الصفحة الرئيسية         الكتب           البحوث           المخطوطات          المجلة            راسلنا          الضيائية
 
 
 

«نفحات القُدس» في نقد مرويات فرح المسلمين لانتصار الروم على الفُرس.



الحمد لله الذي ناصر عباده المؤمنين في كلّ زمان وحين، والصلاة والسلام على نبيه الأمين، إمام المجاهدين، وعلى آله وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

فقد انتشر القول بجواز الفرح إذا ظهر بعض الكفّار على غيرهم من جنسهم لما جاء في قوله سبحانه: {غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}...

وهذه الآيات تُبيّن الحرب التي كانت بين أقوى دولتين على الأرض في ذلك الزمان: الفرس والروم.

ونجد في كتب التفسير إلى أن فرح المسلمين بانتصار الروم على الفرس؛ - وكلاهما من الكفار – لأن الفرس يعبدون النار، والروم أهل كتاب ينتسبون إلى التوراة والإنجيل وهم أقرب إلى المسلمين من الفرس فكان المؤمنون يحبون غلبتهم وظهورهم على الفرس، وكان المشركون في الجاهلية يُحبّون ظهور الفرس على الروم.

ولما ظهر الفرس على الروم فغلبوهم فرح بذلك مشركو مكة وحزن المسلمون، فأخبرهم الله ووعدهم أن الروم ستغلب الفرس.

واعتمدوا في ذلك على بعض الروايات، وسنعرض لها ونتكلم عليها بإذن الله عزّ وجلّ.

والعجيب كيف يفرح المسلمون لانتصار كفّار على كفّار؟! والتعليل بأن الفرس كانوا يعبدون النار، والروم من أهل الكتاب تعليل عليل!! بل إنّ المسلم يفرح لقتل الكفار بعضهم بعضا.

وكيف يريد المشركون انتصار الفرس على الروم وعلاقة قريش وتجارتهم كانت مع الروم؟!! وبلاد الفرس بعيدة عنهم!!

وهل كان لمشركي العرب تلك العناية بما يحدث بين الفرس والروم من حروب حتى يغيضوا بعض الأفراد ممن أسلم حينها في مكة!! حيث لم يكن للمسلمين قوة ولا عدد كبير!!! ولم تكن لهم العناية بأن هؤلاء أهل كتاب وهؤلاء يعبدون النار!!

وكيف يُضاف نصر كفار على مثلهم لله!! {بنصر الله}.

والأعجب من هذا أن بعض أهل العلم نسبوا الحزن للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حين غُلبت الروم، فنزل إليه القول الحق بنبأ النصر القادم في بِضْع سنين؛ تسليةً له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم كما يقول الشعراوي في مواضع من تفسيره!!!

والذي أراه أن الآيات تتحدث عن أمر غيبي، أخبر به الله نبيه صلى الله عليه وسلم وحصل كما قال في بضع سنين...

وكنت منذ سنوات أستنكر هذه القصة الواردة في ذلك! وجمعت فيها أشياء، فنشطت إلى تحقيقها بفضل الله عزّ وجلّ.

وأُنبه إلى أمر وهو أن تمني المسلم زوال الشر أو تقليله فذاك أمر فطري لا يتنازع فيه العقلاء، لكن لا بدّ من تعليم الناس الولاء والبراء لئلا يذوبوا في محبة الكفر وأهله!

ولا بدّ من بيان صحيح الحديث من سقيمه، ولا تلازم بين صحة المدلول وصحة هذا الدليل بعينه..

وباسمه سبحانه نبدأ، وعليه نتوكل، ونسأله سبحانه أن يفتح علينا...

·       حديث نِيَارِ بنِ مُكْرَمٍ الأَسلميّ:

روى عَبْدُالرَّحْمَنِ بنُ أَبِي الزِّنَاد، عن أبيه، عَنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ نيَار بنِ مُكرَم الْأَسْلَمِيِّ قالَ: لَمَّا نَزَلَتْ، {الم. غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ}، فَكَانَتْ فَارِسُ يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَاهِرِينَ لِلرُّومِ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ ظُهُورَ الرُّومِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ وَإِيَّاهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ، وَفِي ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُحِبُّ ظُهُورَ فَارِسَ؛ لِأَنَّهُمْ وَإِيَّاهُمْ لَيْسُوا بِأَهْلِ كِتَابٍ ولا إِيمَانٍ بِبَعْثٍ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ يَصِيحُ فِي نَوَاحِي مَكَّةَ: {الم. غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ}، قال نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ لِأَبِي بَكْرٍ: فَذَاكَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ. زَعَمَ صَاحِبُكَ أَنَّ الرُّومَ سَتَغْلِبُ فَارِسَ فِي بِضْعِ سِنِينَ، أَفَلَا نُرَاهِنُكَ عَلَى ذَلِكَ؟ قالَ: بَلَى - وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّهَانِ - فَارْتَهَنَ أَبُو بَكْرٍ وَالمُشْرِكُونَ، وتواضَعُوا الرِّهَانَ، وَقَالُوا لِأَبِي بَكْرٍ: كَمْ تَجْعَلُ البِضْعَ: ثَلَاثَ سِنِينَ إِلَى تِسْعِ سِنِينَ، فَسمِّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ وَسَطًا نَنْتَهِي إِلَيْهِ. قَالَ: فَسَمَّوْا بَيْنَهُمْ سِتَّ سِنِينَ. قَالَ: فَمَضَتْ سِتُّ السِّنِينَ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرُوا، فَأَخَذَ المُشْرِكُونَ رَهْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا دَخَلَتِ السَّنَةُ السَّابِعَةُ ظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ، فَعَابَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْمِيَةَ سِتِّ سِنِينَ، قالَ: لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: {فِي بِضْعِ سِنِينَ}. قَالَ: فَأَسْلَمَ عِنْدَ ذَلِكَ نَاسٌ كَثِيرٌ.

أخرجه الترمذي في «جامعه»، كتاب التفسير، (5/197) (3194) عن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البخاريّ، عن إِسْمَاعِيل بن أَبِي أُوَيْسٍ المدنيّ، عن ابن أَبِي الزِّنَادِ، به.

وهو عند البخاري في «التاريخ الكبير» (8/139) في ترجمة «نيار».

وأخرجه عَبْدُاللَّهِ بنُ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ في كتاب «السنة» (2/526) (1210) عن مُحَمَّد بن سُلَيْمَانَ بنِ حَبِيبٍ الْأَسَدِيّ الكوفي المِصيصيّ لُوَيْن، قال: حدثنا عَبْدُالرَّحْمَنِ بنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ نِيَارِ بنِ مُكْرَمٍ - وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ -، قَالَ: "لَمَّا نَزَلَتْ {الم غُلِبَتِ الرُّومُ} خَرَجَ بِهَا أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى المُشْرِكِينَ، فَقَالُوا: هَذَا كَلَامُ صَاحِبِهِ، قالَ: اللَّهُ أَنْزَلَ هَذَا".

وأخرجه الواحدي في «التفسير الوسيط» (3/428) (718) من طريق عَبْداللَّهِ بن مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِالعَزِيزِ البَغَوِيّ.

وابن قانع في «معجم الصحابة» (3/172) عن يَحْيَى بن مُحَمَّدِ بنِ صَاعِدٍ.

كلاهما عن لُوَيْن، به.

وقال ابن قانع: "وذَكَرَ حَدِيثَ الرِّهَانِ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَالمُشْرِكِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".

قلت: يعني رواه بمثل حديث إسماعيل بن أبي أويس السابق، إلا أنه ليس في حديث إسماعيل: "هَذَا كَلَامُ صَاحِبِهِ، قالَ: اللَّهُ أَنْزَلَ هَذَا".

وقد تُوبع لوين عليه، تابعه سُرَيْحُ بنُ النُّعْمَانِ البغدادي صَاحِبُ اللُّؤْلُؤِ.

أخرجه عَبْدُاللَّهِ بنُ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ في كتاب «السنة» (1/143) (116) عن أبي مَعْمَرٍ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن مَعْمَر الهُذَلِيّ القَطِيعِيّ.

وأخرجه أبو نُعيم في «معرفة الصحابة» (5/2704) من طريق مُحَمَّد بن العَبَّاسِ المُؤَدِّبُ.

وأخرجه ابن خزيمة في كتاب «التوحيد» (ص: 404) عن مُحَمَّد بن يَحْيَى الذُّهْلِيّ.

وأخرجه ابن بطّة في «الإبانة الكبرى» (5/271) (41) عن القَاضِي المَحَامِلِيّ، وأَبي طَلْحَةَ الفَزَارِيّ، كلاهما عن مُحَمَّد بن يَحْيَى.

كلهم عَنْ سُرَيْجِ بنِ النُّعْمَانِ البغدادي، قال: حَدَّثَنِي عَبْدُالرَّحْمَنِ بنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ نِيَارِ بنِ مُكْرَمٍ: «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَاطَرَ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ عَلَى أَنَّ الرُّومَ تَغْلِبُ فَارِسَ فَغَلَبَتِ الرُّومُ فَنَزَلَتْ {ألم. غُلِبَتِ الرُّومُ} فَأَتَى قُرَيْشًا فَقَرَأَهَا عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: كَلَامُكَ هَذَا أَمْ كَلَامُ صَاحِبِكَ؟ قالَ: لَيْسَ بِكَلَامِي ولا كَلَامِ صَاحِبِي وَلَكِنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».

وأخرجه البيهقي في «الأسماء والصفات» (1/585) (510) من طريق أَحْمَد بن عُبَيْدٍ الصَّفَّار، عن عَبْداللَّهِ بنِ أَحْمَد بنِ حَنْبَلٍ، به.

وفي رواية مُحَمَّد بن يَحْيَى الذُّهْلِيّ: "قالَ: فَقَالَ رُؤَسَاءُ مُشْرِكِي مَكَّةَ: يَا ابنَ أَبِي قُحَافَةَ، هَذَا مِمَّا أَتَى بِهِ صَاحِبُكَ؟ قالَ: لا، وَلَكِنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ وَقَوْلُهُ. فَقَالُوا: فَهَذَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ إِنْ ظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ فِي بِضْعِ سِنِينَ، فَتَعَالَ نُنَاحِبْكَ، - يُرِيدُونَ: نُرَاهِنْكَ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ فِي الرِّهَانِ مَا نَزَلَ - قَالَ: فَرَاهَنُوا أَبَا بَكْرٍ، وَوَضَعُوا رَهَائِنَهُمْ عَلَى يَدَيْ فُلَانٍ، قَالَ: ثُمَّ بَكروا، فَقَالُوا: يَا أَبَا بَكْرٍ: البِضْعُ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى التِّسْعِ، فَاقْطَعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ شَيْئًا نَنْتَهِي إِلَيْهِ".

