الصفحة الرئيسية         الكتب           البحوث           المخطوطات          المجلة            راسلنا          الضيائية
 
 
 

سلسلة فهم أقوال أهل النَّقد (11).

قال علِيّ بن المدينيّ: «في دَارِ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ، وَشَبَاب بن خَيَّاطٍ شَجَرٌ يَحْمِلُ الحَدِيثَ».

وقال أبو حاتم الرازي: «كتبت من مسنده - أي خليفة بن خياط - أحاديث ثلاثة عن أبي الوليد الطيالسي، فأتيت أبا الوليد وسألته عنها، فأنكرها! وقال: ما هذه من حديثي!! فقلت: كتبتها من كتب شباب العصفري، فعرفه وسكن غضبه». 



روى العُقيلي في «الضعفاء الكبير» (2/22) في ترجمة «خَلِيفَة بن خَيَّاطٍ البَصْرِيّ» قال: حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السَّاجِي قَالَ: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ يَحْيَى الْأُزديُّ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بنَ المَدِينِيِّ، يَقُولُ: «فِي دَارِ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ عَمْرِو بنِ جَبَلَةَ وشَبَاب بن خَيَّاطٍ شَجَرٌ يَحْمِلُ الحَدِيثَ».

وقد نقل هذا بعض أهل العلم في ترجمته في كتبهم على أنه تضعيف من ابن المديني لخليفة.

ولهذا قال مغلطاي في «إكمال تهذيب الكمال» (4/216): "ولما ذكره العقيلي من «جملة الضعفاء» قال: غمزه - يعني - ابن المديني".

وقال ابن حجر في «تهذيب التهذيب» (3/161): "وقد ذكره العقيلي في الضعفاء فقال: غمزه علي بن المديني".

قلت: وهذه عبارة مغلطاي، فجُلّ ما ينقله ابن حجر في «تهذيب التهذيب» من زيادات على أصل «تهذيب الكمال» إنما هو من كتاب مغلطاي.

وقد نقل كلام ابن المديني بعض المعاصرين في ترجمته، فمنهم من لم يلتفت إلى هذه الكلمة، وذهبوا إلى توثيق خليفة.

لكن د. أكرم ضياء العمري في تحقيقه لكتاب «التاريخ» لخليفة قال (ص9): "ووصف علي بن المديني - وهو من أئمة علماء الجرح والتعديل – شباب بأن في داره شجر يحمل الحديث".

وقال في الحاشية: "قال العسقلاني: إن ابن المديني غمز بذلك شباب (تهذيب)، فهل أراد أنه يحمله ولا يعقله".

قلت: هذا الذي قاله ابن المديني في خليفة بن خياط المعروف بشباب جرح شديد! ويُفهم شدة ذلك بقرنه مع عبدالرحمن بن عمرو بن جَبلة! فابن جبلة هذا متهم بالكذب، ووضعِ الحديث!!!

قال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (5/267): سألت أبي عنه - أي عبدالرحمن بن عمرو-؟ فقال: "كتبت عنه بالبصرة، وكان يكذب، فضربت على حديثه".

قلت: فإن ابن مسلم يُحدِّث عنه؟ قال: "الله المستعان على ذلك".

وقال البرذعي في «سؤالاته» (2/399): قلت لأبي زرعة: عبدالرحمن بن عمرو بن جبلة؟ قال: "يُحدّث بأحاديث أباطيل، عن سلام بن أبي مطيع".

وقال الدارقطني في «السنن» (1/299): "عَبْدالرَّحْمَنِ بن عَمْرِو بنِ جَبَلَةَ: مَتْرُوكٌ يَضَعُ الحَدِيثَ".

قلت: فإذا كان ابن المديني قرن شباب بن خياط بهذا الراوي المتروك الذي يضع الحديث، فلا شك أن جرحه شديد!

فقوله: "في دارهما شجر يحمل الحديث" = يعني أنهما يرويان أحاديث لا يرويها غيرهما! فتجد عندهما ما لا تجده عند الآخرين!

أما ابن جبلة فهو كذاب يضع الحديث، وأما شباب فلا يصل إلى هذه المرتبة، وإنما هو يهم في حديثه، وهذه الأوهام والتفردات التي يرويها جعلته في الصفة التي قصدها ابن المديني وهي أنهما ينفردان بأحاديث، وكأن هذه الأحاديث من شجر في بيت كل واحد منهما = يعني عندهما شجر يحمل الحديث لكثرة ما يأتيان بأحاديث لا أصل لها وغرائب ومناكير!!!

ويؤيد ذلك ما رُوي عن ابن المديني أيضاً أنه قال في خليفة بن خياط: "لو لم يحدث شباب كان خيرا له"!

