث؟!

تبيّن لنا أن حديث مالك بن مغول عن عبدالله بن بريدة عن أبيه فيه ما يتعلق بأبي موسى الأشعري، وقصة الرجل الذي دعا.

أما قصة الدعاء فقد أخطأ مالك بن مغول فيها وكأنه أدخلها في هذا الإسناد فوهم!

فالحديث معروف عن أبي بردة عن أبي موسى.

رواه البخاري في «صحيحه» (6/195) (5048) قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ خَلَفٍ أَبُو بَكْرٍ، قال: حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الحِمَّانِيُّ، قال: حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بنُ عَبْدِاللَّهِ بنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: «يَا أَبَا مُوسَى لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ».

·       الاختلاف على مالك بن مِغول!

وقد روى الطبراني في «المعجم الأوسط» (2/97) (1369) من طريق عَبْداللَّهِ بن عُمَرَ بنِ أَبَانَ، عن مُحَمَّد بن فُضَيْلٍ الكوفي، عَنْ مَالِكِ بنِ مِغْوَلٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ قِرَاءَةَ أَبِي مُوسَى، فَقَالَ: «لَقَدْ أُعْطِيَ هَذَا مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ».

قال الطبراني: "لمْ يَرْوِ هذا الحَدِيثَ عَنْ مَالِكِ بنِ مِغْوَلٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ إِلَّا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ! وَرَوَاهُ النَّاسُ: عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ ابن بريدة، عَنْ أَبِيهِ".

قلت: محمد بن فضيل الكوفي ثقة، وبحسب أصول الحديث فإن رواية الجماعة ترجح على روايته، لكن لا أظنه أخطأ في هذه الرواية، وإنما الخطأ والاختلاف من مالك بن مغول شيخه!

والذي أميل إليه أن رواية ابن فضيل عن مالك بن مغول هي الصواب، وقد وهم فيها عندما حدث بها عن ابن بريدة عن أبيه! فكأنه لم يضبط الاسم للتشابه بين: "أبي بُردة" و"ابن بُريدة"!! فظنّ أنه ابن بريدة فسلك الجادة ورواه عنه عن أبيه!! والله أعلم.

·       رواية الحسين بن واقد المروزي لهذا الحديث عن عبدالله بن بُريدة!

ويُحتمل أنه أخذ هذا الحديث من قرينه "الحسين بن واقد المروزي"! فقد تفرد الحسين به عن عبدالله بن بريدة!! وتفرداته عنه منكرة!!!

رواه البخاري في «الأدب المفرد»، "بَابُ قَوْلِ الرَّجُلِ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي"، (805)، وفي "بَاب مَنْ قَالَ: مَنْ ذَا؟ فَقَالَ: أَنَا"، (1087) قال: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ الحَسَنِ، قالَ: أَخْبَرَنَا الحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ: خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى المَسْجِدِ وَأَبُو مُوسَى يَقْرَأُ، فَقَالَ: «مَنْ هَذَا؟» فَقُلْتُ: أَنَا بُرَيْدَةُ جُعِلْتُ فِدَاكَ، قَالَ: «قَدْ أُعْطِيَ هَذَا مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ».

ورواه الحاكم في «المستدرك» (4/314) (7757) من طريق مُحَمَّد بن مُوسَى بنِ حَاتِمٍ البَاشَانِيّ، عن عَلِيّ بن الحَسَنِ بنِ شَقِيقٍ، عن الحُسَيْن بن وَاقِدٍ، به.

قال الحاكم: "هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ بِهَذِهِ السِّيَاقَةِ".

فهذا الحديث بهذا الإسناد تفرد به الحسين بن واقد عن عبدالله، وهو يتفرد عن عبدالله بن بريدة بأحاديث منكرة!

فيُحتمل أن مالك بن مغول الكوفي (ت159هـ) أخذه من قرينه الحسين بن واقد (ت159هـ)، فدخل لمالك حديث في حديث، والله أعلم.

الحديث الرابع: النهي عن زيارة القبور ثم نسخ ذلك:

قال مسلم في «صحيحه»، كتاب الجنائز، (2/672) (977): حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بنُ عَبْدِاللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَمُحَمَّدُ بنُ الْمُثَنَّى، - وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ وَابنِ نُمَيْرٍ - قالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ - وهُوَ: ضِرَارُ بنُ مُرَّةَ-، عَنْ مُحَارِبِ بنِ دِثَارٍ، عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُورُوهَا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ، فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا».

قَالَ ابنُ نُمَيْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: "عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ".

قال: وحَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ يَحْيَى، قال: أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ زُبَيْدٍ اليَامِيِّ، عَنْ مُحَارِبِ بنِ دِثَارٍ، عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ، أُرَاهُ عَنْ أَبِيهِ - الشَّكُّ مِنْ أَبِي خَيْثَمَةَ - عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ح].

وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، قال: حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بنُ عُقْبَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ح].

وحَدَّثَنَا ابنُ أَبِي عُمَرَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِالرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَطَاءٍ الخُرَاسَانِيِّ، قالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُاللهِ بنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّهُمْ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي سِنَانٍ.

وقال في كتاب الأضاحي، (3/1563) (1977): حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلٍ، - قالَ أَبُو بَكْرٍ: عَنْ أَبِي سِنَانٍ، وَقَالَ ابنُ الْمُثَنَّى: عَنْ ضِرَارِ بنِ مُرَّةَ، عَنْ مُحَارِبٍ، عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ [ح].

وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِاللهِ بنِ نُمَيْرٍ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلٍ، قال: حَدَّثَنَا ضِرَارُ بنُ مُرَّةَ أَبُو سِنَانٍ، عَنْ مُحَارِبِ بنِ دِثَارٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ، فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا».

قال: وحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بنُ الشَّاعِرِ، قال: حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بنُ مَخْلَدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ، عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ، فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي سِنَانٍ.

وقال مسلمٌ في كتاب الأشربة، (3/1584) (977): حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلٍ، - قَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَنْ أَبِي سِنَانٍ، وقَالَ ابنُ الْمُثَنَّى: عَنْ ضِرَارِ بنِ مُرَّةَ، عَنْ مُحَارِبٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ [ح].

وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِاللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلٍ، قال: حَدَّثَنَا ضِرَارُ بنُ مُرَّةَ أَبُو سِنَانٍ، عَنْ مُحَارِبِ بنِ دِثَارٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ، فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا».

قال: وحَدَّثَنَا حَجَّاجُ بنُ الشَّاعِرِ، قال: حَدَّثَنَا ضَحَّاكُ بنُ مَخْلَدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ، عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «نَهَيْتُكُمْ عَنِ الظُّرُوفِ، وَإِنَّ الظُّرُوفَ - أَوْ ظَرْفًا - لَا يُحِلُّ شَيْئًا وَلَا يُحَرِّمُهُ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ».

قال: وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، قال: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مُعَرِّفِ بنِ وَاصِلٍ، عَنْ مُحَارِبِ بنِ دِثَارٍ، عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الْأَشْرِبَةِ فِي ظُرُوفِ الْأَدَمِ، فَاشْرَبُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ غَيْرَ أَنْ لَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا».

·       كيفية تخريج مسلم للحديث والإشارة إلى أن الحديث يرويه عبدالله وسليمان عن أبيهما!

قلت: خرّج مسلم الحديث في الموضع الأول من طريق مُحَارِبِ بنِ دِثَارٍ، عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ.

والظاهر أنه أراد بيان أن ما جاء في بعض الروايات "عن ابن بريدة" أنه: "عبدالله بن بريدة" كما في رواية ابن نمير!!

ثم أتى برواية عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ!

ثم ختم برواية عَطَاءٍ الخُرَاسَانِيِّ، عن عَبْداللهِ بن بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ!

وكأن مسلماً - رحمه الله- أراد أن يُثبت أن عبدالله وسليمان كليهما روى هذا الحديث عن أبيهما.

ولكنه في الموضع الثاني والثالث لم يُبيّن أنه عبدالله في رواية سفيان، وتركه كما هو: "ابن بريدة"، والناظر في الإسناد الأول يظنّ أن ابن بريدة في الإسناد الثاني - رواية سفيان-، هو: "عبدالله بن بريدة"! وليس كذلك! وإنما هو: "سليمان بن بريدة".

وترتيب مسلم لأسانيد هذا الحديث غريبٌ جداً!! وهذا يرد على من توسع في مسألة ترتيب مسلم للأحاديث في الباب الواحد، وأنه أراد بيان العلل في بعض الأبواب!!

نعم، لا ننفي أنه أحياناً يقصد بيان علل بعض الأسانيد، لكن هذا يحتاج لطول نظر!! والاعتماد على الترتيب دائماً فيه توسع غير محمود!! والله أعلم.

·       تخريج الحديث:

·       حديث مُحَارِبِ بنِ دِثَارٍ الكوفيّ:

أما حديث مُحَارِبِ بنِ دِثَارٍ فهو في «مصنف ابن أبي شيبة» (3/29) (11804)، و(5/67) (23748).

وأخرجه أحمد في «مسنده» (38/55) (22958) عن مُحَمَّد بن فُضَيْلٍ. وعن أحمد أخرجه علي بن الجعد في «مسنده» (1992).

وأخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (2/464) (2170)، و(5/96) (5142) عن مُحَمَّد بن آدَمَ بنِ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابنِ فُضَيْلٍ.

وأخرجه أبو عوانة في «مستخرجه» (5/84) (7883) عن عَلِيّ بن حَرْبٍ الطَّائِيّ، عن مُحَمَّد بن فُضَيْلٍ.

وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» (12/213) (5391) من طريق قُتَيْبَة بن سَعِيدٍ، و(12/222) (5400) من طريق مُحَمَّد بن المُثَنَّى، كلاهما عن مُحَمَّد بن فُضَيْلٍ، عَنْ ضِرَار بن مُرَّةَ أَبي سِنَانٍ، عَنْ مُحَارِبِ بنِ دِثَارٍ، عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ.

وأخرجه أبو داود في «سننه» (5/138) (3235)، (5/538) (3698) عن أحمد بن يونسَ، عن مُعَرِّف بن واصلٍ، عن مُحاربِ بن دِثارٍ، به، نحوه.

·       رأي عليّ بن الجعد بأن الحديث محفوظ عن عبدالله وسليمان عن أبيهما!

وأخرجه عليّ بن الجعد في «مسنده» (ص: 293) (1989) عن معرف بن واصل، عن محارب بن دثار، به.

ثم أخرجه (1991) عن أحمد بن حنبل، عن وكيع، عن معرف بن واصل، عن محارب، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه.

قال علي بن الجعد: "في هذا الكتاب: عن معرف بن واصل، عن محارب، عن ابن بريدة، عن أبيه، ولم يسمه.

وقال أحمد عن وكيع، عن معرف، عن محارب، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه.

وعن ابن فضيل، عن أبي سنان، عن محارب، عن عبدالله بن بريدة، عن أبيه.

وقد رواه علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة".

ثم قال: "ولهذا الحديث طرق عن ابن بريدة، وأحسب الحديث عنهما جميعاً" – أي عن عبدالله وأخيه سليمان.

·       بيان أن الحديث محفوظ عن "سليمان بن بريدة" فقط!

قلت: كلّ الروايات لهذا الحديث فيها "عن ابن بريدة" غير مسمّى!! وكذا الرواة عن محمد بن فضيل لم يسموه إلا في رواية مُحَمَّد بن عَبْدِاللهِ بنِ نُمَيْرٍ عنه!! ونبّه الإمام مسلم لها. ورواية الإمام أحمد عن ابن فضيل!

وفي رواية معرف بن واصل وزُبيد اليامي عن مُحارب لم يُسمّ.

ومحارب بن دِثار وهو تابعي سمع من جابر بن عبدالله وغيره، وهو معروف بالرواية عن "سليمان بن بريدة" لا "عبدالله بن بريدة"! وهو أكبر من سليمان.

·       نصّ البزار على أن "ابن بريدة" في الحديث هو "سليمان بن بريدة"، وقاعدة عامة في ذلك:

وقد نصّ على أنه "سليمان بن بريدة" الحافظ أبو بكر البزار لمّا خرّج الحديث في «مسنده» (10/312) (4435) عن مُحَمَّد بنَ المُثَنَّى، عن مُحَمد بن فُضَيْلٍ، عَنْ ضِرَارٍ أَبِي سِنَانٍ عَنْ مُحَارِبِ بنِ دِثَارٍ، عَن ابنِ بُرَيدة، عَن أَبيهِ، وهُو سُلَيْمَانُ بنُ بُرَيدة، عَن أَبيهِ، رَضِي اللَّهُ عَنْهُ.

وكذا نصّ على ذلك في حديث آخر خرّجه أيضاً في «مسنده» (10/334) (4464) عن مُحَمد بن مسكين، قال: حَدَّثنا سَعِيد بن سليمان، قَال: حَدَّثنا مَنْصُورُ بنُ أَبِي الأَسْوَدِ، عَن عَطاء بنِ السَّائِبِ عَنْ مُحَارِبِ بنِ دِثَارٍ، عَن ابْنِ بُرَيدة، وهُو سُلَيْمَانُ، عَن أَبيهِ - رَضِي اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ سَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم جَعْفَرًا، رَضِي اللَّهُ عَنْهُ، حِينَ قَدِمَ مِنَ الحَبَشَةِ مَا أَعْجَبُ شَيْءٍ رَأَيْتَهُ، الحديث.

وساق البزار قاعدة عامة في معرفة "ابن بريدة" الذي لا يُسمى في الأسانيد.

قال في «مسنده» (9/311) و(10/376): "عَلْقَمَةُ بنُ مَرْثَدٍ إِنَّمَا يُحَدِّثُ عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ. وَمُحَارِبُ بنُ دِثَارٍ إِنَّمَا يُحَدِّثُ عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ، وَمُحَمَّدُ بنُ جُحَادَةَ إِنَّمَا يُحَدِّثُ عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ، وَسُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ إِنَّمَا يُحَدِّثُ بِحَدِيثِ ابنِ بُرَيْدَةَ فَذَكَرَ غَيْرَ وَاحِدٍ فِيهِ عَنْ سُلَيْمَانَ، وَبَعْضُهُمْ قَالَ: عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ وَلَمْ يُسَمِّهِ وَهُوَ عِنْدِي سُلَيْمَانُ، والبَاقِينَ مِنْ أَصْحَابِ ابنِ بُرَيْدَةَ إِنَّمَا يُحَدِّثُونَ عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ بُرَيْدَةَ إِلَّا رَجُلٌ سمى سُلَيْمَانَ".

قلت: فكلّ حديث يرويه علقمة بن مرثد ومحارب بن دِثار ومحمد بن جحادة والأعمش عن ابن بريدة فهو: "سليمان بن بريدة"، وأي راو آخر يروي عن "ابن بريدة" فهو "عبدالله بن بريدة" ما لم يصرّح بأنه سليمان بن بريدة.

·       اتباع البيهقي للإمام مسلم في أن "ابن بريدة" في الحديث هو: "عبدالله"! وكذا المزي في «التحفة»!

وقد روى البيهقي الحديث في «السنن الكبرى» (9/491) (19214) من طريق خَلَّاد بن يَحْيَى، عن مُعَرِّف، عن مُحَارِب بن دِثَارٍ، عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، مرفوعاً.

ثم قال: "أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُعَرِّفِ بنِ وَاصِلٍ، وَابنُ بُرَيْدَةَ هَذَا: عَبْدُاللهِ بنُ بُرَيْدَةَ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سِنَانٍ ضِرَارِ بنِ مُرَّةَ، عَنْ مُحَارِبِ بنِ دِثَارٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ".

وذكر المزي الحديث في ترجمة «عبدالله بن بريدة» من «تحفة الأشراف» (2/91).

·       متابعة الإمام أحمد لابن نُمير في تسمية "ابن بريدة" في إسناده!

وجاء في «مسند أحمد» (38/55) (22958): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلٍ، قال: حَدَّثَنَا ضِرَارٌ - يَعْنِي ابنَ مُرَّةَ أَبُو سِنَانٍ-، عَنْ مُحَارِبِ بنِ دِثَارٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ.

كذا في المسند، وكذا رواه ابن الجعد عن أحمد كما مر سابقاً في التخريج، وهذه متابعة لمحمد بن عبدالله بن نُمير في تسمية "ابن بريدة" بأنه "عبدالله"!

فيحتمل أنّ ابن فضيل كان يسميه أحياناً ويهمله أحياناً! وقد وهم في ذلك؛ لأن المحفوظ أن "ابن بريدة" هنا هو "سليمان" لا "عبدالله".

ويُحتمل أن تكون التسمية من ابن نُمير ومن أحمد، والله أعلم.

·       هل اضطرب ابن حجر في تسمية "ابن بريدة"!

وقد ساق ابن حجر طرق الحديث في «إتحاف المهرة» (2225) و(2229) في ترجمة "سُلَيْمَان بن بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ".

ثم ذكر الحديث أيضاً من طرق أخرى في ترجمة: "عبدالله بن بريدة عن أبيه" (2314).

فابن حجر ذكر الحديث عن سليمان وعبدالله عن أبيهما! لكنه قال في «تقريب التهذيب» "باب من نسب إلى أبيه" (ص: 687): "ابن بريدة: هو عبدالله وأخوه سليمان. قال البزار حيث روى علقمة ابن مرثد ومحارب ومحمد ابن جحادة عن ابن بريدة فهو سليمان، وكذا الأعمش عندي، وأما من عداهم فهو عبدالله".

فالظاهر أن ابن حجر ساق الحديث بحسب وقوعه له في الأسانيد، ولم يُرجح الصواب في ذلك! وكأنه رأى أن الحديث محفوظ عن عبدالله وسليمان عن أبيهما!

فإن كان كذلك فقد ناقض نفسه بما أورده في تقريبه عن القاعدة التي ذكرها عن البزار في معرفة من ابن بريدة إذا لم يُسمّ في الأسانيد! والله أعلم.

·       زيادة في متن حديث مُحارب بن دِثار من رواية زُبيد اليامي!

وأما حديث زُبَيْد بن الحَارِثِ اليَامِيّ عَنْ مُحَارِبِ بنِ دِثَار: ففيه زيادة على حديث ضِرَار بن مُرَّةَ ومُعَرِّف بن واصلٍ، عَنْ مُحَارِبِ بنِ دِثَارٍ!!

وقد سبق بيان أن مسلماً رواه مختصراً من حديث أَبي خَيْثَمَةَ زُهَيْر بن مُعَاوِيَةَ، عَنْ زُبَيْدٍ اليَامِيِّ، عَنْ مُحَارِبِ بنِ دِثَارٍ، عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ.

وقد رواه جماعة عن زهير بزيادة: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَزَلَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَهُ قَرِيبٌ مِنْ أَلْفِ رَاكِبٍ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ فَقَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ فَفَدَاهُ بِالْأَبِ وَالْأُمِّ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا لَكَ؟ قَالَ: إِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي فِي اسْتِغْفَارٍ لِأُمِّي، فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، فَدَمَعَتْ عَيْنَايَ رَحْمَةً لَهَا مِنَ النَّارِ، وَإِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُورُوهَا لِتُذَكِّرَكُمْ زِيَارَتُهَا خَيْرًا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ فَكُلُوا وَأَمْسِكُوا مَا شِئْتُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ الْأَشْرِبَةِ فِي الْأَوْعِيَةِ فَاشْرَبُوا فِي أَيِّ وِعَاءٍ شِئْتُمْ، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا».

أخرجه أحمد في «مسنده» (38/111) (23003) عن حَسَن بن مُوسَى الأشيب، وأَحْمَد بن عَبْدِالمَلِكِ بن واقد الحرّاني.

وابن حبان في «صحيحه» (12/212) (5390) من طريق عَبْدالرَّحْمَنِ بن عَمْرٍو البَجَلِيّ الحراني.

والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (12/180) (4743)، والحاكم في «المستدرك» (1/532) (1391)، وأبو عوانة في «مستخرجه» (5/83) (7882)، جميعاً من طريق عَبْداللَّهِ بن مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيّ.

والطبراني في «المعجم الأوسط» (6/274) (6398)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (4/128) (7193) من طريق عَمْرِو بنِ خَالِدٍ الحَرَّانِيّ.

كلهم عن زُهَيْر بن مُعَاوِيَةَ، عَنْ زُبَيْد بن الحَارِثِ اليَامِيّ، به، مطولاً.

قال الطبراني: "لمْ يَرْوِ هذا الحَدِيثَ عَنْ زُبَيْدٍ اليَامِيِّ إِلَّا زُهَيْرُ بنُ مُعَاوِيَةَ" - يقصد بهذا الطول وذكر قصة أمه.

وقال الحاكم: "هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ".

·       الحديث حديث سليمان لا عبدالله!

قلت: ابن بريدة هنا هو: سليمان، وقد رُوي من طريق آخر عنه.

أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (3/29) (11808) عن محمد بن عبدالله الأسدي، عن سُفْيَان، عَنْ عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قال: «لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة أتى حرم قبر فجلس إليه، فجعل كهيئة المخاطب، وجلس الناس حوله فقام، وهو يبكي فتلقاه عمر، وكان من أجرأ الناس عليه فقال: بأبي أنت، وأمي يا رسول الله ما الذي أبكاك؟ قال: «هذا قبر أمي سألت ربي الزيارة فأذن لي، وسألته الاستغفار فلم يأذن لي فذكرتها فذرفت نفسي فبكيت» قال: فلم يُر يوماً كان أكثر باكياً منه يومئذ».

وأخرجه الحاكم في «المستدرك» (2/661) (4192) من طريق يَحْيَى بن يَمَانٍ، عن سُفْيَان، به، مختصراً بلفظ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَارَ قَبْرَ أُمِّهِ فِي أَلفِ مُقَنَّعٍ فَمَا رُئِيَ أَكْثَرُ بَاكِيًا مِنْ ذَلِكَ اليَوْمِ».

قال الحاكم: "هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ! إِنَّمَا أَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَحْدَهُ حَدِيثَ مُحَارِبِ بنِ دِثَارٍ عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي الِاسْتِغْفَارِ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي»".

·       وهمٌ للحاكم!

قلت: هذا وهم من الحاكم! فإن مسلماً لم يسق لفظ حديث مُحَارِبِ بنِ دِثَارٍ عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي الِاسْتِغْفَارِ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي»"! ولهذا قال البيهقي لما خرّج الحديث في «السنن الكبرى» (4/128): "رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ يَحْيَى بنِ يَحْيَى عَنْ زُهَيْرٍ دُونَ قِصَّةِ أُمِّهِ".

قلت: بل لم يسق مسلم إلا إسناد زهير عن اليامي، وأحال على ما قبله من متن حديث النهي عن زيارة القبور، وعن لحوم الأضاحي، والنهي عن النبيذ!

·       عجب من تصرف الإمام مسلم!

والعجب من الإمام مسلم كيف احتاج لهذا المتن الذي يرويه زهير بن معاوية عن اليامي في قصة زيارة قبر أمّه! ولم يذكره!!!

بل الأعجب من ذلك أنه ساق أسانيد حديث مُحَارِبِ بنِ دِثَارٍ، عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ في النهي عن زيارة القبور، وعن لحوم الأضاحي، والنهي عن النبيذ! ومنها إسناد زهير عن اليامي! كشاهد لحديث زيارته لقبر أمه!! مع أن الأسانيد التي ساقها لا يوجد فيها ذكر قصة زيارة أمّه!!! وإنما زيارة القبور عموماً!!

وأعجب من هذا كلّه أنه لم يسق لفظ حديث سُفْيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ! وفيه ما يتعلق بزيارة قبر أمّه!

ذكر الإمام مسلم في «صحيحه» (2/671) (976) قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ أَيُّوبَ، وَمُحَمَّدُ بنُ عَبَّادٍ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - قَالا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ يَزِيدَ - يَعْنِي: ابنَ كَيْسَانَ-، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي».

قال: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عُبَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بنِ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: زَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا القُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ».

قال: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بنُ عَبْدِاللهِ بنِ نُمَيْرٍ، وَمُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى، - وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ وَابنِ نُمَيْرٍ - قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ – وَهُوَ: ضِرَارُ بنُ مُرَّةَ-، عَنْ مُحَارِبِ بنِ دِثَارٍ، عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُورُوهَا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ، فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا». قَالَ ابنُ نُمَيْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: "عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ".

قال: وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ يَحْيَى، قال: أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ زُبَيْدٍ اليَامِيِّ، عَنْ مُحَارِبِ بنِ دِثَارٍ، عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ، أُرَاهُ عَنْ أَبِيهِ - الشَّكُّ مِنْ أَبِي خَيْثَمَةَ - عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ح].

وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، قال: حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بنُ عُقْبَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ح].

وحَدَّثَنَا ابنُ أَبِي عُمَرَ وَمُحَمَّدُ بنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِالرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَطَاءٍ الخُرَاسَانِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُاللهِ بنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّهُمْ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي سِنَانٍ.

قلت: حديث يزيد بن كيسان في زيارة قبر أمّه صلى الله عليه وسلم فيه دليل على زيارة القبور عامة حتى قبور المشركين! والأحاديث الأخرى التي ساقها في الشواهد الظاهر فيها التخصيص لزيارة قبور المسلمين فقط!

ولهذا أورد النسائي حديث محارب بن دثار وغيره في باب "زِيَارَة القُبُورِ"، وحديث يزيد بن كيسان في باب "زِيَارَة قَبْرِ المُشْرِكِ".

وكلا الحديثين فيهما نظر! أما حديث يزيد بن كيسان فقد تكلمت عليه في موضع آخر! وأما هذا الحديث - أعني حديث سليمان بن بريدة - فإنه منقطع! فسليمان لم يسمع من أبيه كما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى.

·       أحاديث أخرى وقع التصريح فيها بأن ابن بريدة هو: عبدالله!!

·       وخلطٌ لأبي حاتم للرازي!

قال أبو حاتم الرازي كما في «علل الحديث» (4/439) بعد أن أجاب ابنه عن علّة طريق لهذا الحديث: "وقَدْ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ عَنِ ابنِ بُرَيْدة، عَنْ أَبِيهِ: أَبُو سِنَان ضِرَارُ بنُ مُرَّة، وزُبَيدٌ اليَامِيُّ، عَنْ مُحَارِب بنِ دِثَار، وسِماكُ بنِ حَرْبٍ، والمُغِيرةُ بنِ سُبَيْع، وعَلْقَمةُ بنِ مَرْثَد، والزُّبَيرُ بنِ عَدِي، وعطاءٌ الخُرَاساني، وسَلَمَةُ بن كُهَيل، كلُّهم عَنِ ابنِ بُرَيْدة، عن أبيه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم".

قلت: الظاهر من قول أبي حاتم أن "ابن بريدة" هنا هو: "عبدالله"! لأنه جاء به مصرحاً في بعض الطرق التي ذكرها! ولهذا قال لما ذكر رواياتهم: "كلهم عن ابن بريدة"!! وكأنه لم ينظر إلى الروايات التي رويت عن "سليمان بن بريدة" لهذا الحديث! مع أنه ذكر رواية "علقمة بن مرثد"! وهذه الرواية عن سليمان بن بريدة عن أبيه، ولا اختلاف فيها!!!

وهذا تفصيل للروايات التي ذكرها:

أما رواية مُحَارِب بنِ دِثَار، فقد سبق الكلام عليها.

وأما رواية عَلْقَمةُ بنِ مَرْثَد:

فسبق أن مسلماً أخرجها عن أَبي بَكْر بن أَبِي شَيْبَةَ، عن قَبِيصَة بن عُقْبَةَ، عَنْ سُفْيَانَ الثوريّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وعن حَجَّاج بن الشَّاعِرِ، عن الضَحَّاك بن مَخْلَدٍ أبي عاصم النبيل، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ، عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «نَهَيْتُكُمْ عَنِ الظُّرُوفِ، وَإِنَّ الظُّرُوفَ - أَوْ ظَرْفًا - لَا يُحِلُّ شَيْئًا وَلَا يُحَرِّمُهُ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ».

لكن هناك زيادة في متن الحديث لم يذكرها مسلم فيما يتعلق بزيارة النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمّه!

أما حديث قبيصة عن سفيان:

·       نقد ابن سعد لهذا الحديث!

فأخرجه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (1/94) قال: أَخْبَرَنَا قَبِيصَةُ بنُ عُقْبَةَ أَبُو عَامِرٍ السُّوَائِيُّ، قال: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بنُ سَعِيدٍ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ، عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قالَ: «لَمَّا فَتْحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ أَتَى جِذْمَ قَبْرٍ فَجَلَسَ إِلَيْهِ وَجَلَسَ النَّاسُ حَوْلَهُ. فَجَعَلَ كَهَيْئَةِ المُخَاطِبِ. ثُمَّ قَامَ وَهُوَ يَبْكِي. فَاسْتَقْبَلَهُ عُمَرُ. وَكَانَ مِنْ أَجْرَأِ النَّاسِ عَلَيْهِ. فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا الَّذِي أَبْكَاكَ؟ فَقَالَ: هَذَا قَبْرُ أُمِّي سَأَلْتُ رَبِّي الزِّيَارَةَ فَأَذِنَ لِي وَسَأَلْتُهُ الاسْتِغْفَارَ فَلَمْ يَأْذَنْ لِي فَذَكَرْتُهَا فَرَقَقْتُ فَبَكَيْتُ. فَلَمْ يُرَ يَوْمًا كَانَ أَكْثَرَ بَاكِيًا مِنْ يَوْمَئِذٍ».

قالَ ابنُ سَعْدٍ: "وهَذَا غَلَطٌ! وَلَيْسَ قَبْرُهَا بِمَكَّةَ وَقَبْرُهَا بِالأَبْوَاءِ"!

قلت: لو صحّ هذا الحديث وأنه صلى الله عليه وسلم زار قبر أمّه لكان ذاك المكان مشهوراً!

·       تصحيح الترمذي للحديث!

وأما حديث أبي عاصم النبيل عن سفيان:

فأخرجه الترمذي في «جامعه» (2/361) (1054) قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ، وَمَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ، والحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ الخَلاَّلُ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمِ النَّبِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ، فَقَدْ أُذِنَ لِمُحَمَّدٍ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ أُمِّهِ، فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ» مختصراً.

قال الترمذي: "وفِي البَاب عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَابنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ".

قال: "حَدِيثُ بُرَيْدَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، والعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: لا يَرَوْنَ بِزِيَارَةِ القُبُورِ بَأْسًا، وَهُوَ قَوْلُ ابنِ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ".

وأخرجه ابن الجارود في «المنتقى» (863) عن مُحَمَّد بن يَحْيَى الذهلي.

وأبو عوانة في «مستخرجه» (5/83) (7881) عن سُلَيْمَان بن سَيْفٍ الحَرَّانِيّ.

كلاهما عن أَبي عَاصِمٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، فَإِنَّ مُحَمَّدًا أُذِنَ لَهُ فِي زِيَارَةِ أُمِّهِ، وَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ أَنْ تُمْسِكُوا عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِي فَوْقَ ثَلَاثٍ أَرَدْتُ بِذَلِكَ أَنْ يَتَّسِعَ أَهْلُ السَّعَةِ عَلَى مَنْ لَا سَعَةَ لَهُ، فَكُلُوا وَادَّخِرُوا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ الظُّرُوفِ وَإِنَّ ظَرْفًا لَا يَحِلُّ شَيْئًا وَلَا يُحَرِّمُهُ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ».

وأخرجه البزار في «مسنده» (10/327) (4454) عن أحمد بن الوزير البصري، عن أبي عاصم، به، بلفظ: «أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم فَأَتَى جِذْمَ حَائِطٍ فَجَلَسَ إِلَى قَبْرٍ كَأَنَّهُ مُخَاطِبٌ فَرَجَعَ فَقَالَ: هَذَا قَبْرُ أُمِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي زِيَارَتِهِ فَأَذِنَ لِي وَاسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي الاسْتِغْفَارِ فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، فَلَمْ نَرَ يَوْمًا أَكْثَرَ بَاكِيًا مِنْ ذَلِكَ اليَوْمِ».

·       متابعات لأبي عاصم النبيل:

وأخرجه البزار في «مسنده» (10/271) (4373) من طريق محمد بن يوسف الفِريابي.

والبيهقي في «السنن الكبرى» (8/540) (17486) من طريق مُحَمَّد بن كَثِير العبدي.

كلاهما عن سُفيان الثوري، عَن عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ، به.

·       متابعات لسفيان الثوري:

وأخرجه ابن الجعد في «مسنده» (2079) من طريق قيس بن الربيع، عن علقمة بن مرثد، به، مطولاً.

وأخرجه أبو داود الطيالسي في «مسنده» (2/152) (844) عن عبدالرحمن بن عبدالله المَسْعُودِيّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «رَخَّصَ فِي زِيَارَةِ القُبُورِ».

وأخرجه أبو يوسف القاضي في كتاب «الآثار» (996).

وأبو نُعيم الأصبهاني في «حلية الأولياء» (7/367) من طريق دَاوُدَ بن نُصير الطَّائِيِّ. وفي «مسند أبي حنيفة» - من تخريجه - (ص149) من طريق مَكِّيّ بن إِبْرَاهِيمَ البلخي، و(ص154) من طريق مُحَمَّد بن خَالِدٍ الوهبي.

كلهم (أبو يوسف، وداود، ومكيّ، ومحمد بن خالد) عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ، عَنْ ابن بريدة، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَقَدْ أُذِنَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ أُمِّهِ» الحَدِيثَ بِطُولِهِ.

·       وهم للإمام الحاكم!

ذكر الحاكم في «المستدرك» (1/530) بعض روايات النهي عن زيارة القبور، ثم قال: "والنَّاسِخُ لَهَا حَدِيثُ عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ كُنْتُ قَدْ نَهَيْتُكُمْ، عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلَا فَزُورُوهَا»، فَقَدْ أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ أُمِّهِ، وهَذَا الحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الكِتَابَيْنِ الصَّحِيحَيْنِ لِلشَّيْخَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا".

قلت: هذا من أوهام الحاكم - رحمه الله-! فإن قصد بالحديث المخرج في الصحيحين حديث علقمة بن مرثد، فهو وهم لأن البخاري لم يخرج لسليمان بن بريدة عن أبيه!

وإن قصد حديث إذنه في زيارة قبر أمه، فهو وهم كذلك؛ لأن البخاري لم يُخرجه، وخرجه مسلم لكن ليس من طريق علقمة بن مرثد عن سليمان عن أبيه، وإنما ساق مسلم الإسناد فقط، ولم يسق المتن.

·       محارب بن دثار وعلقمة بن مرثد:

قد ثبت أن محارب بن دثار وعلقمة بن مرثد رويا هذا الحديث عن سليمان بن بريدة عن أبيه.

وقد لقي علقمة محارب بن دثار.

روى محمد بن خلف المعروف بوكيع في «أخبار القضاة» (3/33) عَن قبيصة وأبي نعيم عَن الثوري، عَن علقمة بن مرثد أنه لقي محارب بن دثار، فقالَ لَهُ: أيا محارب كم تردد الخصوم؟ فقَالَ لَهُ محارب: إني والخصوم كما قَالَ: الأعشى:

أرقت وما هَذَا السهاد المؤرق *** وما بي من سقم وما بي معشق

ولكن أراني لا أزال بحادث *** أعادي بما لم يمس عندي وأطرق

وروى عن سُفْيَان، عَن مسعر، عَن علقمة بن مرثد، قالَ: قلت لمحارب بن دثار: إِلَى كم تردد الناس؟ فقال:

أعادي بما لم يمس عندي وأطرق.