وقال أبو نُعيم في روايته أنه ذكَر قِصَّةَ المُنَاحَبَةِ.

فهذا الحديث تفرد به عبدالرحمن بن أبي الزناد عن أبيه!

ورواه عنه ثلاثة: إسماعيل بن أبي أويس المدني، ولوين المصيصيّ، وسُريج بن النعمان البغدادي.

·       حكم أهل العلم على الحديث:

قال النرمذي: "هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ نِيَارِ بْنِ مُكْرَمٍ، لا نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ أَبِي الزِّنَادِ".

قال ابن تيمية في «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح» بعد أن نقل كلام الترمذي: "يَعْنِي غَرِيبًا مِنْ هَذَا الوَجْهِ! وَإِلَّا فَهُوَ مَشْهُورٌ مُتَوَاتِرٌ عَنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ والمَغَازِي والحَدِيثِ والفِقْهِ، والقِصَّةُ مُتَوَاتِرَةٌ عِنْدَ النَّاسِ".

وقال الدارقطني في «الغرائب والأفراد» - كما في الأطراف (1/77)-: "غَرِيب من حَدِيث عُرْوَة عَن نيار عَنهُ – أي عن أبي بكر الصديق-، تفرد بِهِ أَبُو الزِّنَاد عبدالله بن ذكوان عَنهُ، ولم يروه عَنهُ غير ابنه عبدالرَّحْمَن".

وقال البيهقي في «الأسماء والصفات» (1/585): وهذا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ".

وقال ابن حجر في «الإصابة في تمييز الصحابة» (6/382): "رجال السند ثقات".

وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة» (7/366): "إسناده حسن".

وقال عبدالله بن يوسف الجديع في «العقيدة السلفية فى كلام رب البرية» (ص: 90): "أثر صحيح، وله حكم الرفع".

ثم خرّجه، وقال: "وإسناده جيد".

·       ترجمة نِيار بن مُكرم، وهل ثبتت صحبته؟!

·       من جزم بصحبته:

اختلف في صحبة نِيار، وجزم بصحبته: الترمذي، وأبو حاتم الرازي، وابن حبان، والدارقطني، وابن عبدالبر، والمزي، وابن حجر، وغيرهم.

ومن قال بصحبته اعتمد على ما جاء في الرواية: "وكانت له صحبة"!

قال ابن أبي خيثمة في «التاريخ الكبير» (1/577): "ونِيَار بنُ مُكْرِم:

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن سُلَيْمَان، قَالَ: حَدَّثَنا ابنُ أَبِي الزِّنَاد، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُرْوَةَ -يَعْنِي: ابن الزُّبَيْر-، عَنْ نِيَار بنِ مُكْرِم وكَانَتْ لَهُ صُحْبَة".

وقال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (8/507): "نيار بن مكرم الاسلمي: مديني له صحبة، وهو أحد الأربعة الذين دفنوا عثمان رضي الله عنه. روى عنه: عروة بن الزبير، وابنه عبدالله بن نيار. سمعت أبي يقول ذلك".

وقال ابن حبان في «الثقات» (3/422): "نيار بن مكرم الْأَسْلَمِيّ: لَهُ صُحْبَة، حَدِيثه عِنْد أهل المَدِينَة".

وقال الدارقطني في «الغرائب والأفراد» - كما في الأطراف (1/77)-: "وَكَانَ لنيار صُحْبَة".

وقال ابن عبدالبر في «الاستيعاب» (4/1514): "نيار بن مُكْرَمٍ الأسلمي: له صحبة ورواية. هُوَ أحَدُ الَّذِينَ دفنوا عُثْمَان بْن عفان، وهم: حكيم بْن حزام، وجبير بن مطعم، وأبو جهم ابن حذيفة، ونيار بن مكرم. وقالَ مالك بن أَنَس: إن جَدّه مالك بن أبي عامر كَانَ خامسهم. روى نيار بْن مكرم عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تفسير قول الله عز وجل: {ألم غُلِبَتِ الرُّومُ} إِلَى قوله: {يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ} الحديث بطوله. روى عَنْهُ عروة بن الزُّبَيْر، وابنه عَبْداللَّهِ بْن نيار، والله أعلم".

وقال العلائي في «جامع التحصيل» (ص: 292): "نيار بن مكرم الأسلمي: ذكره الصغاني أيضاً فيمن اختلف في صحبته، وجزم الترمذي وغيره بها، وأخرج له الترمذي حديثاً في مراهنة أبي بكر رضي الله عنه للمشركين، وهو صحابي معروف، ذكرته للتنبيه عليه".

وقال ابن حجر في «تقريب التهذيب» (ص: 567): "صحابي عاش إلى أول خلافة معاوية".

·       من جزم بأنه تابعي:

وذكره ابن سعد في الطّبقة الأولى من التّابعين من «الطبقات» (5/5)، وقال: "وقد سَمِعَ نيار من أبي بَكْر الصِّدِّيق. وكان ثقة قليل الحديث".

وذكره خليفة بن خياط في «الطبقات» (ص: 416) في الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة، وقال: "هو أحد الذين دفنوا عثمان بن عفان".

وذكره ابن حبان في التابعين من كتابه «الثقات» (5/482) قال: نيار بن مكرم الْأَسْلَمِيّ أحد الْأَرْبَعَة الَّذين حَضَرُوا دفن عُثْمَان، يروي عَن عُثْمَان. روى عَنهُ أهل المَدِينَة".

·       تعقب مغلطاي للمزي! والميل إلى القول بأنه تابعي.

قال مغلطاي في «إكمال تهذيب الكمال» (12/102) بعد أن نقل قول المزي: - "نيار بن مكرم الأسلمي، له صحبة. أحد الأربعة الذين دفنوا عثمان، وهم: جبير بن مطعم، وحويطب بن عبد العزى، وعبدالله بن الزبير، ونيار بن مكرم" -:

"كذا ذكره المزي، وفيه نظر في موضعين:

الأول: الذين دفنوه رضي الله عنه كانوا خمسة، فيهم أبو جهم ابن حذيفة، وقال مالك بن أنس الإمام: إن جده مالك بن أبي عامر كان منهم أيضاً. وقال أبو القاسم البغوي: سكن المدينة.

الثاني: زعم خليفة أنه تابعي، فذكره في الطبقة الأولى من أهل المدينة. وكذا ذكره أيضاً ابن سعد، وقال: قد سمع من أبي بكر، وكان ثقة، قليل الحديث.

وذكره ابن حبان في كتاب «الثقات»، وقال: روى عن عثمان بعد أن ذكره في الصحابة، وقال: له صحبة".

قلت: أما تعقبه للمزي بأن من دفن عثمان كانوا خمسة! فالذي قاله المزي قاله من قبله: أبو حاتم الرازي، وابن عبدالبر.

وذكره لذكر ابن سعد وخليفة له في التابعين يرد على المزي في جزمه بصحبته، وكأنه يميل إلى أنه تابعي إذ لو لم يكن كذلك عنده لما استدركه عليه، ولأشار إلى ذلك وتعقّب قولهما، والله أعلم.

والذي أميل إليه أنه تابعي وليس بصحابيّ. وترجمة البخاري له تشير إلى ذلك.

·       ترجمة البخاري لنِيار بن مُكرم:

قال البخاري في «التاريخ الكبير» (8/128): "نيار بن مكرم الأسلمي عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعثمان. روى عَنْهُ: عروة بن الزبير وابنه عَبْداللَّه. قَالَهُ ابنُ أَبِي أُوَيْسٍ عَنِ ابنِ أَبِي الزِّنَادِ عن أبيه".

ثم ذكر بعد عدة تراجم (8/139): "نيار بن مكرم الأسلمي: أخبرنا إسماعيل ابن أَبِي أُوَيْسٍ قالَ: أخبرنا ابن أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عروة بن الزبير، عَنْ نِيَارِ بنِ مُكْرَمٍ: قالَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ {ألم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ}، وكَانَت فَارِسُ يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَاهِرِينَ الرُّومَ، وَكَانَ المُسْلِمونَ يُحِبُّونَ ظُهُورَ الرُّومِ لأَنَّهُمْ وإياهم أهل الكتاب وفي ذلك أنزل الله عزوجل {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يشاء وهو العزيز الحكيم}، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُحِبُّ ظُهُورَ فَارِسَ لأَنَّهُمْ وَإِيَّاهُمْ لَيْسُوا أَهْلَ كِتَابٍ وَلا إِيمَانٍ فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ يَصِيحُ فِي نَوَاحِي مَكَّةَ {ألم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ في بضع سنين}، فقَالَ ناس من قريش لأَبِي بكر فَذَلِكَ بينا وَبَيْنَكُمْ زَعَمَ صَاحِبُكُمْ أَنَّ الرُّومَ سَتَغْلِبُ فَارِسًا فِي بِضْعِ سِنِينَ أَفَلا نُرَاهِنُكَ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ بَلَى! قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّهَانِ، فَارْتَهَنَ أَبُو بَكْرٍ وَالْمُشْرِكُونَ وَتَوَاضَعُوا الرِّهَانَ وَقَالُوا لأَبِي بَكْرٍ كيف تجعل البضع؟ فان البِضْعُ ثَلاثُ سِنِينَ إِلَى تِسْعِ سِنِينَ فَسَمِّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ وَسَطًا نَنَتْهَيِ إِلَيْهِ فَسَمَّوْا سِتَّ سِنِينَ فَمَضَتِ السِّتُّ سِنِينَ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ الرُّومَ عَلَى فَارِسَ وَأَخَذَ الْمُشْرِكُونَ رَهْنَ أَبِي بَكْرٍ فَلَمَّا دَخَلَتِ السَّنَةُ السَّابِعَةُ ظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ فَعَابَ المُشْرِكُونَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ سِتَّ سِنِينَ لأَنَّ اللَّهَ قَالَ فِي بِضْعِ سنين وأسلم عند ذلك ناس كثير".

قلت: لم يثبت البخاري صحبته، وذكر في الترجمة الأولى أنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الثانية ساق حديث أبي بكر فقط!