·       تضعيف ابن عَدي لكلام رُوي عن ابن المديني أيضاً في خليفة! والرد عليه!

وهذا رواه ابن عدي في «الكامل» (3/517) في ترجمة «خليفة بن خياط»، قال: حَدَّثَنَا مُحَمد بنُ جَعْفَرِ بْنِ زيد الطبري، قال: حَدَّثَنا مُحَمد بن يُونُس بن موسى، قال: سَمِعْتُ عَلِيَّ بنَ الْمَدْيَنِيِّ يَقُولُ: "لو لم يحدث شباب كان خيرًا له". قال: "وكان الفضل بن الحباب يذكر أنه كان عند أبي الوليد الطيالسـي فجاءه شباب العصفري برسالة علي بن المديني أن لا يُحدِّث يَحْيى بن مَعِين فغضب أبو الوليد وقال: لم لا أحدثه".

قال ابن عدي: "ولا أدري هذه الحكاية عن علي بن المديني: لو لم يحدث شباب كان خيرا له صحيحة أم لا!!".

ثم ردّها فقال: "إنما يروي عن علي المديني: الكُديمي، والكديمي لا شيء، وشباب من متيقظي رواة الحديث وله حديث كثير، وتاريخ حسن، وكتاب في طبقات الرجال، وكيف يؤمن بهذه الحكاية عن عليّ فيه، وهو من أصحاب عليّ! ألا ترى أنه حمّله الرسالة إلى أبي الوليد في ابن مَعِين سيما إذا كان الراوي عن علي مُحَمد بن يُونُس، وَهو الكديمي فدلّ هذا على أن الحكاية عن علي باطلة، ولخليفة من الحديث الكثير ما يستغني أن أذكر له شيئا من حديثه، وَهو مستقيم الحديث صدوق".

قلت: الكُديمي اتهمه ابن حبان والدارقطني، ولمن قبلهما كلام شديد فيه، لكن هناك من ارتضاه وإن كثر في حديثه الغرائب والمناكير!

قَالَ عبدالله بن أَحْمَد: سَمِعْتُ أبي يَقُولُ: "كَانَ محمد بن يونس الكُدَيْميّ حَسَن الحديث، حسن المعرفة، ما وُجِد عَلَيْهِ إِلا صحبته لسليمان الشاذكوني".

وقال الخليلي: "ولَيْسَ الْكُدَيْمِيُّ بِذَلِكَ القَوِيِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَوِّيهِ"، وقال في موضع آخر: "مِنْهُمْ مَنْ يَطْعَنُ عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُحْسِنُ الْقَوْلَ فِيهِ، سَمِعَ مِنْهُ الْقُدَمَاءُ فَمَنْ بَعْدَهُمْ".

وقال الحاكم: وسَأَلته - يعني الدارقطني - عَن مُحَمَّد بن يُوسُف الْكُدَيْمِي، وَإِن جمَاعه من مَشَايِخنَا أثنوا عَلَيْهِ! فقالَ: "مَتْرُوك".

قلت: تركوا روايته لما فيها من غرائب ومناكير، لكن ما يرويه هنا حكاية عن ابن المديني، وهو قد صحبه وسمع منه، وما نقله عن ابن المديني يؤيده ما رواه الحسن بن يحيى الأزدي عن ابن المديني أن في بيت خليفة شجرا يحمل الحديث، بل هذه الأخيرة أشد!

وكأن ابن عدي لم يقف على قول ابن المديني هذا! وإلا بم سيرده؟!! فالحسن بن يحيى الأزدي من ثقات أهل البصرة.

ولهذا لما نقل ابن حجر رد ابن عدي لرواية الكديمي في «مقدمة الفتح» قال: "وتعقب ذلك ابن عدي بأنه من رواية الكديمي عن ابن المديني، والكديمي ضعيف؛ لكن روى الحسن بن يحيى عن علي بن المديني نحو ذلك".

·       قول أبي حاتم في خليفة بن خياط!

ويؤيد قول ابن المديني في خليفة ما قاله أبو حاتم الرازي فيه.

قال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (3/378): وسألته عنه - يعني خليفة-؟ فقال: "لا أُحدِّث عنه، هو غير قوي. كتبت من مسنده أحاديث ثلاثة عن أبي الوليد، فأتيت أبا الوليد وسألته عنها، فانكرها، وقال: ما هذه من حديثي! فقلت: كتبتها من كتب شباب العصفري، فعرفه وسكن غضبه".