وأما رواية سِماك بنِ حَرْبٍ:

فأخرجها البزار في «مسنده» (10/326) (4453) عن سلمة بن شَبِيب، قَال: حَدَّثنا عَبدالله بن الوزير الطائفي، قَال: حَدَّثنا مُحَمد بنُ جَابِرٍ، عَنْ سِمَاك بنِ حَرْبٍ، عَنِ القَاسِمِ بنِ عَبدالرَّحْمَنِ، عَن ابنِ بُرَيدة، عَن أَبيهِ، رَضِي اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِوَدَّانَ، أَوْ بِالْقُبُورِ، سَأَلَ الشَّفَاعَةَ لأُمِّه، أَحْسَبُهُ قَالَ: فَضَرَبَ جبريلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم صَدْرَهُ، وَقال: لا تَسْتَغْفِرْ لِمَنْ مَاتَ مُشْرِكًا، فَرَجَعَ، وهُو حزينٌ».

قال البزار: "ولا نَعْلَمُ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ بِهَذَا الإِسْنَادِ إلاَّ مُحَمد بنُ جَابِرٍ".

ورواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (3/219) (2966) عن إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاقَ السَّرَّاج النَّيْسَابُورِيّ، قالَ: حدثنا يَحْيَى بنُ يَحْيَى قَالَ: حدثنا مُحَمَّدُ بنُ جَابِرٍ، عَنْ سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ، عَنِ القَاسِمِ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ، عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلَا فَزُورُوهَا، وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ الظُّرُوفِ فَاشْرَبُوا فِيمَا شِئْتُمْ، وَلَا تَسْكَرُوا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَأَمْسِكُوا مَا شِئْتُمْ».

قال الطبراني: "لَمْ يَرْوِهِ عَنْ سِمَاكٍ إِلَّا مُحَمَّدٌ".

ورواه الدارقطني في «سننه» (5/466) (4677) من طريق محمد بن سليمان لُوَيْن، عن مُحَمَّد بن جَابِرٍ، به، بلفظ: «نَهَيْتُكُمْ عَنِ الظُّرُوفِ فَاشْرَبُوا فِيمَا شِئْتُمْ وَلَا تَسْكَرُوا».

قال الدارقطني: "رَوَاهُ غَيْرُهُ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ جَابِرٍ، فَقَالَ: «وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا»، وقَالَ ذَلِكَ يَحْيَى بنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ وَهُوَ إِمَامٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَابِرٍ".

ثم ساقه من حديث أَحْمَد بن إِبْرَاهِيمَ القُوهُسْتَانِيّ، عن يَحْيَى بن يَحْيَى، عن مُحَمَّد بن جَابِرٍ، بإسناده، بلفظ: «كُنَّا نَهَيْنَاكُمْ عَنِ الشُّرْبِ فِي الْأَوْعِيَةِ فَاشْرَبُوا فِي أَيِّ سِقَاءٍ شِئْتُمْ وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا».

قال الدارقطني: "وهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ".

قلت: مُحَمَّد بن جَابر بن سيّار بن طلق اليمامي الحنفي أَبُو عبدالله السحيمي ضعيفٌ جداً، وليس بحجة!

·       متابعة أيوب بن جابر لأخيه محمد بن جابر!

ورواه أحمد في «مسنده» (38/124) (23017) عن حُسَيْن بن مُحَمَّد بن بَهْرام المَرُّوذي، عن أَيُّوب بنُ جَابِرٍ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنِ القَاسِمِ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ، عَنْ ابنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِوَدَّانَ قَالَ: مَكَانَكُمْ حَتَّى آتِيَكُمْ، فَانْطَلَقَ، ثُمَّ جَاءَنَا وَهُوَ ثَقِيلٌ، فقال: إِنِّي أَتَيْتُ قَبْرَ أُمِّ مُحَمَّدٍ، فَسَأَلْتُ رَبِّي الشَّفَاعَةَ فَمَنَعَنِيهَا، وَإِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُورُوهَا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَكُلُوا، وَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ فِي هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ فَاشْرَبُوا فِيمَا بَدَا لَكُمْ».

قلت: أَيُّوب بن جَابِر بن سيار بْن طلق اليمامي السحيمي الحنفي ليس بشيء!

قال ابن معين: "كَانَ أَيُّوبُ بنُ جَابِرٍ، ومُحَمَّدُ بنُ جَابِرٍ لَيْسَا بِشَيْءٍ".

وقد أورد العقيلي هذا الحديث في منكرات «أيوب بن جابر» من ترجمته في «الضعفاء» (1/114)، فرواه من طريق مُحَمَّد بن جَعْفَرٍ الوَرْكَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بنُ جَابِرٍ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنِ القَاسِمِ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصلاة السَّلَامُ: «اشْرَبُوا فِيمَا بَدَا لَكُمْ وَلَا تَسْكَرُوا».

قال العقيلي: "لَمْ يُتَابِعْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ، ولَا أَصْلَ لَهُ مِنْ حَدِيثِ سِمَاكٍ، وَلَا يَصِحُّ فِي هَذَا المَتْنِ شَيْءٌ".

·       وهم لأبي الأحوص سلاّم بن سُليم!

ورواه الطيالسي في «مسنده» (2/710) (1466) قالَ: حَدَّثَنَا سَلَّامٌ، عَنْ سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ، عَنِ القَاسِمِ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ - وَلَيْسَ بِابْنِ أَبِي مُوسَى-: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اشْرَبُوا ولا تَسْكَرُوا».

ورواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (5/85) (23940) قال: حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن القاسم بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن أبي بردة – يعني: ابن نيار-، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اشربوا في الظروف ولا تسكروا».

ورواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (4/228) (6541) من طريق عَلِيّ بن مَعْبَدٍ، وَيَحْيَى بن عَبْدِالحَمِيدِ قَالَا: حدثنا أَبُو الْأَحْوَصِ سَلَّامُ بنُ سُلَيْمِ الحَنَفِيُّ، عَنْ سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ، عَنِ القَاسِمِ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بنِ نِيَارٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الشُّرْبِ فِي الْأَوْعِيَةِ، فَاشْرَبُوا فِيمَا بَدَا لَكُمْ، وَلَا تَسْكَرُوا».

ورواه النسائي في «السنن الكبرى» (5/105) (5167) عن هَنَّاد بن السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنِ القَاسِمِ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، به، مثله.

قال النسائي: "هذا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، غَلِطَ فِيهِ أَبُو الْأَحْوَصِ سَلَّامُ بنُ سُلَيْمٍ لَا نَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا تَابَعَهُ عَلَيْهِ مِنْ أَصْحَابِ سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ، وَسِمَاكٌ لَيْسَ بِالقَوِيِّ وَكَانَ يَقْبَلُ التَّلْقِينَ. قَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: كَانَ أَبُو الْأَحْوَصِ يُخْطِئُ فِي هَذَا الحَدِيثِ. خَالَفَهُ شَرِيكٌ فِي إِسْنَادِهِ وَلَفْظِهِ".

ثم ساقه من طريق يزيد بن هارون، عن شَرِيك النخعي، عَنْ سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ، عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الدُّبَّاءِ، والحَنْتَمِ، والنَّقِيرِ، والمُزَفَّتِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الظُّرُوفِ فَانْتَبِذُوا فِيمَا بَدَا لَكُمْ وَاجْتَنِبُوا كُلَّ مُسْكِرٍ».

قَال النسائي: "وخَالَفَهُ أَبُو عَوَانَةَ".

ثم ساقه من طريق أَبي عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ قِرْصَافَةَ امْرَأَةٍ مِنْهُمْ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «اشْرَبُوا وَلَا تَسْكَرُوا».

قَال النسائي: "وهذَا أَيْضًا غَيْرُ ثَابِتٍ، وَقِرْصَافَةُ هَذِهِ لَا نَدْرِي مَنْ هِيَ! والمَشْهُورُ عَنْ عَائِشَةَ خِلَافُ مَا رَوَتْ عَنْهَا قِرْصَافَةُ".

قلت: رُوي عن شريك بهذا الإسناد ما يتعلق بزيارة النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمّه! مرسلاً!

رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (1/94) عن مَالِك بن إِسْمَاعِيلَ النَّهْدِيّ أَبي غَسَّانَ، قال: أَخْبَرَنَا شَرِيكُ بنُ عَبْدِاللَّهِ، عَنْ سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ، عَنِ القَاسِمِ قَالَ: "اسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ أُمِّهِ فَأُذِنَ لَهُ، فَسَأَلَ المَغْفِرَةَ لَهَا فَأُبِيَ عَلَيْهِ".

وهذا مرسل!

ورواه الدارقطني في «السنن» (5/466) (4676) من طريق أَبي غَسَّانَ، قال: حدثنا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنِ القَاسِمِ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «اشْرَبُوا فِي المُزَفَّتِ وَلَا تَسْكَرُوا».

قال الدارقطني: "وَهِمَ فِيهِ أَبُو الْأَحْوَصِ فِي إِسْنَادِهِ ومَتْنِهِ. وقال غَيْرُهُ: عَنْ سِمَاكٍ، عَنِ القَاسِمِ، عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ: «وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا»".

قال ابنُ أَبِي حَاتِمٍ: سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ يَقُولُ: سَمِعْت أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: "حَدِيثُ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ القَاسِمِ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ خَطَأُ الْإِسْنَادِ، وَالْكَلَامِ، أَمَّا الْإِسْنَادُ، فَإِنَّ شَرِيكًا، وَأَيُّوبَ، وَمُحَمَّدًا ابْنَيْ جَابِرٍ رَوَوْهُ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ القَاسِمِ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا رَوَاهُ النَّاسُ: "انْتَبِذُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا".

قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: "وَكَذَلِكَ أَقُولُ: هَذَا خَطَأٌ، وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ".

وقال أحمد مرة: "كان أبو الأحوص يخطئ في هذا الحديث، خالفه شريك في إسناده ولفظه، يقول: عن أبي بردة. فقالوا له: ابن نيار؟ قال: نعم، ومرَّ فيه، فاحتج به أصحاب الأشربة، إنما الحديث حديث ابن بريدة".

قال ابن أبي حاتم في «العلل» (4/438): وسألتُ أَبَا زُرْعَةَ عَنْ حَدِيثٍ أَبِي الأَحْوَص، عَنْ سِماك، عَنْ القاسم بن عبدالرحمن، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَة؛ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «اشْرَبُوا فِي الظُّرُوفِ، وَلا تَسْكَرُوا»؟

قالَ أَبُو زُرْعَةَ: "وَهِمَ أَبُو الأَحْوَص فقالَ: عَنْ سِمَاك، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَة! قَلَبَ مِنَ الإِسْنَادِ مَوْضِعًا، وصحَّف فِي مَوْضِعٍ؛ أمَّا القَلْبُ: فَقَوْلُهُ: «عَنْ أَبِي بُرْدَة»، أَرَادَ: عَنِ ابنِ بُرَيْدة، ثُمَّ احْتَاجَ أَنْ يَقُولَ: «ابنُ بُرَيْدة، عَنْ أَبِيهِ»، فقَلَبَ الإِسْنَادَ بِأَسْرِهِ، وأَفْحَشَ فِي الخَطَإِ. وأَفْحَشُ مِنْ ذَلِكَ وأَشْنَعُ: تصحيفُهُ فِي مَتْنِه: اشْرَبُوا فِي الظُّرُوفِ، ولا تَسْكَرُوا".

وسئل الدارقطني عن هذا الحديث في «العلل» (6/26) (955)، فقال: "يَرْوِيهِ أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ.

وَاخْتُلِفَ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، فَقَالَ عَنْهُ سَعِيدُ بنُ سُلَيْمَانَ: عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ.

وَوَهِمَ فِيهِ عَلَى أَبِي الْأَحْوَصِ، وَوَهِمَ فِيهِ أَبُو الْأَحْوَصِ عَلَى سِمَاكٍ أَيْضًا.

وَإِنَّمَا رَوَى هَذَا الحَدِيثَ سِمَاكٌ، عن القاسم، عن ابن بريدة، عَنْ أَبِيهِ.

وَوَهِمَ أَيْضًا فِي مَتْنِهِ، فِي قَوْلِهِ: «ولا تَسْكَرُوا»، والمَحْفُوظُ عَنْ سِمَاكٍ، أَنَّهُ قَالَ: «وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ».

وقال البيهقي في «السنن الصغير» (3/336): "أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ أَبَا الْأَحْوَصِ وَهِمَ في إِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ، وَإِنَّمَا الرِّوَايَةُ عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ولا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا»".

وأما رواية المُغِيرة بنِ سُبَيْع:

فأخرجها ابن أبي شيبة في «المصنف» (3/30) (11813) عن عُبَيْدَة بن حُمَيْدٍ.

والبزار في «مسنده» (10/335) (4465) من طريق أَبي يَحْيَى التَّيْمِيّ.

والنسائي في «السنن الكبرى» (2/465) (2171) من طريق جرِير بن عبدالحميد.

كلهم عَن أَبِي فَرْوَةَ الهمداني، عَنِ المُغِيرَةِ بنِ سُبَيْعٍ البَجَلِيِّ، عَن ابنِ بُرَيدة، عَن أَبيهِ، رَضِي اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: «جَالَسْتُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم فرأيته كالحزين، فقال له رجل: مالي أَرَاكَ كَأَنَّكَ حَزِينٌ! قَالَ: ذَكَرْتُ أَنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِي أَنْ تَأْكُلُوهَا إلاَّ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فَكُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يَزُورَ قَبْرًا فَلْيَزُرْهُ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ الدُّبَّاء وَالحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالمُزَفَّتِ فَاجْتَنِبُوا كُلَّ مُسْكِرٍ، وَاشْرَبُوا فِيمَا بَدَا لَكُمْ».

قلت: في رواية جرير سماه: "عبدالله بن بريدة"! والمحفوظ: "عن ابن بريدة".

وأَبُو فَرْوَةَ الهَمْدَانِيُّ اسْمُهُ عُرْوَةُ بنُ الحَارِثِ الكوفي وهو صدوق. وقد تفرد به عن المغيرة بن سبيع! والمغيرة تابعي مستور الحال.

وأما رواية الزُّبَير بنِ عَدِي:

فأخرجها النسائي في «السنن الكبرى» (4/361) (4504) عن العَبَّاس بن عَبْدِالعَظِيمِ.

وأبو عوانة في «مستخرجه» (5/84) (7884) عن أَبي شَيْبَةَ بن أَبِي بَكْرِ بنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَسَعِيد بن مَسْعُودٍ المَرْوَزِيّ.

والبزار في «مسنده» (10/325) (4452) عن إبراهيم بن سَعِيد الجوهري.

وأبو بكر الإسماعيلي في «معجم شيوخه» (2/556) (192) من طريق إِبْرَاهِيم بن عَبْدِاللَّهِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أَبِي شَيْبَةَ.

كلهم عَنِ أَبي الجَوَّابِ الْأَحْوَصِ بنِ جَوَابٍ، عَنْ عَمَّارِ بنِ رُزَيْقٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّبَيْرِ بنِ عَدِيٍّ، عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَعَنِ النَّبِيذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ، وَعَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ، فَكُلُوا مِنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ مَا بَدَا لَكُمْ وَتَزَوَّدُوا وَادَّخِرُوا، وَمَنْ أَرَادَ زِيَارَةَ الْقُبُورِ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ، وَاشْرَبُوا وَاتَّقُوا كُلَّ مُسْكِرٍ».

قال البزار: "وهذَا الحَدِيثُ لا نعلَمُ رَوَاهُ عَن أَبِي إِسْحَاقَ إلاَّ عَمَّارُ بنُ رُزَيْقٍ، ولاَ نَعْلَمُ رَوَى الزُّبَيْرُ بنُ عَدِيّ عَنْ عَبداللَّهِ بنِ بُرَيدة، عَن أَبيهِ غَيْرَ هَذَا الحَدِيثِ".

قلت: لا يُحتمل عن أبي إسحاق! تفرد به أبو الجواب بهذا الإسناد!

قال ابن معين: "ثقة"، وقال مرة: "ليس بذاك القوي".

وقال أبو حاتم: "صدوق".

وقال ابن حبان في «الثقات»: "كان متقناً، ربما وهم".

قلت: إن صح فلا يصح أن ابن بريدة هو "عبدالله"! والمحفوظ أنه "سليمان".

وأما رواية عطاء الخُرَاساني:

فأخرجها مسلم كما تقدّم من طريق عَبْدِالرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَطَاءٍ الخُرَاسَانِيِّ، قالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُاللهِ بنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وهو في «مصنف عبدالرزاق» (3/569) (6708).

ورواه أحمد في «مسنده» (38/113) (23005) عن عَبْدالرَّزَّاقِ.

قلت: كذا وقعت تسميته «عبدالله بن بريدة»! ووقع غير مسمى في رواية أخرى من الطريق نفسها! فيشبه أن تكون تسميته من عبدالرزاق أو معمر! والله أعلم.

رواه عبدالرزاق أيضاً في «مصنفه» (9/208) (16957) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَطَاءٍ الخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابنِ بُرَيْدةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ نَبِيذِ الجَرِّ فَانْتَبَذُوا فِي كُلِّ وَعَاءٍ وَاجْتَنِبُوا كُلَّ مُسْكِرٍ».

ورواه الروياني في «مسنده» (1/68) (17) عن سَلَمَة بن شَبِيبٍ، عن عَبْدالرَّزَّاقِ، به.

ورواه الطبراني في «مسند الشاميين» (3/347) (2443) من طريق عُثْمَان بنِ عَطَاء بن أبي مسلم، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ بُرَيْدَةَ الأسلمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «حَلَّ نَبِيذَ الجَرِّ بَعْدَ إِذْ حَرَّمَهُ».

قلت: عثمان بن عطاء ضعيف، ولعل تسمية ابن بريدة منه! وسياق متنه مختلف عما سبقه من روايات.

وأما رواية سَلَمَة بن كُهَيل:

فأخرجها أحمد في «مسنده» (38/122) (23015) قال حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بنُ إِبْرَاهِيمَ، قال: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ إِسْحَاقَ، عَنْ سَلَمَةَ بنِ كُهَيْلٍ أَنَّهُ حَدَّثَ، عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ بُرَيْدَةَ بنِ حُصَيْبٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُورُوهَا؛ فَإِنَّ فِي زِيَارَتِهَا عِظَةً وَعِبْرَةً، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَكُلُوا وَادَّخِرُوا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ فِي هَذِهِ الْأَسْقِيَةِ فَاشْرَبُوا، وَلَا تَشْرَبُوا حَرَامًا».

ورواه البزار في «مسنده» (10/313) (4436) عن الفضل بن سَهْل، قَال: حَدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إِبْرَاهِيمَ بنِ سَعْد، عَن أَبيهِ، عَن مُحَمد بنِ إِسْحَاقَ، عَن سَلَمة بنِ كُهَيل، عَن ابْنِ بُرَيدة، عَن أَبيهِ، رَضِي اللَّهُ عَنْهُ: «أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم رَخَّصَ فِي الظُّرُوفِ بَعْدَ مَا نَهَى عَنْهَا».

قال البزار: "ولا نَعْلَمُ رَوَى سَلَمة بنُ كُهَيل، عَن ابنِ بُرَيدة، عَن أَبيهِ غَيْرَ هَذَا الحَدِيثِ، ولاَ رَواه عَنْ سَلَمَةَ إلاَّ مُحَمد بن إسحاق".

قلت: إسناد أحمد والبزار نفسه! عُيّن ابن بريدة في رواية أحمد، ولم يُعين في رواية البزار!

والحديث من رواية محمد بن إسحاق، وفيه كلام! وقد تفرد به عن سلمة بن كهيل!

والخلاصة أنّ رواية هذا الحديث من كل طرقه إنما الصواب فيها «عن سليمان بن بريدة» لا «عبدالله»!

وعليه فقد أخطأ من جعل سليمان بن بريدة متابعاً لأخيه عبدالله أو العكس! كما فعل الألباني في «إرواء الغليل» (3/225) حيث قال: "وسليمان بن بريدة قد تابعه أخوه عبدالله، وعنه سلمة بن كهيل بلفظ: كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإن في زيارتها عظة وعبرة"!!

·       روايات أخرى لهذا الحديث:

وقد رُوي هذا الحديث من طرق أخرى، منها:

·       رواية أبي جَنابٍ يحيى بن أبي حَيَّة الكَلْبي:

أخرجها أحمد في «مسنده» (38/145) (23038) عن حُسَيْن بن مُحَمَّدٍ، قال: حَدَّثَنَا خَلَفٌ - يَعْنِي: ابنَ خَلِيفَةَ-، عَنْ أَبِي جَنَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزَا غَزْوَةَ الْفَتْحِ، فَخَرَجَ يَمْشِي إِلَى القُبُورِ حَتَّى إِذَا أَتَى أَدْنَاهَا جَلَسَ إِلَيْهِ كَأَنَّهُ يُكَلِّمُ إِنْسَانًا جَالِسًا يَبْكِي قَالَ: فَاسْتَقْبَلَهُ عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يَأْذَنَ لِي فِي زِيَارَةِ قَبْرِ أُمِّ مُحَمَّدٍ، فَأَذِنَ لِي فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَأْذَنَ لِي فَأَسْتَغْفِرَ لَهَا فَأَبَى، إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ أَنْ تُمْسِكُوا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَكُلُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَعَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَزُرْ؛ فَقَدْ أُذِنَ لِي فِي زِيَارَةِ قَبْرِ أُمِّ مُحَمَّدٍ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيَدَعْ، وَعَنِ الظُّرُوفِ تَشْرَبُونَ فِيهَا الدُّبَّاءَ والْحَنْتَمَ وَالْمُزَفَّتَ وَأَمَرْتُكُمْ بِظُرُوفٍ، وَإِنَّ الْوِعَاءَ لَا يُحِلُّ شَيْئًا، وَلَا يُحَرِّمُهُ، فَاجْتَنِبُوا كُلَّ مُسْكِرٍ».

ورواه الخطيب البغدادي في «موضح أوهام الجمع والتفريق» (2/541) من طريق شريك بن عبدالله النَّخَعي، عن أبي جناب يحيى بن أبي حية الكلبي، بهذا الإسناد.

ورواه أحمد أيضاً في «مسنده» (38/156) (23052) عن وَكِيع، عن أَبي جَنَابٍ، به، مختصراً: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُورُوهَا، وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا».

وأبو جناب يحيى بن أبي حَيَّة الكَلْبي مشّاه بعض أهل العلم، وهو ضعيف.

·       رواية حماد بن خُوَار الضبي الكُوفِيّ:

أخرجها الدارقطني في «المؤتلف والمختلف» (2/925) من طريق هِشَام بن عَمَّار، قال: حَدَّثَنا [حمّاد بن] عبدالرَّحْمن الكلبي، قال: حَدَّثَنا حماد بن خُوَار الضَّبِيّ، عن عَبدالله بن بُرَيْدة الأَسْلَمِيّ، عن أبيه قال: «خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة تصيب أغصانها وجهه فقال: ألا إنا كنا نهيناكم عن ثلاث: عن زيارة القبور فزوروها فإنها عبرة، ونهيناكم عن لحمان الأضاحي أن تأكلوها بعد ثلاث، فأصلحوها وكلوها، ونهيناكم عن الأنبذة إلا في الأسقية الأدم التي يوكا عليها، فانتبذوا في ما شئتم، وكل مسكر حرام».

قلت: سقط من المطبوع "حماد بن" وهو ابن عبدالرحمن الكلبي. وهو الذي يروي عنه هشام بن عمار.

قال ابن ماكولا في «الإكمال» (3/201): "حماد بن خوار الضبي الكوفي، وقيل أنه تميمي، يروي عن عبدالله بن بريدة، روى عنه: حماد بن عبدالرحمن الكلبي".

وحماد هذا شيخ مجهول الحال!

وحماد بن عبدالرحمن الكلبي، قال فيه أبو حاتم: "شيخ مجهول، منكر الحديث، ضعيف الحديث".

وقال أبو زرعة الرازي: "يروي أحاديث مناكير".

·       هل روى عبدالله بن بريدة هذا الحديث عن أبيه؟!

روى ابن عدي في «الكامل» (5/531) في ترجمة «عُبَيدالله بن عَبدالله أبي المنيب الهروي» من طريق أَبي تُمَيْلَةَ يحيى بن واضح، عَن أَبِي المُنِيبِ، عَنْ عَبداللَّهِ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: «نَهَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَلاثِ خِلالٍ ثُمَّ رَخَّصَ فِيهِنَّ: عَنْ نَبِيذِ الجَرِّ، وَعَنْ لُحُومِ الأَضَاحِي، وَعَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ، ثُمَّ رَخَّصَ فِيهِنَّ، فَقَالَ: انْبُذُوا فِيهَا مَا بَدَا لَكُمْ، وَاجْتَنِبُوا كُلَّ مُسْكِرٍ، وَكُلُوا وَادَّخِرُوا مِنْ لُحُومِ الأَضَاحِي، وَزُورُوا الْقُبُورَ، ولاَ تَقُولُوا إِلا حَقًّا».

وأبو المنيب وثقه ابن معين.

وقال ابن معين: "روى عنه علي بن الحسين بن واقد، وأبو تميلة نسخة".

وقال أحمد: "ما أنكر حديث حسين بن واقد وأبي المنيب عن ابن بريدة".

وقَال البُخارِيُّ: "عنده مناكير".

وقال عَبْدالرَّحْمَنِ بن أَبي حَاتِم: سمعت أَبِي يَقُول: "هُوَ صَالِح"، وأنكر عَلَى الْبُخَارِي إدخاله فِي كتاب الضعفاء، وَقَال: "يحوّل منه".

وقال النسائي: "ثقة"، وقال في موضع آخر: "ضعيف".

وقال الآجري عن أبي داود: "ليس به بأس".

وقال الحاكم أبو أحمد: "ليس بالقوي عندهم".

وقال الحاكم أبو عبدالله: "مروزي ثقة يجمع حديثه".

وقال أبو أحمد ابن عدي: "روى عنه النضر بن شميل أحاديث مستقيمة". وقال أيضاً: "وهُوَ عندي لا بأس به".

وقال البيهقي: "لا يحتج بحديثه".

وقال الساجي: "عنده مناكير، امتنع ابن المبارك أن يأتيه".

وقال ابن حبان: "يروي عَن عبدالله بن بُرَيْدَة، روى عَنهُ أهل بَلَده. ينْفَرد عَن الثِّقَات بالأشياء المقلوبات! يجب مجانبة مَا يتفرد بِهِ وَالِاعْتِبَار بِمَا يُوَافق الثِّقَات دون الِاحْتِجَاج بِهِ".

وقال العقيلي: "لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ".

وقال ابن حجر: "صدوق يُخطئ".

قلت: هو ضعيف ولا يحتج به! وروايته عن عبدالله بن بريدة منكرة! وما يرويه عنه أبو تميلة نسخة، وكأنها منكرة!

وعليه فلا يثبت أن عبدالله بن بريدة روى هذا الحديث عن أبيه! وإنما راويه عن بريدة هو ابنه سليمان.

·       حديث آخر يدلّ على اختلاط اسم سليمان بن بريدة بأخيه عبدالله!!

روى أحمد في «مسنده» (38/161) (23061) قال: حَدَّثَنَا عَبْدُالصَّمَدِ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُالعَزِيزِ بنُ مُسْلِمٍ، قال: حَدَّثَنَا ضِرَارٌ أَبُو سِنَانٍ، عَنْ مُحَارِبِ بنِ دِثَارٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَهْلُ الجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ، هَذِهِ الْأُمَّةُ مِنْ ذَلِكَ ثَمَانُونَ صَفًّا».

كذا جاء في هذا الإسناد: «عبدالله بن بريدة»!

ورواه الإمام أحمد أيضاً (38/110) (23002) بالإسناد نفسه، ولم يُسمّه!!!

قال: حَدَّثَنَا عَبْدُالصَّمَدِ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُالعَزِيزِ بنُ مُسْلِمٍ، قال: حَدَّثَنَا ضِرَارٌ - يَعْنِي: ابنَ مُرَّةَ - أَبُو سِنَانٍ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ مُحَارِبِ بنِ دِثَارٍ، عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ، عن أبيه، به.

قلت: الحديث في غالب طرقه يُروى «عن ابن بريدة» لا يُسمى! وفي بعض طرقه «عن سليمان بن بريدة»! والحديث حديثه، ويبدو أن التسمية التي جاء في رواية أحمد من بعض الرواة أو النسّاخ! أو من أحمد نفسه، والله أعلم.

ورواه أحمد أيضاً في «مسنده» (38/23) (22940) عن عَفَّان بن مسلم الصفّار، عن عَبْدالعَزِيزِ بن مُسْلِمٍ القسملي، عن أَبي سِنَانٍ، عَنْ مُحَارِبِ بنِ دِثَارٍ، عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عن رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

ورواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (8/232) (8493) من طريق إِسْحَاق بن عُمَرَ بن سليط الهذلي البصري، عن عَبْدالعَزِيزِ القسملي، عن ضِرَار بن مُرَّةَ، عَنْ مُحَارِبِ بنِ دِثَارٍ، عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، به.

قال الطبراني: "لَمْ يَرْوِ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ ضِرَارٍ إِلَّا عَبْدُالعَزِيزِ"!

·       هل روى ضرار بن عمرو الملطي هذا الحديث؟! ووهم لابن عدي!!

ورواه ابن عدي في «الكامل» (5/160) في ترجمة «ضرار بن عَمْرو الملطي» عن القَاسِم بن اللَّيْثِ بنِ مَسْرُورٍ، عن عَبداللَّهِ بن مُعَاوِيَةَ، عن عَبدالعَزِيزِ بنِ مُسْلِمٍ، عَنْ ضِرَارِ بنِ عَمْرو، عَنْ مُحَارِبِ بنِ دِثَارٍ، عنِ ابنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، به.

فجعل هذا من مناكير ضرار بن عمرو!

قال يَحْيى بن مَعِين: "ضرار بن عَمْرو: ليس بشَيْءٍ، ولا يكتب حديثه".

ولما ذكر الذهبي في «الميزان» هذا الحديث من منكرات «ضرار بن عمرو» تعقبه الحافظ ابن حجر في «اللسان» وقال: "وحديث بريدة ليس هو من منكراته كما هنا فقد رواه ضرار بن مرة الثقة الثبت عن محارب بن دثار عن سليمان بن بريدة، عَن أبيه، به. أخرجه الترمذي من طريقه وقال: حسن. وقد روي عن علقمة بن مرثد، عَنِ ابن بريدة، عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يعني مرسلاً. قلت: ولكن اختلف فيه على علقمة فوصله الحسين بن حفص عن الثوري عنه، والله أعلم".

قلت: وهم ابن عدي في وضع هذا الحديث في ترجمة «ضرار بن عمرو»!! والصواب أنه من رواية «ضرار بن مرة».

فقد رواه أبو يعلى الموصلي كما في «معجمه» (211) قال: حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بنُ مُعَاوِيَةَ الجُمَحِيُّ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُالعَزِيزِ بنُ مُسْلِمٍ - يَعْنِي القَسْمَلِيَّ -: حَدَّثَنَا ضِرَارُ بنُ مُرَّةَ، عَنْ مُحَارِبٍ، به.

قلت: فهذا الطريق نفسه الذي رواه منه ابن عدي! وكأنه تحرّف في نسخته أو في النسخة التي اعتمد عليها، فتحرفت «مرة» إلى «عمرو»!!

فالحديث حديث «ضرار بن مرة» ولا علاقة لـ «ضرار بن عمرو» به! ولم يروه ابن عمرو حتى يكون متابعاً لابن مرة كما قال ابن حجر!!!

وقد تابع ضرار بن مرة عليه: مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلِ بنِ غَزْوَانَ:

رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (6/315) (31713) عن مُحَمد بن فُضَيْلٍ، عن أبي سنان ضِرَار بن مرة، عَن مُحَارِبِ بنِ دِثَارٍ، عَن ابنِ بُرَيدة، عَن أَبيهِ، عن رَسُول اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم، به.

ورواه الترمذي في «جامعه» (4/264) (2546) عن حُسَيْن بن يَزِيدَ الطَّحَّان الكُوفِيّ.

والبزار في «مسنده» (10/264) (4362) عن مُحَمَّد بن المُثَنَّى.

وابن حبان في «صحيحه» (16/498) (7459) عن مُحَمَّد بن زُهَيْرٍ أَبي يَعْلَى، عن مُحَمَّد بن المُثَنَّى البصري.

والحاكم في «المستدرك» (1/155) (273) عن أَبي العَبَّاسِ مُحَمَّد بن يَعْقُوبَ، عن أَحْمَد بن عَبْدِالجَبَّارِ العطارديّ.

كلهم عن محمد بن فُضيل، به.

·       تنبيه على خطأ في مطبوع مسند البزار!

ووقع في مطبوع «مسند البزار»: "ضرار بن عمرو"! وهو خطأ! والصواب: "ضرار بن مرة" كما في رواية ابن حبان من طريق محمد بن المثنى.

قال الترمذي: "هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلاً، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ. وَحَدِيثُ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ مُحَارِبِ بنِ دِثَارٍ حَسَنٌ".

وقال الحاكم: "هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ".

قلت: أما حديث علقمة بن مرثد، فروي متصلاً، ورُوي مرسلاً!

رواه ابن ماجه في «سننه» (2/1434) (4289) من طريق حُسَيْن بن حَفْصٍ الْأَصْبَهَانِيّ.

والدارمي في «سننه» (3/1873) (2877)، والبزار في «مسنده» (10/263) (4361) من طريق مُعَاوِيَة بن هِشَامٍ.

وابن حبان في «صحيحه» (16/499) (7460) من طريق مُؤَمَّل بن إِسْمَاعِيل.

والحاكم في «المستدرك» (1/155) (274) من طريق الحُسَيْن بن حَفْصٍ، ومُؤَمَّل بن إِسْمَاعِيلَ: حدثنا سُفْيَانُ، وعَمْرُو بن مُحَمَّدٍ العَنْقَزِيّ.

كلهم عن سُفْيَان الثوري، عَنْ عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «أَهْلُ الجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ، ثَمَانُونَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَأَرْبَعُونَ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ».

وفي رواية الدارمي: "عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ - قَالَ: أُرَاهُ - عَنْ أَبِيهِ".

قال الحاكم: "أَرْسَلَهُ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُالرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍّ عَنِ الثَّوْرِيِّ".

وأخرجه الحسين المروزي في زياداته على كتاب «الزهد» لابن المبارك (1572) عن مُؤَمَّل بن إِسْمَاعِيلَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ، عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ، قال: قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مرسلاً.

وأصل هذا الحديث من قول كعب الأحبار.

رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (6/315) (31716) من طريق عبدالله بن شقيق، عن قيس بن عباد، عن كعب قال: «أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون من هذه الأمة».

الحديث الخامس: في قضاء الصوم عن الميت:

قال مسلم في «صحيحه»، كتاب الصوم، (2/805) (1149): حَدَّثَنِي عَلِيُّ بنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، قال: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ مُسْهِرٍ أَبُو الحَسَنِ، عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، قال: بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: إِنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ، قَالَ: فَقَالَ: «وَجَبَ أَجْرُكِ، وَرَدَّهَا عَلَيْكِ المِيرَاثُ» قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: «صُومِي عَنْهَا» قَالَتْ: إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: «حُجِّي عَنْهَا».