·       إنكار ابن سعد وخليفة لصحبة نِيار! وذكر ابن حبان له في الصحابة والتابعين!!

قال ابن حجر في «الإصابة» (6/382): " نيار بن مكرم الأسلميّ:

قال البخاريّ: روى عن النبيّ صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم وعن عثمان: وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: له صحبة، وكذا قال ابن حبّان: له صحبة، ثم أعاده في التّابعين.

وقد أخرج التّرمذيّ في صحيحه، وابن خزيمة حديثه في مراهنة أبي بكر الصّديق مع قريش في غلبة الروم، ووقع في سياقه عند ابن قانع بسنده إلى عروة عن نيار بن مكرم: وكانت له صحبة، ورجال السند ثقات. وله حديث آخر. وقال أبو عمر: هو أحد الأربعة الذين دفنوا عثمان، وذكره ابن سعد في الطّبقة الأولى من التّابعين، وأنكر أن يكون له صحبة، وقال: سمع من أبي بكر الصديق".

وقال في «تهذيب التهذيب» (10/493): "أنكر ابن سعد أن يكون سمع من النبي صلى الله عليه وسلم فذكره في الطبقة الأولى من أهل المدينة، وقال: سمع من أبي بكر وكان ثقة قليل الحديث. وذكره ابن حبان في الصحابة، وفي ثقات التابعين أيضاً، وهذه عادته فيمن اختلف في صحبته".

قلت: لم تثبت صحبته، والصواب أنه تابعي.

·       هل شارك نِيار بن مُكرم في دفن عثمان رضي الله عنه؟! وهل صح حديث عبدالله بن نيار عن أبيه؟!

وما ذكروه بأنه أحد من دفن عثمان جاء ذلك في إسنادين مُنكرين!! وكذا الرواية التي أشار إليها من ترجم له أن ابنه روى له حديثاً آخر!

قال ابن سعد في «الطبقات» (3/51): "ذِكْرُ مَنْ دَفَنَ عُثْمَانَ. ومتى دفن. ومن حمله. ومن صلى عليه. وعلى أي شيء حمل. ومن نزل فِي قبره. ومن تبعه. وأين دفن".

قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ نِيَارٍ الأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قالَ: "لمَّا حَجَّ مُعَاوِيَةُ نَظَرَ إِلَى بُيُوتِ أَسْلَمَ شَوَارِعَ فِي السُّوقِ فَقَالَ: أَظْلِمُوا عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ أَظْلَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قُبُورَهُمْ قَتَلَةَ عُثْمَانَ.

قالَ نِيَارُ بنُ مُكْرَمٍ: فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ إِنَّ بَيْتِي يُظْلِمُ عَلَيَّ وَأَنَا رَابِعِ أَرْبَعَةٍ حَمَلَنَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ وَقَبَرْنَاهُ وَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ. فَعَرَفَهُ مُعَاوِيَةُ فَقَالَ: اقْطَعُوا البِنَاءَ لا تَبْنُوا عَلَى وَجْهِ دَارِهِ.

قَالَ ثُمَّ دَعَانِي خَالِيًا فَقَالَ: مَتَى حَمَلْتُمُوهُ وَمَتَى قَبَرْتُمُوهُ وَمَنْ صَلَّى عليه؟ قلت: حَمَلْنَاهُ رَحِمَهُ اللَّهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشَاءِ. فَكُنْتُ أَنَا وَجُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ وَحَكِيمُ بنُ حِزَامٍ وَأَبُو جَهْمِ بنُ حُذَيْفَةَ الْعَدَوِيُّ. وَتَقَدَّمَ جُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ فَصَلَّى عَلَيْهِ. فَصَدَّقَهُ مُعَاوِيَةُ. وَكَانُوا هُمُ الَّذِينَ نَزَلُوا فِي حُفْرَتِهِ".

قلت: محمد بن عمر هو الواقدي، وهو ضعيف متّهم! وموسى بن محمد بن إبراهيم التيميّ منكر الحديث.

قال ابن سعد: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُالرَّحْمَنِ بنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بن يُوسُفَ قالَ: "خَرَجَتْ نَائِلَةُ بِنْتُ الفُرَافِصَةِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَقَدْ شَقَّتْ جَيْبِهَا قُبُلا وَدُبُرًا وَمَعَهَا سِرَاجٌ وَهِيَ تَصِيحُ: وَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَاهُ! قَالَ فَقَالَ لَهَا جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ: أَطْفِئِي السَّرَّاجَ لا يُفْطَنُ بِنَا فَقَدْ رَأَيْتُ الغُواةَ الَّذِينَ عَلَى الْبَابِ. قَالَ فَأَطْفَأَتِ السَّرَّاجَ وَانْتَهَوا إِلَى الْبَقِيعِ فَصَلَّى عَلَيْهِ جُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ وَخَلْفَهُ حَكِيمُ بنُ حِزَامٍ وَأَبُو جَهْمِ بنُ حُذَيْفَةَ ونيار بن مُكْرَمٍ الأَسْلَمِيُّ وَنَائِلَةُ بِنْتُ الْفُرَافِصَةِ وَأُمُّ الْبَنِينَ بِنْتُ عُيَيْنَةَ امْرَأَتَاهُ. وَنَزَلَ فِي حُفْرَتِهِ نِيَارُ بنُ مُكْرَمٍ وَأَبُو جَهْمِ بنُ حُذَيْفَةَ وَجُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ. وكَانَ حَكِيمُ بنُ حِزَامٍ وَأُمُّ البَنِينَ وَنَائِلَةُ يُدَلُّونَهُ عَلَى الرِّجَالِ حَتَّى لَحَدُوا لَهُ وَبُنِيَ عَلَيْهِ وَغَبُّوا قَبْرَهُ وَتَفَرَّقُوا".

قلت: محمد بن عمر هو الواقدي، وهو ضعيف، وعبدالرحمن بن أبي الزناد ضعيف أيضاً.

والقصة مرسلة يرويها محمد بن يوسف الكندي ابن أخت نمر (ت141هـ)، وهو ثقة.

·       هل شهد نِيار بن مُكرم القادسية؟

وجاء في خبر أن نيار بن مُكرم شهد القادسية، وكانت سنة (15 هـ).

روى ابن سعد في «الطبقات» [متمم الصحابة - الطبقة الرابعة] (ص: 754) عن مُحَمَّد بن عُمَر الواقدي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ مُوسَى بنِ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي حَبِيبَةَ مَوْلَى الزُّبَيْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا نِيَارُ بنُ مُكْرَمٍ الْأَسْلَمِيُّ قال: "شَهِدْتُ القَادِسِيَّةَ، فَرَأَيْنَا يَوْمًا اشْتَدَّ فِيهِ القِتَالُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الفُرْسِ، وَرَأَيْتُ رَجُلًا يَفْعَلُ بِالعَدُوِّ يَوْمَئِذٍ الْأَفَاعِيلَ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا، جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا؟ قِيلَ: عَمْرُو بنُ مَعْدِي كَرِبَ".

قلت: الواقدي وأَبُو بَكْرِ ابنِ أَبِي سَبْرَةَ المَدَنِيُّ الفَقِيهُ متروكان. فلا ندري هل شهد القادسية أم لا! وكان عمرو بن معدي شهد القادسية وكان بطلاً من أبطالها رضي الله عنه.

والخلاصة أنّ نِيار بن مُكرم تابعيّ، ولا يصح حديثه، ويُحتمل أنه شارك في دفن عثمان – رضي الله عنه -، وهذا لا علاقة له بصحة روايته من عدمها!

·       علل حديث نِيار بن مُكرم في نزول {ألم. غلبت الروم} وقصة مراهنة أبي بكر لقريش!!

وعليه فحديث نيار بن مُكرم في نزول قوله تعالى {الم. غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ} معلول بعدة علل:

·       العلة الأولى: ضعف عبدالرحمن بن أبي الزناد المدني وتفرده به عن أبيه!!

وعبدالرحمن ضعيف، يُكتب حديثه للاعتبار ولا يُحتج بحديثه!! وتكلّم بعض أهل العلم في تفرده عن أبيه بأشياء!!

·       من ضعّف عبدالرحمن بن أبي الزناد:

وأكثر أهل النقد على تضعيفه وعدم الاحتجاج به.

قال عثمان بن سعيد الدارمي، ومعاوية بن صالح، عن ابن معين: "ضعيف".

وقال عباس الدوري عن يحيى: "ليس بشيء"، وقال مرة: "لا يُحتج به".

وقال أَحْمَد بن مُحَمَّد بن القاسم بن محرز: سمعت يَحْيَى بن معين، يَقُول: "ابن أبي الزناد ليس ممن يحتج به أصحاب الحديث، ليس بشيء".

وقال عبدالملك بن عبدالحميد الميموني: سألت أحمد بن حنبل، عن ابن أبي الزناد. فقال: "هو ضعيف الحديث".

وقال صالح بن أحمد بن محمد بن حنبل: قلت لأبي: عبدالرحمن بن أبي الزناد؟ قال: "مضطرب الحديث".

وقال أبو حاتم الرازي: "يُكتب حديثه، ولا يحتج به".

وقال النسائي: "ضعيف".

وقال ابن سعد: "قدم بغداد فِي حاجة له، فسمع منه البغداديون، وكان كثير الحديث، وكان يُضعف لروايته عَن أبيه".

وقال صَالِح بن مُحَمَّد البَغْدَادِيّ جَزرة: "روى عَن أبيه أشياء لم يروها غيره! وتكلّم فيه مَالِك بن أنس بسبب روايته عَن أبيه «كتاب السبعة» - يعني: الفقهاء-، وقال: أين كنا نحن عَنْ هذا؟".

وقال يحيى بن معين: سمعت عَلِيّ بن المَدِينِيِّ، وذُكِرَ ابنُ أَبِي الزِّنَادِ، فقالَ: "كانَ عَبْدُالرَّحْمَنِ يَتَعَجَّبُ مِنْهُ وَيَقُولُ: أَبِي عَنِ السَّبْعَةِ، أَبِي عَنِ السَّبْعَةِ". – يعني يروي عن أبيه عن الفقهاء السبعة!!

وقال مُحَمَّد بن عثمان بن أبي شيبة: سمعت عليًا - وهو ابن المديني-، وذكر له عبدالرحمن بن أبي الزناد، قالَ: "كان عند أصحابنا ضعيفًا".