وقد علّق على هذه القصة الإمام المعلمي اليماني أثناء تحقيقه لكتاب ابن أبي حاتم، فقال: "سكون غضب أبي الوليد يُشعر بأنه لم يُكذّب خليفة، ويحتمل أن يكون شباب قد كان استكثر من حديث أبي الوليد أخذًا من أصوله، وكانت تلك الثلاثة مما لا يحفظه أبو الوليد فأنكرها، ثم لما عرف أن شبابًا هو رواها عنه حملها على أنها عنده في أصوله ولكنه لا يحفظها، وكأنه لهذا الاحتمال اقتصـر أبو حاتم على قوله: «غير قوي»".

وكل من نقل هذه القصة عن أبي حاتم من المعاصرين كالدكتور أكرم العمري وغيره نقلوا تعليق المعلمي عليه وارتضوه!!

·       تفسير المعلمي لكلام أبي حاتم! والرد عليه!

قلت: كلام المعلمي - رحمه الله - فيه بعد شديد!!! فكيف تكون هذه الأحاديث عند خليفة في كتبه، ولا يعرفها صاحبها أبو الوليد الطيالسـي؟!! فلو كان كذلك لعُدّ هذا من القدح في أبي الوليد بأنه لا يحفظ حديثه!!! وكيف لا يحفظ هذه الثلاثة أحاديث التي اختارها أبو حاتم من كتاب خليفة؟!! بل دلّ ذلك على أن أبا الوليد يحفظ حديثه وهو ثبت فيه. وهو ثقة ثبت متقن لحديثه باتفاق.

وكيف عرف المعلمي أن شبابا أخذها من أصول أبي الوليد، ولم يكن يحفظها، ولهذا أنكرها! ثم لما عرف أنها عند خليفة سكن غضبه وحملها على أنها عنده في أصوله!! إن هذا لشيء عُجاب!!

وقد نقل ابن حجر هذه القصة في «مقدمة الفتح» وقال: "هذه الحكاية محتملة"!!

قلت: أبو الوليد الطيالسـي (133 - 227هـ) أكبر من خليفة بن خياط (ت240هـ)، وأظنه ولد في بداية سنة 170هـ، وقد ذكر المزي في «تهذيب الكمال» أنه روى عن حماد بن سلمة (ت167هـ)! وهذا وهم؛ لأنه لم يدركه!

قال الذهبي في «السّير» (11/473): "ذَكَرَ شَيْخُنَا فِي (تَهْذِيْبِ الكَمَالِ) : أَنَّهُ رَوَى أَيْضاً عَنْ حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ فَهَذَا وَهْمٌ بَيِّنٌ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لَمْ يَلْحَقْ أَيْضاً السَّمَاعَ مِنْ حَمَّادِ بنِ زَيْدٍ، وَأُرَاهُ رَآهُ".

فإذا كان لخليفة رؤية لحَمَّادِ بنِ زَيْدٍ (ت179هـ)، فتكون ولادته تقريباً بعد سنة (170هـ)، وعليه فأبو الوليد الطيالسي يكبره بأربعين سنة تقريباً.

لكن لما رجّح الذهبي وفاته سنة (240هـ) في «السّير» أيضاً، قال: "كَانَ مِنْ أَبْنَاءِ الثَّمَانِيْنَ، وَقَدْ أَخْطَأَ مَنْ قَالَ: مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِيْنَ، مَاتَ جَدُّهُ سَنَةَ سِتِّيْنَ وَمائَةٍ".

وعلى هذا الكلام تكون ولادته تقريبا سنة (160هـ)، لكن على هذا يكون كلامه المتقدم حول عدم إدراكه لحماد بن سلمة فيه نظر! ويكون قطعاً أدرك حماد بن زيد، وربما سمع منه، والله أعلم.

وعليه يكون بينه وبين أبي الوليد الطيالسي (30) سنة.

وهذه الحكاية التي ساقها أبو حاتم الرازي مع أبي الوليد تبيّن لنا ضعف خليفة في حديثه، ولهذا قال عنه أبو حاتم: "هو غير قوي"، ثم دلّل على ذلك بهذه الحكاية، فسياق إيراده لهذه القصة ليبيّن سبب قوله هذا فيه، فما حدث من عرضه لهذه الأحاديث الثلاثة على أبي الوليد وإنكاره لها دلّ على أن خليفة أخطأ فيها، وهذا دليل قوله أبي حاتم فيه بأنه غير قوي!

·       سبب غضب أبي الوليد الطيالسي لما قرأ عليه أبو حاتم بعض أحاديثه!

وسبب غضب أبي الوليد ثم سكونه بعد: أنه ظنّ أن أبا حاتم كان يريد امتحانه بهذه الأحاديث! فلما تبيّن له أن لم يقصد ذلك، وأن هذه الأحاديث موجودة في كتب خليفة سكن غضبه إذ عرف أن الخطأ فيها من خليفة نفسه = يعني أخطأ خليفة على أبي داود.