قال: وحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بنُ نُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، قالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابنِ مُسْهِرٍ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: صَوْمُ شَهْرَيْنِ.

قال: وحَدَّثَنَا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، قال: أَخْبَرَنَا عَبْدُالرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ عَطَاءٍ، عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ، وَقَالَ: صَوْمُ شَهْرٍ.

وحَدَّثَنِيهِ إِسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُاللهِ بنُ مُوسَى، عَنْ سُفْيَانَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: صَوْمُ شَهْرَيْنِ.

وحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا عَبْدُالمَلِكِ بنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ عَطَاءٍ المَكِّيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: أَتَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ، وَقَالَ: صَوْمُ شَهْرٍ.

قلت: خرّج مسلم هذا الحديث من طرق كثيرة عن عبدالله بن عطاء المكي.

فرواه عَلِيُّ بنُ مُسْهِرٍ، وعَبْدُاللهِ بنُ نُمَيْرٍ، والثَّوْرِيُّ، كلهم عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ.

ثم ختم برواية عَبْدالمَلِكِ بن أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ عَطَاءٍ المَكِّيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ.

فختم برواية عبدالملك التي فيها أن "سليمان بن بريدة" قد رواه أيضاً عن أبيه!

فهل أراد مسلم أن يُبيّن أن سليمان تابع عبدالله في روايته أم أراد بيان وهم عبدالملك في تسمية ابن بريدة؟!! ولهذا أخّر هذه الرواية في آخر الباب على قول من يقول بأن مسلماً إذا أراد بيان تعليل حديث أخّره في نهاية الباب!!

فالظاهر أن مسلماً أراد بيان وهم عبدالملك بن أبي سليمان في تسمية ابن بريدة بأنه "سليمان"! لأن الرواة الثقات رووه عن عبدالله بن عطاء وسموه "عبدالله".

·       تخريج الحديث:

أما حديث عَلِيّ بن مُسْهِرٍ:

فأخرجه الترمذي في «جامعه» (2/48) (667)، و(2/261) (929) عن عَلِيّ بن حُجْرٍ، عن عَلِيّ بن مُسْهِرٍ، به.

وأما حديث عَبْداللهِ بن نُمَيْرٍ:

فأخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (3/59) (12087)، و(4/356) (20999)، و(7/284) (36121) عن عبدالله بن نمير، به. مختصراً. وفيه: "عن ابن بريدة"! لا كما نقله مسلم عنه: "عن عبدالله بن بريدة"!

وأخرجه أحمد في «مسنده» (38/140) (23032) عن ابن نُمَيْرٍ، به. بطوله. وفيه "عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ".

وأما حديث الثوريّ:

فأخرجه عبدالرزاق في «مصنفه» (9/120) (16587) عن الثوري، به.

وأخرجه الترمذي في «جامعه» (2/261) (929) عن مُحَمَّد بن عَبْدِالأَعْلَى الصنعاني البصري.

وابن ماجه في «سننه» (2/642) (1759) عن زُهَيْر بن مُحَمَّدٍ المروزي.

وأبو عوانة في «مستخرجه» (2/217) (2905) عن إسحاق بن إبراهيم الدَّبَرِيّ.

كلهم عَنْ عَبْدِالرَّزَّاقِ، به.

وأخرجه أبو عوانة أيضاً (2906) عن أَبي أُمَيَّةُ، عن عُبَيْداللَّهِ بن مُوسَى، عن الثَّوْرِيّ، به.

وأخرجه الحاكم في «المستدرك» (4/386) (8018) من طريق سَعِيد بن مَسْعُودٍ، عن عُبَيْداللَّهِ بن مُوسَى، عن ابن أَبِي لَيْلَى، والثَّوْرِيّ، به.

ورواه عن الثوري أيضاً: وكيع بن الجراح والقَاسِمُ بنُ يَزِيدَ الجَرْمِيُّ:

أما حديث وكيع:

فأخرجه أحمد في «مسنده» (38/70) (22971)، (38/157) (23054) عن وَكِيع، عن الثوري.

وأخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (6/101) (6281) عن مُحَمَّد بن عَبْدِاللهِ بنِ المُبَارَكِ المُخَرِّمِيّ.

وابن ماجه في «سننه» (3/474) (2394) عن عَلِيّ بن مُحَمَّدٍ الطنافسي.

كلاهما عن وَكِيع، عَنْ سُفْيَانَ الثوري، به. واقتصر ابن ماجه على قصة الجارية فقط.

وأما حديث القاسم بن يزيد الجرمي:

فأخرجه أبو عوانة في «مستخرجه» (2/217) (2904) عن عَلِيّ بن حَرْبٍ، عن القَاسِم بن يَزِيدَ الجَرْمِيّ، عَنْ الثوري، به.

·       وهم لعبدالمجيد بن عبدالعزيز بن أبي رَوّاد في رواية هذا الحديث عن سفيان!

وقد أخرج الطبراني في «مسند الشاميين» (3/349) (2446) قال: حَدَّثَنَا عَبْدَانُ بنُ أَحْمَدَ، حدثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِاللَّهِ المَقْدِسِيُّ، حدثَنَا عَبْدُالمَجِيدِ بنُ عَبْدِالعَزِيزِ بنِ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ الخُرَاسَانِيِّ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فذكر الحديث بطوله.

قلت: كذا قال عبدالمجيد بن عبدالعزيز ابن أبي رواد، عن سفيان الثوري: «عن عطاء الخراساني»!! فوهم! والحديث يرويه أصحاب سفيان عنه عن «عبدالله بن عطاء».

فكأنه سقط من الإسناد عنده أو من حفظه «عبدالله بن» فصار «عن عطاء» فنسبه فقال: «عطاء الخراساني»! والله أعلم.

ورواه عن عبدالله بن عطاء أيضاً: زُهَيْر بنُ مُعَاوِيَةَ، وإِسْمَاعِيلُ بنُ زَكَرِيَّا، وأبو معاوية محمد بن خازم الضرير، ومحمد بن عبدالرحمن بنُ أَبِي لَيْلَى، ومروان بن معاوية الفزاري، والحَسَن بن الحُرِّ، وحَبّانُ بنُ عَلِيٍّ العنزي الكوفي، وأخوه مَنْدَلُ بنُ عَلِيٍّ.

أما حديث زهير بن معاوية:

فأخرجه أبو داود في «سننه» (3/91) (1656)، و(4/501) (2877)، و(5/197) (3309)، و(5/404) (3545) عن أحمد بن عبدالله بن يونس.

وأخرجه النسائي في «سننه» (6/102) (6283) من طريق سُوَيْد بن عَمْرٍو الكَلْبِيّ، وحُسَيْن بن عَيَّاشٍ البَاجَدَّائِيّ.

كلاهما عن زُهَيْر بن مُعَاوِيَةَ، عن عَبْداللهِ بن عَطَاءٍ، به.

وأما حديث إسماعيل بن زكريا:

فأخرجه سعيد بن منصور في «سننه» (1/109) (248) عن إِسْمَاعِيل بن زَكَرِيَّا، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ عَطَاءٍ، به.

وأما حديث أبي معاوية الضرير:

فأخرجه الحاكم في «المستدرك» (4/386) (8017) من طريق أَحْمَد بن عَبْدِالجَبَّارِ.

وأبو نُعيم في «المستخرج على صحيح مسلم» (3/225) من طريق أَبي خَيْثَمَةَ زهير بن حرب.

كلاهما عن أَبي مُعَاوِيَةَ محمد بن خازم الضرير، عن عَبْداللَّهِ بن عَطَاءٍ، به.

وأما حديث ابن أبي ليلى:

فأخرجه الروياني في «مسنده» (1/92) (63) عن أَبي عَلِيٍّ الحَسَن بن الرُّزِّيِّ.

والنسائي في «السنن الكبرى» (6/102) (6282) من طريق أَبي مُوسَى مُحَمَّد بن المُثَنَّى.

كلاهما عن عُبَيْداللهِ بن مُوسَى، عن ابن أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ عَطَاءٍ، به.

وأما حديث مَرْوَان بن مُعَاوِيَةَ الفزاري:

فرواه الشافعي كما في «مسنده» (ص: 308) قال: أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ، أَوْ سَمِعْتُ مَرْوَانَ بنَ مُعَاوِيَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ عَطَاءٍ المَدَنِيِّ، به.

وأخرجه أبو نُعيم في «المستخرج على صحيح مسلم» (3/225) من طريق مُحَمَّد بن خَلادٍ.

والبيهقي في «السنن الكبرى» (4/255) (7635) من طريق عَبْدالرَّحْمَنِ بن بِشْرٍ.

كلاهما عن مَرْوَان بن مُعَاوِيَةَ، به.

وأما حديث الحَسَنِ بنِ الحُرِّ:

فأخرجه الطبراني في «مسند الشاميين» (1/111) (168) من طريق هِشَام بن عَمَّارٍ، عن مُحَمَّد بن شُعَيْبٍ، عن ابن ثَوْبَانَ، عَنِ الحَسَنِ بنِ الْحُرِّ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ عَطَاءٍ، به.

وأما حديث حبّان بن عليّ العنزي:

فأخرجه أبو نُعيم في «المستخرج على صحيح مسلم» (3/224) من طريق أَبي الرَّبِيعِ سليمان بن داود الزهراني.

وابن عساكر في «معجمه» (1/397) من طريق محمد بن سليمان المصيصي لُوين.

كلاهما عن حَبّان بن عَلِيٍّ، عن عَبْدِاللَّهِ بنِ عطاء، به.

وأما حديث مَندل بن عليّ:

فأخرجه أبو نُعيم في «المستخرج على صحيح مسلم» (3/225) من طريق يَحْيَى بن عَبْدِالحَمِيدِ الحماني، عن مَنْدَل بن عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ عَطَاءٍ، به.

·       حديث عَبْدِالمَلِكِ بنِ أَبِي سُلَيْمَانَ العَرْزَمي، عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ عَطَاءٍ المَكِّيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ! ووهمه في تسمية «ابن بريدة»!

وأما حديث عبدالملك بن أبي سليمان فأخرجه أحمد في «مسنده» (38/52) (22956) عن إِسْحَاق بن يُوسُفَ الْأَزْرَق، عَنْ عَبْدِالمَلِكِ بنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ عَطَاءٍ المَكِّيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ، فذكره.

وأخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (6/101) (6280) عن عَبْداللهِ بن مُحَمَّدِ بنِ إِسْحَاقَ الأَذْرَمِيّ، وعَبْدالرَّحْمَنِ بن مُحَمَّدِ بنِ سَلَّامٍ الطَّرَسُوسِيّ، عن إِسْحَاق الأَزْرَق، به.

قال النسائي: "هذَا خَطَأٌ، وَالصَّوَابُ عَبْدُاللهِ بنُ بُرَيْدَةَ".

قلت: وهم عبدالملك في تسمية ابن بريدة! فقال: "عن سليمان بن بريدة"! والصواب أنه "عن عبدالله بن بريدة".

·       الحكم على الحديث:

صححه مسلم بتخريجه له في «صحيحه».

وقال الترمذي: "هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، لاَ يُعْرَفُ هَذَا مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ إِلاَّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَعَبْدُاللهِ بنُ عَطَاءٍ ثِقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ".

قال: "والعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ: أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ ثُمَّ وَرِثَهَا حَلَّتْ لَهُ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا الصَّدَقَةُ شَيْءٌ جَعَلَهَا لِلَّهِ، فَإِذَا وَرِثَهَا، فَيَجِبُ أَنْ يَصْرِفَهَا فِي مِثْلِهِ".

وقال الحاكم: "هذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ".

قلت: الحديث تفرد به عبدالله بن عطاء! ولم يروه عن عبدالله بن بريدة إلا هو!

وقد اختلف أهل العلم فيه! اختلفوا في شخصه، وفي حاله!

قال عبّاس الدوري: سَمِعت يحيى يَقُول: "عبدالله بن عَطاء: كوفي ثِقَة".

وقال أيضاً: سَمِعت يحيى يَقُول: "قد سمع ابن نمير من عبدالله بن عَطاء، سمع مِنْهُ أَبُو مُعَاوِيَة، وَسمع مِنْهُ مَرْوَان بن مُعَاوِيَة الفَزارِيّ".

قَالَ يحيى: "وَقد روى أَبُو إِسْحَاق السبيعِي عَن عبدالله بن عَطاء هَذَا، وَكَانَ عبدالله بن عَطاء هَذَا كوفياً، وَكَانَ ينزل مَكَّة، وَقد روى عَنهُ حبَان - يَعْنِي ابن عَليّ – أَيْضاً".

وقال عباس: وَسُئِلَ يحيى عَن عبدالله بن عَطاء صَاحب ابن بُرَيْدَة؟ فَقَالَ: "ثِقَة".

وقال أبو داود: قلت لأحمد: عبدالله بن عطاء، حدّث عنه سفيان، عن أبي جعفر؟ قال: "هذا صاحب حديث عقبة بن عامر".

قال أبو داود: "هو صالح، يعني عبدالله بن عطاء".

وقال الترمذي في «العلل الكبير» (ص: 390): قالَ مُحَمَّدٌ - يعني البخاري-: "عَبْدُاللَّهِ بنُ عَطَاءٍ ثِقَةٌ مَكِّيُّ".

وقال النسائي في «السنن الكبرى» (7/449) بعد أن روى له حديثاً: "عَبْدُاللهِ بنُ عَطَاءٍ لَيْسَ بِالقَوِيِّ فِي الحَدِيثِ".

وقال في «الضعفاء» (ص: 61): "عبدالله بن عَطاء لَيْسَ بِالقَوِيّ".

وقال الدارقطني: "عبدالله بن عطاء: كوفي، كان بمكة، ليس به بأس".

وقال الذهبي في «الكاشف» (1/574): "عبدالله بن عطاء الطائفي أو المدني أو الواسطي أو المكي أو الكوفي: عن أبي الطفيل وابن بريدة، وعنه شعبة وابن نمير وعدة: صدوق".

وقال في «تاريخ الإسلام» (3/681): "روى عَنْ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ وَلَمْ يُدْرِكْهُ، وَعَبْدِاللَّهِ بنِ بُرَيْدَةَ، وَأَبِي الطُّفَيْلِ، وعكرمة بن خَالِدٍ، وَغَيْرِهِمْ... وكَانَ ثِقَةً إِنْ شَاءَ اللَّهُ".

وقال في «الميزان» (2/461): "صدوق إن شاء الله".

قلت: فرّق بعض أهل العلم بين "عبدالله بن عطاء" الذي يروي عن عبدالله بن بريدة، وبين الذي يروي عن عقبة بن عامر!! ومنهم من جعلهما واحدا! وذكروا آخرين فيمن اسمه "عبدالله بن عطاء"!

قال البخاري في «التاريخ الكبير» (5/165):

"عَبْداللَّه بن عطاء بن إِبْرَاهِيم مولى الزُّبَيْر بن العوام القُرَشِيّ، روى عَنْهُ مُحَمَّد بن إِسْحَاق، يُحدِّث عَنْ أَبِيه".

ثم ذكر: "عَبْداللَّه بن عطاء، سمع ابن عمر رضي الله عَنْهُمَا، روى عَنْهُ الثوري ومروان بن مُعَاوِيَة".

ثم ذكر: "عَبْداللَّه بن عطاء، سَمِعَ ابن عُمَر رضي الله عَنْهُمَا، روى عَنْهُ قاسم بن أَبِي بزة".

ثم قال: "عَبْداللَّه بن عطاء. قَالَ أَحْمَد بن سُلَيْمَان: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد، عَنْ شُعْبَة، قَالَ: سألت أبا إِسْحَاق عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ عطاء الَّذِي روى عَنْ عقبة قَالَ: كنا نتناوب رعية الإبل؟ قَالَ: شيخ من أهل الطائف حدثنيه. قَالَ شُعْبَة فلقيت عَبْداللَّه فقلت: سمعته من عقبة؟ قال: لا، حدثنيه سعد بن إِبْرَاهِيم، فلقيت سعدا فسألته فقَالَ: حَدَّثَنِي زياد بن مخراق، فلقيت زياد بْن مخراق فسألته فقَالَ: حَدَّثَنِي رجل عَنْ شهر بن حوشب.

قَالَ دَاوُد بن رشيد: حَدَّثَنَا مروان: حَدَّثَنَا عَبْداللَّه بن عطاء، أَبُو عطاء، يُقَالُ مولى المطلب".

وقال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (5/131):

"عبدالله بن عطاء: روى عن ابن عمر. روى عنه: القاسم بن أبي بزة. سمعت أبي يقول ذلك".

ثم ذكر: "عبدالله بن عطاء بن إبراهيم مولى الزبير بن العوام القرشي: روى عن أبيه وجدته أم عطاء، روى عنه: محمد بن إسحاق. سمعت أبي يقول ذلك".

ثم ذكر: "عبدالله بن عطاء: روى عن أبي جعفر محمد بن علي، وابن بريدة، ومحمد بن سيرين. روى عنه: عبدالملك بن أبي سليمان، وابن أبي ليلى، والحسن بن الحر، والثوري، ومروان بن معاوية. سمعت أبي يقول ذلك".

ثم ذكر: "عبدالله بن عطاء المكي مولى بني هاشم: روى عن محمد بن علي، روى عنه أبو بشر المزلق. سمعت أبي يقول ذلك".

ثم ذكر: "عبدالله بن عطاء: روى عن زياد بن مخراق عن رجل من بني ليث عن شهر بن حوشب. روى عنه أبو إسحاق السبيعي وشعبة. سمعت أبى يقول ذلك".

وقال ابن حبان في «الثقات» (5/33) في «طبقة التابعين»: "عَبْداللَّه بن عَطاء: يَرْوِي عَن ابن عمر، عداده فِي أهل مَكَّة. رَوَى عَنْهُ القَاسِم بن أبي بزَّة، وأَبُو إِسْحَاق السبيعِي، وَلم ير عقبَة بن عَامر".

ثم قال في «طبقة أتباع التابعين» (7/41): "عَبْداللَّهِ بن عَطاء المَكِّيّ: يروي عَن عبدالله بن بُرَيْدَة، روى عَنهُ أَبُو إِسْحَاق السبيعِي، وَهُوَ الَّذِي يروي عَن عقبَة بن عَامر وَلم يره".

وذكر (7/29): "عَبْداللَّهِ بن عَطاء بن إِبْرَاهِيم مولى الزبير بن العَوام: يروي عَن أَبِيه، روى عَنهُ ابن إِسْحَاق".

ثم قال في طبقة «تبع الأتباع عَن أَتبَاع التَّابِعين» (8/331): "عبدالله بن عَطاء أَبُو عَطاء مولى المطلب يروي المقاطيع، روى عَنهُ مَرْوَان بن مُعَاوِيَة الفَزارِيّ".

قلت: الظاهر من كلام أهل العلم أن كثيراً منهم جعلوا الراوي عن عبدالله بن بريدة وحديث عقبة بن عامر واحداً كابن معين وأحمد والدارقطني والذهبي، وإلى هذا يومئ كلام الإمام البخاري من خلال ترجمته لمن اسمه "عبدالله بن عطاء"، فهو - وإن كان - أفرد ترجمة لكل واحد منهما إلا أن ذكره لمروان بن معاوية – وهو كوفي سكن مكة - في كلا الترجمتين يدل على أنهما واحداً عنده، ولكن طريقته في الترجمة أنه يفرّد لكل واحد ترجمة ويشير في الأخرى إلى أن التي سبق ذكرها له أيضاً. وهذا واضح في الترجمة الثانية. وهذه طريقته من خلال سبر تراجمه.

وجعلهما أبو حاتم الرازي اثنين، وذكر اثنين آخرين.

واضطرب ابن حبان فذكر أربع تراجم مختلطة في ثلاث طبقات مختلفة!!

وجعلهما ابن عدي واحداً، فقال في «الكامل» (5/277): "عَبدالله بن عطاء مكي، يُكَنَّى أبا عطاء.

حَدَّثَنَا الجنيدي، حَدَّثَنا البُخارِيّ، حَدَّثني أحمد بن سليمان، حَدَّثَنا أَبُو دَاوُدَ عَنْ شُعْبَة، قالَ: سَألتُ أبا إسحاق عن عَبد الله بن عطاء الذي روى عن عقبة كنا نتناوب رعية الإبل؟ قَال: شيخ من أهل الطائف حدثنيه قال شُعْبَة فلقيت عَبد الله فقلت سمعته من عقبة فقال حدثنيه سعد بن إبراهيم فلقيت سعدا فسألته، فقال: حَدَّثني زياد بن مخراق فلقيت زيادا، فقال: حَدَّثني رجل عن شَهْر بن حَوْشَب.

قال: وهذا الحديث رواه نصر بن حماد عن شُعْبَة بقصته أطول من هذا.

حَدَّثَنَاهُ عَبد الكبير الخطابي عن مُحَمد بن سَعِيد القطان عن نصر بن حماد.

حَدَّثَنَا الْجُنَيْدِيُّ، حَدَّثَنا البُخارِيّ: وَقَالَ مروان بن معاوية، حَدَّثَنا عَبدالله بن عطاء أبو عطاء، عنِ ابن يزيد في الحج ويقال مولى المطلب المكي.

وقال النَّسائِيُّ، فيما أخبرني مُحَمد بن العباس، عنه: عَبدالله بن عطاء ليس بالقوي.

وعبدالله بن عطاء معروف بهذا الحديث في الذي ذكره شُعْبَة عنه، عَن أبي إسحاق عن عَبدالله بن عطاء وقد ذكرت هذا الحديث في قصة شَهْر بن حَوْشَب".

وقال تقي الدين الفاسي في «العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين» (4/386): "عبدالله بن عطاء الطائفي، أبو عطاء المكي، ويقال: المدني، ويقال: الواسطي، ويقال: الكوفي، ومنهم من جعله ثلاثة أو اثنين:

روى عن عقبة بن عامر الجهني ولم يدركه، وسليمان بن بريدة، وأخيه عبدالله، وأبي الطفيل، وعكرمة بن خالد المخزومي، وغيرهم.

روى عنه: أبو إسحاق السبيعي، مع تقدمه، وابن أبي ليلى القاضي، وشعبة، والثوري، وعبدالله بن نمير، وجماعة.

روى له: مسلم، وأصحاب السنن، ووثقه الترمذي، وابن حبان، وضعفه النسائي، وقال مرة: ليس بالقوي.

وقال الذهبي: الذي روى عنه أبو إسحاق السبيعي، عن عقبة بن عامر، أعتقد أنه آخر تابعي كبير من طبقة الشعبي، والذي روى عنه ابن نمير وأقرانه، بقي إلى زمن الأعمش، وجوّز الوهم على ابن معين، حيث يقول: إن عطاء كوفي" انتهى.

قلت:

تلاميذ عبدالله بن عطاء الراوي عن عبدالله بن بريدة الذين رووا هذا الحديث:

علي بن مسهر الكوفي (189هـ)، وعبدالله بن نمير الكوفي (199هـ)، وسفيان الثوري الكوفي (161هـ)، وزُهَيْر بنُ مُعَاوِيَةَ الكوفي (174هـ)، وإِسْمَاعِيلُ بنُ زَكَرِيَّا الكوفي (194هـ)، وأبو معاوية محمد بن خازم الضرير الكوفي (195هـ)، ومحمد بن عبدالرحمن بنُ أَبِي لَيْلَى الكوفي (148هـ)، ومروان بن معاوية الفزاري الكوفي (193هـ)، والحَسَن بن الحُرِّ الكوفي (133هـ)، وحَبّانُ بنُ عَلِيٍّ العنزي الكوفي (172هـ)، وأخوه مَنْدَلُ بنُ عَلِيٍّ الكوفي (168هـ).

فنلاحظ أن جميع من رووا هذا الحديث عن عبدالله بن عطاء من الكوفيين، ومعظم وفياتهم متأخرة إلا الحسن بن الحر وابن أبي ليلى فمتقدمة جداً عن هؤلاء!! وطبقة شيوخ الحسن بن الحر ممن مات بين (112 - 120هـ) ومن مات بعده يبدو أنه كان من أقرانه، ويبدو أن عبدالله بن عطاء من أقرانه.

قال ابن عساكر: "عبدالله بن عطاء وهو كوفي روى عنه شَريك"، وشريك القاضي مات سنة (140هـ).

والذي أراه أن من توفي قبل (140هـ) ممن رووا عن عبدالله بن عطاء إنما هم من أقرانه، ومروان بن معاوية روى عنه، وطبقة شيوخ مروان ممن ماتوا بين سنة (140 - 149هـ)، مثل: إسماعيل بن أَبي خالد (146)، وحميد الطويل (142)، وسُلَيْمان الأعمش (148)، وعاصم الأحول (142)، ويحيى بْن سَعِيد الأَنْصارِيّ (143).

وعليه وبحسب الطبقات فعبدالله بن عطاء كوفي، ووفاته ما بين (140 - 149هـ).

ويؤيده ما نقله التقي الفاسي عن الذهبي: أن الذي روى عنه ابن نمير وأقرانه، بقي إلى زمن الأعمش.

والأعمش توفي سنة (147 أو 148 هـ).

وهذا ظاهر فعل البخاري فإنه أورد في «التاريخ الأوسط» (2/57) في «عشر مَا بَين الأَرْبَعين إِلَى الخمسين» قال: "حَدَّثَنِي أَحْمد بن سُلَيْمَان قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد، عَن شُعْبَة قَالَ: سَأَلت أَبَا إِسْحَاق عَن عبدالله بن عَطاء الَّذِي روى عَن عقبَة كُنَّا نتناوب رعية الْإِبِل، قَالَ: شيخ من أهل الطَّائِف حَدَّثَنِيهِ. قَالَ شُعْبَة: فَلَقِيت عبدالله فَقلت: سمعته من عقبَة، فَقَالَ: لَا، حَدَّثَنِيهِ سعد بن إِبْرَاهِيم، فَلَقِيت سعد بن إِبْرَاهِيم فَسَأَلته، فَقَالَ: حَدَّثَنِي زِيَاد بن مِخْرَاق، فَلَقِيت زيادا فَقَالَ: حَدَّثَنِي رجل عَن شهر بن حَوْشَب.

وَقَالَ مَرْوَان بن مُعَاوِيَة: حَدَّثَنَا عبدالله بن عَطاء أَبُو عَطاء عَن ابن بُرَيْدَة فِي الحَج، وَيُقَال مولى المطلب المَكِّيّ".

قلت: فهذا يدل على أن البخاري يرى أن راوي حديث عقبة وحديث ابن بريدة واحد وتوفي بين سنة (140 - 150هـ).

ومن روى هذا الحديث عن عبدالله بن عطاء ممن توفي قبله إنما هو من باب رواية الأقران للفوائد، فهو قد تفرد بهذا الحديث عن "عبدالله بن بريدة"! ولم يروه أحد غيره! ولا يعرف أنه سمع منه! وعبدالله بن بريدة توفي (105هـ) فإدراك عبدالله بن عطاء له متحقق، لكن لم يثبت سماعه منه.

وهو الذي يروي عن محمد بن علي بن الحسين أبي جعفر الباقر (118هـ).

فقد روى أَبُو مَالِكٍ الجَنْبِيُّ الكوفيّ، عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ عَطَاءٍ قَالَ: «مَا رَأَيْتُ العُلَمَاءَ عِنْدَ أَحَدٍ أَصْغَرَ عِلْمًا مِنْهُمْ عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ، لَقَدْ رَأَيْتُ الحَكَمَ عِنْدَهُ كَأَنَّهُ مُتَعَلِّمٌ».

والحكم بن عتيبة توفي سنة (113هـ).

وروى ابن أبي شيبة (6315) عن أبي مالك الجنبي عمرو بن هاشم، عن عبدالله بن عطاء، قال: سألت أبا جعفر عن الثوب يحوكه اليهود والنصارى، يُصلى فيه؟ قال: "لا بأس به".

وروى أيضاً (12088) عن الفضل بن دكين، عن الحسن بن صالح الكوفي، عن عبدالله بن عطاء، عن أبي جعفر: «أن الحسن، والحسين كانا يعتقان عن عليّ بعد موته».

وروى حَبَّانُ قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرُ المُزَلِّقُ، قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بنُ عَطَاءٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيٍّ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ أَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَطَّرُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، بِذِكَارَةِ الْعِطْرِ - المِسْكِ وَالعَنْبَرِ.

وروى حرمي قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بشر صاحب البصري عن عبدالله بن عطاء المَكِّيّ - وَلَيْسَ بابن أَبِي رباح - عَنْ مُحَمَّد بن علي: سألت عَائِشَةَ - بهذا.

وبَكْرُ بنُ الْحَكَمِ، أَبُو بِشْرٍ المُزَلِّقُ اليَرْبُوعِيُّ البَصْرِيُّ توفي ما بين سنة (161 - 170هـ)، وطبقة شيوخه ممن توفوا في حدود (120هـ). فإما أن يكون لم يسمع عبدالله بن عطاء أو يكون من أقرانه!

وهو ليس بالقوي! وقوله: "مولى بني هاشم" فيه نظر! فلعله اشتبه عليه بمولى آل المطلب أو مولى بني هاشم الآتي.

وهو راوي حديث عقبة بن عامر في تناوب رعي الإبل.

فقد رواه شعبة (160هـ) عن أبي إسحاق السبيعي (129هـ)، فقال له إنه سمعه من "عَبْدِاللَّهِ بنِ عَطَاءٍ البَجَلِيِّ"، وعبدالله سمعه من سعد بن إبراهيم (128هـ)، وسعد سمعه من زياد بن مخراق عن رجل عن شهر بن حوشب (112هـ).

فعبدالله بن عطاء هذا من الطائف وهو بَجليّ كما جاء في بعض طرق الحديث.

وجاء في رواية أنه كان بمكة، ورحل شعبة إليه هناك ليسمع منه هذا الحديث.

قال مسعر بن كدام: "عَبدالله بن عطاء بمكة. قال شُعْبَة: فرحلت إلى مكة فلقيت عَبدالله فسألته، فقال: سعد بن إبراهيم".

وجاء في بعض طرق القصة أنه بصري قدم الكوفة.

قال شعبة: فقلت لأبي إسحاق، من عبدالله بن عطاء؟ قال: شاب من أهل البصرة قدم علينا، فقدمت البصرة فسألت عنه فإذا هو جليس فلان، وإذا هو غائب في موضع، فقدم فسألته فحدثني به.

وقوله: "شاب من أهل البصرة" ينقد كلام الذهبي المتقدم الذي نقله التقي الفاسي "أنه تابعي كبير من طبقة الشعبي"! فالشعبي مات في حدود سنة (100هـ).

ولأن هذا الراوي لحديث عقبة هو نفسه الراوي عن ابن بريدة قالوا في ترجمته: الكوفي أو المكي أو الطائفي أو المدني أو البصري!! بل وبعضهم زاد: الواسطي! وكلهم واحد.

والخلاصة أن «عبدالله بن عطاء» كوفي، يروي عنه أهل الكوفة، وربما نزل مكة، وكأنه كان يحدّث عمن لم يسمع منهم.

ويروي عن أبي الطفيل بواسطة عكرمة بن خالد المخزومي.

·       عبدالله بن عطاء آخر:

والذي يروي عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ هو عَبْداللَّهِ بن عَطَاءٍ المَكِّيّ الآتي، ووفاته قبل وفاة الراوي عن ابن بريدة.

وهو عبداللَّه بن عَطَاء بن إبراهيم المكيّ مولى صَفِيَّةَ بِنْتِ عبد المُطَّلب أو مَوْلَى الزُّبَيْرِ أو مولى بني هاشم، الذي يروي عَنْ أُمِّهِ – وقيل: عن أبيه -، وَجَدَّتِهِ أُمِّ عَطَاءٍ، وعن عُرْوةَ بن الزُّبَيرِ. ويروي عنه محمد بن إسحاق (150هـ).

وهو الذي يروي عن ابن عمر، ويروي عنه القَاسِمِ بنِ أَبِي بَزَّةَ المكي (115 وقيل: 125 هـ).

روى هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا القَاسِمُ بنُ أَبِي بَزَّةَ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ عَطَاءٍ: «أَنَّ ابنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَمُرُّ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ، فَمَرَّ بِزِنْجِيٍّ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، فَقَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِالرَّحْمَنِ إِنَّهُ زِنْجِيُّ طَمْطَمَانِيُّ! قَالَ: وَمَا طَمْطَمَانِيُّ؟ قَالُوا: أُخْرِجَ مِنَ السُّفُنِ الْآنَ، قَالَ: إِنِّي أَخْرُجُ مِنْ بَيْتِي، مَا أَخْرُجُ إِلَّا لَأُسَلِّمَ أَوْ لِيُسَلَّمَ عَلَيَّ».

·       الراجح في حال عبدالله بن عطاء الراوي عن ابن بريدة:

وأما الكلام على "عبدالله بن عطاء" راوي الحديث عن عبدالله بن بريدة، فالظاهر أن ابن معين وغيره وثقوه، وضعّفه النسائي، ونسبوه للتدليس!

ويبدو أن روايته قليلة جداً، ولا ينزل عن مرتبة "الصدوق"، إلا أننا في شك من سماعه من عبدالله بن بريدة! وتفرده عنه غير محتمل!! والرواة البصريون من أوثق الناس في عبدالله بن بريدة ولا يوجد عندهم هذا الحديث!! وهو معلول عندي بالانقطاع وعدم ثبوت السماع!

وحديث عقبة الذي رواه عنه، وقال أهل العلم بأنه دلّسه دليل على أنه يروي عن أقوام لم يسمع منهم!

·       حديث آخر لعبدالله بن عطاء عند مسلم:

وقد روى له مسلم (4/2038) حديثاً آخر، قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ أَبِي بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ أَبُو خَيْثَمَةَ، ، قال: حَدَّثَنِي عَبْدُاللهِ بن عَطَاءٍ: أَنَّ عِكْرِمَةَ بنَ خَالِدٍ، حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا الطُّفَيْلِ حَدَّثَهُ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي سَرِيحَةَ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيِّ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُذُنَيَّ هَاتَيْنِ، يَقُولُ: «إِنَّ النُّطْفَةَ تَقَعُ فِي الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَتَصَوَّرُ عَلَيْهَا الْمَلَكُ» - قَالَ زُهَيْرٌ: حَسِبْتُهُ قَالَ الَّذِي يَخْلُقُهَا - فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى، فَيَجْعَلُهُ اللهُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ أَسَوِيٌّ أَوْ غَيْرُ سَوِيٍّ، فَيَجْعَلُهُ اللهُ سَوِيًّا أَوْ غَيْرَ سَوِيٍّ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ مَا رِزْقُهُ مَا أَجَلُهُ مَا خُلُقُهُ، ثُمَّ يَجْعَلُهُ اللهُ شَقِيًّا أَوْ سَعِيدًا».

و«زهير أبو خيثمة» هو «زهير بن معاوية» كما في كتاب «القضاء والقدر» للبيهقي (ص: 150)، رواه من طريق أبي بَكْرٍ مُحَمَّد بن إِسْحَاقَ الصَّغَانِيّ، عن يَحْيَى بن أَبِي بُكَيْرٍ، عن زُهَيْر بن مُعَاوِيَةَ، عن عَبْداللَّهِ بن عَطَاءٍ..

وكذا هو في «تحفة الأشراف» (3/20): "عن زهير بن معاوية عن عبدالله بن عطاء".

وليس هو أبو خيثمة زُهَيْر بن حرب البغدادي توفي (234هـ).