وقال يعقوب بن شيبة: "فأما عبدالرحمن بن أبي الزناد ففي حديثه ضعف؛ سمعت علي ابن المديني، يَقُول: حديثه بالمدينة حديث مُقارب، وما حدث به بالعراق فهو مضطرب، قَالَ علي: وقد نظرت فيما روى عنه سليمان بن داود الهاشمي فرأيتها مقاربة".

وقال عبداللَّه بن علي بن المديني: سمعت أبي، يَقُول: "ما حدّث عبدالرحمن بن أبي الزناد بالمدينة فهو صحيح، وما حدث به ببغداد أفسده البغداديون. ورأيت عبدالرحمن – يعني: ابن مهدي- خطط على أحاديث عبدالرحمن بن أبي الزناد، وكان يَقُول في حديث عن مشيختهم ولقنه البغداديون عن فقهائهم، وعدهم: فلان وفلان وفلان".

قلت: ما نقله عبدالله بن علي عن أبيه ابن المديني أن ما حدث به بالمدينة فهو صحيح ليس على إطلاقه!! وقد تقدم ما نقله يعقوب بن شيبة عنه أنه قال: "حديثه بالمدينة حديث مقارب"، أي مقارب لغيره، وأما ما يتفرد به فلا يُحتج به، وخاصة أنهم تكلموا في تفرده عن أبيه!!

وقال أبو حفص عمرو بن علي الفلاّس: "عبدالرحمن بن أبي الزناد فيه ضعف، ما حدث بالمدينة أصح مما حدث ببغداد، كان عبدالرحمن، يَعْنِي ابنَ مهدي، يخط على حديثه".

وفي رواية: "كان عبدالرحمن لا يُحدّث عن عبدالرحمن بن أبي الزناد".

وقال زكريا بن يَحْيَى الساجي: "عبدالرحمن بن أبي الزناد فيه ضعف، ما حدث بالمدينة أصح مما حدث ببغداد".

وقال ابن حبان في «المجروحين» (2/56): "روى عَنهُ العِرَاقِيُّونَ وَأهل المَدِينَة. كَانَ مِمَّن ينْفَرد بالمقلوبات عَن الْأَثْبَات وَكَانَ ذَلِك من سوء حفظه وَكَثْرَة خطئه فَلَا يجوزالاحتجاج بِخَبَرِهِ إِذا انْفَرد، فَأَما فِيمَا وَافق الثِّقَات فَهُوَ صَادِق فِي الرِّوَايَات يحْتَج بِهِ".

وذكر له ابن عدي بعض المنكرات في ترجمته من «الكامل» (5/453) ثم قال: "وبعض ما يرويه لاَ يُتَابَعُ عَليه، وهو مِمَّنْ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ".

·       من وثّق عبدالرحمن بن أبي الزناد ومشّى حاله!

قال الترمذي والعجلي: "ثقة".

وصحح الترمذي عدة من أحاديثه.

وروى له في كتاب اللباس، "بَابُ مَا جَاءَ فِي الجُمَّةِ وَاتِّخَاذِ الشَّعَرِ" (3/285) (1755) حديثاً عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ لَهُ شَعْرٌ فَوْقَ الجُمَّةِ وَدُونَ الوَفْرَةِ».

قال الترمذي: "هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ هَذَا الحَرْفَ: «وَكَانَ لَهُ شَعْرٌ فَوْقَ الجُمَّةِ وَدُونَ الوَفْرَةِ»، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ عَبْدُالرَّحْمَنِ بنُ أَبِي الزِّنَادِ وَهُوَ ثِقَةٌ حَافِظٌ، كَانَ مَالِكُ بنُ أَنَسٍ يُوَثِّقُهُ وَيَأْمُرُ بِالكِتَابَةِ عَنْهُ".

·       هل كان مالك يوثقه ويأمر بالكتابه عنه؟! واتباع الذهبي للترمذي والرد عليه!

قلت: وقول الترمذي أن مالكاً كان يوثقه ويأمر بالكتابه عنه فيه نظر!!

وقد أخذ الذهبي كلام الترمذي هذا وقال في ترجمة عبدالرحمن من «الميزان» (2/576): "ووثقه مالك. قال سعيد بن أبي مريم: قال لي خالي موسى بن سلمة: قلت لمالك: دلني على رجل ثقة. قال: عليك بعبدالرحمن بن أبي الزناد".

قلت: كذا ذكر الذهبي هذه الرواية: "دلني على رجل ثقة"!! والرواية الصحيحة كما رواها الخطيب في «تاريخه» (11/494) من طريق مُحَمَّد بن يَحْيَى، قالَ: حَدَّثَنَا ابن أبي مريم، عن خاله موسى بن سلمة، قَالَ: قدمت المدينة فأتيت مالك بن أنس، فقلت له: إني قدمت لأسمع العلم، وأسمع ممن تأمرني به، فقَالَ: "عليك بابن أبي الزناد".

فليس في الرواية أنه قال: "دلني على رجل ثقة"! وقد يقول قائل: سؤاله لمالك أنه يريد أن يسمع العلم يعني يريد رجلاً ثقة!

قلت: هذا الأصل، لكن قد يكون فيه كلاماً لكن لا يُستغنى عن حديثه، وكان عبدالرحمن من أوعية العلم.

وإطلاق الترمذي أن مالكاً كان يأمر بالكتابة عنه فيه نظر!! فهو لم يأمر أحداً، وإنما هذا جاء في سؤال موسى بن سلمة: "وأسمع ممن تأمرني به"! فدلّه على ابن أبي الزناد.

فهو أشار إليه أن يسمع منه. وقد نقل الترمذي هذا عن الإمام البخاري.

قال في «العلل» (ص: 390): قال البخاري: "وعَبْدُالرَّحْمَنِ بنُ أَبِي الزِّنَادِ كَانَ مَالِكٌ يُشِيرُ بِهِ".

ولا يوجد تصريح بأن مالكاً وثقه، وقد سبق أنّ مالكاً تكلّم فيه بسبب روايته عَن أبيه «كتاب الفقهاء السبعة»، وقال: "أين كنا نحن عن هذا؟".

·       تحسين الذهبي لحديثه! ونقله أن جماعة من أهل العلم عدّلوه!!!

قال الذهبي في «الميزان» (2/576) بعد أن ذكر كلام أهل العلم فيه: "قلت: قد مشّاه جماعة وعدلوه، وكان من الحفاظ المكثرين، ولا سيما عن أبيه، وهشام بن عروة، حتى قال يحيى بن معين: هو أثبت الناس في هشام. وذكر محمد بن سعد أنه كان مُفتياً. وقد روى أرباب السنن الأربعة له، وهو إن شاء الله حسن الحال في الرواية. وقد صحح له الترمذي حديث نيار بن مكرم في مراهنة الصديق المشركين على غلبة الروم فارس".

وقال في «سير أعلام النبلاء» (8/170): "هُوَ حَسَنُ الحَدِيْثِ. وَبَعْضُهُم يَرَاهُ حُجَّةً".

قلت: قوله "عدلوه" يعني وثقوه، ولا يوجد من وثقه ومشاه إلا الترمذي والعجلي!! وقوله "جماعة" يوحي بأنهم جماعة كبيرة! وليس كذلك!!!

وأما نعته بأنه "كان من الحفاظ المكثرين لا سيما عن أبيه"! ففيه نظر!! نعم، هو من أوعية الرواية ومكثر منها، لكن روايته عن أبيه فيها كلام كما تقدّم!

وأما قول يحيى فيه: "أثبت الناس في هشام بن عروة عبدالرحمن بن أبي الزناد"! فهذه ربما قالها يحيى قبل أن يضعفه مطلقاً ويقول بأنه لا يحتج بحديثه!! سيما أن له بعض التفردات المنكرة عن هشام بن عروة!!

وأما ما نقله عن ابن سعد أنه قال فيه: "كان مفتيا"! فلم أقف عليه في كتاب ابن سعد! وإنما أخذه من كتاب شيخه المزي الذي نسبه لابن سعد!

قال المزي في «تهذيب الكمال» (17/101): "قال مُحَمَّد بن سعد: كان يفتي".

قلت: قيل كان فقيهاً، ولو صح ذلك لم يكن هذا توثيقاً له، فكم من مُفت وفقيه ضعيف الرواية بل منكر الحديث!!!

وأما رواية أصحاب السنن الأربعة له فلا يعني توثيقه! وإنما حديثه يُروى عندهم وعند غيرهم، والرواية له لا تعني التوثيق.

وخلاصة أمره أنه ضعيف يُكتب حديثه للاعتبار ولا يحتج بما انفرد به.

وتصحيح الترمذي لبعض ما انفرد به لا يُعتدّ به!! وهذا يؤكد تساهل الترمذي في تصحيح حديث بعض الضعفاء!!

·       قول ابن حجر في ابن أبي الزناد!

وقال ابن حجر في «التقريب» (ص: 340): "صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد، وكان فقيهاً".

قلت: حاول ابن حجر أن يجمع بين أقوال الأئمة النقاد كعادته، فقال هذا القول فيه! وحمل تغير حفظه لما قدم بغداد! وهذا فيه نظر! بل هو سيء الحفظ حتى في المدينة قبل أن يقدم لبغداد! وقد سبرت حديث العراقيين عنه وأغلبهم من الثقات فلم يتبيّن لي كيف أفسدوا حديثه!!!

وهذا الحديث رواه عنه ثلاثة: مدني – وهو إسماعيل بن أبي أويس-، وعراقيان – وهما: لوين، وسريج بن النعمان-، وفي رواية العراقيين عنه زيادة: «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَتَى قُرَيْشًا فَقَرَأَهَا عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: كَلَامُكَ هَذَا أَمْ كَلَامُ صَاحِبِكَ؟ قالَ: لَيْسَ بِكَلَامِي ولا كَلَامِ صَاحِبِي وَلَكِنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».

فعبدالرحمن حدّث بالحديث في المدينة وفي العراق، وتفرد به عن أبيه، ولم يُتابع عليه، ولا يُعرف عن أبيه إلا من طريقه!!

وقد قدّم أبو زرعة الرازي: المغيرة بن عبدالرحمن المدني وشعيب بن أبي حمزة الحمصي وورقاء بن عمر الكوفي وثلاثتهم من الثقات في الرواية عن أبي الزناد قدمهم على عبدالرحمن! فأين هؤلاء الثقات عن هذا الحديث!!