وكان من عادة المحدّثين أنهم يأخذون حديث بعض الرواة عن الشيخ، ويكتبون ما عنده، ثم يعرضونه على الشيخ، وقد يستنكر الشيخ أحاديث منها، ويقول بأنها ليست من حديثه، فيكون تلميذه أخطأ فيها، وينسبها له، وهي ليست من حديثه!!!

واختيار أبي حاتم لهذه الأحاديث الثلاثة يدلّ على ذكائه وتمكنه إذ لولا أنه عرف أن هذه الأحاديث ليست من أحاديث أبي الوليد لما كتبها من كتاب خليفة وعرضها على أبي الوليد.

فسكون غضب أبي الوليد إذ عرف أن المشكلة في هذه الأحاديث من خليفة! فهو يعرف أن له مثل هذه الأوهام في حديثه عن شيوخه أو أقرانه.

وليست المسألة مسألة تكذيب لخليفة كما نفاها المعلمي عن أبي الوليد! فأبو الوليد قطعا لم يقصد تكذيبه، وإنما هو يعرف خليفة وحاله في الحديث. وإنما كان غضبه ظنّاً منه أن أبا حاتم كان يمتحنه!!

ومما يؤيد ضعف خليفة أيضاً ما قاله عبدالرحمن بن أبي حاتم: "انتهى أبو زرعة الى أحاديث كان أخرجها في فوائد عن شباب العصفري، فلم يقرأ علينا، فضربنا عليها، وترك الرواية عنه".

·       كيفية تخريج البخاري لخليفة بن خياط في «صحيحه»؟!

قال الذهبي في «سير أعلام النبلاء»: "حَدَّثَ عَنْهُ: البُخَارِيُّ بِسَبْعَةَ أَحَادِيْثَ - أَوْ أَزْيَدَ - فِي (صَحِيْحِهِ)".

وقال صاحب «زهرة المتعلمين» (وهو مغربي لا يُعرف): "روى عنه - يعني البخاري - عشرة أحاديث" [إكمال تهذيب الكمال: 4/215].

وقال الباجي في «التعديل والتجريح»: "وَإِنَّمَا يَقُول البُخَارِيّ عَنهُ فِي أَكثر مَا خرج: «وقَالَ خَليفَة بن خياط»، وَقد قَالَ: «حَدثنِي خَليفَة» وقرنه بِابْن أبي الْأسود جَمِيعًا عَن مُعْتَمر فِي بَاب مرجع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْأَحْزَاب ومخرجه إِلَى بني قُرَيْظَة، وَقَالَ فِي تَفْسِيره لسورة الْبَقَرَة: «وقَالَ لي خَليفَة بن خياط» عَن يزِيد بن زُرَيْع وقرنه بِمُسلم عَن هِشَام، وَقَالَ فِي الرِّدَّة: «وحَدثني خَليفَة بن خياط» وقرنه بِمُحَمد بن أبي بكر. على هَذَا رَأَيْت أمره إِذا أفرده، قَالَ: «وَقَالَ لي خَليفَة»، وَإِذ أقرنه قَالَ: «وحَدثني خَليفَة»".

وتبعه على ذلك ابن حجر، فقال في «مقدمة الفتح»: "وجميع ما أخرجه له البخاري أن قرنه بغيره، قال: حدثنا خليفة، وذلك في ثلاثة أحاديث، وإن أفرده علّق ذلك، فقال: قال خليفة، قاله أبو الوليد الباجي، ومع ذلك فليس فيها شيء من أفراده، والله أعلم".

وقال في «تهذيب التهذيب»: "لم يُحدِّث عنه البخاري إلا مقروناً، وإذا حدَّث عنه لمفرده علّق أحاديثه".

قلت: قول البخاري في «الصحيح»: "قال لي خليفة" يُعدّ من التعليق، ولا شك أنه سماع للبخاري من شيخه خليفة، ولكن البخاري يلجأ إلى هذا النوع من التعليق لأنه يرى أن في خليفة شيئا! وإلا لما احتاج إلى تعليق حديثه أو قرنه بغيره، ولم يُكثر عنه أيضاً.

ومن هنا فقد أخطأ من نسب إلى البخاري بأنه يوثقه!!

وخليفة من علماء التاريخ والأنساب، ولا يُستغنى عنه، لكنه يهم في حديثه المرفوع، فيُحذر منه.

ولا يوجد فيه توثيق مطلق، بل كلام أئمة النقد على أنه ليس بالقوي.

وقد ذكره ابن حبان في «الثقات» (8/233)، وقال: "كانَ متقنا عَالما بأيام النَّاس وأنسابهم".