وهذا الحديث يتفرد به عبدالله بن عطاء عن عِكْرِمَةَ بنَ خَالِدٍ المخزومي المكيّ (ت116هـ).

وكان مسلم قد أخرج قبله حديث عَمْرِو بنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ حُذَيْفَةَ بنِ أَسِيدٍ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «يَدْخُلُ الْمَلَكُ عَلَى النُّطْفَةِ بَعْدَ مَا تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ بِأَرْبَعِينَ، أَوْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ؟ فَيُكْتَبَانِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى؟ فَيُكْتَبَانِ، وَيُكْتَبُ عَمَلُهُ وَأَثَرُهُ وَأَجَلُهُ وَرِزْقُهُ، ثُمَّ تُطْوَى الصُّحُفُ، فَلَا يُزَادُ فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ».

وأخرج أيضاً حديث رَبِيعَة بن كُلْثُومٍ، عن أَبِيه كُلْثُوم، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ حُذَيْفَةَ بنِ أَسِيدٍ الغِفَارِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رَفَعَ الْحَدِيثَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَّ مَلَكًا مُوَكَّلًا بِالرَّحِمِ، إِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا بِإِذْنِ اللهِ، لِبِضْعٍ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً» ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ. وخرّج له بعض الشواهد.

·       اعتراض صاحبي «التحرير» على ابن حجر في حكمه على «عبدالله بن عطاء»! ومناقشتهما.

قال ابن حجر: "عبدالله بن عطاء الطائفي، أصله من الكوفة: صدوق يُخطئ ويُدلِّس".

فتعقبه شعيب الأرنؤوط وبشار عواد في «تحريرهما» (2/240) (3479) فقالا: "لو قال: صدوق وسكت لكان أحسن وأصوب، إذ لم نقف على خطئه أو تدليسه. ثم هو ممن وثقه البخاري، ويحيى بن معين، والترمذي، وابن حبان، وابن شاهين، وقال الدارقطني: ليس به بأس. وما ضعّفه سوى النسائي، وقال الذهبي في الميزان: صدوق إن شاء الله. وروى له مسلم في صحيحه" انتهى.

قلت: ابن حجر - رحمه الله- عادة ما يحاول الجمع بين أقوال أهل العلم في الراوي إذا اختلفوا فيه بين موثق له ومضعّف! فيقول: "صدوق يخطئ"! والخطأ إنما يتبين من خلال عرض رواية الراوي على غيره، وأما إذا لم يكن كثير الرواية وينفرد بالأحاديث كحال عبدالله بن عطاء هذا فكأن خطأه يكون في تلك التفردات التي لم يروها سواه.

وأما عدم وقوفهما على تدليسه فهذا عجيب!! وقصة شعبة واضحة في ذلك.

وأما توثيق من وثقه فهذا رأيهم فيه! وتوثيق ابن حبان وابن شاهين هو تبع لمن وثقه قبلهما، وقول الدارقطني لا يعدو أن يكون صالحاً في حديثه ويحتاج لمتابع في روايته، وقد رجحت أنه لا ينزل عن درجة الصدوق، والمشكلة فيه روايته عمن لم يثبت سماعه منهم.

وأما رواية مسلم له فقد بينت أنه خرج له حديثين فيهما نظر! والله أعلم.

·       تناقض الألباني في الحكم على حديثين لعبدالله بن عطاء نفسه!

أخرج أبو داود حديث عبدالله بن عطاء عن عبدالله بن بريدة في «سننه» كما سبق تخريجه.

وعلّق عليه الألباني في «صحيح أبي داود» (5/353): "قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير عبدالله بن عطاء، فهو على شرط مسلم وحده، وقد وثقه ابن معين وابن حبان. وقال النسائي: "ليس بالقوي"! وقال الذهبي في "الميزان": "صدوق إن شاء الله". ثم ساق له قصة يؤخذ منها أنه دلّس في حديث: "كنا نتناوب رِعْيَةَ الإبل". وكأنه من هنا قال الحافظ: "صدوق يخطئ ويدلس"! ولعل تدليسه كان نادراً، وخطأه يسيراً؛ ومن هنا احتج به مسلم، وصدقه الذهبي. والله أعلم. والحديث أخرجه مسلم وغيره من طرق عن عبدالله بن عطاء ... أتم منه".

وأورد له حديثاً في «سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة» (1124) «كان أحبّ النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة، ومن الرجال علي».

قال الألباني: "باطل. أخرجه الترمذي (2/319) والحاكم (3/155) من طريق جعفر بن زياد الأحمر عن عبدالله بن عطاء عن عبدالله بن بريدة عن أبيه قال: فذكره. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي!!

قلت: عبدالله بن عطاء، قال الذهبي نفسه في "الضعفاء": "قال النسائي: ليس بالقوي". وقال الحافظ في "التقريب": "صدوق يخطىء ويدلس".

قلت: وقد عنعن إسناد هذا الحديث، فلا يحتج به لو كان ثقة، فكيف وهو صدوق يخطىء؟! ثم إن الراوي عنه جعفر بن زياد الأحمر، مختلف فيه، وقد أورده الذهبي أيضاً في "الضعفاء" وقال: "ثقة ينفرد، قال ابن حبان: في القلب منه!!". وقال الحافظ في "التقريب": "صدوق يتشيع".

قلت: فمثله لا يطمئن القلب لحديثه، لا سيما وهو في فضل علي رضي الله عنه! فإن من المعلوم غلو الشيعة فيه، وإكثارهم الحديث في مناقبه مما لم يثبت! وإنما حكمت على الحديث بالبطلان من حيث المعنى لأنه مخالف لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحبّ النساء والرجال إليه كما يأتي" انتهى.

قلت: صحح الشيخ للراوي نفسه حديثاً وضعّف له آخر! وهو بالإسناد نفسه! مستعيناً في كل حديث ببعض كلام أهل العلم في هذا الراوي!

وهذا الحديث الثاني رواه النسائي من طريق شَاذَان الْأَسْوَد بن عَامِرٍ، عَنْ جَعْفَرٍ الْأَحْمَرِ، عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ عَطَاءٍ، عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ، به.

قال النسائي: "عَبْداللهِ بن عَطَاءٍ لَيْسَ بِالقَوِيِّ فِي الحَدِيثِ".

وقال الطبراني في «المعجم الأوسط» (7/199): "لَمْ يَرْوِ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ جَعْفَرٍ الْأَحْمَرِ إِلَّا شَاذَانُ، وَلَا رَوَاهُ عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ عَطَاءٍ إِلَّا جَعْفَرٌ الْأَحْمَرُ، ومَنْدَلُ بنُ عَلِيٍّ".

وقال الحاكم في «المستدرك» (3/168): "هذا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ".

قلت: الحديث منكر! وقد تفرد به عبدالله بن عطاء! ورواه عنه اثنان: جعفر الأحمر الكوفي (167 أو 175هـ) وهو صدوق، ومندل بن علي الكوفي (168هـ) وهو ضعيف.

وخرّج ابن أبي شيبة في «مصنفه» (2/268) (8854) عن حميد بن عبدالرحمن، عن جعفر الأحمر، عن عبدالله بن عطاء، قال: «ما جرى على لسان الإنسان في الصلاة، مما له أصل في القرآن، فليس بكلام».

·       حديث عن عبدالله بن عطاء وليس له!!

جاء في كتاب «الترغيب في فضائل الأعمال وثواب ذلك» لابن شاهين من طريق مُحَمَّد بن عَبْدِالوَهَّابِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ عَطَاءٍ، عَنِ الطُّفَيْلِ بنِ أُبِيِّ بنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَجْعَلَ لَكَ مِنْ صَلَاتِي، ذَكَرَ النِّصْفَ وَالثُّلُثَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا. قَالَ: «إِذًا يَكْفِيكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ دَيْنَكَ وَيَكْفِيكَ هَمَّكَ».

كذا في تحقيق صالح الوعيل بإشراف د. أكرم ضياء العمري/ رسالة ماجستير/ الجامعة الإسلامية (1/92) (21)، 1415هـ - 1995م.

وكذا هو في مطبوعة دار الكتب العلمية ببيروت، تحقيق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل، 1424هـ - 2004م! (ص14) (21).

قال صالح الوعيل في تحقيقه: "إسناده حسن، فيه عبدالله بن عطاء المكي وثقه يحيى بن معين والترمذي وابن حبان، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال الذهبي: صدوق. وبقية رجاله ثقات، وللحديث متابعات وشواهد يرتقي بها إلى درجة الصحيح". وذكر منها حديث سفيان عن عبدالله بن محمد بن عقيل عن الطفيل!!

قلت: هذا الإسناد وقع فيه تحريف! ولا بدّ!! وليس لذكر "عبدالله بن عطاء" فيه أي معنى!!

فالحديث معروف عن سُفْيَان الثوري، عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَقِيلٍ، عَنِ الطُّفَيْلِ بنِ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِيهِ.

فالحديث حديث "عبدالله بن عقيل" لا "عبدالله بن عطاء"!! وقد تحرّف في النسخة المخطوطة من كتاب ابن شاهين.

وانظر كيف جعل المحقق هذا الإسناد المحرّف متابعة لحديث ابن عقيل الذي تفرد به!!!

الحديث السادس: حديث رجم ماعز:

قال مسلم في «صحيحه»، كتاب الحدود، (3/1323) (1695): وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ العَلَاءِ الهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ يَعْلَى - وهُوَ ابنُ الحَارِثِ المُحَارِبِيُّ -، عَنْ غَيْلَانَ - وهُوَ ابنُ جَامِعٍ المُحَارِبِيُّ -، عَنْ عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ مَاعِزُ بنُ مَالِكٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ: «وَيْحَكَ، ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللهَ وَتُبْ إِلَيْهِ»، قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَيْحَكَ، ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللهَ وَتُبْ إِلَيْهِ»، قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى إِذَا كَانَتِ الرَّابِعَةُ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ: «فِيمَ أُطَهِّرُكَ؟» فَقَالَ: مِنَ الزِّنَى، فَسَأَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَبِهِ جُنُونٌ؟» فَأُخْبِرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ، فَقَالَ: «أَشَرِبَ خَمْرًا؟» فَقَامَ رَجُلٌ فَاسْتَنْكَهَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ رِيحَ خَمْرٍ، قَالَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَزَنَيْتَ؟» فَقَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَكَانَ النَّاسُ فِيهِ فِرْقَتَيْنِ، قَائِلٌ يَقُولُ: لَقَدْ هَلَكَ، لَقَدْ أَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: مَا تَوْبَةٌ أَفْضَلَ مِنْ تَوْبَةِ مَاعِزٍ، أَنَّهُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: اقْتُلْنِي بِالْحِجَارَةِ، قَالَ: فَلَبِثُوا بِذَلِكَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ جُلُوسٌ، فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بنِ مَالِكٍ»، قَالَ: فَقَالُوا: غَفَرَ اللهُ لِمَاعِزِ بنِ مَالِكٍ، قَالَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ».

قَالَ: ثُمَّ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ مِنَ الْأَزْدِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ: «وَيْحَكِ ارْجِعِي فَاسْتَغْفِرِي اللهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ» فَقَالَتْ: أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تُرَدِّدَنِي كَمَا رَدَّدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: «وَمَا ذَاكِ؟» قَالَتْ: إِنَّهَا حُبْلَى مِنَ الزِّنَى، فَقَالَ: «آنْتِ؟» قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهَا: «حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِكِ»، قَالَ: فَكَفَلَهَا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ حَتَّى وَضَعَتْ، قَالَ: فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «قَدْ وَضَعَتِ الغَامِدِيَّةُ»، فَقَالَ: «إِذًا لَا نَرْجُمُهَا وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ»، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: إِلَيَّ رَضَاعُهُ يَا نَبِيَّ اللهِ، قَالَ: فَرَجَمَهَا.

قال مسلم: وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بنُ نُمَيْرٍ [ح].

وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِاللهِ بنِ نُمَيْرٍ، وَتَقَارَبَا فِي لَفْظِ الحَدِيثِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا بَشِيرُ بنُ الْمُهَاجِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ مَاعِزَ بنَ مَالِكٍ الْأَسْلَمِيَّ، أَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَزَنَيْتُ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي، فَرَدَّهُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ أَتَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ، فَرَدَّهُ الثَّانِيَةَ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ: «أَتَعْلَمُونَ بِعَقْلِهِ بَأْسًا، تُنْكِرُونَ مِنْهُ شَيْئًا؟» فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُهُ إِلَّا وَفِيَّ العَقْلِ مِنْ صَالِحِينَا فِيمَا نُرَى، فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ أَيْضًا فَسَأَلَ عَنْهُ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَلَا بِعَقْلِهِ، فَلَمَّا كَانَ الرَّابِعَةَ حَفَرَ لَهُ حُفْرَةً، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ.

قَالَ، فَجَاءَتِ الغَامِدِيَّةُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ فَطَهِّرْنِي، وَإِنَّهُ رَدَّهَا، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ تَرُدُّنِي؟ لَعَلَّكَ أَنْ تَرُدَّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزًا، فَوَاللهِ إِنِّي لَحُبْلَى، قَالَ: «إِمَّا لَا فَاذْهَبِي حَتَّى تَلِدِي»، فَلَمَّا وَلَدَتْ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي خِرْقَةٍ، قَالَتْ: هَذَا قَدْ وَلَدْتُهُ، قَالَ: «اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ»، فَلَمَّا فَطَمَتْهُ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ، فَقَالَتْ: هَذَا يَا نَبِيَّ اللهِ قَدْ فَطَمْتُهُ، وَقَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ، فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا، وَأَمَرَ النَّاسَ فَرَجَمُوهَا، فَيُقْبِلُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِحَجَرٍ، فَرَمَى رَأْسَهَا فَتَنَضَّحَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِ خَالِدٍ فَسَبَّهَا، فَسَمِعَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَّهُ إِيَّاهَا، فَقَالَ: «مَهْلًا يَا خَالِدُ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ»، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا، وَدُفِنَتْ.

أخرج مسلم حديث علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه، فذكر حديث الرجم، وقصة الغامدية.

ثم أتبعه بحديث بشير بن المهاجر عن عبدالله عن بريدة عن أبيه!

والناظر إلى هذا يظنّ أن عبدالله قد تابع أخاه على رواية هذا الحديث عن أبيهما! فهل أراد مسلم ذلك، أم أراد شيئاً آخر؟!!

·       سقط في إسناد الحديث!

قال النووي في «شرحه على مسلم» (11/200): "قَوْلُهُ فِي إِسْنَادِ هَذَا الحَدِيثِ (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ العَلَاءِ الهَمْدَانِيُّ قال: حدثنا يحيى بن يعلى، وهو ابن الحارث المحاربي، عن غيلان، وهو بن جَامِعٍ المُحَارِبِيُّ عَنْ عَلْقَمَةَ) هَكَذَا فِي النُّسَخِ عَنْ يَحْيَى بنِ يَعْلَى عَنْ غَيْلَانَ. قَالَ القَاضِي: وَالصَّوَابُ مَا وَقَعَ فِي نُسْخَةِ الدِّمَشْقِيِّ عَنْ يَحْيَى بنِ يَعْلَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ غَيْلَانَ، فَزَادَ فِي الْإِسْنَادِ (عَنْ أَبِيهِ) وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ السُّنَنِ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بنِ يَعْلَى عَنْ أَبِيهِ عن غيلان، وهو الصواب. وَقَدْ نَبَّهَ عَبْدُالغَنِيِّ عَلَى السَّاقِطِ مِنْ هَذَا الْإِسْنَادِ فِي نُسْخَةِ أَبِي العَلَاءِ بنِ مَاهَانَ، وَوَقَعَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ مِنَ السُّنَنِ لِأَبِي دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا غَيْلَانُ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفضة} الْآيَةُ، فَهَذَا السَّنَدُ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ مَا تَقَدَّمَ. قالَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ: يَحْيَى بنُ يَعْلَى: سَمِعَ أَبَاهُ وَزَائِدَةَ بنَ قُدَامَةَ. هَذَا آخِرُ كَلَامِ القَاضِي وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا قَالَ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ سَمَاعًا لِيَحْيَى بنِ يَعْلَى هَذَا مِنْ غَيْلَانَ، بَلْ قَالُوا سَمِعَ أَبَاهُ وَزَائِدَة".

قلت: وكذا قال المزي في «تحفة الأشراف» (2/73): "حديث: جاء ماعز إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... فذكر حديث الرجم وقصة الغامدية. م في الحدود عن أبي كريب، عن يحيى بن يعلى بن الحارث، عن أبيه، عن غيلان بن جامع، عن علقمة بن مرثد، عنه، به".

·       حديث عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ:

أخرجه الطبراني في «المعجم الأوسط» (5/117) (4843) عن عَبْدالوَهَّابِ بن رَوَاحَةَ الرَّامَهُرْمُزِيّ، عن أَبي كُرَيْبٍ محمد بن العلاء، بإسناد مسلم.

وأخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (6/141) (7125)، و(6/426) (7148) عن إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوبَ الجَوْزَجَانِيّ.

وأخرجه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (12/241) (4779) عن النسائي.

وأخرجه أبو عوانة في «مستخرجه» (4/134) (6292) عن العَبَّاس بن عَبْدِاللَّهِ التَّرْقُفِيّ، وعَبَّاس بن مُحَمَّدٍ الدُّورِيّ، ومُحَمَّد بن مُسْلِمٍ الرَّازِيّ، ومُحَمَّد بن نَصْرِ بنِ الحَجَّاجِ المَرْوَزِيّ.

وأخرجه الدارقطني في «سننه» (4/77) (3129) من طريق عَبَّاس الدُّورِيّ، وجَعْفَر بن مُحَمَّدِ بنِ شَاكِرٍ الصَّائِغ.

وأخرجه البيهقي في «سننه الكبرى» (6/137) (11449) من طريق عَبَّاس بن عَبْدِاللهِ التَّرْقُفِيّ. و(8/372) (16928) من طريق جَعْفَر بن مُحَمَّدٍ الصَّائِغ. و(8/394) (16993) من طريق العَبَّاس بن مُحَمَّدٍ الدُّورِيّ.

كلهم عن يحيى بن يعلى بن الحارث المحاربي، عن أبيه، عن غيلان بن جَامِعٍ المُحَارِبِيُّ عَنْ عَلْقَمَةَ بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، به.

·       حكم أهل العلم على الحديث:

لا شك أن مسلماً صححه بتخريجه في الصحيح.

وقال النسائي بعد أن خرّجه: "هذا صَالِحُ الْإِسْنَادِ".

وقال الطبراني: "لَمْ يَرْوِ هذَا الحَدِيثَ عَنْ غَيْلَانَ بنِ جَامِعٍ إِلَّا يَعْلَى بنُ الحَارِثِ، تَفَرَّدَ بِهِ: ابنُهُ يَحْيَى".

قلت: إشارة الطبراني إشارة نفيسة عميقة تدلّ على إعلاله لهذا الحديث بهذا التفرد الغريب في طبقة متأخرة!!!

 فالحديث لا يُعرف عن غَيلان بن جامَع المُحارِبِيّ، قاضي الكُوفة (132هـ)، ومَاتَ كَهْلا، لَهُ نَحْوٌ مِنْ عِشْرِينَ حَدِيثًا، ورَوَى عَنه: الثَّوريُّ، وشُعبة، وغيرهما.

وقد تفرد بهذا الإسناد: يحيى بن يعلى بن الحَارِث أَبُو زَكَرِيَّا المحَاربي الكوفي (216هـ) عن أبيه!!

ويحيى وثقه أبو حاتم الرازي، وذكره ابنُ حِبَّان في كتاب «الثقات» (9/261) وقال: "مَاتَ قبل الثَّلَاثِينَ والمائتين".

وقال العجلي: "ضعيف، عبدالرحمن أرفع منه".

وقال أبو بكر البزار في كتاب «السنن»: "يغلط في الأسانيد". [إكمال تهذيب الكمال: 12/387].

قلت: هو صدوق يغلط في الأسانيد! وتفرده في طبقته المتأخرة لا يُحتمل! وعليه فلا بدّ أن يكون وهم على أبيه! فسلك الجادة!

والحديث يُروى عن علقمة بن مرثد (120هـ) من طرق أخرى ضعيفة! فكأنها هي أصل حديث يحيى هذا.

رواه البزار في «مسنده» (10/331) (4461) عن مُحَمَّد بن المُثَنَّى، قَال: حَدَّثنا هشام بن عَبدالملك، قَال: حَدَّثنا مُحَمد بنُ أَبَان، عَنْ عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ، عَن سُلَيمان بنِ بُرَيدة، عَن أَبيهِ - رَضِي اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «جَاءَتِ الغَامِدِيَّةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم فَقَالَتْ: أَنَّهَا زَنَتْ فَأَعْرَضَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم عَنْهَا فَقَالَتْ يَا رَسولَ اللهِ تُرِيدُ أَنْ ترددني كما رددت ماعزا إنها حُبْلَى مِنَ الزِّنَا فَقَالَ: مَتَى تَضَعِي فَذَهَبَتْ فَلَمَّا وَضَعَتْ جَاءَتْ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم تَحْمِلُهُ فَقَالَتْ قَدْ وَلِدْتُ قَالَ: اذْهَبِي حَتَّى تَفْطِمِيهِ فَذَهَبَتْ، ثُمَّ جَاءَتْ بِهِ وَفِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ فَقَالَتْ إِنِّي قَدْ فَطَمْتُهُ فَقَالَ: ائْتِنِي بِمَنْ يَكْفُلُهُ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: أَنَا أَكْفُلُهُ فَجَعَلَ أَصْحَابُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم يَتَعَجَّبُونَ مِنَ الرَّجُلِ وَيَقُولُونَ مَا كَانَ عَلَيْهِ لَوْ لَمْ يَكْفُلْهُ فَأَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ، ثُمَّ صَلَّي عَلَيْهَا فَقَالَ رَجُلٌ كَيْفَ تُصَلِّي عَلَيْهَا وَهِيَ كَذَا فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم: لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ بَيْنَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، أَوْ نَحْوَ هَذَا».

قلت: مُحَمَّد بن أبان هو ابن صالح الجعْفِيّ الكوفي.

قال ابن معين: "ضَعِيف"، وقال مرة: "لَيْسَ حَدِيثه بِشَيْء".

وقال أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ الأثرم: ذُكِرَ لِأَبِي عَبْدِاللَّهِ، عَنْ أَبِي الوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ أَبَانَ، فقالَ: "مُحَمَّدُ بنُ أَبَانَ مَا أَعَجَبَ حَدِيثَهُ"، فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ هُوَ؟ قالَ: "أَما إِنَّهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَكْذِبُ"، فَقَالَ رَجُلٌ عِنْدَ أَبِي عَبْدِاللَّهِ: كَانَ زَعَمُوا رَجُلًا صَالِحًا! فَقَالَ أَبُو عَبْدِاللَّهِ: "كَيْفَ وَهُوَ مِنْ دُعَاةِ المُرْجِئَةِ!". [الضعفاء الكبير للعقيلي (4/21)].

وقال البُخَارِيَّ: "مُحَمَّدُ بنُ أَبَانَ بنِ صَالِحِ بنِ عُمَيْرٍ القُرَشِيُّ: كُوفِيٌّ، يَتَكَلَّمُونَ فِي حِفْظِهِ. لا يُعتمد عليه". وقال في موضع آخر: "لَيْسَ بِالقَوِيِّ".

وقال أبو حاتم الرازي: "ليس هو بقوي الحديث، يُكتب حديثه على المجاز ولا يُحتج به، بابة حماد بن شعيب الحماني".

وقال النسائي: "ضَعِيف كُوفِي".

وقال ابن حبان في «المجروحين» (2/260): "روى عَنهُ العِرَاقِيُّونَ. كَانَ مِمَّن يقلب الْأَخْبَار وَله الوَهم الْكثير فِي الْآثَار".

وقال ابن عدي في «الكامل» (7/298) بعد أن روى له بعض المنكرات: "ومُحمد بن أَبَان له غير ما ذكرت من الحديث، وفي بعض ما يرويه نُكرة، لا يُتَابَعُ عَليه، ومع ضعفه يكتب حديثه".

وكان قد أَكْثَرَ عَنْهُ: مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ الشيباني الفَقِيهُ صاحب أبي حنيفة.

قال أبو طالب: سألت أحمد بن حنبل عن محمد بن أبان؛ فقال: "كان يقول بالإرجاء، وكان رئيسًا من رؤسائهم، فترك الناس حديثه من أجل ذلك، وكان من أصحاب محمد بن الحسن يكثرون عنه، وكان كوفيًّا جعفيًّا".

قلت: هو من أقران أبي حنيفة (150هـ)، وقد رُوي حديث ماعز عن أبي حنيفة!!

روى أبو يوسف القاضي في كتاب «الآثار» (ص: 157) (719) عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ، عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَّهُ أَتَاهُ مَاعِزُ بنُ مَالِكٍ، فَقَالَ: إِنَّ الْآخَرَ قَدْ زَنَى، فَرَدَّهُ، ثُمَّ أَتَاهُ فَرَدَّهُ، ثُمَّ أَتَاهُ، فَرَدَّهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الرَّابِعَةَ فَسَأَلَ عَنْهُ قَوْمَهُ: هَلْ تُنْكِرُونَ مِنْ عَقْلِهِ شَيْئًا؟ قَالُوا: لا، قَالَ: فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَأُتِيَ بِهِ أَرْضًا قَلِيلَةَ الْحِجَارَةِ، فَلَمَّا أَبْطَأَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ انْطَلَقَ يَسْعَى إِلَى أَرْضٍ كَثِيرَةِ الْحِجَارَةِ، وَتَبِعَهُ النَّاسُ حَتَّى قَتَلُوهُ، فَلَمَّا أُخْبِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ قَالَ: فَهَلَّا خَلَّيْتُمْ سَبِيلَهُ. قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: هَلَكَ مَاعِزٌ وَأَهْلَكَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّا لَنَرْجُو أَنْ يَكُونَ تَوْبَتَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا فِئَامُ النَّاسِ لَقُبِلَ مِنْهُمْ» فَطَمِعَ قَوْمُهُ فِي جَسَدِهِ، فَكَلَّمُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ، فَقَالَ: «افْعَلُوا بِهِ كَمَا تَفْعَلُونَ بِمَوْتَاكُمْ مِنَ الْكَفَنِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ».

ورواه أبو طاهر المُخلِّص في «المخلصيات» (4/15) (2919) عن أبي حامدٍ محمد بن هارونَ الحضرميّ، عن إسحاق بن أبي إسرائيلَ، عن أبي يوسفَ القاضي، به، مثله.

ورواه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (1/379) (432) من طريق إسْمَاعِيل بن سَالِمٍ الصَّائِغ، عن أَبي مُعَاوِيَةَ، عن النُّعْمَان بن ثَابِتٍ أبي حنيفة، به، مختصراً.

وروى أبو نُعيم في «مسند أبي حنيفة» (ص: 149) من طريق مُحَمَّد بن عَبْدِاللَّهِ الحَضْرَمِيّ، قال: حدثَنَا مَالِكُ بنُ الْهُذَيْلِ، قال: حدثَنَا أَبُو حَنِيفَةَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ، عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ قَوْمٌ: هَلَكَ وَأَهْلَكَ، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا بَرِحُوا أَنْ يَكُونَ تَوْبَتَهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَقُبِلَ مِنْهُمْ».

قال أبو نعيم: "مَالِكُ بنُ الهُذَيْلِ، يُكْنَى: أَبَا السَّرِيِّ. رَوَاهُ حَمْزَةُ الزَّيَّاتُ، وَأَبُو يُوسُفَ، والمُقْرِئُ، وَمُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ، والحَسَنُ بنُ زِيَادٍ، والحَسَنُ بنُ الفُرَاتِ، وسَعِيدٌ، وَأَيُّوبُ وابنُ هَانِئٍ، وَمُحَمَّدُ بنُ مَسْرُوقٍ".

قلت: فالحديث مشهور عن أبي حنيفة عند أهل الكوفة يرويه عن علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عن أبيه!! وأبو حنيفة لا يُحتج به في الحديث.

وأكبر ظنّي أن حديث أبي حنيفة هو أصل حديث يحيى المحاربي، ولعل محمد بن أبان أخذه من محمد بن الحسن! وقد رواه محمد بن الحسن عن أبي حنيفة! وقد أكثر محمد بن الحسن عن محمد بن أبان.

·       حديث بشِير بن المُهَاجِرِ عن عَبْداللهِ بن بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ:

وأما حديث بَشِير بن المُهَاجِرِ، عن عَبْداللهِ بن بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ:

فأخرجه ابن أبي شيبة في «مسنده» (5/538) (28772)، و(5/543) (28809) عن عبدالله بن نمير الكوفي.

والدارمي في «مسنده» (3/1497) (2369)، وأحمد في «مسنده» (38/26) (22942)، و(38/37) (22949) عن أَبي نُعَيْمٍ الفضل بن دُكين.

والنسائي في «السنن الكبرى» (6/432) (7159) عن أَحْمَد بن يَحْيَى الصُّوفِيّ الكُوفِيّ، عن أَبي نُعَيْمٍ.

وأخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (6/418) (7129) عن وَاصِل بن عَبْدِالأَعْلَى، عن محمد بن فُضَيْلٍ بن غزوان الكوفي.

وأبو داود في «سننه» (6/488) (4442) عن إبراهيم بنُ موسى الرازيّ، عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي.

والحاكم في «المستدرك» (4/402) (8078) من طريق مُعَاذ بن نَجْدَةَ القُرَشِيّ، عن خَلَّاد بن يَحْيَى بن صفوان الكوفي.

كلهم عن بَشِير بن المُهَاجِرِ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، به. مطولاً، وبعضهم رواه مختصراً.

·       الحكم على الحديث:

قال الحاكم: "هذا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، فَقَدِ احْتَجَّ بِبَشِيرِ بنِ مُهَاجِرٍ".

وأما تخريج الإمام مسلم لهذا الحديث فإنه يدلّ على صحته، وقد ذكره في الشواهد على اعتبار أنه بدأ بروايات أخرى.

وقد يُسلّم بعض طلبة العلم بتعليل هذا الحديث ويقول بأنه طالما أخرجه في الشواهد فيُتساهل في ذلك، وقد يقول بعضهم: تخريجه له هكذا لأنه أراد تعليله!!

وبعض ذلك من باب الاحتمال والظنّ! والأصل أنه خرّجه لثبوت تصحيحه عنده وخاصة رواية سليمان بن بريدة عن أبيه، وقد يُسلّم أنه أراد تعليل رواية بشير بن المهاجر! على أنه قد ينازع بعضهم أن حديث بشير عن عبدالله بن بريدة متابعة لرواية سليمان بن بريدة!!

·       كيفية ترتيب مسلم لأحاديث الباب:

وقد بدأ مسلم في الباب بتخريج حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، ثم حديث جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ، ثم حديث ابنِ عَبَّاسٍ، ثم حديث أَبِي سَعِيدٍ الخدري، ثم حديث بريدة بن الحُصَيْب، ثم ختم الباب بحديث عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ في أن امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ زنت.

والملاحظ أن هذه الأحاديث كلها مختصرة إلا ما رُوي عن بريدة بن الحُصَيْب!!

فروى مسلم حديث ابنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ، وَسَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحَّى تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى ثَنَى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «أَبِكَ جُنُونٌ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ أَحْصَنْتَ؟» قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ»، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ: فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ، فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ هَرَبَ، فَأَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ، فَرَجَمْنَاهُ.

وهذا أصح حديث في الباب، وقد أخرجه كذلك البخاري في «صحيحه» في مواضع.

ثم روى مسلم حديث سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ حِينَ جِيءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ قَصِيرٌ، أَعْضَلُ، لَيْسَ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أَنَّهُ زَنَى، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَلَعَلَّكَ؟» قَالَ: لَا، وَاللهِ إِنَّهُ قَدْ زَنَى الْأَخِرُ، قَالَ: فَرَجَمَهُ، ثُمَّ خَطَبَ، فَقَالَ: «أَلَا كُلَّمَا نَفَرْنَا غَازِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ، خَلَفَ أَحَدُهُمْ لَهُ نَبِيبٌ كَنَبِيبِ التَّيْسِ، يَمْنَحُ أَحَدُهُمُ الكُثْبَةَ، أَمَا وَاللهِ، إِنْ يُمْكِنِّي مِنْ أَحَدِهِمْ لَأُنَكِّلَنَّهُ عَنْهُ».

وسماك بن حرب ليس على شرط البخاري، وخرّج له تعليقاً. والحديث فيه نكارة شديدة!! لأنه يُفهم منه أن ماعزا قد زنى بامرأة رجل كان في الغزو في سبيل الله!!!

ثم روى مسلم حديث سِماك بن حرب، عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ: «أَحَقٌّ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ؟» قَالَ: وَمَا بَلَغَكَ عَنِّي؟ قَالَ: «بَلَغَنِي أَنَّكَ وَقَعْتَ بِجَارِيَةِ آلِ فُلَانٍ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ.

ولم يروه عن سعيد بن جبير إلا سماك بن حرب!! ولفظه غريب!!! إذ أن ماعز بن مالك هو من جاء إليه صلى الله عليه وسلم لا أنه هو من سأله!!

ثم روى مسلم حديث داود بن أبي هند، عن أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ، يُقَالُ لَهُ مَاعِزُ بنُ مَالِكٍ، أَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ فَاحِشَةً، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَرَدَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِرَارًا، قَالَ: ثُمَّ سَأَلَ قَوْمَهُ، فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُ بِهِ بَأْسًا إِلَّا أَنَّهُ أَصَابَ شَيْئًا يَرَى أَنَّهُ لَا يُخْرِجُهُ مِنْهُ إِلَّا أَنْ يُقَامَ فِيهِ الحَدُّ، قَالَ: فَرَجَعَ إِلى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَرَنَا أَنْ نَرْجُمَهُ، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا بِهِ إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، قَالَ: فَمَا أَوْثَقْنَاهُ، وَلَا حَفَرْنَا لَهُ، قَالَ: فَرَمَيْنَاهُ بِالعَظْمِ، والمَدَرِ، والخَزَفِ، قَالَ: فَاشْتَدَّ، وَاشْتَدَدْنَا خَلْفَهُ حَتَّى أَتَى عُرْضَ الْحَرَّةِ، فَانْتَصَبَ لَنَا فَرَمَيْنَاهُ بِجَلَامِيدِ الْحَرَّةِ - يَعْنِي الْحِجَارَةَ - حَتَّى سَكَتَ، قَالَ: ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا مِنَ الْعَشِيِّ، فَقَالَ: «أَوَ كُلَّمَا انْطَلَقْنَا غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ تَخَلَّفَ رَجُلٌ فِي عِيَالِنَا، لَهُ نَبِيبٌ كَنَبِيبِ التَّيْسِ، عَلَيَّ أَنْ لَا أُوتَى بِرَجُلٍ فَعَلَ ذَلِكَ إِلَّا نَكَّلْتُ بِهِ»، قَالَ: فَمَا اسْتَغْفَرَ لَهُ وَلَا سَبَّهُ.

وهذا تفرد به داود بن أبي هند عن أبي نضرة!!! وداود له أخطاء! وتفرده لا يُحتمل!! بل أصل هذا الحديث هو حديث سماك السابق.

وقد رُوي عنه بإسناد آخر قصة أخرى! فلعله اشتبه عليه سيما والقصة يرويها سماك بن حرب، وحديثنا هذا يرويه أيضاً سماك بن حرب!