·       استدراك شعيب الأرنؤوط وبشار معروف على ابن حجر في التحرير! ومخالفة شعيب لذلك في تحقيقه للمسند!

نقل شعيب الأرنؤوط وبشار معروف قول ابن حجر في ابن أبي الزناد في «تحرير التقريب» (2/318) (3861) ثم قالا: "بل: ضعيف يُعتبر به في المتابعات والشواهد، ضعفه يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وعبدالرحمن بن مهدي، وعلي بن المديني، والفلاس، وابن سعد، وأبو زرعة الرازي، والنسائي، وابن عدي، وابن حبان، والساجي... ووثقه الترمذي والعجلي ومالك".

قلت: خالف شعيب الأرنؤوط هذا أثناء تحقيقه للمسند مع رفاقه، فحسّن كل حديث لعبدالرحمن بن أبي الزناد في «المسند»!! سواءً توبع عليه أم لم يتابع!!

وقالوا في كلامهم كما في (4/90): "إسناده حسن، عبدالرحمن بن أبي الزناد صدوق حسن الحديث"!!!

·       تعقّب قولهما في بعض ما نقلاه!

وأما قولهما بأن ابن سعد ضعفه فليس بدقيق!! وإنما قال: "وكان يُضعف لروايته عَن أبيه"! فكأن هذا التضعيف يخصّ ما يرويه عن أبيه!

ونقلهما تضعيفه عن أبي زرعة الرازي وهم!! وإنما الذي ضعفه هو: أبو حاتم الرازي.

والذي نقله ابن أبي حاتم عن أبي زرعة هو تقديم غيره في الرواية عن أبيه.

قال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (5/252): سألت أبا زرعة عن عبدالرحمن ابن أبي الزناد وورقاء والمغيرة بن عبدالرحمن وشعيب بن أبي حمزة، من أحبّ إليك ممن يروي عن أبي الزناد؟ قال: "كلهم أحبّ إليّ من عبدالرحمن بن أبي الزناد".

وأما توثيق مالك له فهو تقليد منهم!! وقد بيّنت أنه لا يوجد ما يدلّ صريحاً على توثيقه له.

·       العلة الثانية: الانقطاع: فعروة لم يسمع من نِيار بن مُكرم! ولا تُعرف له رواية عنه!

لا شك أن عروة أدرك جزءاً من حياة نِيار بن مكرم، وكلاهما مدني. ونِيار عاش إلى أول خلافة معاوية – بحسب قول ابن حجر- بعد مقتل عليّ وتنازل الحسن عن الخلافة له، يعني تقريباً سنة (41هـ). وعروة ولد - في أصح الأقوال كما قال مصعب بن عبدالله الزبيري - سنة (29هـ).

يعني كان عمر عروة تقريباً (12) سنة لما توفي نيار، وهذا ليس سنّ سماع الحديث، ولا نعرف له سماعاً من نيار، ولا يوجد له رواية عنه إلا في هذا الحديث الذي تفرد به عبدالرحمن بن أبي الزناد!!

·       العلة الثالثة: الإرسال: فنيار بن مُكرم لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يُعرف له سماع من أبي بكر!

هذا الحديث صورته صورة الإرسال لترجيحنا أن نيار بن مكرم تابعي وليس بصحابي! ولا نعرف ممن أخذه نيار إن صح الإسناد إليه!

ولو كان هذا الحديث عنده لرواه عنه ابنه عبدالله! ولو كان هذا الحديث عن أبي بكر لرواه عروة عن آل بيت جدّه أبي بكر لا أن يحتاج ليرويه عن نيار!

وربما كان هذا الحديث عند عبدالرحمن بن أبي الزناد بإسناد آخر فخلط فيه لسوء حفظه!

ومن المعروف أن عَبداللَّهِ بنِ نِيَارٍ يروي عَنْ عُرْوَةَ، فلعله اشتبه على ابن أبي الزناد فقلب الإسناد فجعله عن عروة عن نيار!! والله أعلم.

·       هل روى ابن جُريج هذا الحديث عن ابن أبي الزناد؟!

أخرج الطبراني في «المعجم الأوسط» (7/200) (7266) عن مُحَمَّد بن رَاشِدٍ، قال: أخبرنَا إِبرَاهِيمُ بنُ عَبْدِاللَّهِ بنِ خَالِدٍ المِصِّيصِيُّ، قال: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ نِيَارِ بنِ مُكْرَمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «البِضْعُ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى التِّسْعِ».

قال الطبراني: "لَمْ يَرْوِ هذا الحَدِيثَ عَنِ ابنِ جُرَيْجٍ إِلَّا حَجَّاجٌ"!

قلت: إبراهيم المصيصي هذا كذاب يسرق الحديث!

قال ابن حبان في «المجروحين» (1/116): "إِبْرَاهِيمُ بنُ عَبْدِاللَّهِ بنِ خَالِد المصِّيصِي يروي عَن حجاج بن مُحَمَّد ووكيع بن الجراح والحَارث بن عَطِيَّة، يُسَوِّي الحَدِيث ويسرقه، ويروي عَن الثِّقَات مَا لَيْسَ من أَحَادِيثهم".

وقال أبو نُعيم في «الضعفاء» (ص: 59): "إِبْرَاهِيم بن عبدالله بن خَالِد المصيصي: روى عَن وَكِيع وحجاج بن مُحَمَّد الموضوعات، حدث عَنهُ غير وَاحِد من الشاميين. سَاقِط".

وقال الحاكم: "أحاديثه موضوعة".

قلت: كأنه سرق هذا الحديث من إبراهيم المقسمي!

رواه أبو الشيخ في «طبقات المحدثين بأصبهان» (3/493) عن أَبي بَكْرِ بن رَاشِدٍ، عن إِبْرَاهِيم المِقْسَمِيّ، عن حَجَّاج، به.

وإبراهيم هو ابن الحسن بن الهيثم المصيصي لا بأس به.

قال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (2/93): "كتب عنه أبي بالمصيصة في الرحلة الثانية، سئل أبي عنه فقال: صدوق".

وقال النسائي في «تسمية شيوخه» (ص: 61): "لا بأس به، مصيصي".

·       حجاج الأعور لم يقرأ التفسير على ابن جريج! وإن صحت الرواية ففيها وهم!

قلت: تفرد إبراهيم بهذا الحديث عن حجاج بن محمد الأعور المصيصي!! فإن كان حفظه فهو مما لم يقرأه حجاج على ابن جُريج وإنما أملاه عليه لعدم وجود كتاب التفسير معه! وهذا الحديث من التفسير.

قال أَبُو بكر الأثرم: سمعت أبا عَبْداللَّهِ – يعني أحمد- ذكر حجاج بن مُحَمَّد، فقال: "كَانَ مرة يقول: حَدَّثَنَا ابن جُرَيْج، وإنما قرأ على ابن جُرَيْج ثم ترك ذلك، فَكَانَ يقول: قال ابن جُرَيْج، وكَانَ صحيح الأخذ".

قال أَبُو عَبْدِاللَّهِ: "الكتب كلها قرأها على ابن جُرَيْج إلا كتاب التفسير، فإنه سمعه إملاء من ابن جُرَيْج، ولم يكن مع ابن جُرَيْج كتاب التفسير فأملى عليه".

وإن صحت هذه الرواية عن ابن جريج ففيها وهم! وهو جعل «البِضْعُ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى التِّسْعِ» من كلام النبي صلى الله عليه وسلم!!!

وقد تقدّم في الروايات أن المشركين: "قَالُوا لِأَبِي بَكْرٍ: كَمْ تَجْعَلُ البِضْعَ: ثَلَاثَ سِنِينَ إِلَى تِسْعِ سِنِينَ"!

·       العلة الرابعة: نكارة المتن!

الحديث فيه نكارة واضحة تتمثل في مسألة رهان أبي بكر مع المشركين! واختلافهم في جعل "البضع"!! وكذلك ما جاء فيه أنه "أسلم عند ذلك ناس كثير"!!! فلا تحفظ لنا الكتب وخاصة كتب السيرة إسلام ناس كثير من مشركي قريش لمثل هذه الحادثة أو غيرها!!!

وكذلك ما جاء في الرواية من تحديد عدد السنين: "وقَالُوا لِأَبِي بَكْرٍ: كَمْ تَجْعَلُ البِضْعَ: ثَلَاثَ سِنِينَ إِلَى تِسْعِ سِنِينَ، فَسمِّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ وَسَطًا نَنْتَهِي إِلَيْهِ. قَالَ: فَسَمَّوْا بَيْنَهُمْ سِتَّ سِنِينَ. قَالَ: فَمَضَتْ سِتُّ السِّنِينَ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرُوا، فَأَخَذَ المُشْرِكُونَ رَهْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا دَخَلَتِ السَّنَةُ السَّابِعَةُ ظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ، فَعَابَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْمِيَةَ سِتِّ سِنِينَ"!

وفي الرواية الآتية: "فَجَعَلَ أَجَلًا خَمْسَ سِنِينَ، فَلَمْ يَظْهَرُوا، فَذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: "أَلَا جَعَلَتْهَا إِلَى دُون" أَرَاهُ قَالَ: العَشْرِ"!!

·       حديث ابن عبّاس:

روى أَبو إِسْحَاقَ إبراهيم بن محمد الفَزَارِيُّ، عن سُفْيَان الثوريّ، عَنْ حَبِيبِ بنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْر، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {الم. غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الأرْضِ} قَالَ: غُلبت وغَلَبت. قال: كَانَ المُشْرِكُونَ يُحِبُّونَ أَنْ تَظْهَرَ فَارِسُ عَلَى الرُّومِ؛ لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ أَوْثَانٍ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ أَنْ تَظْهَرَ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ، فذُكر ذَلِكَ لِأَبِي بَكْرٍ،، فَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَمَا إِنَّهُمْ سَيَغْلِبُونَ"، فَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ لَهُمْ، فَقَالُوا: اجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ أَجَلًا فَإِنْ ظَهَرْنَا كَانَ لَنَا كَذَا وَكَذَا، وَإِنْ ظَهَرْتُمْ كَانَ لَكُمْ كَذَا وَكَذَا. فَجَعَلَ أَجَلًا خَمْسَ سِنِينَ، فَلَمْ يَظْهَرُوا، فَذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: "أَلَا جَعَلَتْهَا إِلَى دُون" أَرَاهُ قَالَ: "العَشْرِ". قَالَ سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ: البِضْعُ مَا دُونَ العَشْرِ. ثُمَّ ظَهَرَتِ الرُّومُ بَعْدُ، قالَ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {الم. غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}.