وقال السمعاني: "كان فاضلا عارفا بأيام الناس، وقد اختلف في ثقته".

وقال الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (11/473): "لَيَّنَهُ بَعْضُهُم بِلاَ حُجَّةٍ".

وقال في «الميزان» (1/665): "غمزه ابن المديني بعض الغمز، فقال: لو لم يُحدّث لكان خيرًا له".

وقال ابن حجر في «التقريب» (ص195): "صدوق ربما أخطأ، وكان أخباريا علامة".

قلت: وهذا قول مُحرر من الحافظ ابن حجر فيه، ولا يُلتفت إلى تسويد ما ادّعاه بشار عواد وشعيب الأرنؤوط في تحريرهما!!

·       الرد على صاحبي «التحرير»! وبيان أوهامهما!!

تعقّب الحافظ ابن حجر في قوله عن خليفة صاخبا «تحرير تقريب التهذيب» (1/365)، فقالا: "• هو عندنا: صدوقٌ حسنُ الحديثِ، كما قال البخاري: "مقارب الحديث"، ومع أن أبا حاتم قال: غير قوي، وضَرَبَ أبو زُرْعة على حديثه وضعَّفه يحيى بن معين، لكن ابن عبدي خبرَ حديثه، وقال: "له حديث كثير، وتاريخ حسن، وكتاب في طبقات الرجال، وهو مستقيم الحديث، صدوقٌ من متيقِّظي رواة الحديث. وذكره ابنُ حبان في"الثقات"، وقال: كان متقنًا عالمًا بأيام الناس وأنسابهم. وقال أبو داود ومسلمة بن قاسم الأندلسي: لا بأسَ به. وقال الذهبي: وثَّقه بعضهم. وليَّنه بعضُهم بلا حجة، وقال في موضع آخر: ثقة، وقال في موضع ثالث: صدوقٌ، وهو كما قال".

قلت:

أولاً: قول الحافظ ابن حجر: "صدوق ربما أخطأ" لا تعني الضعف المطلق! وإنما هو صدوق في أصله، لكنه ربما تقع له الأخطاء، فما الفرق بين هذا القول وقول صاحبي التحرير: "صدوق حسن الحديث"؟!!!

فصدوق حسن الحديث حديثه لا يقبل مُطلقا، ولم يصل إلى مرتبة الثقة المطلقة، لكنهما ينقلان المصطلحات دون فهم أو وعي!!

ثانياً: البخاري لم يقل فيه "مقارب الحديث"!! وسيأتي الكلام على هذا لاحقاً وبيان أنهما ينقلان دون وعي! إن كانا هما فعلاً اشتغلا على هذا الكتاب!!!

ثالثاً: القول بأن ابن عدي خَبر حديثه فيه نظر!!! هو ردّ على الحكاية التي نُقلت عن ابن المديني فيه، وحسّن حديثه، ووصف تاريخه بأنه حسن، وأن له كتابا في الطبقات، وله حديث كثير، وهو كذلك ولا يُنازع فيه.

فإن كان يرى أنه ثقة مطلقا فهذا مردود، ولو أنه خبر حديثه كما زعم صاحبا التحرير لعرف ما فيه من نكارة وأوهام! ويكفي أن شيخ شيوخه البخاري لم يحتج به!!

رابعاً: ذكر ابن حبان له في ثقاته، لا يعني توثيقه مطلقا، فهو إن لم يورده في ثقاته، فأين يورده؟ في المجروحين!!! كلا.

فمكانه في الثقات لأنه صدوق، لكن ليس كل من أورده ابن حبان في ثقاته ثقة مطلقاً.

·       نقل كلام أبي داود الذي قاله في خليفة بن خياط الجدّ، ووضعها في خليفة الحفيد!

خامساً: ما نقلاه عن أبي داود من سؤالات الآجري أنه قال فيه: "لا بأس به" وهم شديد يدلّ على عدم وعيهما فيما ينقلانه!!!

فهذا الذي قاله أبو داود في جدّ صاحبنا شباب لا فيه!!

قال الآجري في «سؤالاته» (1026): وَسَأَلْتُ أَبَا دَاوُدَ، عن خَلِيفَةَ بْنِ خَيَّاطٍ؟ فَقَالَ: "خَلِيفَةَ بْنُ خَيَّاطٍ، لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ. هو جدّ شباب العصفري".

فها هو ينصّ على أنه جدّ شباب العصفري، فأنظر كيف ينقلان دون وعي!!