روى البيهقي في «سننه الكبرى» (8/377) من طريق عَبْدالوَهَّابِ الثَّقَفِيّ، عَنْ دَاوُدَ بنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ، عَنْ رَجُلٍ، مِنْ بَنِي عِجْلٍ قَالَ: «جِئْتُ مَعَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - بِصِفِّينَ، فَإِذَا رَجُلٌ فِي زَرْعٍ يُنَادِي: إِنِّي قَدْ أَصَبْتُ فَاحِشَةً، فَأَقِيمُوا عَلَيَّ الحَدَّ، فَرَفَعْتُهُ إِلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: هَلْ تَزَوَّجْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَدَخَلْتَ بِهَا؟ قال: لا، قال: فَجَلَدَهُ مِائَةً، وَأَغْرَمَهُ نِصْفَ الصَّدَاقِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا».

وحديث المرأة أيضاً يرويه سماك كذلك!

روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» (5/542) (28808) عن أبي الأحوص، عن سماك، عن الحسن، قال: جاءت امرأة من بارق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: إني قد زنيت فأقم في حد الله، قال: فردها النبي عليه السلام حتى شهدت على نفسها شهادات، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «ارجعي» فلما وضعت حملها أمرها النبي صلى الله عليه وسلم فتطهرت، ولبست أكفانها، ثم أمر بها فرجمت، فأصاب خالد بن الوليد من دمها فسبها، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لقبل منه».

ولعل هذه الرواية المرسلة هي أصل حديث الغامدية!!

ثم روى مسلم حديث يَحْيَى بن يَعْلَى بن الحَارِثِ المُحَارِبِيّ، عن أبيه، عَنْ غَيْلَانَ بن جَامِعٍ المُحَارِبِيُّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، بطوله.

ثم روى حديث بَشِير بن المُهَاجِرِ، عن عَبْداللهِ بن بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، بطوله أيضاً.

وختم بحديث يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ الجرمي، عَنْ أَبي المُهَلَّبِ الجرمي - عمّ أبي قلابة -، عَنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتْ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَى، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِيَّهَا، فَقَالَ: «أَحْسِنْ إِلَيْهَا، فَإِذَا وَضَعَتْ فَأْتِنِي بِهَا»، فَفَعَلَ، فَأَمَرَ بِهَا نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا يَا نَبِيَّ اللهِ وَقَدْ زَنَتْ؟ فَقَالَ: «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ تَوْبَةً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ تَعَالَى؟».

قال عنه الترمذي: "هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ".

وهو مشهور عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران، رواه عن يحيى جماعة.

لكن خالفه أيوب السختياني، فلم يذكر "أبا المهلب"!

رواه عبدالرزاق في «مصنفه» (7/325) (13347) عَنْ مَعْمَرٍ، والثَّوْرِيِّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ عِمْرَانَ، قَالَ: اعْتَرَفَتِ امْرَأَةٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالزِّنَا، فَأَمَرَ بِهَا، فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ رَجَمَهَا، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَجَمْتَهَا، ثُمَّ تُصَلِّي عَلَيْهَا؟ فَقَالَ: «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ شَيْئًا أَفْضَلَ بِأَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا للَّهِ».

وقد تكلّم بعض النقاد في رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة! لكن ثبتها الإمام أحمد.

سئل أَحْمَد بن حَنْبَلٍ: يَحْيَى بنُ أَبِي كَثِيرٍ سَمِعَ مِنْ أَبِي قِلَابَةَ؟ فَقَالَ: "لا أَدْرِي بِأَيِّ شَيْءٍ يَدْفَعُ!"، قيل: زَعَمُوا أَنَّ كُتُبَ أَبِي قِلَابَةَ وَقَعَتْ إِلَيْهِ! قالَ: "لا" [المراسيل: ص240].

وعندي أن رواية أيوب أثبت من رواية يحيى بن أبي كثير! وهي منقطعة! ولعل يحيى سلك فيها الجادة؛ لأنه يروي كثيراً عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران. والله أعلم.

ورُوي عن عمران بإسناد آخر منكر!!

رواه الطبراني في «المعجم الكبير» (18/228) (569) من طريق عُبيداللهِ بن أَبِي حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ قَالَ: أَتَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا زَنَتْ، فَقَالَتْ ذَلِكَ مِرَارًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّكُمْ يَأْوِي هَذِهِ؟» قَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «فَانْطَلِقْ بِهَا فَلْتَكُنْ تُمْهِلْ، فَإِذَا وَضَعَتْ فَائْتِنِي بِهَا» فَأَتَى بِهَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَمَا وَضَعَتْ، فَأَمَرَ بِهَا، فَرُجِمَتْ ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: «تَقَدَّمُوا فَصَلُّوا عَلَيْهَا» قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنصَلِّي عَلَيْهَا؟ قَالَ: «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا سَبْعُونَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَة لَقُبِلَ مِنْهُمْ».

وهذا إسناد منكر! عبيدالله بن أبي حميد منكر الحديث متروك.

قال أحمد: "ترك الناس حديثه".

قال البخاري في «التاريخ الأوسط» (2/44): "عبيدالله بن أبي حميد أَبُو الخطاب البَصْرِيّ يروي عَن أبي المليح عجائب".

وقال في «التاريخ الكبير» (5/377): "منكر الحديث".

وقال النسائي في «الضعفاء» (ص: 66): "عبيدالله بن أبي حميد يروي عَن أبي الْمليح: مَتْرُوك الحَدِيث، كُوفِي".

وقال أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث، ضعيف الحديث".

وقال ابن حبان في «المجروحين» (2/65): "وكَانَ مِمَّن يقلب الْأَسَانِيد وَيَأْتِي بالأشياء الَّتِي لَا يشك مَنِ الْحَدِيثُ صِنَاعَتُهُ أَنَّهَا مَقْلُوبَةٌ فَاسْتحقَّ التّرْك لما كثر فِي رِوَايَته، وَهُوَ الَّذِي يروي عَنهُ البصريون وَيَقُولُونَ: عبيدالله بن غَالب حَتَّى لا يُعرف".

فهذه الأحاديث التي رتبها الإمام مسلم في هذا الباب، فهل يُعقل أن يكون صحح الرواية الأولى والبقية أراد تعليلها؟!! هذا فيه بُعد شديد!

وهل يمكن أن يكون أخرجها كشواهد، والشواهد يُتساهل فيها؟ أم أنه يصححها جميعها؟!

فإن كان كذلك فهذه الروايات كلها معلولة باستثناء الرواية الأولى التي اتفق مع البخاري في تخريجها.

وحديث الغامدية لا يوجد مسنداً بهذا التفصيل إلا في الحديث الذي رُوي عن ابني بريدة!! وفيهما بعض النكارة!! فروي فِي رَجْمِ مَاعِزٍ أَنَّهُ حُفِرَ لَهُ حُفْرَةٌ!! وقد رُوِيَ فِي رَجْمه أَنَّهُ هَرَبَ، وَلَوْ كَانَ مَشْدُودًا أَوْ فِي حُفْرَةٍ لَمْ يُمْكِنْهُ الهَرَبَ! وفِي الغَامِدِيَّةِ فَحَفَرَ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا، وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الحَفْرِ!!

وكذا ما ذكر من سبّ خالد لها! وقوله صلى الله عليه وسلم له: «لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لقبل منه»!!!

فأصل حديث الغامدية مرسل كما سبق بيانه من مراسيل الحسن (110هـ)، وكذا رُوي من مراسيل عطاء بن أبي رباح (114هـ).

روى عبدالرزاق الصنعاني في «مصنفه» (7/324) (13345) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَطَاءِ بنِ أَبِي رَبَاحٍ: «أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاعْتَرَفَتْ عَلَى نَفْسِهَا بِالزِّنَا، فَرَدَّهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَقَالَتْ لَهُ فِي الرَّابِعَةِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُرِيدُ أَنْ تَرُدَّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزَ بنَ مَالِكٍ؟ قَالَ: فَأَخَرَّهَا حَتَّى وَضَعَتْ، ثُمَّ قَالَ: أَرْضِعِيهِ، فَقَالَ رَجُلٌ إِلَيَّ رَضَاعُهُ، فَأَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ».

وهذه المراسيل تقضي على ما رُوي عن ابني بريدة عن أبيهما.

·       حال بَشِيرِ بنِ المُهَاجِرِ الغَنَوِيّ الكوفي:

وحديث عبدالله بن بريدة عن أبيه تفرد به بشير بن المهاجر!! وهو ضعيف لا يُحتج به.

قال إِسْحَاق بن منصور، عَنْ يحيى بن مَعِين: "ثقة".

وقال حرب: قال أحمد: "بشير بن مهاجر يقولون كان مرجئًا، ولكنه صالح الحديث".

وقال حَمْدَانُ بنُ عَلِيٍّ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ: بَشِيرُ بنُ المُهَاجِرِ يَرْوِي عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ؟ قال: "كُوفِيٌّ مُرْجِيءٌ مُتَّهَمٌ يَتَكَلَّمُ".

وقال أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ أبو بكر الأثرم: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِاللَّهِ - وذَكَرَ بَشِيرَ بنَ المُهَاجِرِ - فَقَالَ: "مُنْكَرُ الحَدِيثِ، قَدِ اعْتَبَرْتُ أَحَادِيثَهُ فَإِذَا هُوَ يَجِيءُ بِالعَجَبِ".

وقَالَ الأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِاللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الزَّانِي، يُرَدَّدُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ؟ قَالَ: "نَعَمْ، عَلَى حَدِيثِ مَاعِزٍ، هُوَ أَحْوَطُ". قُلْت لَهُ: فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، أَوْ فِي مَجَالِسَ شَتَّى؟ قالَ: "أَمَّا الْأَحَادِيثُ، فَلَيْسَتْ تَدُلُّ إلَّا عَلَى مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، إلَّا ذَاكَ الشَّيْخَ بَشِيرَ بنَ مُهَاجِرٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، وَذَاكَ عِنْدِي مُنْكَرُ الحَدِيثِ". [المغني لابن قدامة (9/65)].

  قول البخاري ونقل المزي له، وتعقّب مغلطاي للمزي! وأخذ بشار كلام مغلطاي! وبيان زيادة كلمة في الترجمة!!!

وقَال البُخارِيُّ: "يُخالف فِي بعض حديثه".

كذا نقله المزي في «تهذيبه» (4/177)، فتعقّبه محقق الكتاب د. بشار عواد، فقال في الحاشية: "كذا نقل المزي عن البخاري، لكن الذي يمعن النظر في تاريخ البخاري يجد أن الإمام البخاري لم يطلق عليه هذه العبارة إلا مقيدة بحديث معين. قال: حَدَّثَنَا خلاد، قال: حدينا بشير بن المهاجر، قال: سَمِعْتُ عَبْدَاللَّهِ بنَ بريدة عَن أبيه، قال: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يقول: رأس مئة سنة يبعث الله ريحا باردة يقبض فيها روح كل مسلم. قال أبو عبدالله: يخالف في بعض حديثه هذا".

قلت: ما ذكره د. بشار عواد هو كلام مغلطاي في «إكماله» (2/424) أخذه منه وغيّر في بعض كلماته! ولم ينسبه له! مع أنه وقف على كتاب مغلطاي وأحال عليه في حواشيه في مواضع كثيرة!

قال مغلطاي: "وفي قول المزي: قال البخاري: يخالف في بعض حديثه. نظر! من حيث إن البخاري قال هذا مقيداً بحديث لا مطلقاً، يبين لك ذلك بسياقة كلامه، وهو: بشير بن مهاجر الغنوي الكوفي رأى أنساً. ثنا خلاد، ثنا بشير بن المهاجر قال: سمعت عبدالله بن بريدة عن أبيه قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «رأس مائة سنة يبعث الله تعالى ريحاً باردة تقبض فيها روح كل مسلم». قال أبو عبدالله: يخالف في بعض حديثه هذا".

قلت: ما نقله المزي عن البخاري هو الصواب، وكأنه في بعض نسخ التاريخ زيادة كلمة "هذا"!!

ولما نقل ابن عدي كلام البخاري في كتابه في ترجمة بشير بن المهاجر لم يذكر هذه الكلمة.

قال في «الكامل» (2/181): "حَدَّثَنَا ابن حَمَّاد: وحدثنا البُخارِيّ قَالَ: بشير بن مهاجر الغنوي رأى أنس، يخالف في بعض حديثه".

فتبيّن أن كلمة "هذا" زائدة في بعض النسخ، ولا معنى لها أصلاً!! فلو ثبتت أنها في عبارة البخاري فكيف يكون قد خالف في حديثه هذا؟!! هو تفرد به عن عبدالله بن بريدة بهذا الإسناد! ولم يُتابع عليه! فكيف خالف في بعض حديثه هذا؟!! وكلمة "بعض" لا تجيء في المخالفة في حديث واحد! وإنما يُعبّر بها أهل النقد للكلام على مخالفة الراوي في بعض حديثه أي مجموع حديثه، والله أعلم.

وقَال أبو حاتم: "يُكتب حديثه، ولا يُحتج بِهِ".

وقال النسائي في «الضعفاء» (ص: 23): "بشير بن مهَاجر لَيْسَ بِالقَوِيّ".

ونقل المزي في «تهذيب الكمال» (4/177) عن النسائي أنه قال فيه: "ليس به بأس"!!!

فلا أدري هل أصاب المزي في نقله من كتاب آخر للنسائي أم لا!!! والذي يُعتمد عنه ما في كتابه في الضعفاء ولو ثبت عنه ما نقله المزي.

وذكر ابن عدي حديثه هذا في منكراته، ثم قال: "ولِبَشِيرِ بنِ مُهَاجِرٍ أحاديث غير ما ذكرت عنِ ابنِ بُرَيْدَةَ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ رَوَى مَا لا يُتَابَعُ عَليه، وَهو مِمَّنْ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ بَعْضُ الضَّعْفِ".

وقال العقيلي: "مرجئ متهم، يتكلم فيه منكر الحديث، قاله الإمام أحمد بن حنبل".

وقال ابن حبان في «الثقات» (6/98): "بشير بن المُهَاجر الغنوي من أهل الكُوفَة، يَرْوِي عَن عَبْدالله بن بُرَيْدَة، وَقد روى عَن أنس وَلم يره، دلّس عَنهُ. روى عَنهُ ابن نمير وخلاد بن يحيى. يُخطئ كثيراً".

وقال الساجي: "منكر الحديث، عنده مناكير عن عبدالله بن بريدة أحاديث عدد يطول ذكرها". وفي كتاب ابن الجارود: "يخالف في بعض حديثه". [إكمال تهذيب الكمال (2/423)].

وقال العجلي: "ثقة".

ولما خرج الحاكم حديثه في «مستدركه» قال: "احتج به مسلم في صحيحه".

·       قول ابن حجر، وتعقّب صاحبي التحرير له!! والرد عليهما!

وقال ابن حجر: "صدوق لين الحديث رُمِيَ بالإرجاء".

فتعقبه صاحبا التحرير (1/178) فقالا: "بل: ضعيفٌ يُعتبر به، فقد قال أحمد بن حنبل: منكر الحديث، قد اعتبرت أحاديثه فإذا هو يجيء بالعجب. وقال ابن عدي - بعد أن خَبَر حديثه أيضاً -: روى ما لا يتابع عليه، وهو ممن يكتب حديثه وإن كان فيه بعض الضعف، وقال العقيلي: منكر الحديث. ولا نعلم وثقه كبير أحد سوى ابن معين. وكلام أحمد فيه من الجرح المفسر".

قلت: صاحبا التحرير يبدو أنهما لا يفهمان قول ابن حجر "صدوق لين الحديث"!! فلين الحديث يعني أنه فيه ضعفاً = يعني يكتب حديثه للاعتبار.

وهذا يوافق أقوال الأئمة فيه كما قال ابن عدي.

وكأنهما تعقباه بقولهما: "يعتبر به"! لوجود كلمة "الاعتبار" في كلام الإمام أحمد!! وهذا من العجب العجاب! فأحمد لا يقصد الاعتبار كحكم كلي على الراوي، وإنما هو قد اعتبر حديثه فوجده يأتي بالعجب.

وما نقلاه عن العقيلي من قوله فيه: "منكر الحديث"! لا يصح! فالعقيلي نقل هذا عن أحمد، ولا شك أنه يوافقه في هذا.

وأما من وثقه، فنعم وثقه ابن معين وهو من الكبار، وكذا وثقه العجلي وابن حبان وهما من الكبار كذلك، مع نص ابن حبان على أنه يخطئ كثيراً، وهذا يوافق قول الحافظ ابن حجر بأنه صدوق ليّن الحديث.

وأما أن كلام الإمام أحمد من الجرح المفسر فلا اعتراض عليه، وإن كان الإتيان به للرد على توثيق ابن معين له مطلقاً، لكن قول الإمام أحمد لا يدل على الاعتبار الذي ذهبا إليه! بل هو عنده منكر الحديث ولا يُعتبر بحديثه عنجه.

·       متابعة منكرة لبشير بن المهاجر!

روى الخطيب البغدادي في «تاريخه» (3/16) في ترجمة «محمد بن الحسين يعرف بحمدي» من طريق مُحَمَّد بن مَخْلَدٍ الدوري العطّار، قالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بنُ الحُسَيْنِ يُعْرَفُ بِحَمْدِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا بِشْرُ بنُ الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الخُلْقَانِيُّ، عَنْ يُوسُفَ بنِ صُهَيْبٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ الغَامِدِيَّةَ أَرْبَعَ مِرَارٍ نَحْوًا مِنْ ثَلاثِ سِنِينَ، كُلُّ ذَلِكَ تُقِرُّ بِالزِّنَا، ثُمَّ رَجَمَهَا بَعْد سِنِينَ».

قلت: هذا إسناد منكر! تفرد به حمدي هذا! وهو مجهول الحال!! ذكره الخطيب في كتابه وترجم له من خلال هذا الحديث فقط.

·       من أوهام بشير بن المهاجر على ابن بريدة!

ومن أوهام بشير بن المهاجر التي أخطأ فيها على عبدالله بن بريدة:

·       تعليل أبي حاتم رواية لضعيف برواية أخرى منكرة!

- قال ابن أبي حاتم في «العلل» (2/603): وسألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ عُبَيدالله بنُ مُوسَى، عَنْ بَشِير بنِ مُهاجِر، عَنِ ابنِ بُرَيْدة، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا مَنَعَ قَوْمٌ الزَّكَاةَ إِلاَّ حُبِسَ عَنْهُمُ القَطْرُ، ولاَ نَقَصَ قَوْمٌ المِكْيَالَ...، الحديثَ»؟

قال أَبِي: "رَوَاهُ حُسَين بنُ واقِد، عَنِ ابنِ بُرَيْدة، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، موقوفً؛ وهو أشبَهُ".

وقال أيضاً (6/577): وسألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ عليُّ بنُ الحَسَنِ بنِ شَقِيق، عَنِ الحُسَيْنِ بنِ واقِد، عَنِ عبدالله بنِ بُرَيدة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: «مَا نقَضَ قومٌ العَهدَ إِلا أَظْهَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عدوَّهم، وَمَا جارَ قومٌ فِي الحُكْمِ إِلا كَانَ القتلُ بَيْنَهُمْ، وَمَا فَشَتِ الفاحشةُ فِي قومٍ إِلا أخذَهُمُ اللَّهُ بِالْمَوْتِ، وَمَا طَفَّفَ قومٌ فِي المِيزَانِ إِلا أخذَهُمُ اللَّهُ بالسِّنين، وَمَا مَنَعَ قومٌ الزَّكَاةَ إِلا مَنعَهُم اللَّهُ القَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ»؟

قالَ أَبِي: "حدَّثنا به عُبَيدالله بنُ مُوسَى، عَنْ بَشير بنِ مُهَاجِر، عَنِ ابنِ بُرَيدة، عَنْ أبيه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ وَهَمٌ! عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ أشبهُ".

وذكره البزار الرواية المرفوعة في «مسنده» [كما في «كشف الأستار عن زوائد البزار» (4/104) ثم قال: "لا نَعْلَمُ رَوَاهُ إِلا بُرَيْدَةُ، وَلا نَعْلَمُ لَهُ عَنْهُ إِلا هَذَا الطَّرِيقَ".

·       تصحيح وتحسين المتأخرين للروايات الضعيفة بمجموع الطرق!

حديث «مَا مَنَعَ قَوْمٌ الزَّكَاةَ إِلاَّ حُبِسَ عَنْهُمُ القَطْرُ، ولاَ نَقَصَ قَوْمٌ المِكْيَالَ...»!

وخرّج الحاكم الرواية المرفوعة أيضاً في «المستدرك» (2/136) (2577) ثم قال: "هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ".

وقال ابن حجر في «فتح الباري» (10/193): "وفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ عِنْدَ الحَاكِمِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ بِلَفْظِ: وَلَا ظَهَرَتِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمَوْتَ".

وقال في «المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية» (5/633) (950) بعد أن ذكر رواية البزار: "هذا إِسْنَادٌ حَسَنٌ".

وقال في «بذل الماعون» (ص212) بعد أن ذكر الرواية المرفوعة: "وله علة غير قادحة؛ أخرجه البيهقي في «الكبرى» من طريق عبدالله بن المبارك، عَنْ حُسَيْنِ بنِ وَاقِدٍ، عَنْ عبدالله بنِ بُرَيْدَةَ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، ويَحْتمل أن يكونا محفوظين، وإلا فهذه الطريق أرجح؛ لاحتمال أن يكون بشير بن المهاجر سلك الجادَّة".

وقال السخاوي في «الأجوبة المرضية» (3/1169): "وأورده في «المختارة»، فأدنى مراتبه أن يكون عنده حسنًا، وكذا حسَّن شيخنا في تصانيفه إسناده، وكأنه إنما لم يطلق الحكم لكون بشير خولف فيه".

وذكره الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (107) وقال عن الرواية الموقوفة: "وإسناده صحيح، وهو موقوف في حكم المرفوع، لأنه لا يُقال من قبل الرأي".

ثم أورد للحديث بعض المتابعات الواهية! ثم قال: "وبالجملة فالحديث بهذه الطرق والشواهد صحيح بلا ريب".

قلت: بعض أهل العلم صحح الحديث المرفوع مطلقاً! وهذا خطأ بيّن؛ لأن تفرد بشير بن المهاجر لا يُحتمل!

·       عبدالله بن بريدة لم يسمع من ابن عباس!

ومنهم من أعلّ رواية بشير المرفوعة برواية حسين بن واقد المروزي الموقوفة على ابن عباس! وهذا خطأ أيضاً! لأن رواية حسين بن واقد عن عبدالله بن بريدة منكرة كما قال أحمد. ولا يُعرف لعبدالله بن بريدة سماعاً من ابن عباس!! بل في كثير من الآثار وجود واسطة بين عبدالله بن بريدة وابن عباس وهو «يحيى بن يعمر»، كما في «مصنف ابن أبي شيبة».

بل إن مسلماً روى في «صحيحه» (4/2086) من طريق الحُسَيْن المعلّم، قال: حَدَّثَنِي ابنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بنِ يَعْمَرَ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يَقُولُ: «اللهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْ تُضِلَّنِي، أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، والجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ».

فالحديث الموقوف منقطع بين ابن بريدة وابن عباس!

والحديث ليس بحسن ولا يُصحح بهذه الشواهد والمتابعات الواهية!! ولا يصح لا عن بريدة مرفوعاً، ولا عن ابن عباس موقوفاً.

ولا أستبعد أن يكون بشير بن المهاجر أخذ الحديث من حسين بن واقد أو العكس فأخطأ أحدهما في روايته!

·       سلوك الجادة!

- قال ابن أبي حاتم في «العلل» (6/524) (2721): وسألتُ أَبِي وَأَبَا زُرْعَةَ عَنْ حديثِ بَشير بنِ المُهاجِر، عَنِ ابنِ بُرَيدة، عَنْ أَبِيهِ؛ فِي قصَّة الجَسَّاسَة: مَا عِلَّته؟

فقالا: "لَهُ عَوْرة".

قلتُ: ومَا هي؟

قالا: "روى عبدالوارث، عن حُسين بن ذَكْوان المعلِّم، عَنِ ابنِ بُرَيدة، عَنِ الشَّعبي، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْس، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِكَ".

قالا: "فَأَفْسَدَ هَذَا الحديثُ حديثَ بشير".

وسئل الدارقطني في «العلل» (15/375) (4082) عن حديث فاطمة بنت قيس، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنِ تميم الداري، حديث الجساسة؟.

فقال: "يرويه [عَوْنُ بنُ كَهْمَسٍ، عن أَبِيه، عن] عَبْداللَّهِ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بنِ يعمر، عن فاطمة.

وخالفه بشير بن المهاجر؛ فرواه عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وخَالَفَهُ حسين المعلم؛ فرواه عن ابن بريدة، عن الشعبي، عن فاطمة".

قلت: سلك بشير بن المهاجر الجادة، فرواه عن عبدالله بن بريدة عن أبيه، فوهم!!

وضبطه حسين المعلّم - وهو من أوثق الناس في عبدالله بن بريدة - فرواه عن ابن بريدة، عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس.

·       سقط في مطبوع «علل الدارقطني»!

وما بين المعكوفتين [عَوْنُ بنُ كَهْمَسٍ، عن أَبِيه، عن] ليست في كتاب الدارقطني، وإنما هي زيادة مني؛ لأن الكلام لا يستقيم إلا بها، وكأنها سقطت من بعض النسخ!

ورواية عون بن كهمس عن أبيه أخرجها ابن حبان في «صحيحه» (15/193) (6787) عن هَارُون بن عِيسَى بنِ السُّكَيْنِ، عن الفَضْلِ بن مُوسَى مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْنُ بنُ كَهْمَسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بنِ يَعْمَرَ أَنَّهُ قَالَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ.

وفي «معجم ابن المقرئ» (ص: 295) (953) عن أَبي عَبْدِالرَّحْمَنِ عَبْداللَّهِ بن عَلِيِّ بنِ إِبْرَاهِيمَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِالعَزِيزِ بنِ عَبْدِاللَّهِ بنِ عَبْدِاللَّهِ بنِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ المَوْصِلِيّ، عن الفَضْل بن مُوسَى البَصْرِيّ: حدثنا عَوْنُ بنُ كَهْمَسِ بنِ الحَسَنِ، قال: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ بُرَيْدَةَ قَالَ: أَرَى حَدَّثَهُ عَنْ يَحْيَى بنِ يَعْمَرَ، أَنَّهُ قَالَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فذكر الحديث بطوله.

قلت: ففي رواية ابن المقرئ: "أرى حدثه عن يحيى بن يعمر"! فكأن بعضهم لم يضبط الرواية، فذكر يحيى بن يعمر؛ لأن عبدالله بن بريدة يروي عن يحيى بن يعمر عن ابن عمر الحديث المشهور في القدر.

وربما يكون الوهم فيه من عون بن كهمس، وهو صدوق قليل الرواية، وكأنه بسبب قلّة روايته قال فيه أحمد: "لا أعرفه".

·       إلزام مسلم بتخريج بعض الأحاديث في بعض الأبواب!

خرّج الإمام مسلم في باب رجم الزاني المحصن حديث بشير بن المهاجر عن عبدالله بن بريدة عن أبيه، كما سبق بيان ذلك.

فإن كان خرّجه تصحيحاً له أو تعليلاً فكان لزاماً عليه أن يخرّج له بهذا الإسناد في باب آخر!

فقد أخرج في «صحيحه» (1/553) (804) قال: حَدَّثَنِي الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ الحُلْوَانِيُّ، قال: حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ - وهُوَ الرَّبِيعُ بنُ نَافِعٍ -، قال: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ - يَعْنِي: ابنَ سَلَّامٍ، عَنْ زَيْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ البَاهِلِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ، اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ البَقَرَةَ، وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا، اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ». قَالَ مُعَاوِيَةُ: بَلَغَنِي أَنَّ الْبَطَلَةَ: السَّحَرَةُ.

قال: وحَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، قال: أَخْبَرَنَا يَحْيَى – يَعْنِي: ابْنَ حَسَّانَ -، قال: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَكَأَنَّهُمَا فِي كِلَيْهِمَا، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ مُعَاوِيَةَ بَلَغَنِي.

وقال: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بنُ عَبْدِ رَبِّهِ: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ مُهَاجِرٍ، عَنِ الوَلِيدِ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ الجُرَشِيِّ، عَنْ جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّوَّاسَ بنَ سَمْعَانَ الكِلَابِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «يُؤْتَى بِالقُرْآنِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ تَقْدُمُهُ سُورَةُ الْبَقَرَةِ، وَآلُ عِمْرَانَ»، وَضَرَبَ لَهُمَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَةَ أَمْثَالٍ مَا نَسِيتُهُنَّ بَعْدُ، قَالَ: «كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ ظُلَّتَانِ سَوْدَاوَانِ بَيْنَهُمَا شَرْقٌ، أَوْ كَأَنَّهُمَا حِزْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا».

وهذا الحديث رواه بشير بن المهاجر عن عبدالله بن بريدة عن أبيه. فكان لزاماً على مسلم إخراجه هنا تصحيحاً لهما إن كان يرى ذلك أو إخراجه في الشواهد بعد حديثي أبي أمامة والنواس بن سمعان، أو تخريجه لبيان علته إن كان قصد في تخريج حديث بشير بن المهاجر السابق بيان علته!!

رواه أحمد في «مسنده» (38/41) (22950)، والدارمي في «مسنده» (4/2135) (3434) عن أَبي نُعَيْمٍ الفضل بن دُكين.

والحاكم في «المستدرك» (1/747) (2057) من طريق أَحْمَد بن مُحَمَّدِ بنِ نَصْرٍ، عن أَبي نُعَيْمٍ.

وأحمد أيضاً (38/155) (23049) عن وكيع بن الجرّاح.

والبزار في «مسنده» (10/302) (4421) من طريق أَبي أَحْمَد مُحَمَّد بن عبداللَّهِ بن الزبير الزبيري.

وابن عدي في «الكامل» (2/182) من طريق سفيان الثوري.

والعقيلي في «الضعفاء» (1/143) من طريق خَلَّاد بن يَحْيَى.

كلهم عن بَشِير بن المُهَاجِرِ، قال: حَدَّثَنِي عَبْدُاللهِ بنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «تَعَلَّمُوا سُورَةَ البَقَرَةِ؛ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا يَسْتَطِيعُهَا البَطَلَةُ. قَالَ: ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: تَعَلَّمُوا سُورَةَ البَقَرَةِ، وَآلِ عِمْرَانَ؛ فَإِنَّهُمَا الزَّهْرَاوَانِ يُظِلَّانِ صَاحِبَهُمَا يَوْمَ القِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ غَيَايَتَانِ أَوْ فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، وَإِنَّ القُرْآنَ يَلْقَى صَاحِبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَنْشَقُّ عَنْهُ قَبْرُهُ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ. فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَعْرِفُنِي؟ فَيَقُولُ: مَا أَعْرِفُكَ فَيَقُولُ: أَنَا صَاحِبُكَ الْقُرْآنُ الَّذِي أَظْمَأْتُكَ فِي الْهَوَاجِرِ وَأَسْهَرْتُ لَيْلَكَ، وَإِنَّ كُلَّ تَاجِرٍ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَتِهِ، وَإِنَّكَ الْيَوْمَ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ تِجَارَةٍ فَيُعْطَى الْمُلْكَ بِيَمِينِهِ، وَالْخُلْدَ بِشِمَالِهِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، وَيُكْسَى وَالِدَاهُ حُلَّتَيْنِ لَا يُقَوَّمُ لَهُمَا أَهْلُ الدُّنْيَا فَيَقُولَانِ: بِمَ كُسِينَا هَذَا؟ فَيُقَالُ: بِأَخْذِ وَلَدِكُمَا الْقُرْآنَ. ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: اقْرَأْ وَاصْعَدْ فِي دَرَجِ الجَنَّةِ وَغُرَفِهَا، فَهُوَ فِي صُعُودٍ مَا دَامَ يَقْرَأُ، هَذًّا كَانَ، أَوْ تَرْتِيلًا».

بعضهم رواه مطولاً، وبعضهم رواه مختصراً.

قال الحاكم: "هذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ".

وقد أورده ابن عدي والعقيلي في منكرات «بشير بن المهاجر».

·       تضعيف العقيلي للأحاديث الواردة في باب أن سورة البقرة وآل عمران تسمى بالزهراوين وأنهما تأتيا يوم القيامة كأنهما غمامتان...!!!

وقال العقيلي: "ولا يَصِحُّ فِي هَذَا البَابِ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَدِيثٌ. أَسَانِيدُهَا كُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ".

قلت: في كلام العقيلي عدّة فوائد: منها: عدم اعتداده بتقوية الأحاديث الضعيفة بعضها ببعض.

ومنها تضعيفه لما صححه مسلم من طرق هذا الحديث!!

·       حديث أَبي أُمَامَةَ البَاهِلِيّ:

أما الحديث الأول الذي خرّج مسلم من حديث مُعَاوِيَة بن سَلَّامٍ، عَنْ أخيه زَيْدٍ، عن جدّه أَبي سَلَّامٍ ممطور الحبشي، عن أَبي أُمَامَةَ البَاهِلِيّ، فرُوي من طرق في أسانيدها اختلاف!

أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (8/118) (7544)، و«المعجم الأوسط» (1/150) (468)، و«مسند الشاميين» (4/105) (2862) عن أَحْمَد بن خُلَيْدٍ الحَلَبِيّ.

وأبو نُعيم الأصبهاني في «المستخرج» (2/401) (1825) عن الطبراني. وأخرجه ابن عساكر في «تاريخه» (19/426) من طريق أبي نُعيم.

وأبو عوانة في «المستخرج» (2/485) (3933) عن يُوسُف بن مُسْلِمٍ المصيصي، ومُحَمَّد بن عَامِرٍ المِصِّيصِيّ، وَأَبي بَكْرٍ مُحَمَّد بن عِيسَى الطَّرَسُوسِيّ.

وأبو نُعيم الأصبهاني في «المستخرج» (2/401) من طريق أبي الليث يَزِيد بن جمهْوَرٍ الطرسوسيّ.

والبيهقي في «الأسماء والصفات» (2/399) (975)، و«السنن الكبرى» (2/554) (4056)، و«شعب الإيمان» (4/44) (2156) من طريق أَبي حَاتِمٍ مُحَمَّد بن إِدْرِيسَ الرَّازِيّ.

كلهم عن أَبي تَوْبَةَ الرَّبِيع بن نَافِعٍ الحلبيّ، عن معاوية، به. كما رواه مسلم.

وتابع الربيع عليه:

يحيى بن حسّان التنّيسيّ - كما روى مسلم -.

وعُثْمَان بن سَعِيدِ بنِ كَثِيرِ بنِ دِينَارٍ الحِمْصِيّ - كما رواه أبو عوانة في «المستخرج» (2/485) (3932) عن أَبي حُمَيْدٍ الحِمْصِيّ عنه -.

ومُحَمَّد بن شعيب بن شابور الدمشقيّ - كما رواه عبدالغني المقدسي في «المصباح في عيون الصحاح - أفراد مسلم بن الحجاج» (ص17) (16) من طريق أَبي عُبَيْدٍ القَاسِم بن سَلامٍ، عن هِشَام بن إِسْمَاعِيلَ العطّار عنه -.

فهذا الحديث رواه جماعة عن معاوية بن سلام، عن زيد، عن أبي سلام.