وفي بعض الروايات: قال أَبُو إِسْحَاقَ: قال سُفْيَانُ: "سَمِعْتُ أَنَّهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ".

أخرجه أحمد في «المسند» (4/296) (2495)، (4/490) (2769).

وأخرجه الضياء المقدسي في «المختارة» (10/144) (144) بإسناده إلى «مسند أحمد».

وأخرجه البخاري في «خلق أفعال العباد» (ص46) عن عبدالله بن محمد المُسندي.

وأخرجه الترمذي في «الجامع» (5/253) (3193)، والنسائي في «السنن الكبرى» (10/212) (11325) جميعاً عن الحُسَيْن بن حُرَيْثٍ المروزيّ.

وأخرجه ابنُ أَبِي حَاتِمٍ في «تفسيره» عن مُحَمَّدِ بنِ إِسْحَاقَ الصَّاغَانِيِّ.

وأخرجه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (7/438) (2987) عن أَبي أُمَيَّةَ الطرسوسي.

وأخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (12/29) عن مُحَمَّد بن النَّضْرِ الأَزْدِيّ.

وأخرجه الضياء المقدسي في «المختارة» (10/146) (145) بإسناده إلى «معجم الطبراني».

وأخرجه الحاكم في «المستدرك» (2/445) (3540) من طريق الحُسَيْن بن الفَضْلِ البَجَلِيّ.

وعن الحاكم أخرجه البيهقي في «دلائل النبوة» (2/330).

كلهم (الإمام أحمد، وعبدالله المسندي، والحسين بن حريث، والصاغاني، وأبو أمية الطرسوسي، ومحمد بن النضر، والحسين البجلي) عن مُعَاوِيَةُ بن عَمْرِو بنِ المُهَلَّبِ الأَزْدِيّ البغداديّ.

وأخرجه البخاري في «خلق أفعال العباد» (ص46)، وابنُ جَرِيرٍ الطبري في «تفسيره» (18/447) من طريق مُحَمَّد بن أسعد أَبي سَعِيدٍ التَّغْلِبِيّ الطرسوسي.

وأخرجه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (7/438) (2988) من طريق المُسَيَّب بن وَاضِحٍ.

وأخرجه البيهقي في «دلائل النبوة» (2/331) من طريق أَبِي صَالِحٍ مَحْبُوبِ بنِ مُوسَى الفَرَّاءِ.

أربعتهم (معاوية بن عمرو، ومحمد بن أسعد، والمسيب بن واضح، ومحبوب بن موسى) عن أَبي إِسْحَاقَ الفَزَارِيّ، به.

·       حكم العلماء على الحديث:

قال الترمذي: "هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ حَبِيبِ بنِ أَبِي عَمْرَةَ".

وقال الضياء المقدسي: "روَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن حُسَيْن بن حَدِيث عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرٍو، وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحٌ، إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ عَنْ حَبِيبٍ".

وقال الحاكم: "هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ".

وصححه الألباني كما في تعليقه على حديث رقم (3354) من «سلسلة الأحاديث الضعيفة».

وقال شعيب الأرنؤوط وررفاقه: "إِسناده صحيح على شرط الشيخين".

قلت: بل هو حديث ضعيف معلول بعدة علل!! وهي:

·       علل الحديث:

العلة الأولى: الإرسال!

هذا الحديث تفرد بوصله أبو إسحاق الفزاري عن سفيان!! وغيره يرويه عن سفيان مرسلاً!

وسئل الدارقطني في «العلل» (1/214) (21) عن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ؛ كَانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ أَنْ يَظْهَرَ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ، لِأَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ ... الحَدِيثَ؟!

فقال: "يَرْوِيهِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ:

فَرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الفَزَارِيُّ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ حَبِيبِ بنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ.

وَتَابَعَهُ مُحَمَّدُ بنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ، عَنْ مِهْرَانَ بنِ أَبِي عُمَرَ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، فَوَصَلَهُ.

وغَيْرُهُمَا يَرْوِيهِ عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، مُرْسَلًا، لا يَذْكُرُ فِيهِ ابنَ عَبَّاسٍ.

والمُرْسَلُ أشبه بالصواب".

·       وهم أبي إسحاق الفزاري!

قلت: وهم أبو إسحاق الفزاري في وصله، والصواب أنه مرسل، ليس فيه "ابن عباس".

وأبو إسحاق ثقة حافظ إمام، وله بعض الأوهام.

ولم أجد من أشار إلى أوهامه في ترجمته إلا ابن سعد!

·       وصف ابن سعد للفزاري بأنه كثير الخطأ في حديثه! والرد عليه.

قال في «الطبقات الكبرى» (7/339): "وكان ثقة فاضلًا صاحب سنة وغزو، كثير الخطأ في حديثه".

قلت: نعم، هو يخطئ في حديثه لكن ليس بكثرة كما زعم ابن سعد! بل أوهامه قليلة، وهي في وصل مرسل أو رفع موقوف أو وهم في اسم، أو زيادة في إسناد، أو إبدال اسم الصحابي!

·       من أوهام أبي إسحاق الفزاري:

ومما وقفت عليه من أوهامه:

1- قال ابن أبي حاتم في  «العلل» (3/354): وسألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الفَزارِي، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعي، عَنْ نُعَيم بنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ سَمُرَة بن جُنْدُب؛ قالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً، فَلَهُ سَلَبُهُ»؟

قال أَبِي: "بَيْنَ نُعَيم وسَمُرَة: ابنُ سَمُرَة، عن سَمُرَة".

قلت: أسقط أبو إسحاق رجلاً من الإسناد "ابن سمرة"!

والحديث رواه هكذا عن أبي إسحاق الفزاري: عبدالرحمن بن يونس السراج [كما عند الروياني في «مسنده» (859)]، ومحمد بن عيسى الطباع [كما عند الطبراني في «المعجم الكبير» (7000)].

وخالفه أبو معاوية الضرير، فرواه عن أبي إسحاق، عن أبي مالك، عن نعيم، عن ابن سمرة، عن أبيه، به. [كما هو عند أحمد «المسند» (20144)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (33072)].

ورواه معاوية بن عمرو عنْ أَبِي إِسْحَاقَ الفزاري، عَنْ أَبِي مالك، عَنْ نُعَيْمِ بنِ أَبِي هِنْدٍ؛ قال: حدثني ابن سمرة بن جندب، عن سمرة، به. [كما عند البيهقي في «السنن الكبرى» (6/309)].

فيُحتمل أن أبا إسحاق كان يهم فيه فيسقط "ابن سمرة"، وكان يحفظه مرة فأثبته، والله أعلم.

وكأن أبا حاتم لم يقف على رواية معاوية بن عمرو؛ لأنه أطلق الوهم في رواية أبي إسحاق الفزاري.

2- قال ابن أبي حاتم في «العلل» (3/379): وسألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الفَزَاري، عَنِ ابنِ شَوْذَب؛ قَالَ: حدَّثني عَامِرُ بنُ عَبْدِالوَاحِدِ، عَنِ ابنِ أَبِي بُرْدَة؛ قال: قال عبدُالله بنُ عُمَرَ: «لَوْ كنتُ مُستَحِلاًّ مِنَ الغُلُول القَليلَ، لاسْتَحْلَلْتُ مِنْهُ الكثيرَ، وَمَا مِنْ عبدٍ يَغُلُّ غُلُولاً إِلا كُلِّفَ يومَ القِيَامَةِ أَنْ يَستَخْرِجَه مِنْ أسفلِ دَرْكِ جهنَّم»؟.

قالَ أَبِي: "إِنَّمَا هُوَ: عَنْ عَامِرِ بنِ عَبْدِالوَاحِدِ، عن ابن بُرَيْدة، عن عبدالله بنُ عَمْرٍو".

قال: وسألتُ أَبِي عَن حديثٍ رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الفَزاري، عَنِ ابْنِ شَوْذَب، عَنْ عَامِرِ بن عبدالواحد، عَنْ أَبِي بُرْدَة، عَنِ ابنِ عُمَرَ، قَالَ: «كَانَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أصابَ غَنيمةً، أَمَرَ بِلالا فَنَادَى فِي النَّاسِ، فيجيئونَ بغنائِمهم، فَيَخْمُسُه ويَقْسِمُه. فَجَاءَ رجلٌ بَعْدَ ذلك بزِمام ٍ مِنْ شَعْرٍ، فَقَالَ: يَا رسولَ اللَّهِ، هَذَا كَانَ فِيمَا أَصَبنا مِنَ الغَنيمة، قَالَ: فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَجِيءَ بِهِ؟، فاعتَذَر، قَالَ: كُنْ أَنْتَ الَّذي تَجِيءُ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ؛ فَلا أَقْبَلُهُ مِنْكَ»؟

قالَ أَبِي: "وهَذَا أَيْضًا هُوَ: عَنْ عَامِر بن عَبْدِالوَاحِدِ، عَنِ ابن بُرَيْدة، عن عبدالله بن عمرو، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم".

قلت: بحسب كلام أبي حاتم ففي هذه الحديثين تحرّف على أبي إسحاق الفزاري الإسناد! فجعله "عن أبي بردة عن ابن عمر"! والصواب: "عن ابن بريدة عن عبدالله بن عمرو".

والحديث الأول لم أقف عليه!

والحديث الثاني: خالفه عَبْدُاللهِ بن المُبَارَك وأيوب بن سويد.

رواه ابن المبارك عن عَبْداللهِ بن شَوْذَبٍ، عن عَامِر بن عَبْدِالوَاحِدِ، عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العَاصِ. [كما عند أحمد في «مسنده» (6996)، وأبي نُعيم في «الحلية» (6/133)].

وكذا رواه أَيُّوبُ بنُ سُوَيْدٍ. [كما عند الطبراني في «مسند الشاميين» (1280)، والحاكم في «المستدرك» (2617)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (17552)].

لكن هناك من رواه عن أبي إسحاق الفزاري مثل رواية ابن المبارك وابن سُويد! وكلام أبي حاتم يوحي بأن الرواية عن أبي إسحاق الفزاري كما ذكرها هو!!

رواه أبو صالح محبوب بن موسى [كما عند بي داود في «سننه» (2712)، والحاكم في «المستدرك» (2583)].