ولو كان أبو داود قال هذا في شباب لنقله الحافظ مغلطاي في ترجمته من «الإكمال» لأنه يستوعب أقوال أهل العلم في الراوي، وهو من نقل عن مسلمة الأندلسي أنه قال فيه في كتاب «الصلة»: "لا بأس به" [إكمال تهذيب الكمال: 4/215].

ومنه نقل صاحبا التحرير.

على أن قول مسلمة "لا بأس به" لا تعني التوثيق المطلق، بل تعني أنه "صدوق".

سادساً: هما ينقلان من كتاب مغلطاي «الإكمال» وفيه: "وفي كتاب «الجرح والتعديل» عن الدارقطني وسئل عنه: ما أعرفه".ولم ينقلا كلام الدارقطني هذا!!

مع أن ما نقله مغلطاي عن الدارقطني أنه قاله في صاحبنا هذا ليس بصحيح!

·       تفسير كلام الدارقطني في خليفة! ووهم لمغلطاي!!

قال الحاكم في «سؤالاته للدارقطني» (311): "قلت: فخليفة بن خياط؟ قالَ: مَا أعرفهُ. وَإِنَّمَا أَرَادَ ابن خياط، فقالَ: قد جرحوه".

قلت:

الذي قال عنه الدارقطني أنه لا يعرفه هو: "خليفة بن خياط أبو هبيرة" جدّ شباب العصفري.

ثم بيّن الحاكم أن السؤال عن ابن خياط أي شباب العصفري، فقال: "قد جرّحوه"، وهذا قول الدارقطني في شباب، ويستحيل ألَّا يعرف الدارقطني شباب العصفري فيجهله!! وهو يعرف أنهم قد جرحوه فقال ذلك.

ولا أدري كيف خفي ذلك على مغلطاي!!

فالدارقطني قال عن خليفة بن خياط الجد: "لا أعرفه" أي مجهول.

وأما الحفيد شباب فقال عنه: "قد جرحوه"، وهو يعرفه حقّ المعرفة، ويستحيل أن يجهله!!

قال الدارقطني في «المؤتلف والمختلف» (3/1391): "وأمَّا شَبَاب، فهو خليفة بن خياط بن خليفة بن خياط البَصْـريّ، صاحب التاريخ والطبقات، كان عالما بالأنساب، يَرْوي عن معتمر بن سُلَيْمان ومُعَاذ بن هشام وغيرهما، رَوَى عَنْه البُخَاريّ ومُحمَّد بن غالب تَمْتام وغيرهما".

سابعاً: نقلهما تضعيف ابن معين له أخذاه من «سؤالات ابن الجُنيد لابن معين» وهو ما أشار له أحدهما - وهو بشار عواد – أثناء تحقيقه لتهذيب الكمال، ومنه ينقلان الكثير من الاستدراكات على الحافظ ابن حجر!! وسيأتي الكلام على ما سوّده بشار هناك!!

قَال ابن الجنيد في «سؤالاته» (71): سمعت يحيى بن معين يقول: "ابن أَبي سمينة البَصْـرِيّ، وشباب، وعُبَيد الله بن معاذ العنبري، ليسوا أصحاب حديث، ليسوا بشيءٍ".

قلت: ابن أبي سمينة هو: محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة البصري (ت 230هـ)، وثقه صالح جزرة وأبو حاتم الرازي، وخرّج له البخاري حديثاً واحداً.

وشباب: هو خليفة بن خياط (ت 240هـ) صاحبنا هنا.

وعبيدالله بن معاذ العنبري البصـري (ت 237هـ)، وثقه أبو حاتم، وروى له البخاري.

فهؤلاء الثلاثة من طبقة واحدة، ومن بلد واحد، ضعفهم ابن معين جداً!! لكن في إطلاقه نظر!! فثلاثتهم من أهل الصدق، لهم بعض الأوهام والأخطاء.

·       الانتقائية في نقل أحكام الذهبي!!

ثامناً: "قولهما: وقال الذهبي: وثَّقه بعضهم. وليَّنه بعضُهم بلا حجة، وقال في موضع آخر: ثقة، وقال في موضع ثالث: صدوقٌ"!! فيه انتقائية وعدم تحرير!!

فالموضع الأول من كتابه «سير أعلام النبلاء» (11/473)، وقال عنه: "وَكَانَ صَدُوْقاً، نَسَّابَةً، عَالِماً بِالسِّيَرِ وَالأَيَّامِ وَالرِّجَالِ".

والموضع الثاني من «ديوان الضعفاء» (ص: 121) (1285): "خليفة بن خياط العصفري شباب: ثقة، غمزه علي بن المديني".

والموضع الثالث من «الكاشف» (1/375): "صدوق".

وهناك كتب أخرى للذهبي ذكره فيها!