قال الطبراني: "لمْ يَرْوِ هذا الحَدِيثَ عَنْ زَيْدٍ إِلَّا مُعَاوِيَةُ [و] يَحْيَى".

يعني: يحيى بن أبي كثير.

وفي كلا المطبوعين للكتاب - تحقيق د. الطحان، وتحقيق طارق عوض الله -: "إلا مُعَاوِيَةُ بنُ يَحْيَى"! وهو خطأ! فمعاوية هو ابن سلام لا ابن يحيى، ويحيى قد روى هذا الحديث عن زيد.

·       رواية يَحْيَى بن أَبِي كَثِيرٍ:

ورواه يَحْيَى بنُ أَبِي كَثِيرٍ اليماميّ، واختلف عليه:

فروي عنه عَنْ زَيْد بن سلاّم، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ. لم يذكر فيه "معاوية"!

أخرجه أحمد في «مسنده» (36/464) (22146) عن أبي عامر العقدي، عن هِشَام الدستوائي.

وفيه أيضاً (22147)، (36/531) (22193) عن عَفَّان الصفار، عن أَبَان بن يزيد العطّار البصري.

والطبراني في «المعجم الكبير» (8/118) (7542) من طريق مُسْلِم بن إِبْرَاهِيمَ الأزدي البصري، عن عَلِيّ بن المُبَارَكِ الهنائي البصري، وأَبَانَ بن يَزِيدَ.

وابن حبان في «صحيحه» (1/322) (116) من طريق مُسْلِم بنِ إِبْرَاهِيمَ، عَلِيِّ بن المُبَارَكِ.

والحاكم في «المستدرك» (2/315) (3135) من طريق مُسْلِم بن إِبْرَاهِيمَ، عن أَبَان العَطَّار.

وفيه أيضاً (1/752) (2071) من طريق عَمْرو بن الحَارِثِ، عن سَعِيد بن أَبِي هِلَالٍ. [سقط من المطبوع: عن أبي سلام].

كلهم (هشام، وأبان، وعلي، وسعيد) عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بنِ سَلَّامٍ، عَنْ جَدِّهِ أبي سَلَّامٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، به.

قال الحاكم: "هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ولَمْ يُخَرِّجَاهُ".

·       يحيى بن أبي كثير لم يسمع من زيد بن سلام!

قلت: اختلف في سماع يحيى بن أبي كثير من زيد بن سلام! فأثبته أحمد وأبو حاتم الرازي ونفاه غيرهما من الأئمة النقاد.

قال العباس بن محمد الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: "لم يلق يحيى بن أبي كثير زيد بن سلام، وقدم معاوية بن سلام عليهم فلم يسمع يحيى بن أبي كثير منه شيئاً، أخذ كتابه عن أخيه، ولم يسمعه فدلّسه عنه".

وقال يحيى بن حسان عن معاوية بن سلام قال: "أخذ مني يحيى بن أبي كثير كتب أخي زيد بن سلام".

وقال حُسَيْن المُعَلِّمِ: لَمَّا قَدِمَ عَلَيْنَا يَحْيَى بنُ أَبِي كَثِيرٍ وَجَّهَ إِلَيَّ مَطَرٌ أَنِ احْمِلِ الدَوَاةَ والقِرْطَاسَ وَتَعَالَ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، فَأَخْرَجَ إِلَيْنَا صَحِيفَةَ أَبِي سَلَامٍ، فَقُلْنَا لَهُ: سَمِعْتَ مِنْ أَبِي سَلَامٍ؟ قالَ: لا. قُلْتُ: فَمِنْ رَجُلٍ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي سَلَامٍ؟ قال: لا.

وقال أحمد بن محمد بن هانئ: قلت لأبي عبدالله أحمد بن حنبل: يحيى بن أبي كثير سمع من زيد بن سلام؟ فقال: "ما أشبهه". قلت له: إنهم يقولون سمعها من معاوية بن سلام! فقال: "لو سمعها من معاوية لذكر معاوية، هو يتبين في أبي سلام، يقول: حدّث أبو سلام، ويقول: عن زيد، أما أبو سلام فلم يسمع منه"، ثم أثنى أبو عبدالله على يحيى بن أبي كثير.

وقال ابن أبي حاتم: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ يَحْيَى بنَ مَعِينٍ يَقُولُ: يَحْيَى بنُ أَبِي كَثِيرٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ زَيْدِ بنِ سَلَامٍ شَيْئًا. قَالَ أَبِي: "وَقَدْ سَمِعَ مِنْهُ".

قلت: الراجح أن يحيى بن أبي كثير لم يسمع من زيد بن سلام، وإنما أخذ كتبه من أخيه معاوية كما صرّح هو نفسه فيما رواه عنه يحيى بن حسان.

وكذلك سؤال حسين المعلم ليحيى إن كان سمع من رجل عن أبي سلام صحيفته، فنفى ذلك! وحديث أبي سلام يرويه زيد بن سلام عنه، فلو كان سمع يحيى من زيد لصرّح بذلك ولم ينفيه.

وبهذا يتبيّن لنا أن يحيى بن أبي كثير دلّس في هذه الرواية، فرواها عن زيد بن سلام، ولم يسمع منه، وإنما أخذ حديثه من أخيه معاوية، فدلسه!

والحديث حديث معاوية عن أخيه زيد عن جدّه أبي سلام عن أبي أمامة، فرجع الحديث إلى الرواية الأولى.

·       هل اضطرب يحيى بن أبي كثير في رواية هذا الحديث؟!

ويُحتمل أن يحيى بن أبي كثير كان يضطرب في إسنادة، فرواه على هذا الوجه مسقطاً ذكر "معاوية" وهماً لا أنه قصد تدليسه! ويدلّ على هذا الاضطراب أنه رواه أيضاً عن أبي سلمة بن عبدالرحمن عن أبي أمامة!

رواه عبدالرزاق في «مصنفه» (3/365) (5991) عن مَعْمَر، عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ شَافِعٌ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَتَعَلَّمُوا الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، تَعَلَّمُوا الزَّهْرَاوَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ - أَوْ غَيَايَتَانِ - أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافٍ تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا، وَتَعَلَّمُوا الْبَقَرَةَ فَإِنَّ تَعَلُّمَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكُهَا حَسْرَةٌ: وَلَا يُطِيقُهَا الْبَطَلَةُ - يَعْنِي الْبَطَلَةَ السَّحَرَةَ».

وهذا الإسناد أستنكره الإمام أحمد!

قال عبدالله بن أحمد كما في «المسند» (36/481): "وجَدْتُ هَذَا الحَدِيثَ فِي كِتَابِ أَبِي بِخَطِّ يَدِهِ وَقَدْ ضَرَبَ عَلَيْهِ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ ضَرَبَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ خَطَأٌ إِنَّمَا هُوَ عَنْ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُالرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قال.. فذكره".

وخالفه معمراً فيه: هشام الدستوائي! وبيّن أن يحيى لم يسمعه من أبي سلمة!

رواه الروياني في «مسنده» (2/315) (1275) من طريق مُعَاذ بن هِشَامٍ، عن أَبِيه، عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حُدِّثْتُ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ، فذكره.

وروُي عن يحيى عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة!

رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (8/344) (8823)، والدارقطني في «العلل» (9/278) من طريق أَسَد بن مُوسَى المصري، عن الضَّحَّاك بن نبراس الأزدي الجهضمي البَصْرِيّ، عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ، لَا تَأْكُلُوا بِهِ، وَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ، وَلَا تَغْلُوا فِيهِ، وَلَا تَجْفُوا عَنْهُ، تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ شَافِعٌ لِصَاحِبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، تَعَلَّمُوا الزَّهْرَاوَيْنِ: سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَآلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا يَجِيئَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ غَيَايَتَانِ أَوْ كَفِرْقَيْنِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، يَشْفَعَانِ لِصَاحِبِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، تَعَلَّمُوا الْبَقَرَةَ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ».

وفي رواية الدارقطني: عن الضَحَّاك بن نِبْرَاسٍ، عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ، أَكْثَرُ ظَنِّي أَنَّهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عن أبي هريرة، قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ.

قال الطبراني: "لمْ يَرْوِ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا الضَّحَّاكُ، تَفَرَّدَ بِهِ: أَسَدُ بنُ مُوسَى. وَرَوَاهُ هِشَامٌ، وَأَبَانُ، وَعَلِيُّ بنُ المُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بنِ سَلَّامٍ، عَنْ أَبِي  سَلام [في المطبوع: سلمة! وهو خطأ]، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ. وَعَنْ أَبِي رَاشِدٍ الحُبْرَانِيِّ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ شِبْلٍ".

قلت: لم ينفرد به الضحاك! بل تابعه: مُحَمَّدُ بنُ جَابِرٍ الحنفي اليمامي، وعبدالله بن عيسى الكوفي.

وكل هذه الطرق ضعيفة! الضحاك في عِداد المتروكين، ومحمد بن جابر متروك، وحديث عبدالله بن عيسى رواه عنه شريك القاضي وهو ضعيف!

أما حديث محمد بن جابر فأشار إليه ابن أبي حاتم في «العلل».

وأما حديث عَبْدِاللَّهِ بنِ عِيسَى بن عبدالرحمن بن أبي ليلى الكوفي:

فأخرجه الدينوري في «المجالسة وجواهر العلم» (5/314) (2189)، وابن الأعرابي في «معجمه» (1/224) (399) من طريق يَزِيد بن هَارُونَ.

والطبراني في «المعجم الأوسط» (6/51) (5764) من طريق يَحْيَى بن عَبْدِالحَمِيدِ الحِمَّانِيّ.

كلاهما عن شَرِيك بن عبدالله القاضي، عَن عَبْدِاللَّهِ بنِ عِيسَى بن عبدالرحمن بن أبي ليلى الكوفي، عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بنحوه.

قال الطبراني: "لمْ يَرْوِ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ عِيسَى إِلَّا شَرِيكٌ، وَلَا رَوَاهُ عَنْ شَرِيكٍ إِلَّا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ، ويَحْيَى الحِمَّانِيُّ".

·       بعض الطرق المعلولة!

قال ابن أبي حاتم في «العلل» (5/40) (1790): وسألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بنُ جَابِرٍ، عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثير، عَنْ أَبِي سَلَمةَ، عَن أَبِي هريرةَ. وَرَوَاهُ أَيْضًا شَريكٌ، عن عبدالله بنِ عِيسَى، عَنْ يَحْيَى بنِ أبي كَثيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمةَ، عَن أَبِي هريرةَ؛ قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «تَعَلَّمُوا سُورَةَ البَقَرَةِ؛ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ...»، الحديثَ؟

قَالَ أَبِي: "هَذَا خطأٌ؛ إِنَّمَا هُوَ: يَحْيَى بنُ أَبِي كَثيرٍ، عَنْ زَيْدِ بنِ سَلاَّمٍ، عَنْ أَبِي سَلاَّمٍ، عَنْ أبي أُمامةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم".

وسئل الدارقطني في «العلل» (9/278) (1760) عَنْ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هريرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرؤوا الْقُرْآنَ لَا تَأْكُلُوا بِهِ وَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ وَلَا تَغْلُوا فِيهِ وَلَا تَجْفُوا عَنْهُ»؟.

فَقَالَ: "يَرْوِيهِ يَحْيَى بنُ أَبِي كَثِيرٍ وَاخْتُلِفَ عَنْهُ: فَرَوَاهُ الضَّحَّاكُ بنُ نِبْرَاسٍ البَصْرِيُّ - وَهُوَ ضَعِيفٌ -، عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَوَهِمَ فِيهِ.

والصَّحِيحُ: عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي رَاشِدٍ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ شِبْلٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قِيلَ: صَحَابِيٌّ؟ قال: بلى".

وروى البزار في «مسنده» (3/253) (1044) من طريق حَمَّاد بن يَحْيَى، عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ لَا تَأْكُلُوا بِهِ وَلَا تَسْتَأْثِرُوا بِهِ وَلَا تَحْفُوا عَنْهُ وَلَا تَغْلُوا فِيهِ».

قال البزار: "وهَذَا الحَدِيثُ خَطَأٌ، إِنَّمَا خَطَأَهُ مِنْ حَمَّادِ بنِ يَحْيَى، لِأَنَّهُ لَيِّنُ الحَدِيثِ، والحَدِيثُ الصَّحِيحُ إِنَّمَا رَوَاهُ يَحْيَى بنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بنِ سَلَّامٍ، [عن أبي سلام]، عَنْ أَبِي رَاشِدٍ الحُبْرَانِيِّ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ شِبْلٍ".

وقال ابن أبي حاتم في «العلل» (4/610) (1674): وسألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ وُهَيْب، عَنْ أيُّوب، عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِير، عَنْ أَبِي راشد، عن عبدالرحمن بن شبْل، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «اقْرَؤُوا القُرْآنَ...»؟.

قَالَ أَبِي: "رَوَاهُ بعضُهم فَقَالَ: عَنْ يَحْيَى، عَنْ زَيْدِ بنِ سلاَّم، عَنْ أَبِي سلاَّم، عَنْ أبي راشد الحُبْراني، عن عبدالرحمن بن شِبْل، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم.

كِلاهُمَا صحيحٌ، غيرَ أنَّ أيُّوبَ تَرَكَ مِنَ الإِسْنَادِ رَجُلَيْنِ".

قلت: صحح الدارقطني طريق: يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي رَاشِدٍ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ شِبْلٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وصحح أبو حاتم والبزار طريق: يَحْيَى، عَنْ زَيْدِ بنِ سلاَّم، عَنْ أَبِي سلاَّم، عَنْ أبي راشد الحُبْراني، عن عبدالرحمن بن شِبْل، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم.

ومتن هذه الطرق: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ، لَا تَأْكُلُوا بِهِ، وَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ، وَلَا تَغْلُوا فِيهِ، وَلَا تَجْفُوا عَنْهُ».

والمتن الآخر: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ شَافِعٌ لِصَاحِبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، تَعَلَّمُوا الزَّهْرَاوَيْنِ: سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَآلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا يَجِيئَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ غَيَايَتَانِ أَوْ كَفِرْقَيْنِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، يَشْفَعَانِ لِصَاحِبِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، تَعَلَّمُوا الْبَقَرَةَ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ». قد تقدّم بكافة طرقه، وكلام أهل العلم يوحي بأنهما حديث واحد!

·       تعقب على أبي حاتم!

وكلام أبي حاتم المتقدم حول رواية أيوب وأنه ترك رجلين من الإسناد فيه نظر!! فالحديث هكذا وقع لأيوب ولم يترك أحداً.

رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (2/168) (7742)، وأحمد في «مسنده» (24/295) (15535) عن وَكِيع.

وأحمد أيضاً في «مسنده» (24/288) (15529) عن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيمَ.

كلاهما (وكيع وإسماعيل) عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيَّ.

والطبراني في «المعجم الأوسط» (3/86) (2574) من طريق وُهَيْب بن خَالِدٍ، عن أَيُّوب السختياني.

وأبو يعلى في «مسنده» (3/88) (1518) عن هُدْبَة بن خَالِدٍ، عن أَبَان العطار.

كلهم (هشام، وأيوب، وأبان) عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي رَاشِدٍ الحُبْرَانِيِّ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ شِبْلٍ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ، فَإِذَا قَرَأْتُمُوهُ فَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ، وَلَا تَغْلُوا فِيهِ، وَلَا تَجْفُوا عَنْهُ، وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ».

هكذا كان يُحدِّث به يحيى بن أبي كثير، وكان يحدّث به أحياناً ويزيد في إسناده: «عَنْ زَيْدِ بنِ سَلَّامٍ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ».

رواه أحمد في «مسنده» (24/439) (15668) عن عَبْدالصَّمَدِ بن عبدالوارث، عن هَمَّام بن يحيى العوذي.

وأحمد أيضاً (24/441) (15670) عن عفّان، عن أبان بن يزيد العطار.

والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (3/18) (4297) من طريق مُسْلِم بن إِبْرَاهِيمَ، وأَبي سَلَمَةَ مُوسَى بن إِسْمَاعِيلَ، كلاهما عن أَبَان بن يَزِيدَ.

والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (11/109) (4332) من طريق أَبي عَامِرٍ العَقَدِيّ، عن عَلِيّ بن المُبَارَكِ.

والبيهقي في «شعب الإيمان» (4/194) (2383) من طريق سَهْل بن بَكَّارٍ، عن أَبَان بن يَزِيدَ.

كلهم عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بنِ سَلَّامٍ، عَنْ أَبِي سَلَامٍ، عَنْ أَبِي رَاشِدٍ الحُبْرَانِيِّ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ شِبْلٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: «اقْرَءُوا القُرْآنَ وَلَا تَغْلُوا فِيهِ، وَلَا تَجْفُوا عَنْهُ، وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ، وَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ».

ورواه عبد بن حميد في «مسنده» [كما في «المنتخب» (1/260) (314) عن عَبْدالرَّزَّاقِ.

وابن عساكر في «تاريخه» (34/425) من طريق ابن المبارك.

كلاهما عن مَعْمَر بن راشد، عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بنِ سَلَّامٍ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ شِبْلٍ أَنْ علِّم النَّاسَ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَجَمَعَهُمْ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ؛ فَإِذَا تَعَلَّمْتُمُوهُ فَلَا تغلُوا فِيهِ، وَلَا تَجْفُوا عَنْهُ، وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ، وَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ». ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ التُّجَّارُ هُمُ الْفُجَّارُ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَيْسَ قَدْ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا؟ قَالَ: «بَلَى، وَلَكِنَّهُمْ يَحْلِفُونَ وَيَأْثَمُونَ». ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الفُسَّاقَ هُمْ أَهْلُ النَّارِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنِ الفُسَّاقُ؟ قَالَ: «النِّسَاءُ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَسْنَ أُمَّهَاتِنَا وبناتنا وَأَخَوَاتِنَا؟ قَالَ: «بَلَى، وَلَكِنَّهُنَّ إِذَا أُعْطِينَ لَمْ يَشْكُرْنَ، وَإِذَا ابْتُلِينَ لَمْ يَصْبِرْنَ». قَالَ: ثُمَّ قَالَ: «لِيُسَلِّمَ الرَّاكِبُ عَلَى الرَّاجِلِ، وَالرَّاجِلُ عَلَى الْجَالِسِ، وَالْأَقَلُّ عَلَى الْأَكْثَرِ؛ فَمَنْ أَجَابَ السَّلَامَ كَانَ لَهُ، ومن لم يجب فلا شيء عليه».

لم يذكر معمر "عن أبي راشد"! وزاد معه أحاديث أخرى، وكذا زاد هشام الدستوائي كما سيأتي.

ورَوَى الْبُخَارِيُّ في «الأدب المفرد» (992) قصة السلام منه، دون ما قبلها، عَنْ سَعِيد بن الربيع، عَنْ عَلِي بن المبارك، عَنْ يحيى بن أَبي كثير، عن زَيْدِ بْنِ سَلامٍ، عَنْ جَدِّهِ، عَن أَبِي راشد الحبراني، عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن شبل، ولم يذكر قصة معاوية.

ورواه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (4/135) (2116) عن عَبْدالرَّحْمَنِ بن إِبْرَاهِيمَ دُحَيْمٌ، عن مُحَمَّد بن شُعَيْبِ بنِ شَابُورٍ، عن مُعَاوِيَة بن سَلَامٍ، عَنْ أَخِيهِ زَيْدٍ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي سَلَامٍ، عَنْ أَبِي رَاشِدٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي مَنْزِلٍ يُقَالُ لَهُ: مَسْكَنٌ، فَلَمَّا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ بِالْأَذَانِ الْأَوَّلِ أَرْسَلَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَقَالَ: أَمَّا إِنَّكَ مِنْ قُدَمَاءِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفُقَهَائِهِمْ فَإِذَا صَلَّيْتُ وَدَخَلْتُ فُسْطَاطِي فَقُمْ فِي النَّاسِ وَحَدِّثْهُمْ بِمَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ عَبْدُالرَّحْمَنِ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ وَاعْمَلُوا بِهِ، وَلَا تَجْفُوا عَنْهُ، وَلَا تَغْلُوا فِيهِ، وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ، وَلَا تَسْتَكْبِرُوا».

قلت: زاد في إسناده: "عن معاوية بن سلام"!!

قلت: من خلال هذا العرض يتبين لنا أن الحديث المتعلق بالزهراوين يرويه معاوية بن سلام، عن زيد بن سلام، عن أبي سلام، عن أبي أمامة.

وقد اضطرب يحيى بن أبي كثير في إسناده، والحديث حديث معاوية.

وأما الحديث الآخر المتعلق بقراءة القرآن والعمل به، فليس فيه متن الحديث الأول إلا ما جاء في رواية الضحاك بن نبراس وشريك القاضي جمعوا بينهما، والضحاك وشريك ضعيفان!!

والصواب في إسناده: عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده أبي سلام، عن أبي راشد الحُبراني، عن عبدالرحمن بن شبل.

وكلا المتنين يرويهما زيد بن سلام عن جدّه، فيحتمل أنهما حديث واحد، واضطرب زيد في إسناده!!

ثم تبيّن لي أن كلا المتنين واحد، فإن أبا توبة الربيع بن نافع الذي روى المتن الأول قد روى عن معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، عن جده أبي سلام، عن أبي راشد الحبراني قال: قال معاوية لعبدالرحمن بن شبل: إنك من قدماء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفقهائهم فإذا صليت ودخلت فسطاطي فقم في الناس بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أخرجه ابن عساكر في «تاريخه» (34/427).

فالظاهر أن الحديث الأول يرجع لهذا الإسناد، كان معاوية بن سلام يحدث به مرة هكذا يسلك فيها الجادة: "عن زيد بن سلام عن جده عن أبي أمامة"!! ومرة هكذا! والله أعلم.

·       حكم حديث أبي راشد الحبراني عن عبدالرحمن بن شبل:

قال ابن حجر في «الفتح» (9/101) عن حديث عبدالرحمن بن شبل: "سَنَدُهُ قَوِيٌّ".

·       استدراك على الحاكم!

وذكر الحاكم في «المستدرك» (2/8) (2145) حديث «التجار هم الفجار» وهو جزء من الحديث من طريق هِشَامٍ الدستوائي، عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ، عن أَبي رَاشِدٍ الحُبْرَانِيّ، عن عَبْدَالرَّحْمَنِ بن شِبْلٍ.

ثم قال: "هذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. وَقَدْ ذَكَرَ هِشَامُ بنُ أَبِي عَبْدِاللَّهِ سَمَاعَ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ مِنْ أَبِي رَاشِدٍ، وَهِشَامٌ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ، وَأَدْخَلَ أَبَانُ بنُ يَزِيدَ العَطَّارِ بَيْنَهُمَا زَيْدَ بنَ سَلَّامٍ".

ثم ساق رواية أبان بزيادة "زيد بن سلام".

قلت: قد سبق بيان أن يحيى كان يضطرب فيه! وأبان أدخل بينهما "زيد بن سلام" و"جده" أيضاً.

وكأنه هكذا وقعت الرواية للحاكم بزيادة "زيد بن سلام" فقط في حديث أبان!

وكذا وقعت في رواية ابن قانع في «معجم الصحابة» (2/175) فرواه عن عَفَّان، عن أَبَان، عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدٍ أَبِي سَلَّامٍ، عَنْ أَبِي رَاشِدٍ الحُبْرَانِيِّ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ شِبْلٍ.

وقد تقدمت رواية عفّان عن أبان وفيه زيادة: "عن زيد بن سلام عن أبي سلام"، وكذا رواه جماعة عن أبان - كما تقدم -.

وأورد الحاكم كذلك جزءاً آخر من الحديث فيما يتعلق بالنساء (4/647) (8787) «إِنَّ الفُسَّاقَ هُمْ أَهْلُ النَّارِ» من طريق هشام أيضاً، ثم قال: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ".

·       استدراك على البيهقي!

وساق البيهقي في كتاب «الآداب» (ص: 318) حديث هشام عن شيخه الحاكم، ثم قال: "خَالَفَهُ عَلِيُّ بنُ المُبَارَكِ، وَأَبَانُ العَطَّارُ، فَرَوَيَاهُ عَنْ يَحْيَى، عَنْ زَيْدِ بنِ سَلَّامٍ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ، عَنْ أَبِي رَاشِدٍ، وَقَدْ ذَكَرَ هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ فِيهِ سَمَاعَ يَحْيَى بنِ أَبِي رَاشِدٍ، وَهِشَامٌ أَحْفَظُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ".

وذكر في «شعب الإيمان» (6/483) حديث علي بن المبارك وأبان العطار، ثم قال: "خَالَفَهُمَا هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ، فَرَوَاهُ عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي رَاشِدٍ وَذَكَرَ فِيهِ سَمَاعَهُ مِنْ أَبِي رَاشِدٍ".

قلت: هذا سماع لا يصح! وكان يحيى بن أبي كثير يضطرب فيه كما بينت سابقاً.

والحديث أورده الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (260).

وأورد فيها كذلك الجزء الذي يتعلق بموضوع السلام (1147)، و(2199).

·       علة الحديث: الإرسال!

والحديث عندي مرسل! فلا نعرف لأبي راشد الحبراني سماعاً من عبدالرحمن بن شبل!!

وعَبدالرَّحْمَنِ بن شبل لَهُ صحبة من النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسلَّمَ، وله حديثان أو ثلاثة كما قال ابن عدي في «الكامل» (2/282).

وقيل إنه كان من النقباء وأنه توفي في زمن معاوية، أي وفاته كانت بين سنة (40 - 60هـ)!!

وطبقة سماع أبي راشد الحبراني ليست هذه!

قال البخاري في «التاريخ الكبير» (9/30): "أَبُو راشد الحبراني: عَنْ عَبْدالرَّحْمَن بن شبل، وعمرو بن أسود. روى عَنْهُ: أَبُو سلام، وحبيب بن عُبَيْد، ومُحَمَّد بن زياد. وسَمِعَ أبا أمامة".

فقول البخاري: "عن عبدالرحمن بن شبل" يعني أنه لم يسمع منه، وكذا ذكر "عن عمرو بن أسود"، أي لم يسمع منه.

وكلاهما من البلد نفسه، وتوفيا في خلافة معاوية. وعمرو بن الأسود العنسي يكنى أبا عياض، حمصي سكن داريا، وهو مخضرم ثقة عابد، من كبار التابعين.

وإنما أثبت البخاري سماعه سماعه من أبي أمامة (86هـ).

·       طبقة سماع أبي راشد الحبراني، ووفاته:

فهو قد سمع من الصحابة الذي توفوا بعد سنة (80هـ)، وعبدالرحمن بن شبل توفي قبل ذلك بسنوات كثيرة.

فما يرويه أبو راشد الحبراني عن عبدالرحمن بن شبل مرسل على عادة الشاميين في رواية المراسيل.

وأما ما قاله ابن عساكر في ترجمته من كتابه «تاريخ دمشق»  (66/225): "أبو راشد الحبراني... من أهل حمص، ويقال: إنه دمشقي. سمع أبا الوليد عبادة بن الصامت (34هـ)، وأبا أمامة (86هـ)، وعبدالله بن عمرو بن العاص (63هـ)، وكعب الأحبار (35هـ)، وبُسر بن أبي أرطأة العامري (86هـ)". ففيه نظر!!!

فلم يدرك إلا أبا أمامة وبسر، وبسر ليس بصحابي على الراجح.

وكأن مستند ابن عساكر ما ذكره في كتابه: "ذكر محمد بن عمر الواقدي قال: حُدثت عن أبي راشد الحبراني من حمير قال: ركبت البحر عام قبرس مع ثلاثة عشر من رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم: عبادة بن الصامت، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو ذر الغفاري، وأبو الدرداء، وفضالة بن عبيد، وعمير بن سعد، ومعاوية وهو الأمير".

قلت: وهذا مرسل، بل معضل! لا يصح!! الواقدي لم يذكر إسناده، وإنما قال: "حدّثت"!! وهؤلاء الصحابة وفاتهم قديمة لم يدركهم الحبراني.

فأبو راشد الحبراني تابعي ثقة يرسل. وقد ذكره الذهبي في كتابه «تاريخ الإسلام» (2/903) في «الطَّبَقَة التَّاسِعَة» ممن توفوا بين (81 - 90هـ)! وبعد أن أورد قول صَفْوَان بن عَمْرٍو السكسكي (155هـ): "رَأَيْتُ أَبَا رَاشِدٍ الحُبْرَانِيَّ يُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ". قال: "قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ بَقِيَ بَعْدَ هَذِهِ الطَّبَقَةِ". - أي في الطَّبَقَة العَاشِرَة (91 - 100هـ).

قلت: وهذا هو الأقرب، والله أعلم.

وأهل الشام كانوا يتأخرون في الطلب! وكانوا لا يحرصون على السماع كثيراً، بل كان الإرسال منتشراً بينهم فتجد طبقات السماع عندهم ضيقة جداً مع طول إدراك الراوي لكثير من المشايخ، وكانوا ينشغلون بالعبادة كما اشتهر عن كثير من مُحدّثيهم.

·       هل لعبدالرحمن بن شبل أخ اسمه: عبدالله بن شبل؟!

جاء في مطبوع «مصنف ابن أبي شيبة» (2/168) (7742) قال: حدثنا وكيع، قال: حثنا هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي راشد، عن عبدالله بن شبل، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرءوا القرآن ولا تأكلوا به، ولا تستكبروا به، ولا تجفوا عنه، ولا تغلوا فيه».

وهذا أخرجه أحمد في «مسنده» (24/295) (15535) - كما سبق تخريجه - عن وَكِيع، عَنِ الدَّسْتُوَائِيِّ، عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي رَاشِدٍ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ شِبْلٍ.

والصواب أنه «عبدالرحمن بن شبل»، وكأن هذه الرواية وغيرها جعل بعض أهل العلم يثبتون وجود أخ لعبدالرحمن اسمه عبدالله!

قال البغوي في «معجم الصحابة» (4/272): "عبدالله بن شبل الأنصاري أخو عبد الرحمن بن شبل".

·       عبدالرحمن بن شبل هو نفسه عبدالله بن شبل.

وذكر ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (5/79): "عبدالله بن شبل: وكان أحد النقباء، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم. روى عنه: أبو راشد الحبراني، ويزيد بن خُمَير اليَزني".

ثم ذكر (5/243): "عبدالرحمن بن شبل الأنصاري: له صحبة. روى عنه: تميم بن محمود، وأبو راشد الحبراني".

قلت: الذي قيل فيه أنه أحد النقباء هو "عبدالرحمن بن شبل"، وهو الذي يروي عنه أبو راشد الحبراني ويزيد بن خمير اليزني.

فإما أن يكون تحرّف في إسناد إلى عبدالله أو أن عبدالرحمن كان يسمى أيضاً: "عبدالله".

وذكره ابن قانع في «معجم الصحابة» (2/133) وساق له حديث يَحْيَى الحِمَّانِيّ، حدثنا ابنُ المُبَارَكِ، حدثنا مَعْمَرٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ زَيْدِ بنِ سَلَّامٍ، عَنْ جَدِّهِ مَمْطُورٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ شِبْلٍ - كَذَا قَالَ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الرَّاكِبُ يُسَلِّمُ عَلَى الرَّاجِلِ، وَالرَّاجِلُ عَلَى الجَالِسِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ، وَمَنْ أَجَابَ السَّلَامَ كَانَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يُجِبْ فَلَا شَيْءَ لَهُ».

قلت: هذا الحديث لعبدالرحمن بن شبل لا لعبدالله! ولعل عبدالرحمن كان يسمى عبدالله كما أشرت آنفاً.

وقال الدارقطني في «المؤتلف والمختلف» (3/1393): "عَبْدالرَّحْمن بن شِبْل، له صُحْبة ورواية عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، رَوَى عَنْه أبو راشد الحبراني.

وأخوه عَبدالله بن شبل له صُحْبة" انتهى.

وذكره أبو نُعيم في «معرفة الصحابة» (3/1686): "عَبْدُاللهِ بنُ شِبْلٍ الْأَنْصَارِيُّ: ذَكَرَهُ ابنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي الآحَادِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ أَخُو عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ شِبْلٍ".

وذكر ابن عبدالبر في «الاستيعاب» (2/836): "عبدالرحمن بن شبل الأنصاري: له صحبة. روى عنه تميم بن محمود، وأبو راشد الحبراني. وأخوه عبدالله بن شبل له أيضاً صحبة".

ثم ذكر (3/926): "عبدالله بن شبل الأَنْصَارِيّ: رَوَى عَنْهُ أبو راشد الحبراني. هو أخو عَبْدالرَّحْمَنِ بن شبل، لَهَا جميعاً صحبة ورواية، مذكور فيمن نزل حمص من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن عِيسَى: عَبْداللَّهِ بن شبل الأَنْصَارِيّ كَانَ أحد النقباء، بلغني أَنَّهُ مات فِي إمارة مُعَاوِيَة".

قلت: الذي كان أحد التقباء وتوفي في إمارة معاوية هو عبدالرحمن بن شبل.

·       تعقّب ابن عبدالبر بتجهيله لعبدالرحمن بن شبل!

والعجب من ابن عبدالبر أثبت صحبة عبدالرحمن بن شبل هنا وقال عنه مجهول في ترجمة والده!!

قال في «الاستيعاب» (2/694): "شبل والد عبدالرحمن بن شبل. روى عنه ابنه عبدالرحمن، لم يرو عنه غيره، وليس بمعروف هو ولا ابنه، ولا يصح، والله أعلم.

فمن حديثه عن النّبي صلّى اللَّه عليه وسلم أنه نهى عن نقرة الغراب في الصلاة، وأنّ النبي صلّى اللَّه عليه وسلم قال: «لا تقوم السّاعة حتى يؤخذ نعل قرشيّ في القمامة، فيقال: هذه نعل قرشيّ». وهو حديث منكر لا أصل له. وشبل مجهول" انتهى.

فتعقبّه ابن حجر في «الإصابة» (3/315) فقال: "فأما قوله: (ليس بمعروف ولا ابنه) فمردود؛ لأن عبدالرّحمن بن شبل صحابيّ معروف، مخرج له في السنن، وصحّح حديثه في نقرة الغراب ابن خزيمة وغيره. وأخرجه أيضاً أحمد وأصحاب السّنن والحاكم والبغويّ وابن شاهين، عن عبدالرّحمن بن شبل، ليس فيه عن أبيه. وحديث نعل القرشي أخرجه البغوي في ترجمة عبدالرّحمن بن شبل من طريق عبدالحميد بن جعفر، عن عمه، عن ابن عبدالرّحمن بن شبل عن أبيه، فلعل هذا مستند أبي عمر سقط من نسخته لفظ (ابن)، فصارت (عن عبدالرّحمن بن شبل عن أبيه)، فظنّ الصّحبة لشبل، فتركّب من هذا هذه الأوهام ثم وقفت على علته، فأخرج ابن قانع الحديث المذكور في ترجمة شبل هذا من هذا الوجه الّذي أخرجه البغويّ، لكن قال: عن عبدالرّحمن بن شبل عن أبيه، قال: وقال مرة: عن ابن لعبدالرّحمن بن شبل عن أبيه. قال ابن قانع: وهو الصّواب".

·       لا صحبة لشبل والد عبدالرحمن!

قلت: فلا صحبة لشبل والد عبدالرحمن، والحديث حديث ابن عبدالرحمن بن شبل عن أبيه عبدالرحمن.