ومُحَمَّدُ بنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ سَهْمٍ الْأَنْطَاكِيُّ [كما عند الطبراني في «مسند الشاميين» (1280)، و«المعجم الأوسط» (8023)، و«المعجم الكبير» (14397)، وابن حبان في «صحيحه» (4809)].

كلاهما عن أبي إسحاق الفزاري، عن عَبْداللَّهِ بن شَوْذَبٍ، عن عَامِر بن عَبْدِالوَاحِدِ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ عَمْرِو بنِ العَاصِ.

وقال البيهقي بعد أن ساق رواية أيوب بن سويد: "وكذلك رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الفَزَارِيُّ عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ شَوْذَبٍ".

وقال أبو نُعيم بعد أن ساق رواية ابن المبارك: "رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الفَزَارِيُّ، وَأَيُّوبُ بنُ سُوَيْدٍ مِثْلَهُ عَنِ ابنِ شَوْذَبٍ".

فالظاهر أن هذا الحديث لم يخطئ فيه أبو إسحاق الفزاري! ويُحتمل أن يكون حصل تحريف في الحديث الذي سأله عنه ابنه! أو يكون هو وقف على إسناد فيه وهم، والله أعلم.

3- قال ابن أبي حاتم في  «العلل» (3/538): وسألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ المُسَيَّب بنُ وَاضِحٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الفَزاري، عَنْ خَالِدٍ الحذَّاء، عن أبي قِلابة، عن عبدالله بنِ يَزِيدَ، عَنْ عليِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ؛ قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِم ٍ يَمُوتُ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ المُسْلِمينَ يَكُونُوا مِئَةً يَشْفَعونَ لَهُ، إِلا شُفِّعُوا فِيهِ»؟

قال أبي: "إنما هو: عبدالله بن يزيد، عن عائِشَة".

وقد سئل الدارقطني في «العلل» (3/267) عن هذا الحديث؟ فقال: "يَرْوِيهِ أَبُو إِسْحَاقَ الفَزَارِيُّ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ يَزِيدَ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وخَالَفَهُ أَصْحَابُ خَالِدٍ الحَذَّاءٍ، رَوَوْهُ عَنْهُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ يَزِيدَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَهُوَ الصَّوَابُ".

قلت: جعله الفزاري من "مسند عليّ" فوهم! والصواب أنه من "مسند عائشة".

4- قال ابن أبي حاتم في «العلل» (4/406): وسألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الفَزاري، عَنْ سُفْيان، عن سُهَيل ابن أبي صالح، عن عبدالله بنِ يَزِيدَ؛ قَالَ: كنتُ جَالِسًا عِنْدَ سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ، فَقَالَ شيخٌ عِنْدَهُ: سمعتُ أَبَا ذرٍّ يقول: «نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ أَكلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَعَنْ كُلِّ نُهْبَةٍ، وكُلِّ خَطْفَةٍ، وكُلِّ مُجَثَّمَة». فَقَالَ سَعِيدٌ: صَدَقَ.

فَقَالَ أَبِي: "أَخْطَأَ فِيهِ؛ إِنَّمَا هُوَ: عَنْ أَبِي الدَّرداء، بدل: أبي ذر".

قلت: يعني أخطأ أبو إسحاق في جعله من "مسند أبي ذر"! وإنما يُروى عن أبي الدرداء.

وأبو إسحاق الفزاري يروي هذا الحديث عن سفيان الثوري، ولم أجده عن الثوري إلا ما رواه عبدالرزاق في «مصنفه» (8687) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ سُهَيْلِ بنِ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فَسَأَلَ ابْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَكْلِ الضَّبُعِ فَنَهَاهُ، فَقَالَ لَهُ: فَإِنَّ قَوْمَكَ يَأْكُلُونَهَا، - أَوْ نَحْوَ هَذَا - قَالَ: إِنَّ قَوْمِي لَا يَعْلَمُونَ - قَالَ سُفْيَانُ: وَهَذَا الْقَوْلُ أَحَبُّ إِلَيَّ -، فَقُلْتُ لِسُفْيَانَ: فَأَيْنَ مَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمَا؟ فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ «نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ؟» فَتَرْكُهَا أَحَبُّ إِلَيَّ.

والحديث رواه سفيان بن عيينة، عن سهيل، عن عبدالله بنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بنِ المسيب، عن أبي الدرداء.

رواه عن سفيان: ابن المبارك كما في «مسنده» (188)، وعبدالرزاق كما في «مصنفه» (8688)، والحميدي كما في «مسنده» (401).

5- قال ابن أبي حاتم في  «العلل» (5/340): وسألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ أَبُو إسحاقَ الفَزَارِيُّ، عَنْ أَبِي إسماعيلَ، عن عبدالله بن عبدالله؛ قالَ: «كَانَ يُقال: مَثَلُ الذَّاكِرين فِي الغَافِلِينَ كمَثَلِ الَّذِي يُقاتِلُ عَنِ الفارِّينَ»؟

قال أَبِي: "أَبُو إِسْمَاعِيلَ هُوَ حاتمُ بنُ إسماعيلَ، وهو: عن عَوْنِ بن عبدالله، وليس هو: عن عبدالله بن عبد الله، وحاتم لم يَلْقَ عونا".

قلت: وهم أبو إسحاق الفزاري في اسم عون فسماه "عبدالله"! وربما أراد تدليسه!! فقد دلّس اسم شيخه وكنّاه بأبي إسماعيل، ويُحتمل أنه أراد تدليس اسم عون فسماه "عبدالله" وهو كذلك عبدٌ لله! ولعل الذي حمله على ذلك هو عدم لقاء شيخه لعون، والله أعلم.

وهذا الأثر محفوظ من قول عون بن عبدالله.

رواه ابن أبي شيبة في «المضنف» (34950)، وأبو نُعيم في «الحلية» (4/241)، وابن عساكر في «تاريخه» (47/75) من طريق محمد بن عجلان.

ورواه وأبو نُعيم أيضاً في «الحلية» (4/241) من طريق النضر بن عربي، كلاهما عَنْ عَوْنِ بنِ عَبْدِاللهِ، قال: «ذَاكِرُ اللهِ فِي الغَافِلِينَ كَالمُقَاتِلِ عَنِ الفَارِينَ، والغَافِلُ فِي الذَّاكِرِينَ كَالفَارِّ عَنِ المُقَاتِلِينَ».

ويُروى مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يصح.

6- سئل الدارقطني في «العلل» (6/52) عَنْ حَدِيثِ مَالِكِ بنِ يُخَامِرَ، عَنْ معاذ بن جبل، عن النبي صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَأَلَ الشَّهَادَةَ مِنْ قَلْبِهِ، فَلَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ، وَمَنْ جُرِحَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ»؟.

فقال: "... ورَوَى هَذَا الحَدِيثَ سُلَيْمَانُ بنُ مُوسَى، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ:

فَرَوَاهُ ابنُ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ مُوسَى، عَنْ مَالِكِ بنِ يُخَامِرَ، عَنْ مُعَاذٍ.

قال ذَلِكَ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ، وَحَجَّاجُ بنُ مُحَمَّدٍ.

وَقَالَ الحَجَّاجُ فِي حَدِيثِهِ: عَنِ ابنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، قَالَ: حدثنا مالك بن يخامر.

وخَالَفَهُمَا أَبُو إِسْحَاقَ الفَزَارِيُّ.

رَوَاهُ عَنِ ابنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ مَالِكِ بنِ يُخَامِرَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُعَاذٍ.

تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ! فإن كَانَ حَفِظَ، فَقَدْ أَغْرَبَ بِهِ، لَا أَعْلَمُ حَدَّثَ بِهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ كَذَلِكَ غَيْرُ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ سَهْمٍ الْأَنْطَاكِيِّ".

قلت: زاد أبو إسحاق الفزاري في إسناده رجلاً! "عبدالله بن مالك"! وخالف في ذلك يَحْيَى بن سَعِيدٍ الْأُمَوِيّ، وحَجَّاج بن مُحَمَّدٍ! وروايتهما أصح من روايته.

7- سئل الدارقطني في «العلل» (6/91) عَنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بنِ أَنَسٍ الجَهْضَمِيِّ، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من ضَيَّقَ مَنْزِلًا أَوْ قَطَعَ طَرِيقًا، فَلَا جِهَادَ لَهُ»؟.

فقَالَ: "يَرْوِيهِ أُسَيْدُ بنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ الخَثْعَمِيُّ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ:

فَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ أُسَيْدِ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ، عَنْ فَرْوَةَ بنِ مُجَاهِدٍ، عَنْ سَهْلِ بنِ مُعَاذِ بنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم.

قَالَ ذَلِكَ بَقِيَّةُ بنُ الْوَلِيدِ، وَعُبَادَةُ بنُ جُوَيْرِيَةَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ.

وَتَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ بنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أُسَيْدٍ.

وَرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الفَزَارِيُّ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ أُسَيْدٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ جُهَيْنَةَ لَمْ يُسَمَّ، عَنْ رَجُلٍ آخَرَ لَمْ يُسَمَّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

لَمْ يَحْفَظِ الفَزَارِيُّ إِسْنَادَهُ، وَحَفِظَهُ بَقِيَّةُ".

8- سئل الدارقطني في «العلل» (10/135) عَنْ حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هريرة، قال رسول الله صلى الله عليه وَسَلَّمَ: الشَّهِيدُ لَوْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ دَخَلَ الجَنَّةَ؟.

فقال: "يَرْوِيهِ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النُّجُودِ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ:

فَرَفَعَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، عَنِ الثَّوْرِيِّ.

وَوَقَفَهُ عَبْدُاللَّهِ بنُ الوَلِيدِ العَدَنِيُّ وَغَيْرُهُ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، والمَوْقُوفُ أَحَبُّ إليّ".

فهذا الحديث رفعه الفزاري عن الثوري، وغيره يروونه موقوفاً، وهو أصح.

9- سئل الدارقطني في «العلل» (11/243) عَنْ حَدِيثِ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَّفَ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ فَقَدْ غَزَا»؟.

فقالَ: "يَرْوِيهِ أَبُو إِسْحَاقَ الفَزَارِيُّ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بِهِذَا الْإِسْنَادِ.

وَالصَّحِيحُ عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ بُسْرِ بنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْدِ بنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ".

حديث الفزاري رواه الحارث بن أبي أسامة في «مسنده» [كما في «بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث» (623) قال: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بنُ عَمْرٍو، قال: حدثنا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا».