فقال في «المغني في الضعفاء» (1/213) (1953): "[خ] خَليفَة بن خياط: حَافظ مُصَنف صَدُوق، تُكلم فِيهِ".

وقال في «ميزان الاعتدال» (1/665): "غمزه ابن المديني بعض الغمز، فقال: لو لم يُحدّث لكان خيرًا له". ونقل بقية الأقوال فيه.

فالأصل أن يُنقل كلام الناقد من كل كتبه، ثم محاولة تحديد رأيه من خلال أقواله المختلفة.

والذي يظهر لي أن الذهبي يرى أنه صدوق، لكن لا يرقى إلى مرتبة الثقة المطلقة، والله أعلم.

·       بيان أوهام (بشار عواد) في كلامه على ترجمة خليفة بن خياط من «تهذيب الكمال»!!

علّق بشار عواد على ترجمة «خليفة بن خياط» أثناء تحقيقه لكتاب المزي «تهذيب الكمال» (8/318) الهامش رقم: (4) فقال: "... وقال البُخارِيُّ: "مقارب الحديث" (سؤالات التِّرْمِذِيّ للبخاري: الروقة: 76) وَقَال الآجُرِّيّ، عَن أبي داود: ليس به بأس" (السؤالات: 4 / الورقة 5)... ولكن قال الحافظ ابن حجر في كلام ابن المديني: إن الحسن بن يحيى روى عن ابن المديني نحو ذلك (مقدمة الفتح: 399) وَقَال "وجميع ما أخرجه له البخاري أن قرنه بغير قال: حَدَّثَنَا خليفة وذلك في ثلاثة أحاديث وإن أفرده علق ذلك، فقال: قال خليفة، قاله أبو الوليد الباجي، ومع ذلك فليس فيها شيء من أفراده" (مقدمة الفتح ورجال البخاري للباجي) وتعقبه الدكتور العُمَري، ووهمه فذكر موضعا انفرد فيه ولكن قال فيه: قال لي خليفة" (9/196) وأشار العُمَري أن البخاري يستعمل هذه الصيغة في الاحاديث التي يكون في إسنادها عنده نظر (مقدمة التاريخ:9) فلا يصح القول إن البخاري وثقه مطلقا، وقد نقلنا قبل قليل قوله فيه: "مقارب الحديث" وهو الصواب إن شاء الله" انتهى كلامه.

قلت:

أولاً: ما نقله عن البخاري وهم شديد! وليس بصحيح!

·       تحريفٌ شنيعٌ في مطبوع علل الترمذي!

قال الترمذي في «العلل»: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ خَلِيفَةَ بنِ خَيَّاطٍ الَّذِي رَوَى عَنْ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ؟ فقَالَ: "هُوَ مُقَارِبُ الحَدِيثِ، وهُوَ [حَدِيثُ] شَبَابَ العُصْفُرِيِّ".

فهذا ما نقله الترمذي عن البخاري في الذي روى عن عمرو بن شعيب!! وشباب خليفة بن خياط لم يدرك عمرو بن شعيب (ت 118هـ)!! وكلامه هذا في خليفة بن خياط جدّ شباب.

وكأن التحريف الذي في النص "وهو حديث شباب العصفري" هو الذي غرّ كثير من طلبة العلم إذ نص هنا على أن هذا حديث شباب العصفري!!

لكن لو دقق القارئ في النص لعرف أنه خطأ!! فالسؤال عن راو يروي عن عمرو بن شعيب لا عن حديث!!

والصواب: "وهو جدّ شباب العصفري"، فتحرفت "جد" إلى "حديث"!! ولهذا أخطأ محقق «علل الترمذي» أيضاً فترجم لشباب العصفري!!

قال البخاري في «التاريخ الكبير» (3/191): "خليفة بْن خياط البصري العصفري، سمع عمرو بن شعيب، جد شباب. سَمِعَ منه: وكيع، وعَمْرو بْن منصور. وقال مُسْلِم: حدثنا خليفة أَبُو هبيرة الليثي".

فهذا البخاري ينص على أن الذي روى عن عمرو بن شعيب هو جد شباب.

·       نقل بشار عواد كلام البخاري في خليفة الجدّ، ووضعه في خليفة الحفيد!!

والعجب من "بشار عواد" أنه استدرك بعد كلامه على خليفة بن خياط، فقال في الحاشية: "ومما يستدرك للتمييز: خليفة بن خياط، أبو هبيرة، جد المترجم. رَوَى عَن: حميد الطويل، وعَمْرو بن شعيب، وعَمْرو بن منصور...". وهذا الاستدراك مذكور أصلا في تقريب التهذيب وكان الواجب على بشار أن يبين ذلك لا أن يوهم بأنه هو من اكشتفه وبيّنه!