وقال ابن حجر في «الإصابة» (4/109): "عبداللَّه بن شبل بن عمرو الأنصاري: ذكره ابن أبي حاتم في الوحدان، وذكره البغويّ وابن السّكن أنه أخو عبدالرحمن بن شبل، ومخرج حديثه عن الشاميين.

وروى أبو عروبة، وابن أبي عاصم، والبغوي، من طريق شريح بن عبيد، قال: قال يزيد بن حمير، عن عبداللَّه بن شبل، عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلّم، قال: «اللَّهمّ العن فلانا، واجعل قلبه قلب سوء، واملأ جوفه من رضف جهنّم».

وقال ابن عيسى فيمن نزل حمص من الصحابة: وكان أحد النقباء.

وقال ابن أبي حاتم: عبداللَّه بن شبل، وكان أحد النقباء. روى عنه أبو راشد الحبراني، ويزيد بن حمير".

قلت: لا وجود لعبدالله بن شبل هذا! وإنما وقع في بعض الروايات مكان «عبدالرحمن»: «عبدالله» فظنّه أهل العلم أنه أخوه!!

·       الاعتماد على كلام أحمد بن عيسى البغدادي في إثبات وجود «عبدالله بن شبل» ووهمه في ذلك!

واعتمدوا أيضاً على ما قاله أحمد بن محمد بن عيسى البغدادي في تسمية من نزل حمص من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار: "عبدالله بن شبل الأنصاري، كان أحد النقباء. حدّث عنه من أهل حمص: أبو راشد الحبراني، ويزيد بن خمير اليزني. بلغني انه مات في إمارة معاوية".

قال ابن عساكر في «تاريخه» (34/430): "كذا قال! والصواب: عبدالرحمن".

ثم نقل عن عبدالصمد بن سعيد القاضي قال في تسمية من نزل حمص من الصحابة: "عبدالرحمن بن شبل الأنصاري"، كذلك قال محمد بن عوف، فقال: "ما أعرف له عقباً بحمص، ويُقال: عبدالله بن شبل، وقد عرفه أبو زرعة وهو فيمن نزل الشام ومات في إمارة معاوية بن أبي سفيان".

قلت: فهذا يؤكد أن عبدالرحمن كان يُقال له: عبدالله. فعبدالرحمن لا يوجد له أخ اسمه عبدالله.

·       حديث آخر معضل عن يحيى بن أبي كثير في هذا الباب!

روى عبدالرزاق الصنعاني في «مصنفه» (3/374) (6014) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ قالَ: بَلَغَنَا: «أَنَّ القُرْآنَ يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ فِي صُورَةِ الشَّاحِبِ المُنَافِرِ فَيَقُولُ لِصَاحِبِهِ: تَعْرِفُنِي؟ فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا خَلِيلُكَ، وَأَنَا ضَجِيعُكَ، وَأَنَا شَفِيقُكَ، وَأَنَا الَّذِي كُنْتُ أُسْهِرُ لَيْلَكَ وَأُنْصِبُ نَهَارَكَ، وَأَزُولُ مَعَكَ حَيْثُمَا زُلْتَ، كَانَ كُلُّ تَاجِرٍ قَدْ أَصَابَ مِنْ تِجَارَتِهِ وَأَنَا اليَوْمَ لَكَ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ تَاجِرٍ، فَيُعْطَى المُلْكَ بِيَمِينِهِ، والخُلْدَ بِشِمَالِهِ، وَيُوضَعُ تَاجُ الوَقَارِ عَلَى رَأْسِهِ، وَيُقَالَ لَهُ: اذْهَبْ فِي نَعِيمٍ مُقِيمٍ، وَيُكْسَى أَبَوَاهُ حُلَّتَيْنِ لَمْ تَقُمْ بِهِمَا الدُّنْيَا، فَيَقُولَانِ: أَيُّ هَذَا وَلَمْ نَعْمَلْ لَهُ؟ فَيَقُولُ: بِأَخْذِ ابْنِكُمَا القُرْآنَ، ثُمَّ يُقَالُ: اقْرَأْ وَارْقَ، فَمَنْ كَانَ يُرَتِّلُهُ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ، وَمَنْ كان يَهُذُّهُ فَبِحَسَابِ ذَلِكَ».

قلت: هذا حديث معضل ضعيف!

وروى ابن وهب في «الجامع»، كتاب التفسير، (3/12) (12) عن السَّرِيّ بن يَحْيَى: أَنَّ يَحْيَى بنَ أَبِي كَثِيرٍ اليَمَامِيَّ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «اقرؤوا القُرْآنَ وَلا تَأْكُلُوا بِهِ وَلا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ، ولا تجفو عنه، ولا تغلوا فيه، واقرؤوا الزهراوين، سورة البقرة وسورة آلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا يَأْتِيَانِ مَعَ صَاحِبِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كأنهم فرقان من طيرٍ صواف ثم قال: اقرؤوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بركةٌ وَتَرْكَهَا حسرةٌ، وَلا يَسْتَطِيعُهَا البَطَلَةُ».

وهذا معضل أيضاً.

·       أصل الحديث!

روى سعيد بن منصور في «سننه»، كتاب تفسير القرآن، (3/1022) (484) عن عَوْن بن مُوسَى، قال: سَمِعْتُ المُغِيرَةَ بنَ عَبْدِالمَلِكِ القُرشي، يَقُولُ: «كَانَ يُقَالُ: تَعَلَّموا سُورَةَ البَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا حَسَنة، وَتَرْكَهَا حَسْرة، وَلَا تُطِيقُها البَطَلة، تَعَلَّمُوا الزَّهْرَاوين: البقرة، وآل عمران».

قلت: كأن هذا هو أصل الحديث عند الشاميين!

والمغيرة بن عبدالملك دمشقي مولى لقريش، مستور الحال، ليس له رواية. ذكره ابن عساكر في «تاريخه» (60/79) فقال: "المغيرة بن عبدالملك الأموي مولى الوليد بن عبدالملك من أنبل مواليه، أشار إليه بمحاسبة النصارى حين عزم على أخذ ما في الكنيسة وجعلها مسجداً حكى عنه ابنه عبدالملك بن المغيرة بن عبدالملك حكاية تقدمت في ذكر بناء الجامع".

والوليد بن عبدالملك الدمشقي الخليفة توفي سنة (96هـ)، ومولاه كان رجلاً في زمانه وكان يحترم رأيه، وقوله في الخبر "كان يقال" يدلّ على أن هذا الحديث لم يكن منتشراً بالإسناد، وإنما يتناقلوا هذا بينهم.

وهذا الأثر الذي رواه هو الذي اعتمد عليه البخاري في الترجمة له، وجعله قولاً له! وتبعه على ذلك أبو حاتم وابن حبان.

قال البخاري في «التاريخ الكبير» (7/325): "مغيرة بن عَبْدالملك مولى لقريش. روى عنه عون بن مُوسَى قولَهُ".

وقال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (8/226): "مغيرة بن عبدالملك مولى لقريش قوله. روى عنه عون بن موسى الليثي. سمعت أبي يقول ذلك".

·       تعقب على ابن حبان! وخطأ في مطبوع «الثقات»!

وذكره ابن حبان في الطبقة الرابعة ممن روى عن أتباع التابعين من كتابه «الثقات» (9/168) فقال: "مُغيرَة بن عبدالملك مولى قُرَيْش: يروي المقاطيع. روى عَنهُ إِسْحَاق بن مُوسَى".

قلت: هذه طريقة ابن حبان في من يذكر البخاري أنه روى قولاً، فيقول فيه: "يروي المقاطيع"! ولا يُعرف عنه إلا هذا القول فقط.

وأخطأ ابن حبان في إيراده في هذه الطبقة! بل هو في طبقة التابعين، لكن ليس له رواية.

وفي المطبوع: "إسحاق بن موسى"!! وهو خطأ! وإنما هو: "عون بن موسى".

·       إشارة إلى فعل ابن عساكر في «تاريخه»!

لما ذكر ابن عساكر «زيد بن سلام» في «تاريخه» (19/426) ساق له هذا الحديث الواحد من طريق أحمد بن خليد الحلبي، عن أبي توبة الربيع بن نافع، عن معاوية بن سلام، عن زيد بن سلام، عن أبي سلام، عن أبي أمامة.

ولا أدري لم اقتصر على ذكر هذا الحديث فقط! ولعله ذكره لاستغرابه، والله أعلم.

·       حديث النَّوَّاس بن سَمْعَانَ الكِلَابِيّ:

وأما حديث النَّوَّاس بن سَمْعَانَ الذي أخرجه مسلم عن إِسْحَاق بن مَنْصُورٍ الكوسج المروزي، عن يَزِيد بن عَبْدِ رَبِّهِ الجُرجُسيّ، عن الوَلِيد بن مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ مُهَاجِرٍ، عَنِ الوَلِيدِ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ الجُرَشِيِّ، عَنْ جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ، عن النَّوَّاس:

فرواه البيهقي في «شعب الإيمان» (4/45) (2157) عن أَبي عَبْدِاللهِ الحَافِظ - الإمام الحاكم -، عن محمد بن أحمد بن حمدان أَبي عَمْرِو بن أَبِي جَعْفَرٍ، عن عَبْداللهِ بن مُحَمَّدٍ، عن إِسْحَاق بن مَنْصُورٍ الكوسج، به.

ورواه أحمد في «مسنده» (29/185) (17637) عن يَزِيد بن عَبْدِ رَبِّهِ، به.

 ورواه الطبراني في «مسند الشاميين» (2/320) (1418) عن إِبْرَاهِيم بن دُحَيْمٍ. والبيهقي في «شعب الإيمان» (4/45) (2157) من طريق أَحْمَد بن مَنْصُورٍ الرَّمَادِيّ. وأبو نُعيم في «مستخرجه» (2/402) (1826) من طريق أَبي بَكْرِ بن أَبِي عَاصِم.

ثلاثتهم عن عَبْدالرَّحْمَنِ بن إِبْرَاهِيمَ دُحَيْم الدِّمَشْقِيّ، عن الوَلِيد بن مُسْلِمٍ، به.

ورواه الترمذي في «جامعه» (5/10) (2883) من طريق هِشَام بن إِسْمَاعِيلَ أَبي عَبْدِالمَلِكِ العَطَّار.

وأبو عوانة في «مستخرجه» (2/485) (3935)، (3936) عن العَبَّاس بن الوَلِيدِ بنِ مَزِيدٍ البيروتي. ومن طريق هِشَامِ بنِ عَمَّارٍ، كلاهما عن مُحَمَّد بن شُعَيْب بن شابور، عن إِبْرَاهِيم بن سُلَيْمَانَ الْأَفْطَسُ، عَنِ الوَلِيدِ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ الجُرَشِيِّ، به.

فالحديث رواه مُحَمَّدُ بن مُهَاجِرٍ وإِبْرَاهِيم بن سُلَيْمَانَ الْأَفْطَسُ، كلاهما عَنِ الوَلِيدِ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ الجُرَشِيِّ، عَنْ جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ، عن النَّوَّاس بن سمعان.

قال الترمذي: "هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هذا الوَجْهِ".

قال: "وفِي البَابِ عَنْ بُرَيْدَةَ، وَأَبِي أُمَامَةَ".

·       تفرد الوليد الجرشي بالحديث!

قلت: هذا الحديث تفرد به الوليد بن عبدالرحمن عن جبير عن النواس!

وقد أورده البخاري في ترجمة «الوليد بن عبدالرحمن الجرشي» على عادته في إيراد حديث للراوي يستنكره عليه كما دلّ عليه الاستقراء.

قال في «التاريخ الكبير» (8/147) (2512): "الوَلِيدُ بنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ الجَرَشِيُّ مَوْلَى آلِ أَبِي سُفْيَانَ الأَنْصَارِيُّ، قاله شُعيب. سَمِعَ جُبَيْر بن نفير. أراه الوليد بن أَبِي مالك.

وقالَ هِشام بنُ إِسماعِيل أَبو عَبد الملك العَطّار: حدَّثنا مُحَمد بن شُعَيب، قال: حدَّثنا إِبْرَاهِيمُ بنُ سُلَيمان، عَنِ الوَلِيد بنِ عَبدالرَّحمَن، أَنه حدَّثهم، عَنْ جُبَير بنِ نُفَير، عنِ النَّوّاس بنِ سَمعان، عَنِ النَّبيِّ صَلى اللَّهُ عَلَيه وسَلم، قَالَ: يَأتِي القُرآنُ، وأَهلُهُ الَّذِينَ كانُوا يَعمَلُونَ به فِي الدُّنيا، تَقدُمُهُ البَقَرَةُ، وآلُ عِمرانَ، قَالَ نَوّاسٌ: وضَرَبَ لَهُما رَسُولُ اللهِ صَلى اللَّهُ عَلَيه وسَلم مَثَلاً، ثَلاَثَةَ أَمثالٍ، مَا نَسِيتُهُنَّ بَعدُ، قَالَ: تَأتِيانِ كَأَنَّهُما غَيايَتانِ، وبَينَهُما شَرقٌ، أَو كَأَنَّهُما غَمامَتانِ سَوداوانِ، أَو كَأَنَّهُما ظُلَّةٌ مِن طَيرٍ صَوافَّ، تُجادِلاَنِ عَن صاحِبِهِما".

·       تنبيه:

وقع في هذه الترجمة في المطبوع: «قال شعبة»! ونبّه الإمام المعلمي على أنه كذلك في النسخ الخطية! لكن نقل المزي في «تهذيبه»: "قاله شعيب"، وكذا ابن حجر.

·       رواية الترمذي لهذا الحديث عن البخاري:

والترمذي أخرج هذا الحديث في «جامعه» عن البخاري من كتابه هذا، فقال: "حدثنا مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بنُ إِسْمَاعِيلَ أَبُو عَبْدِالمَلِكِ العَطَّارِ...".

·       الوليد الجرشي هو الوليد بن أبي مالك عند البخاري، واعتراض ابن عساكر عليه!

فالبخاري يرى أن «الوليد بن عبدالرحمن الجرشي» هو «الوليد بن أبي مالك».

وقد اعترض عليه ابن عساكر في «تاريخه» (63/160) فقال: "(وقوله: أراه ابن أبي مالك) وهم! وقوله (مولى آل أبي سفيان) غير صحيح؛ فإنه عربي من جُرَش".

·       متابعة أبي حاتم الرازي وأبي حاتم ابن حبان رأي البخاري.

وقد تبع البخاري على ذلك: أبو حاتم الرازي، وابن حبان.

قال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (9/9): "الوليد بن عبدالرحمن الجرشي: حمصي، مولى لأبي سفيان الأنصاري. روى عن جبير بن نفير. روى عنه: إبراهيم بن أبي عبلة، وابراهيم بن سليمان الأفطس. سمعت أبي يقول ذلك".

وقال ابن حبان في «الثقات» (7/552): "الوَلِيد بن عَبْدالرَّحْمَنِ الجرشِي مولى لآل أبي سُفْيَان. يروي عَنْ جُبَير بن نفير. روى عَنهُ الشاميون، وَقد قيل إِنَّه أدْرك أَبَا أُمَامَة الباهلي".

·       اعتراض مغلطاي على المزي!

وقد نقل المزي قول ابن عساكر في «تهذيبه» ولم يعترض عليه! فتعقبه مغلطاي في «الإكمال» (12/241) فقال: "ذكر المزي أن ابن عساكر عاب على البخاري كونه قال فيه: (مولى لآل أبي سفيان الأنصاري)، ورضي بقوله، ولم يتتبعه عليه! وما أعلم أن أبا حاتم الرازي، وابن حبان، ويعقوب الفسوي قالوا ذلك، فلم ينفرد البخاري دون هؤلاء بالوهم، ويقال لمن وهم هؤلاء: أنت الواهم، إلا أن تأتي بحجة ظاهرة، وأيضاً وإن كان عربياً كما قلت، فيحتمل أنه مولى حلف، أو ما أشبهه، فدفع قول هؤلاء الأئمة بالتصدر غير صواب، والله تعالى أعلم".

قلت: كل هؤلاء الذين ذكرهم مغلطاي إنما تبعوا البخاري في قوله!

قال ابن حجر في «تهذيب التهذيب» (11/140) متعقبّاً ابن عساكر في اعتراضه على البخاري: "قلت: ويجوز أن يكون مولى بالحلف وإن كان عربي الأصل، فقد تابع البخاري على ما قال أبو حاتم ويعقوب بن سفيان وابن حبان، ووقع عند الطحاوي في روايته لحديثه عن الحارث بن عبدالله بن أوس عن الوليد بن عبدالرحمن بن الزجاج".

قلت: اعترض هؤلاء الأئمة على مسأله الحلف، ولم يعترضوا على جعل البخاري للجرشي وابن أبي مالك واحداً!

وقد تبع أبو حاتم الرازي وابن حبان البخاري في ذلك أيضاً، ولهذا لم يذكر البخاري «الوليد ابن أبي مالك» ولم يذكره أبو حاتم ولا ابن حبان. فهما واحد عندهما.

ولهذا فإن قول ابن عساكر في ترجمة «الوليد بن أبي مالك» (63/156): "ولم يذكره البخاري في تاريخه"! فيها إيهام بأن البخاري غفل عنه!! والصحيح أنه لم يذكره؛ لأنه يراهما واحداً.

وقد فرّق ابن عساكر بينهما، فذكر «الجرشي»، وذكر «الوليد بن عبدالرحمن ابن أبي مالك» (63/153) فقال: "الوليد بن عبدالرحمن بن هانئ، وهو أبو مالك أبو العباس الهمداني أخو يزيد بن عبدالرحمن بن أبي مالك قاضي عمر بن عبدالعزيز على نواحي دمشق. روى عن أبي إدريس الخولاني، والقاسم بن عبدالرحمن، وأبي عبدالله مسلم بن مشكم. روى عنه: الحجاج بن أرطاة، ومحمد بن الوليد الزبيدي، وثور بن يزيد الرحبي، ومِسعر بن كِدام، وكان يكون بالكوفة، وبها مات".

ونقل عن أهل العلم أنه توفي سنة خمس وعشرين ومائة، ويقال سنة سبع وعشرين ومائة، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة.

قلت: من خلال النظر في شيوخ الوليد الجرشي وتلامذته أرى أن وفاته قريبة من سنة (130هـ)، فهو يروي عن جبير بن نفير (ت80هـ)، وأبي أمامة الباهلي (ت86هـ).

فهذه إشارة إلى أنهما واحد.

وقد فرّق بينهما المزي والذهبي ومغلطاي وابن حجر وغيرهم.

وذكرهما الذهبي في «تاريخه» في طبقتين متتاليتين، فذكر «الوليد بن عَبْدالرَّحْمَن الجُرَشي الحِمْصيّ» في طبقة من توفوا بين سنة «111-120هـ». [تاريخ الإسلام: (3/333)].

وذكر «الوَلِيد بن عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ أَبِي مَالِكٍ الهَمْدَانِيّ الدِّمَشْقِيّ» في طبقة من توفوا بين سنة «121-130هـ». [تاريخ الإسلام: (3/547)].

قلت: هما من الطبقة نفسها، والقلب أميل إلى أنهما واحد كما ذهب إليه البخاري وغيره، والله أعلم.

والوليد بن عبدالرحمن الجرشي ينفرد عن جُبير بن نُفير (80هـ) بأحاديث لا يرويها سواه!!

وقد أثبت البخاري سماعه من جبير! ولا شك أنه أدركه لكن لا يثبت سماعه منه!! والبخاري يقع له الوهم في إثبات السماع عند الشاميين - كما بينته في غير هذا الموضع -، ولم تصح رواية الوليد عن جبير، والعلة فيما رُوي عنه عن جبير إما من الراوي عنه كما بينته في بحثي «الإِلْمَام بعلل حديث صلاة القيام حتى يَنصرف الإِمام»، أو منه هو لم يسمع تلك الأحاديث من جبير ورواها عنه إما تدليساً أو وهماً!

وهذا الحديث لا يُعرف أن أحداً رواه عن جبير غيره، ولا يُعرف أن أحداً رواه عن النوّاس بن سمعان (توفي بين 41 - 50هـ) إلا ما رواه الوليد عن جبير عنه!!

وأين أَبو إِدْرِيسَ الخَوْلَانِيّ عن هذا الحديث! فهو من أصحاب النواس بن سمعان.

وأين عَبْدالرَّحْمَنِ بن جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ عن هذا الحديث! فهو مُكثرٌ عن أبيه جبير!

·       حديث آخر للوَلِيدِ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ الجُرَشِيِّ، عَنْ جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ، عَنِ النَّوَّاسِ بنِ سَمْعَانَ:

وقد رُوي عن الوليد عن جبير عن النواس حديث آخر:

رواه أَبُو يَعْلَى الموصلي في «مسنده الكبير» [كما في «إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة» للبوصيري (5/164) (4449)، و«المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية» لابن حجر (18/308) (4474) قال: حدثنا دَاوُدُ بنُ رُشَيْدٍ، قال: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ مُهَاجِرٍ، عَنِ الوَلِيدِ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ الجُرَشِيِّ، عَنْ جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ، عَنِ النَّوَّاسِ بنِ سَمْعَانَ، قال: فُتِحَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتْحٌ فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سُيِّبَتِ الخَيْلُ، وَوَضَعُوا السِّلَاحَ، فَقَدْ وَضَعَتِ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا، وقَالُوا: لا قِتَالَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَذَبُوا، الْآنَ جَاءَ القِتَالُ، الْآنَ جَاءَ القِتَالُ، إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا يُزِيغُ قُلُوبَ أَقْوَامٍ يُقَاتِلُونَهُمْ، وَيَرْزُقُهُمُ اللَّهُ مِنْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ عَلَى ذَلِكَ، وَعُقْرُ دَارِ المُؤْمِنِينَ الشَّامُ».

ورواه ابن حبان في «صحيحه» (16/296) (7307) عن أَبي يَعْلَى الموصلي، به.

ورواه ابن عساكر في «تاريخه» (1/116) من طريق أبي بكر محمد بن إبراهيم بن المقرئ، عن أبي يعلى، به.

وهكذا رواه البغوي عن داود.

أخرجه ابن عساكر في «تاريخه» (1/117) من طريق محمد بن عبدالله بن الحسين بن هارون، عن أبي القاسم البغوي، عن داود بن رشيد، به.

·       وهم داود بن رُشيد في جعل الحديث من «مسند نواس بن سمعان»!

قلت: هكذا رواه داود بن رُشيد الهاشمي عن الوليد بن مسلم، فجعله من «مسند نواس بن سمعان»!

 وخالفه: سُلَيْمَانُ بنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِيُّ، وصَفْوَانُ بنُ صَالِحٍ المؤذن، وهشامُ بن عمّار، وأبو الوليد القرشي أَحْمَد بن عَبْدالرَّحْمَنِ بن بكار البُسْرِيّ، وعَمْرو بن عُثْمَان بن سَعِيد بن كثير بن دينار الحمصي، ودُحيم عبدالرحمن بن إبراهيم الدمشقي، فرووه عن الوليد بن مسلم، عن محمد بن المهاجر، عن الوليد بن عبدالرحمن الجرشي، عن جبير بن نفير عن سلمة بن نفيل.

فجعلوه من «مسند سَلَمَة بن نُفَيْلٍ الحَضْرَمِيِّ» وهو الصواب.

أما حديث سليمان بن عبدالرحمن فرواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (7/298) (3770) عنه عن الوليد بن مسلم، به.

وأما حديث صفوان بن صالح فرواه فرواه يعقوب بن سفيان الفسوي في «المعرفة والتاريخ» (2/298) عنه، مختصراً.

ورواه الطبراني في «مسند الشاميين» (2/320) (1419) عن هَاشِم بن مَرْثَدٍ الطَّبَرَانِيّ. وفي «المعجم الكبير» (7/53) (6359) عن وَرْد بن أَحْمَدَ بنِ لَبِيدٍ البَيْرُوتِيّ. كلاهما عن صَفْوَان بن صَالِحٍ، عن الوليد، به.

وأما حديث هشام وأحمد بن عبدالرحمن فرواهما ابن عساكر في «تاريخه» (1/116).

وأما حديث عمرو بن عثمان فرواه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (5/83) (2625) عنه، عن الوليد، به.

وأما حديث دُحيم فرواه إبراهيم الحربي في «غريب الحديث» (3/991) عن الوَلِيد، به، مختصراً.

·       كلام بعض المعاصرين حول الرواية التي فيها وهم!

علّق محققا كتاب «موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان» (5/205) حسين سليم أسد الدّاراني وعبده علي الكوشك على رواية داود بن رشيد فقالا: "إسناده ضعيف، الوليد بن مسلم كثير التدليس وقد عنعن. والحديث في الإحسان 9/207 برقم (7263)... وأورده صاحب الكنز فيه 4/453 برقم (11349) ونسبه إلى أبي يعلى، وابن عساكر.

نقول: يشهد له حديث سلمة بن نفيل عند أحمد 4/104، والنسائي في الخيل 6/ 214 - 215 في فاتحته، من طريق ... الوليد بن عبدالرحمن الجرشى، عن جبير بن نفير، عن سلمة بن نفيل ... وهذا إسناد صحيح. وانظر جامع الأصول 2/ 570".

قلت: لم يتنبها أن هذه الرواية فيها وهم! وهي ليست من مسند نواس بن سمعان!! ولا يجوز أن نقويها بشاهد حديث سلمة! لأن حديث سلمة أصلاً هو نفس الحديث الذي وقع فيه الوهم! والوليد بن مسلم رواه عن محمد بن مهاجر وقد توبع ابن مهاجر عليه، فتضعيف الرواية بعنعنة الوليد لا يصح!!

·       الحديث من «مسند سلمة بن نفيل»:

فالحديث محفوظ من طريق محمد بن المهاجر، عن الوليد بن عبدالرحمن الجرشي، عن جبير بن نفير عن سلمة بن نفيل.

وتابع محمد بن المهاجر عليه: إِبْرَاهِيمُ بنُ أَبِي عَبْلَةَ، وإِبْرَاهِيمُ بنُ سُلَيْمَانَ الْأَفْطَسُ، وإِسْمَاعِيلُ بنُ عَيَّاشٍ.

أما حديث إِبْرَاهِيم بن أَبِي عَبْلَةَ:

فرواه النسائي في «السنن الكبرى» (4/311) (4386) من طريق خَالِد بن يَزِيدَ بنِ صَالِحِ بنِ صُبَيْحٍ المُرِّيِّ.

وأبو عوانة في «مستخرجه» (4/447) (7280) – مقنصراً على لفظ: الخيل معقود.. -. والطبراني في «المعجم الكبير» (7/52) (6357)، وفي «مسند الشاميين» (1/56) (57) من طريق هَانِئ بن عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ أَبِي عَبْلَةَ.

كلاهما (خالد وهانئ) عن إِبْرَاهِيمَ بنِ أَبِي عَبْلَةَ، عَنِ الوَلِيدِ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ الجُرَشِيِّ، به، بنحوه.

ورواه البغوي في «معجم الصحابة» (3/128) (1034) عن أبي طالب عبدالجبار بن عاصم، عن هانئ بن عبدالرحمن بن أبي عبلة، عن عمّه إبراهيم بن أبي عبلة، عن جبير بن نفير، عن سلمة بن نفيل الكندي.

ورواه أبو طاهر المخلّص في «المخلصيات» (1/112) (14) عن أبي القاسم عبدالله بن محمد البغوي. وابن عساكر في «تاريخه» (1/114) من طريق أبي طاهر المخلص.

ورواه ابن عساكر أيضاً من طريق عيسى بن علي الوزير، عن عبدالله بن محمد البغوي، به.

لم يذكروا فيه: "الوليد بن عبدالرحمن الجرشي"! وكأنها سقطت من الإسناد. فقد رواه العباس بن إسماعيل عن هانئ فزاد في إسناده "الوليد بن عبدالرحمن" بين إبراهيم وجبير، كما رواه الطبراني فيما سبق.

·       استدراك مغلطاي على المزي!

ولما ذكر المزي ترجمة «سلمة بن نفيل» في «تهذيبه» (11/323) قال: "رَوَى عَنه: جبير بن نفير الحضرمي، وضمرة بْن حبيب بْن صهيب الزبيدي، والوليد بن عَبْدالرَّحْمَنِ الجرشي، والصحيح إن بينهما جبير بن نفير. رَوَى لَهُ النَّسَائي حَدِيثًا واحِدًا، وقد وقع لنا بعلو عنه". ثم ساق الحديث ثم قال: "هكذا وقع في هذه عَن إِبْرَاهِيم بن أَبي عبلة، عَنْ جبير بْن نفير، والصحيح عَن إِبْرَاهِيم بن أَبي عبلة، عن الوليد بن عبدالرحمن الجرشي، عَنْ جبير بن نفير".

فتعقّبه مغلطاي في «إكماله» (6/25): "وفي قول المزي حين ذكر رواية الوليد بن عبدالرحمن الجرشي عنه: والصحيح أن بينهما جبير بن نفير، نظر؛ لأن هذا الكلام لم ينص عليه أحد فيما رأيت، ولكن المزي لما رأى في «معجم الطبراني» رواية الوليد عنه من غير طريق ثم رأى جبيراً أيضاً بينهما اعتمده وقضى به، ولا قضاء حتى يحكم به إمام معتمد؛ لأن الوليد لم أر من حكى عنه تدليساً اللهم ولو كان مدلساً لما أقدمنا على القضاء بالانقطاع لاحتمال أن يكون روى عنه شيئاً وروى شيئا آخر بواسطة، وهذا دليل الإتقان والضبط".

قلت: لا يحتاج ليحكم به إمام معتمد!! وكثير من تعقبات مغلطاي على المزي من باب المناكفة! غفر الله له!!!

قد أصاب المزي في قوله وقد تبيّن في رواية العباس بن إسماعيل عن هانئ أن بينهما "الوليد" والحديث حديث الوليد الجرشي كما يتبين لنا من التخريج.

ثم عرضه للحديث عن تدليس الوليد لا محلّ له هنا!! لأن اسمه سقط من هذه الرواية التي رواها البغوي! فكيف يتعرض للكلام عن مسألة التدليس وهو ليس مذكوراً في هذه الرواية!! هذا عجيب!!!

وأما حديث إبراهيم الأفطس:

فرواه البخاري في «التاريخ الكبير» (4/70).

ويعقوب الفسوي في «المعرفة والتاريخ» (1/336).

والبزار في «مسنده» (9/150) (3702) عن مُحَمَّد بن مِسْكِينٍ.

والطبراني في «المعجم الكبير» (7/52) (6358) عن بَكْر بن سَهْلٍ.

والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (1/210) (228)، وفي «شرح معاني الآثار» (3/275) (5352) عن مُحَمَّد بن حُمَيْدِ بنِ هِشَامٍ الرُّعَيْنِيّ أَبي قُرَّةَ.

وابن منده في كتاب «التوحيد» (ص: 273) (120) من طريق أَبي حَاتِمٍ الرَّازِيّ. مختصراً.

والبيهقي في «الأسماء والصفات» (2/391) (968) من طريق مُحَمَّد بن إِسْحَاقَ الصَّاغَانِيّ.

كلهم (البخاري، والفسوي، وابن مسكين، وبكر، وأبو قرة، وأبو حاتم الرازي، والصاغاني) عن عَبْداللهِ بن يُوسُفَ الدمشقيّ، عن عَبْداللهِ بن سَالِمٍ الحِمْصِيّ، عن إِبْرَاهِيم بن سُلَيْمَانَ الْأَفْطَس، قَالَ: حَدَّثَنِي الوَلِيدُ بنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ، عَنْ جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ، عَنْ سَلَمَةَ بنِ نُفَيْلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قَالَ، قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بُوهِيَ بِالخَيْلِ وَأُلْقِيَ السِّلَاحُ وَزَعَمُوا أَنْ لَا قِتَالَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَذَبُوا الْآنَ حَانَ الْقِتَالُ لَا تَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ عَلَى الحَقِّ ظَاهِرَةٌ» وَقَالَ وَهُوَ مُوَلِّي ظَهْرِهِ إِلَى اليَمَنِ: «إِنِّي أَجِدُ نَفَسَ الرَّحْمَنِ مِنْ هَا هُنَا، وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنِّي كَفُوفٌ غَيْرُ مُلَبَّثٍ، وَلْيَتْبَعْنِي أَفْنَادًا وَالْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَأَهْلُهَا مُعَانُونَ عَلَيْهَا».

قال البزار: "وهذَا الحَدِيثُ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا يَرْوِيهِ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ إِلَّا سَلَمَةُ بنُ نُفَيْلٍ، وهَذَا أَحْسَنُ طَرِيقًا يُرْوَى فِي ذَلِكَ عَنْ سَلَمَةَ. وَرِجَالُهُ رِجَالٌ مَعْرُوفُونَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ مَشْهُورُونَ إِلَّا إِبْرَاهِيمَ بنَ سُلَيْمَانَ الْأَفْطَسَ".

قلت: وثقه دُحيم، ومشّاه أبو حاتم الرازي فقال: "لا بأس به"، وذكره ابن حبان في ثقاته.

وروايته قليلة، وينفرد عن الوليد الجرشي بأحاديث قد توبع على أصلها! لكن في حديثه زيادات في الألفاظ لم يروها غيره!!

ووفاته ما بين سنة (141 - 150هـ)، والوليد توفي قريب من سنة (130هـ)، فهو معدود من أقرانه!

قال البيهقي بعد أن رواه: "قُلْتُ: قَوْلُهُ: «إِنِّي أَجِدُ نَفَسَ الرَّحْمَنِ مِنْ هَهُنَا» - إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا - فَإِنَّمَا أَرَادَ: إِنِّي أَجِدُ الفَرَجَ مِنْ قِبَلِ اليَمَنِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، وَإِنَّمَا أَرَادَ: مَنْ فَرَّجَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً".

وأما حديث إسماعيل بن عياش:

فرواه أحمد في «مسنده» (28/164) (16965) عن أَبي اليَمَانِ الحَكَمِ بنِ نَافِعٍ البهراني الحمصيّ.

والطبراني في «المعجم الكبير» (7/52) (6358) عن أَبي زُرْعَةَ عبدالرحمن بن عمرو الدمشقي، عن أَبي اليَمَانِ الحكم بن نافع البهراني.

وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (4/411) (2460) عن عبدالوهاب بن نجدة الحوطي.

كلاهما (الحكم، والحوطي) عن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاشٍ، عَنِ الوَلِيدِ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ، به. بنحو رواية الأفطس.

وقد قرن الطبراني هذه الرواية برواية إبراهيم الأفطس السابقة.

·       هل تابع نَصْر بن عَلْقَمَةَ الحمصيّ الوليد الجرشي في روايته عن جبير بن نُفير؟!

وقد رُوي عن نصر بن علقمة عن جبير بن نفير!

رواه النسائي في «السنن الكبرى» (8/68) (8659) عن هِشَام بن عَمَّارٍ.

والطبراني في «مسند الشاميين» (3/387) (2524)، وفي «المعجم الكبير» (7/53) (6360) من طريق مُحَمَّدِ بنِ يَحْيَى بنِ حَمْزَةَ.

كلاهما عن يَحْيَى بنِ حَمْزَةَ الدِّمَشْقِيّ، عن أَبي عَلْقَمَةَ نَصْر بن عَلْقَمَةَ، عَنْ جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ الحَضْرَمِيِّ، عَنْ سَلَمَةَ بنِ نُفَيْلٍ التَّرَاغِمِيّ، بنحوه، وزاد: «ولا تَضَعُ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا، حَتَّى يَخْرُجَ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ».

قلت: هذه الرواية لم يذكر فيها واسطة بين نصر وجبير، فصارت متابعة لرواية الوليد الجرشي عن جبير!

قال ابن كثير في «جامع المسانيد والسنن» (3/619): "رواه النسائي، والطبراني من حديث الوليد بن عبدالرحمن، وأبي علقمة نصر بن علقمة كلاهما عن جبير بن نفير".

وكذا فعل أصحاب «المسند الجامع» (7/146) (4938).

قلت: هذه الرواية منقطعة.

قال ابن أبي حاتم في «المراسيل» (ص: 226): قال أَبِي: "نَصْرِ بنِ عَلْقَمَةَ عَنْ جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ مُرْسَلٌ".

وفِي مَوْضِعٍ آخَرٍ: "نَصْرُ بنُ عَلْقَمَةَ لَمْ يُدْرِكْ جُبَيْرَ بنَ نُفَيْرٍ".

قلت: الظاهر أنه سقط من إسناد الحديث «الوليد بن عبدالرحمن الجرشي»! فهناك واسطة بين نصر وجبير، والحديث حديث الوليد الجرشي، فلا ينفع أن تكون رواية «نصر بن علقمة عن جبير» متابعة لرواية «الوليد عن جبير»!

والخلاصة أن هذا الحديث تفرد به: الوَلِيدُ بنُ عَبْدالرَّحْمَنِ الجُرَشِيُّ، عَنْ جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ، عَنِ سَلَمَةَ بنِ نُفَيْلٍ السكوني الشاميّ.

ولم يروه عن جبير إلا الوليد! ولا يُعرف عن سلمة بن نفيل إلا من هذا الطريق!!

وقد أورده البخاري في ترجمة «سلمة بن نُفيل السكوني الشامي» من «تاريخه الكبير» (4/70)، وهو استنكار منه له بحسب ما عرفت من استقرائه في إيراد الحديث المستنكر في ترجمة الراوي!

وهناك حديث آخر يُروى عن سلمة بن نفيل وفيه جزء من هذا الحديث! ولا يُروى عنه سواهما! وقد ذكرهما أحمد في «مسنده».

فقد مرّ في رواية إبراهيم الأفطس: «إِنَّهُ يُوحَى إِلَيَّ أَنِّي مَكْفُوتٌ ثُمَّ سَتَخْلُفُونِي أَفْنَادًا...».

وفي رواية إبراهيم بن أبي عبلة: «كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يُوحَى إِلَيَّ أَنِّي مَقْبُوضٌ غَيْرُ مُلَبَّثٍ، وَأَنَّكُمْ مُتَّبِعِيَّ أَفْنَادًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، وَلَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي نَاسٌ يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ، وَيُزِيغُ اللهُ بِهِمْ قُلُوبَ أَقْوَامٍ، وَيَرْزُقُهُمُ اللهُ مِنْهُمْ، حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، وَحَتَّى يَأْتِيَ وَعَدُ اللهِ».

وهذا جزء من حديث آخر يُروى عن سلمة بن نفيل!

رواه أحمد في «مسنده» (28/163) (16964)، ونُعيم بن حماد في «الفتن» (41) و(1704)، عن أَبي المُغِيرَةِ عبدالقدوس بن الحجاج الخولاني.

والبزار في «مسنده» (9/149) (3701) عن سَلَمَة بن شَبِيبٍ، وإِبْرَاهِيم بن هَانِئٍ، عن أَبي المُغِيرَةِ.

وابن حبان في «صحيحه» (15/180) (6777) من طريق مُحَمَّد بن عَوْفٍ، عن أَبي المُغِيرَةِ.

والدارمي في «سننه» (1/200) (56) من طريق مُعَاوِيَة بن يَحْيَى الأطرابلسيّ.

وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (7/298) من طريق أَشْعَثَ بنِ شُعْبَةَ المصيصيّ.

وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (4/412) (2461) و(2462) من طريق يَحْيَى بن سَعِيدٍ العَطَّار، وأحمد بن عليّ النميريّ السلميّ.

وأبو يعلى في «مسنده» (12/270) (6861)، والحاكم في «مستدركه» (4/494) (8383) من طريق مُبَشِّر بن إِسْمَاعِيلَ الحَلَبِيّ.

والطبراني في «المعجم الكبير» (7/51) (6356) من طريق أَبي اليَمَانِ الحَكَم بن نَافِعٍ.

وفي «مسند الشاميين» (1/397) (688) من طريق أَبي حَيْوَةَ شُرَيْح بن يَزِيدَ الحمصيّ.

كلهم عن أَرْطَأَة بن المُنْذِرِ السكونيّ الحمصيّ، قال: سَمِعْتُ ضَمْرَةَ بنَ حَبِيبٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ سَلَمَةَ بنَ نُفَيْلٍ السَّكُونِيَّ، يَقُولُ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، هَلْ أُتِيتَ بِطَعَامٍ مِنَ السَّمَاءِ؟ فَقَالَ: «أُتِيتُ بِطَعَامٍ مُسْخِنَةٍ»، قَالَ: فَهَلْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ عَنْكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: فَمَا فُعِلَ بِهِ؟ قَالَ: «رُفِعَ حَتَّى إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ يُوحِي إِلَيَّ أَنَّنِي غَيْرُ لَابِثٍ فِيكُمْ إِلَّا قَلِيلًا، وَلَسْتُمْ لَابِثِينَ بَعْدِي إِلَّا قَلِيلًا، بَلْ تَلْبَثُونَ حَتَّى تَقُولُوا حَتَّى مَتَى، ثُمَّ تَأْتُونَ أَفْنَادًا، وَيُفْنِي بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَبَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ مَوْتَانٌ شَدِيدٌ وَبَعْدَهُ سَنَوَاتُ الزَّلَازِلِ».

وهذا الحديث تفرد به أَرْطَأَة بن المُنْذِرِ، عن ضَمْرَة بن حَبِيبٍ، عن سَلَمَة بن نُفَيْلٍ السَّكُونِيّ.

قال أبو نُعيم الأصبهاني في «معرفة الصحابة» (3/1352): "رَوَاهُ مُعَاوِيَةُ بنُ يَحْيَى أَبُو مُطِيعٍ، وَبَقِيَّةُ، وَمُبَشِّرُ بنُ إِسْمَاعِيلَ، وَأَبُو المُغِيرَةَ، وَمِسْكِينُ بنُ بُكَيْرٍ، عَنْ أَرْطَاةَ".

قال البزار: "وهَذَا الحَدِيثُ لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا اللَّفْظِ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَأَرْطَاةُ بنُ المُنْذِرِ، وضَمْرَةُ بنُ حَبِيبٍ رَجُلَانِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ مَعْرُوفَانِ".

وقال الحاكم: "هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، ولَمْ يُخْرِجَاهُ".

وتعقبه الذهبي فقال: "قلت: لم يخرجا لأرطاة، وهو ثبت، والخبر من غرائب الصحاح".

قلت: أرطأة بن المنذر (163هـ) شامي مشهور ثقة، والعجب أن ابن المديني لم يعرفه!

قال محمد بن أحمد بن البراء: قال علي بن المديني - وسئل عن أرطأة روى عنه عبدالقدوس، روى عن ضمرة بن حبيب حديث سلمة بن نفيل عن النبي صلى الله عليه وسلم: هل أتيت بطعام -؟ فقال: "لا أعرفه، مجهول" [تاريخ دمشق: (8/13)].

وضمرة بْن حبيب بن صهيب الزبيدي، أبو عتبة الشامي الحمصي ذكر الذهبي وفاته في «تاريخه» (3/250) بين سنة (111 - 120هـ).

والأقرب أنه في الطبقة التي تليها بين (121 - 130هـ) من خلال النظر في طبقة شيوخه، وهو من أقران الإمام الزهري (124هـ).

وقد رَوَى عَن: سلمة بن نفيل التراغمي، وشداد بن أوس الأَنْصارِيّ (نحو 60هـ)، وأبي أمامة صُدَي بن عجلان الباهلي (86هـ)، وعبدالله بن زُغْب الإيادي (مختلف في صحبته، والصواب أنه تابعي، يروي عن عبدالله بن حوالة، ت 58هـ)، وعبدالرحمن بن عَمْرو السلمي (110هـ)، وعنبسة بن سَعِيد بن العاص الأُمَوِي (100هـ)، وعوف بن مالك الأشجعي (73هـ)، ومحمد بن أَبي سفيان بن العلاء بن جارية الثقفي (بين 91 - 100هـ)، وأبي مسلم الخولاني (بعد 60هـ).

نلاحظ التفاوت بين طبقات هؤلاء الذين روى عنهم ضمرة! ونظراً لتقارب طبقات الشيوخ والتلاميذ الشاميين وتأخر سماعهم وشيوع الإرسال عندهم يبعد أن يكون سمع من هؤلاء كلهم!! فلا بدّ أن يكون أرسل عمن مات قبل سنة (80هـ).

ولا ندري متى مات سلمة بن نُفيل! ولم يذكره أحد من أهل العلم في أي طبقة هو!! بل لا يكاد يوجد عنه أي خبر يصح!! ولا أي معلومة عنه!

وقد أثبت أهل العلم صحبته من خلال ما رُوي عنه من الحديثين السابقين! ومن صحح حديثه هذا نظر لما جاء من ذكر سماع ضمرة منه! وهذا لا يعتمد في حديث الشاميين إلا من خلال القرائن؛ لأن كثيراً من السماعات التي تُذكر في أسانيدهم فيها أخطاء!

ومما أُخذ على الإمام البخاري أنه كان يعتمد على السماعات التي في أحاديث الشاميين وهي لا تصح! ويكون الخطأ في أصولهم التي اعتمد عليها.

وعليه فلا نعرف شيئاً عن سلمة بن نفيل! ولا نعرف متى توفي! ولا نعرف متى سمع منه ضمرة بن حبيب! بل لا نعرف له سماعاً منه!!

فالحديث مرسل ضعيف، وبعض ألفاظه غريبة منكرة!!!

·       إيراد الألباني لأجزاء من هذين الحديثين في «صحيحته»!

جاءت بعض الروايات للحديثين السابقين مختصرة مفرقة فذكرها الألباني في «سلسلته الصحيحة»، ومنها:

ذكر في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (1935): «عقر دار المؤمنين بالشام».

وذكر أيضاً (1961): «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الناس يرفع الله قلوب أقوام يقاتلونهم، ويرزقهم الله منهم حتى يأتي أمر الله عز وجل وهم على ذلك، ألا إن عقر دار المؤمنين الشام، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة».

وذكر كذلك (3367): «إني أجد نفس الرحمن من هنا - يشير إلى اليمن».

وقال: واعلم أن هذا الحديث قد جاء في بعض طرقه زيادة أخرى بلفظ: «عقر دار المؤمنين بالشام» وكنت خرجته في المجلد الرابع (1935)، فأعدت تخريجه هنا لحديث الترجمة، مستدركاً به على تخريجي إياه في «الضعيفة» في المجلد الثالث (1097)، لكن من حديث أبي هريرة، فهذا شاهد قوي له من حديث سلمة بن نفيل، أوجب علي تخريجه هنا، والتنبيه على أن الحديث صار به صحيحاً، والحمد لله على توفيقه، وأسأله المزيد من فضله. هذا؛ ويبدو أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يذهب إلى ثبوت الحديث، فقد رأيته سئل عن حديث: «الحجر الأسود يمين الله في الأرض»، وعن هذا الحديث في "مجموع الفتاوى" (6/397 ـ 398)؟ فضعف الأول، دون هذا، وقال مبيناً معناه، وأنه ظاهر فيه؛ فقال: "فقوله في: "اليمن" يبين مقصود الحديث؛ فإنه ليس لليمن اختصاص بصفات الله تعالى حتى يظن ذلك، ولكن منها جاء الذين يحبهم ويحبونه، الذين قال فيهم: (من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه)؛ وقد روي أنه لما نزلت هذه الآية؛ سئل عن هؤلاء؛ فذكر أنهم قوم أبي موسى الأشعري. وجاءت الأحاديث الصحيحة، مثل قوله: "أتاكم أهل اليمن، أرق قلوباً، وألين أفئدة، الإيمان يمان، والحكمة يمانية". وهؤلاء هم الذين قاتلوا أهل الردة، وفتحوا الأمصار، فبهم نفس الرحمن عن المؤمنين الكربات، ومن خصص ذلك بأويس؛ فقد أبعد". قلت: وعلى هذا المعنى فليس الحديث من أحاديث الصفات، ولذلك لم يورده الحافظ الذهبي في جملة أحاديثها في كتابه "العلو" الذي كنت اختصرته، وهو مطبوع، خلافاً للشيخ زاهد الكوثري الذي غمز من صحته كما تقدم مع الرد عليه، ولذلك كذب ابن تيمية رحمه الله ما حكاه الغزالي عن بعض الحنابلة أن الإمام أحمد لم يتأول إلا ثلاثة أشياء؛ منها هذا الحديث، فقال (5/398): "فهذه الحكاية كذب على أحمد، لم ينقلها أحد عنه بإسناد، ولا يعرف أحد من أصحابه نقل ذلك عنه، وهذا الحنبلي مجهول لا يعرف ". ثم رأيت ابن الأثير قد أورد الحديث في مادة (نفس) من "النهاية"، وقال: "قيل: عنى به الأنصار؛ لأن الله نفس بهم الكرب عن المؤمنين، وهم يمانون؛ لأنهم من الأزد، قال الأزهري: (النفس) في الحديث اسم وضع موضع المصدر الحقيقي من: (نفس ينفس تنفيساً ونفساً)، كما يقال: (فرج يفرج تفريجاً وفرجاً)؛ كأنه قال: أجد تنفيس ربكم من قبل اليمن" انتهى.

وذكر أيضاً في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (851): «أتزعمون أني من آخركم وفاة ألا إني من أولكم وفاة وتتبعوني أفنادا يهلك بعضكم بعضاً».

قلت: هذه الأحاديث المفرقة ترجع للحديثين السابقين، وكلاهما ضعيف.

·       روايات أخرى فيها تصريح عبدالله بن بريدة من أبيه!

يروي الحسين بن واقد المروزي الكثير من الأحاديث عن عبدالله بن بُريدة، ويذكر في بعض منها سماع عبدالله من أبيه!!

وهذه السماعات لا تُعتمد! بل رواية الحسين بن واقد عن عبدالله بن بريدة كلها منكرة كما قال الإمام أحمد!! فهو ينفرد عنه بأحاديث لا يرويها سواه! وكثير من هذه الأحاديث محفوظة من طرق أخرى عن صحابة آخرين! وفي حديث حسين بن واقد مخالفات لما هو محفوظ مما يدلّ على نكارة حديثه عن عبدالله بن بريدة.

قال عبدالله بن أحمد: قال أبي: "عبدالله بن بُرَيْدَة الَّذِي روى عَنهُ حُسَيْن بن وَاقد مَا أنكرها! وَأَبُو المُنِيب أَيْضاً، يَقُولُونَ: كَأَنَّهَا من قبل هَؤُلَاءِ".

قلت: يعني أن هذه المناكير التي تُروى عن عبدالله بن بريدة من حسين بن واقد وأبي المنيب.

ومن هذه الأحاديث ما رواه أحمد في «فضائل الصحابة» (2/907) (1731)، وفي «مسنده» (38/100) (22996) عن زَيْد بن الحُبَابِ قالَ: حَدَّثَنِي حُسَيْنُ بنُ وَاقِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُاللَّهِ بنُ بُرَيْدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي بُرَيْدَةَ يَقُولُ: أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا بِلاَلاً فَقَالَ: يَا بِلاَلُ بِمَ سَبَقْتَنِي إِلَى الجَنَّةِ؟ مَا دَخَلْتُ الجَنَّةَ قَطُّ إِلاَّ سَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ أَمَامِي، دَخَلْتُ البَارِحَةَ الجَنَّةَ فَسَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ أَمَامِي، فَأَتَيْتُ عَلَى قَصْرٍ مُرَبَّعٍ مُشْرِفٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا القَصْرُ؟ فَقَالُوا: لِرَجُلٍ مِنَ العَرَبِ، فَقُلْتُ: أَنَا عَرَبِيٌّ، لِمَنْ هَذَا القَصْرُ؟ قَالُوا لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقُلْتُ: أَنَا قُرَشِيٌّ، لِمَنْ هَذَا القَصْرُ؟ قَالُوا: لِرَجُلٍ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: أَنَا مُحَمَّدٌ لِمَنْ هَذَا القَصْرُ؟ قَالُوا: لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ. فَقَالَ بِلاَلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا أَذَّنْتُ قَطُّ إِلاَّ صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، وَمَا أَصَابَنِي حَدَثٌ قَطُّ إِلاَّ تَوَضَّأْتُ عِنْدَهَا وَرَأَيْتُ أَنَّ لِلَّهِ عَلَيَّ رَكْعَتَيْنِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بِهِمَا.

ورواه الترمذي في «جامعه» (6/61) (3689) عن الحُسَيْن بن حُرَيْثٍ أَبي عَمَّارٍ المَرْوَزِيّ، عن عَلِيّ بن الحُسَيْنِ بنِ وَاقِدٍ، عن أَبِيه، به.

وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ".

وخرجه الحاكم في «المستدرك» (1/457) (1179) من طريق عَلِيّ بن الحَسَنِ بنِ شَقِيقٍ، عن الحُسَيْن بن وَاقِدٍ، به.

وقال: "هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، ولَمْ يُخَرِّجَاهُ".

قلت: هذا الحديث بهذا اللفظ منكر! لم يروه عن عبدالله بن بريدة إلا حسين بن واقد.

والثابت في ذلك ما رواه البخاري في «صحيحه» (2/53) (1149) من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِبِلاَلٍ عِنْدَ صَلاَةِ الفَجْرِ: «يَا بِلاَلُ، حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإِسْلاَمِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الجَنَّةِ» قَالَ: "مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي: أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طَهُورًا، فِي سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، إِلَّا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ".

قالَ أَبُو عَبْدِاللَّهِ البخاري: "دَفَّ نَعْلَيْكَ يَعْنِي تَحْرِيكَ".

ومنها ما رواه أحمد في «مسنده» (38/115) (23008) عن زَيْد بن الحُبَابِ، قال: حَدَّثَنِي حُسَيْنٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بنُ بُرَيْدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي بُرَيْدَةَ يَقُولُ: إِنَّ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ صلى بأصحابه صَلَاةَ العِشَاءِ، فَقَرَأَ فِيهَا {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ}، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَفْرُغَ، فَصَلَّى وَذَهَبَ فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ قَوْلًا شَدِيدًا، فَأَتَى الرَّجُلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ. فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ أَعْمَلُ فِي نَخْلٍ وَخِفْتُ عَلَى المَاءِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صَلِّ بِـ {الشَّمْسِ وَضُحَاهَا} وَنَحْوِهَا مِنَ السُّوَرِ».

وروى أيضاً في «مسنده» (38/99) (22994) زَيْد بن الحُبَابِ، حَدَّثَنِي حُسَيْنُ بنُ وَاقِدٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُاللهِ بنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ العِشَاءِ بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَأَشْبَاهِهَا مِنَ السُّوَرِ».

قلت: خالف الحسين بن واقد الرواية المشهورة في هذا الحديث، وهو: أنّ معاذاً قرأ بالبقرة أو النساء، وفي بعض الروايات: قرأ بسورة طويلة.

ففي الصحيح من حديث جَابِر بن عَبْدِاللَّهِ الأَنْصَارِيَّ، قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ بِنَاضِحَيْنِ وَقَدْ جَنَحَ اللَّيْلُ، فَوَافَقَ مُعَاذًا يُصَلِّي، فَتَرَكَ نَاضِحَهُ وَأَقْبَلَ إِلَى مُعَاذٍ، فَقَرَأَ بِسُورَةِ البَقَرَةِ - أَوِ النِّسَاءِ - فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ وَبَلَغَهُ أَنَّ مُعَاذًا نَالَ مِنْهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَشَكَا إِلَيْهِ مُعَاذًا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا مُعَاذُ، أَفَتَّانٌ أَنْتَ» - أَوْ «أَفَاتِنٌ» - ثَلاَثَ مِرَارٍ: «فَلَوْلاَ صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الحَاجَةِ».

ثم اختصر الحسين بن واقد روايته الطويلة فجعل النبي صلى الله عليه وسلم هو من كان يقرأ في العِشَاءِ بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَأَشْبَاهِهَا مِنَ السُّوَرِ!! وهذا منكر!! وإنما كان ذلك وصية لمعاذ أن يقرأ بمثل هذه السور القصيرة.

واستقصاء حديث الحسين بن واقد عن عبدالله بن بريدة عن أبيه يطول، وسيأتي بعضها عند الرد على الألباني في اعتماده لأحاديثه في إثبات سماع عبدالله بن بريدة من أبيه!! - إن شاء الله تعالى.

·       ترجمة سليمان بن بريدة، وهل سمع من أبيه؟!

وأما سليمان بن بُريدة فأكثر أهل العلم أنه ولد مع أخيه عبدالله في بطن واحد! وقد بيّنت نكارة الرواية التي جاء فيها ذُكر ذلك!

والذي أراه أنه وُلد بعد أخيه بزمن، ولم يسمع من أبيه!

·       نفي البخاري سماع سليمان من أبيه!

قال البخاري في «التاريخ الكبير» (4/4): "سُلَيْمَان بن بريدة بن حصيب الأسلمي، عَنْ أَبِيه وعمران بن حصين، روى عَنْهُ علقمة بن مرثد.

قال نعيم بن حماد: حدثنا أَبُو مُحَمَّد المَرْوَزِيّ، عَنْ عَبْداللَّه بن بريدة عَنْ أخيه سُلَيْمَان بن بريدة وكَانَا ولدا فِي بطن واحد على عهد عُمَر، ولم يذكر سُلَيْمَان سماعاً من أَبِيه.

وروى محارب بن دثار - مرسل - وروى مُحَمَّد بن جحادة عَنْ رجل عَنْ سُلَيْمَان فِي العشر، لا أصل لَهُ".

قلت: ذكر البخاري رواية سليمان عن أبيه، وعن عمران بن حصين، ولم يثبت سماعه منهما، ثم نفى ذلك بقوله: "ولم يذكر سليمان سماعاً من أبيه".

قال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (4/102): "سليمان بن بريدة بن حصيب الأسلمي، روى عن أبيه، وعمران بن حصين. روى عنه: علقمة بن مرثد، ومحمد بن جحادة، وأخوه عبدالله بن بريدة. سمعت أبي يقول ذلك".

وساق بإسناده إلى ابن عيينة قال: "حديث سليمان بن بريدة أحبّ إليهم من حديث عبدالله بن بريدة".

وساق عن أحمد بن حنبل عن وكيع قال: "يقولون: إن سليمان - يعني ابن بريدة - كان أصح حديثاً وأوثق من عبدالله بن بريدة".

وساق أيضاً عن أحمد بن حنبل، قال: "سليمان بن بريدة أوثق من عبدالله بن بريدة".

وقال ابن حبان في «الثقات» (4/303): "سُلَيْمَان بن بُرَيْدَة بن الحُصَيْب الْأَسْلَمِيّ: يرْوي عَن أَبِيه، وَعمْرَان بن حُصَيْن. روى عَنهُ: عَلْقَمَة بن مرْثَد. ولد هُوَ وَأَخُوهُ عبدالله بن بُرَيْدَة فِي بطن وَاحِد على عهد عمر لثلاث خلون من خِلَافَته، وَمَات سُلَيْمَان سنة خمس وَمِائَة بفَنِين - قَرْيَة من قرى مرو، وَبهَا قَبره، وَكَانَ على قَضَاء مرو فِيمَا قيل".

وقال مغلطاي في «إكمال تهذيب الكمال» (6/44): "وفي «تاريخ نيسابور» للحاكم: روى عنه أخوه عبدالله. وخرّج ابن حبان حديثه في «صحيحه»، وكذلك أبو عوانة، والترمذي، والطوسي، والحاكم، والدارمي. وقال ابن قانع: ولد سنة خمس عشرة من الهجرة. وفي كتاب «المنتجالي» - وذكر عبدالله وسليمان -: سليمان أوثقهما وأصحهما حديثا. وقال: رميح بن هلال الطائي: سمعت عبدالله بن بريدة يقول: ولدت في أول خلافة عمر. ولما ذكر ابن شاهين وابن خلفون سليمان في الثقات قالا: قال أحمد بن حنبل: سليمان أفضل من عبدالله، وأوثق".

وقال العلائي في «تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل» (ص: 133): "سُلَيْمَان بن بُرَيْدَة بن الحُصَيْب الْأَسْلَمِيّ رِوَايَته عَن أَبِيه فِي صَحِيح مُسلم والسّنَن الْأَرْبَعَة. وقال البُخَارِيّ: لم يذكر سَمَاعاً من أَبِيه".

ويكأن العلائي يرد على البخاري بذكره أن روايته عن أبيه في صحيح مسلم!

وفي «العلل» للحربي: "عبدالله أشهر من سليمان، ولم يسمعا من أبيهما. وفيما روى عبدالله عن أبيه أحاديث منكرة، وسليمان أصح حديثاً منه، وأكثر أصحابه من أهل الكوفة". [إكمال تهذيب الكمال: (7/257) وتحرّف "للحربي" إلى "للحازمي"!].

وهذا تصريح من الحربي أن عبدالله وسليمان لم يسمعا من أبيهما! وكأنه ذهب مذهب البخاري في ذلك.

·       الأحاديث التي أخرجها مسلم لسليمان بن بُريدة عن أبيه:

وقد أخرج الإمام مسلم عدّة أحاديث لسليمان بن بريدة عن أبيه وهذا يدلّ على إثباته لسماع سليمان من أبيه.

وسنعرض لهذه الأحاديث إن شاء الله تعالى:

الحديث الأول: حديث الصلاة يوم الفتح بوضوء واحد:

قال مسلم في «صحيحه»، كتاب الطهارة، (1/232) (277) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِاللهِ بنِ نُمَيْرٍ، قال: حَدَّثَنَا أَبِي، قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ [ح].

وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بنُ حَاتِمٍ - واللَّفْظُ لَهُ - قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلْقَمَةُ بنُ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صَلَّى الصَّلَوَاتِ يَوْمَ الْفَتْحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ». فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: "لقَدْ صَنَعْتَ اليَوْمَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ"، قال: «عَمْدًا صَنَعْتُهُ يَا عُمَرُ».

·       رواية الثوري، عن عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عن النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وهذا الحديث رواه جماعة كبيرة عن سفيان الثوري الكوفي بهذا الإسناد:

رواه عبدالرزاق الصنعاني في «مصنفه» (1/54) (158).

وأحمد في «مسنده» (38/65) (22966) عن يَحْيَى بن سَعِيدٍ القطان البصري. و(38/134) (23029) عن عَبْدالرَّحْمَنِ بن مهدي البصري.

وأبو عُبيد القاسم بن سلّام في كتاب «الطهور» (ص: 132) (40) عن عَبْدالرَّحْمَنِ بن مهدي.

والترمذي في «جامعه» (1/116) (61)، وابن خزيمة في «صحيحه» (1/9) (12) كلاهما عن مُحَمَّد بن بَشَّارٍ، عن عَبْدالرَّحْمَنِ بن مَهْدِيٍّ.

والطبري في «تفسيره» (8/159) عن ابن بَشَّارٍ، عن يَحْيَى القطان وعَبْدالرَّحْمَنِ بن مهدي.

وابن خزيمة في «صحيحه» (1/9) (12) عن أَبي مُوسَى محمد بن المثنى، عن عَبْدالرَّحْمَنِ بن مَهْدِيٍّ.

والنسائي في «السنن الكبرى» (1/125) (133) عن عُبَيْداللهِ بن سَعِيدٍ، عن يَحْيَى القطان.

وأبو داود في «سننه» (1/125) (172) عن مُسدَّد، عن يحيى القطان.

وابن الجارود كما في «المنتقى» (ص: 13) (1) عن عَبْداللَّهِ بن هَاشِمٍ، عن يَحْيَى بن سَعِيدٍ. وعن إِسْحَاق بن مَنْصُورٍ، عن عَبْدالرَّحْمَنِ بن مَهْدِيٍّ.

والدارمي في «سننه» (1/522) (685) عن عُبَيْداللَّهِ بن مُوسَى الكوفي.

والبزار في «مسنده» (10/265) (4364) عن سلمة بن شَبِيب، عن عُبَيدالله بن موسى.

والسراج في «حديثه» (3/202) (2488) عن أَبي قُدَامَةَ، عن إِسْحَاق بن يوسف الأَزْرَق.

والطبري في «تفسيره» (8/160) عن أَبي كُرَيْبٍ، عن مُعَاوِيَة بن هِشَامٍ القصار الكوفي.

وأبو عوانة في «مستخرجه» (1/200) (646) عن عَلِيّ بن حَرْبٍ الطَّائِيّ، عن أَبي عَامِرٍ العَقَدِيّ، والقَاسِم بن يَزِيدَ الجَرْمِيّ، وأَبي دَاوُدَ الطيالسي.

و(647) عن أَبي العَبَّاسِ الغَزِّيّ، عن محمد بن يوسف الفِرْيَابِيّ.

و(648) عن الأَحْمَسِيّ، عن وَكِيع بن الجراح.

و(649) عن أَبي عُبَيْدِاللَّهِ العَسْكَرِيّ، عن عبدالكبير بن عبدالمجيد أَبي بَكْرٍ الحَنَفِيّ البصري.

والطحاوي في «شرح معني الآثار» (1/41) (222) عن ابن مَرْزُوقٍ، عن أَبي عَاصِمٍ الضحاك بن مخلد البصري، وأَبي حُذَيْفَةَ موسى بن مسعود النهدي البصري.

وابن حبان في «صحيحه» (4/606) (1706) من طريق مُجَاهِد بن مُوسَى، عن يَحْيَى بن آدَمَ الكوفي.

و(1708) من طريق أَبي قُدَيْدٍ عُبَيْداللَّهِ بن فَضَالَةَ، عن مُحَمَّد بن يُوسُفَ الفريابي وقَبِيصَةُ بن عُقْبَةَ الكوفي.

والبيهقي في «السنن الكبرى» (1/251) (759) من طريق مُحَمَّد بن عَبْدِاللهِ بنِ عَبْدِالحَكَمِ، وبَحْر بن نَصْرٍ، كلاهما عن عبدالله بنِ وَهْبٍ المصري.

و(760) من طريق يَحْيَى بن جَعْفَرٍ، عن أبي عاصم الضَّحَّاك بن مَخْلَدٍ.

و(1284) من طريق أَحْمَد بن مِهْرَانَ الأَصْبَهَانِيّ، عن عَلِيّ بن قَادِمٍ الكوفي.

كلهم (عبدالرزاق، والقطان، وابن مهدي، وعبيدالله، والأزرق، ومعاوية بن هشام، وأَبو عَامِرٍ العَقَدِيّ، والقَاسِم بن يَزِيد، والطيالسي، والفريابي، ووكيع، وأبو بكر الحنفي، وأبو عاصم، وأبو حذيفة، ويحيى بن آدم، ومُحَمَّد بن يُوسُفَ، وقَبِيصَة، وابن وهب، وعليّ بن قادم) عن سُفْيَان الثوريّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ «تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، وَصَلَّى الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ». فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ فَعَلْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ قَالَ: «إِنِّي عَمْدًا فَعَلْتُهُ يَا عُمَرُ». بألفاظ متقاربة، إلا في حديث ابن قادم قال: «مرة مرة».

·       طريق أخرى عن علقمة بن مرثد:

وهذا الحديث بهذا الطريق مشهور عن الثوري عن علقمة بن مرثد.

ورُوي من طريق آخر عن علقمة بن مرثد. رواه عنه: قيس بن الربيع الكوفيّ!

أخرجه أبو داود الطيالسي في «مسنده» (2/151) (842).

وعليّ بن الجعد في «مسنده» (ص:308) (2081) عن يَحْيَى بن عَبْدِالحَمِيدِ الحِمَّانِيّ.

وابن شاهين في «الناسخ والمنسوخ» (89) عن عَبْداللَّهِ بن مُحَمَّدٍ البغوي، عن يَحْيَى بن عَبْدِالحَمِيدِ.

كلاهما (الطيالسي والحماني) عن قَيْس بن الرَّبِيعِ، عَنْ عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيه: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى يوم فتح مكة الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ».

قيس بن الربيع مُتكلّمٌ فيه! لكن روايته لا بأس بها في المتابعات.

·       طريق ثالث عن علقمة بن مرثد:

ورُوي عن علقمة بإسناد آخر:

رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (4/221) (4032) قال: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ سَعِيدِ بنِ بَشِيرٍ الرَّازِيُّ، قال: حدثنا إِسْمَاعِيلُ بنُ بَهْرَامَ بِالرِّيِّ قالَ: وجَدْتُ فِي كِتَابِ أَبِي، عَنْ عَمْرِو بنِ قَيْسٍ الملائي، عَنْ عَلْقَمَةَ بنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ، وَصَلَّى الصَّلَوَاتِ بِوَضُوءٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ صَنَعَتْ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ؟ قَالَ: عَمْدًا صَنَعْتُهُ يَا عُمَرُ».

قال الطبراني: "لا يُرْوَى هذا الحَدِيث عَنْ عَمْرٍو إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، تَفَرَّدَ بِه: إِسْمَاعِيلُ بنُ بَهْرَامَ".

إسماعيل بن بهرام صدوق يُغرب. ووالده مجهول الحال!

ذكره ابن حجر في  «اللسان» (2/367) وقال: "ذَكَره الطوسِي في رجال الشيعة من الرواة عن جعفر الصادق".

·       رواية سُفْيَان الثوري، عَنْ مُحَارِبِ بنِ دِثَارٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

ورُوي من طريق آخر عن سليمان بن بريدة:

رواه سفيان الثوري أيضاً عنه، ورواه عن سفيان جماعة، واختلفوا عليه فيه!

رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (1/34) (298).

وابن ماجه في «سننه» (1/320) (510) عن أَبي بَكْرِ بن أَبِي شَيْبَةَ.

وابن حبان في «صحيحه» (4/607) (1707) عن الحَسَن بن سُفْيَانَ، عن أَبي بَكْرِ بن أَبِي شَيْبَة.

وابن ماجه في «سننه» (1/320) (510) عن عَلِيّ بن مُحَمَّدٍ الطنافسيّ.

وابن خزيمة في «صحيحه» (1/10) (14) عن أَبي عَمَّارٍ الحسين بن حُريث المروزي.

والطبري في «تفسيره» (8/160) عن أَبي كُرَيْبٍ محمد بن العلاء الكوفيّ.

كلهم (ابن أبي شيبة، والطنافسي، وأبو عمار، وأبو كُريب) عن وَكِيع بن الجَرَّاحِ، عَنْ سُفْيَانَ الثوري، عَنْ مُحَارِبِ بنِ دِثَارٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ صَلَّى الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا بِوَضُوءٍ وَاحِدٍ».

ورواه الطبري في «تفسيره» (8/161) عن أَبي كُرَيْبٍ، عن مُعَاوِيَة بن هشام، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، بهذا الإسناد، بلفظ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى كَانَ يَوْمُ الفَتْحِ فَصَلَّى الظُّهْرَ والعَصْرَ والمَغْرِبَ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ».

ورواه البزار في «مسنده» (10/265) (4365)، وابن خزيمة في «صحيحه» (1/10) (13) كلاهما عن عَلِيّ بن الحُسَيْنِ الدِّرْهَمِيّ.

والروياني في «مسنده»