فهذا هو من يروي عن عمرو بن شعيب الجد وليس حفيده، وهو نفسه نقل ذلك في استدراكه!

ولأنه وهم في ذلك وهماً شديداً زاد الوهم بتقريره في آخر كلامه: "وقد نقلنا قبل قليل قوله - أي البخاري - فيه: "مقارب الحديث"!!

ثانياً: ما نقله عن الآجري عن أبي داود أنه قال فيه: "ليس به بأس"! وهم شديد كذلك! وقد بينت في ردي عليه وعلى شعيب الأرنؤوط أن أبا داود قال ذلك في الجدّ أيضاً.

·       عدم فهم بشار لكلام أكرم العمري! والنقل عنه بخلاف ما قال!!!

ثالثاً: ما نقله عن الدكتور العمري أنه وهّم الباجي، وأن البخاري يستعمل صيغة "قال لي" في الأحاديث التي يكون في إسنادها عنده نظر!! نقل مخالف تماماً لما قاله العمري!! فلا أدري كيف يقرأ بشار ويفهم الكلام!!!

ذكر د. أكرم العمري في مقدمة تحقيقه لتاريخ خليفة (ص9) المواضع التي أخرج فيها البخاري لخليفة وكيف أخرج له متابعة وشاهدا، وانفرادا في ثلاثة مواضع، ثم ذكر له رواية معلقة، ثم قال:

"وهذه الرواية دليل على توثيق البخاري لشيخه خليفة بن خياط وإن لم يعتبره في الطبقة الأولى من شيوخه، حيث أن لهذا الحديث متابع ذكره البخاري بعده مباشرة. وقد عبّر البخاري عن طريقة التلقي بلفظ: (قال لي خليفة)، وهي عنده مثل التصـريح بالسماع" انتهى كلامه.

فأين توهيم العمري للباجي في كلامه؟!!

وأين كونه استخدم صيغة "قال لي" في الأحاديث التي في إسنادها عنده نظر!! بل كلامه عكس ذلك وأن البخاري عنده هذه الصيغة مثل التصـريح بالسماع!! ورأى أن ما قاله البخاري فيه دليل على أنه يوثقه!!!

فالله المستعان.

·       الرد على كلام سهيل زكّار حول كلامه عن خليفة بن خياط!!

قال د. سهيل زكّار أثناء تحقيقه لكتاب «الطبقات» لخليفة (ص: 9): "كان خليفة ثقة لدى معظم أئمة الحديث، غير أن ابن أبي حاتم وعلي بن المديني غمزاه بعض الغمز... وابن أبي حاتم وأبوه من المتشددين في الجرح، وليس فيما حكياه ما يدل دلالة قاطعة على ضعف خليفة، ذلك أن أبا الوليد الطيالسي أنكر الأحاديث في البداية - وقد يكون سبب ذلك أنه وجد في رجال الأحاديث من ينكر أمره - ثم سكت وسكن غضبه عندما علم أن الرواية عند خليفة. وهذا يعني أن خليفة كان صادقًا في روايته".

قلت: ما لسهيل زكّار وللحديث!! كصاحبه بشار عواد!!

هؤلاء لا شأن لهم بالحديث ألبتة!! هم لهم جهود في التاريخ وتحقيق الكتب، لكن الحديث وكلام الأئمة النقاد فهذه ليست صنعتهم!!

فأبو حاتم وابنه ليسا من المتشددين في الجرح، وابن أبي حاتم نقل قول أبيه، ووافقه عليه رفيقه أبو زرعة كما نقلنا عنه.

والغمز ليس من ابن أبي حاتم، بل تضعيف أبيه له.

وابن المديني كلامه فيه واضح في تضعيفه، فأي دلالة قاطعة يريد الدكتور لتضعيفه!!

وما فهمه من قصة أبي الوليد ضرب من الخيال!! فالرجل لا يفقه الحديث فكيف يُفسّر أقوال الأئمة النقاد!!

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.

وكتب: خالد الحايك

9 جمادى الآخرة 1439 هـ

 

دُورُ الحديث
تحقيق التراث
فوائد حديثية
المناهج والنقد
مصطلح الحديث
علوم الرّجال
علل الأحاديث
فقه الحديث
المغازي والسّير
المدارس الحديثية
أسئلة وأجوبة
السرقات العلمية
متفرقات
علوم أخرى
 
   
   الاسم
  البريد الإلكتروني
البلد
  التعليق*:

 
     
 
 
 
 
     
       
         
 
الصوتيات والمرئيات  |   الكتب  |   البحوث   |   المخطوطات   |    المجلة   |    الأرشيف
جميع الحقوق محفوظة لدار الحديث الضيائية