وروى الطبراني في «المعجم الأوسط» (1/170) (532) من طريق رَوَّاد بن الجَرَّاحِ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا».

قال الطبراني: "لمْ يَرْوِ هَذَا الحَدِيثَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ إِلَّا رَوَّادٌ".

قلت: روّاد بن الجراح الشامي رجل صالح اختلط وروى المناكير التي لا يُتابع عليها! ولا تصلح روايته متابعة لرواية أبي إسحاق الفزاري؛ لأن الحديث لا يحفظ عن أبي هريرة! وإنما يحفظ عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن بُسر بن سعيد، عن زيد بن خالد الجهني.

10- سئل الدارقطني أيضاً في «العلل» (13/166) عن حديث عمرو بن دينار، عن ابن عُمَرَ؛ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ؟.

فقال: "يَرْوِيهِ الثَّوْرِيُّ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ:

فَرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الفَزَارِيُّ، عن الثوري، عن عمرو بن دينار.

وخالفه أبو نعيم، والفريابي، والهياج بن بسطام، فرووه، عن الثوري، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ دِينَارٍ، عَنِ ابنِ عمر، وهو الصواب".

قلت: وهم الفزاري في هذا الحديث في ذكر اسم الراوي! فجعله "عن عمرو بن دينار"! وإنما هو: "عبدالله بن دينار".

11- سئل الدارقطني أيضاً في «العلل» (13/401) عن حديث أبي صالح، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «إن لله عتقاء في كل يوم وليلة، وإن لكل مسلم في كل يوم دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ»؟.

فقالَ: "يَرْوِيهِ الأَعْمَشُ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ:

فرواه أَبُو إِسْحَاقَ الفَزَارِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ جَابِرٍ.

وخالفه قُطْبَةُ بنُ عَبْدِالعَزِيزِ، والرَّبِيعُ بنُ بَدْرٍ، ومحمد بن كناسة، رووه: عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هريرة، وهو الأشبه بالصواب".

قلت: وهم الفزاري في هذا الحديث في ذكر اسم الصحابي! فجعله من "مسند جابر"! والصواب أنه من "مسند أبي هريرة".

12- سئل الدارقطني أيضاً في «العلل» (15/422) عن حديث أم طارق، مولاة سعد بن عُبَادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أنه أتاهم، فسلم عليهم مرارا، فلم يردوا عليه، فرجع، فقال سعد: ائتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلميه أنا لم نرد عليه، ليزيدنا من السلام، قالت: فأنا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جاء شيء، فسلم على الباب أسمع صوته، ولا أراه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أنت؟ فقال: أنا أم ملدم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا مرحبا بك، ولا أهلا»؟.

فقال: "يَرْوِيهِ الأَعْمَشُ، واخْتُلِفَ عَنْهُ:

فَرَوَاهُ أَبُو إسحاق الفزاري، عن الأعمش، عن جعفر بن عبدالرحمن، عن أم طارق مولاة سعد.

وخالفه جرير: فرواه: عن الأعمش، عن جعفر بن يزيد، عن أم طارق.

وقول جرير أشبه بالصواب.

وقال يعلى بن عبيد: عن الأعمش، عن جعفر بن عبدالرحمن، عن أم طارق.".

قلت: مال الدارقطني إلى تصويب رواية جرير على رواية أبي إسحاق الفزاري! مع أنه ذكر في الأخير متابعة يعلى بن عُبيد الطنافسي لأبي إسحاق الفزاري!!

والحديث رواه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (6/218) (3450) عن المُسَيَّب بن وَاضِحٍ.

والطبراني في «المعجم الكبير» (25/144) (348) من طريق مُعَاوِيَة بن عَمْرٍو.

كلاهما عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الفَزَارِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ جَعْفَرِ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّ طَارِقٍ مَوْلَاةِ سَعْدٍ.

لكن رواه بَحشل في «تاريخ واسط» (ص100) في ترجمة «أبي الهذيل حصين بن عبدالرحمن السلمي»!

قال بحشل: حدثنا عَبْدُالعَزِيزِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ المَدِينِيُّ، قالَ: حدثنا المُسَيِّبُ بنُ وَاضِحٍ، قالَ: حدثنا أَبُو إِسْحَاقَ الفَزَارِيُّ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ حُصَيْنِ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ، عُنْ أُمِّ طَارِقٍ مَوْلاةِ سَعْدٍ.

قلت: قد تقدم أن ابن أبي عاصم رواه عن المسيب بن واضح وسماه: "جعفر بن عبدالرحمن"، وكأنه تحرّف على بحشل في إسناده!! فرسم "حصين" و"جعفر" قريب جداً.

وسيأتي في حديث عبدالواحد بن زياد أنه "جَعْفَر بن عبدالرحمن" شيخ واسطي.

وقد توبع الفزاري على هذه التسمية. تابعه: عبدالواحد بن زياد [كما سيأتي عند البخاري في التاريخ]، ويعلى بن عُبيد الطنافسي [كما عند ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (8/234)، وإسحاق بن راهويه في «المسند» (5/237) (2384)، وأحمد في «المسند» (45/95) (27127)].

وقد أشار البخاري إلى الاختلاف في اسم هذا الراوي، ويشبه أن يكون الاختلاف من الأعمش نفسه.

قال في «التاريخ الكبير» (2/196): "جَعْفَر بن عَبْدالرَّحْمَن أَبُو عَبْدالرَّحْمَن الْأَنْصَارِيّ.

قالَ لِي قَيْسٌ: حدثنا عَبْدُالوَاحِدِ قَالَ: حدثنا الأَعْمَشُ، قَالَ: حدثنا جَعْفَرُ بن عبدالرحمن أبو عبدالرحمن الأنصاري - شَيْخٌ لَقِيتُهُ بِوَاسِطَ -، قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ طَارِقٍ: أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى سَعْدَ بنَ عُبَادَةَ فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ - فَسَلَّمَ ثَلاثًا.

وقَالَ أَبُو إِسْحَاق الفزاري: عَنِ الأعمش، عَنْ جَعْفَر بن عَبْدالرَّحْمَن.

وقَالَ يعلى: عن الأعمش، عن جعفر بن عبدالرحمن، عن أم طارق.

وقال عثمان: حَدَّثَنَا جرير، عَنِ الأعمش، عَنْ حفص [!] بن يزيد، عَنْ أم طارق.

وعَنْ جَرِيرٍ: عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ جَعْفَرِ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ البَجْلِيِّ، عن حكيم بن سَعْدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ).

وقَالَ عَبْداللَّه بن عَبْدالقدوس، عَنِ الأعمش، عَنْ حكيم، عَنْ أم سلمة".

قلت: أراد البخاري أن يُبيّن الاختلاف على الأعمش، وأن الاختلاف منه هو لا ممن روى عنه. ولهذا جاء بالحديث الثاني عن أم سلمة لتأكيد اضطرابه في اسم شيخه.

وعليه فإن هذا الحديث ليس من أوهام أبي إسحاق الفزاري، والله أعلم.

13- روى أَبُو إِسْحَاقَ الفَزَارِيُّ، قال: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ زَاذَانٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةٌ سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ يُبَلِّغُونَنِي عَنْ أُمَّتِي السَّلَامَ».

قال الخليلي في «الإرشاد» (1/445): "هذا الحَدِيثُ مَشْهُورٌ بِالثَّوْرِيِّ، عَنِ ابنِ السَّائِبِ، وَلَمْ يَرْوِهِ عَنِ الْأَعْمَشِ إِلَّا أَبُو إِسْحَاقَ".

فهذا الحديث لا يُعرف عن الأعمش! ولم يروه عنه إلا الفزاري! وإنما يُحفظ عن الثوري وحده.

·       متابعة مهران بن أبي عمر الرازي لأبي إسحاق الفزاري في وصله!

وقد سبق أن أَبا إِسْحَاق الفَزَارِيّ رواه عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ حَبِيبِ بنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، متصلاً.

ومتابعة مهران بن أبي عمر لأبي إسحاق في وصله لا يُعتدّ بها! لأن مهران الرازي كان كثير الغلط في حديث الثوري، وهو ليس بالقوي في الحديث.

وكان مهران من أصحاب سفيان، وَكَانَ فِي أَوله مجوسياً، أسلم على يَدي الثَّوْريّ، وَله صنّف الثَّوْريّ الجَامِع الصَّغِير.

قال الحُسَيْن بن الحَسَن الرازي، عَنْ يَحْيَى بن مَعِين، قال: "كَانَ شيخاً مسلماً، كتبت عنه، وكان عنده غلط كثير فِي حديث سفيان".

وقَال البُخارِيُّ: "فِي حديثه اضطراب".

وقال ابن حبان في «الثقات» (7/523): "يُخطئ ويُغرب".

وكثير من حديث مهران إنما هو من رواية "مُحَمَّدُ بنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ"! ومحمد متكلّم فيه! وقد غمز ابن عدي به من جهة روايته عن مهران هذا! وكأنه يرى أن الغلط في حديث مهران إنما هو من جهة ابن حميد!

قال في «الكامل» (8/224) بعد أن أورد له بعض الأحاديث المنكرة في ترجمته: "وكل هَذِهِ الأحاديث عن مَهْرَان إلاَّ القليل يرويه عن مَهْرَان بن حميد، وابنُ حميد لَهُ شغل فِي نفسه مما رماه الناس ومهران على الأصول خير منه".

العلة الثانية: التفرد والنكارة!

هذا الحديث تفرد به حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جُبير!! ولم يروه عنه غيره!! وحبيب قليل الرواية له ما يقرب من خمسة عشر حديثاً كما قال ابن المدينيّ.

وله تفردات غريبة عن سعيد بن جبير في هذه البابة = بابة تفسير بعض الآيات!

قال البخاري في «التاريخ الكبير» (2/322): "حبيب بن أَبِي عُمَرة القَصَّابُ أَبُو عَبْداللَّه، يُعدّ فِي الكوفيين.

قال البخاري: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ سَعِيدٍ أَبُو سَعِيدٍ التَّغْلَبِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الفَزَارِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ بنِ سَعِيدٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عُمْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْر، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لأَبِي بَكْرٍ لَمَّا نَزَلَتْ {ألم غُلِبَتِ الرُّومِ}: ألا قُلْتَ: البِضْعَ دُونَ العَشْرَةِ.

كنّاه الحَسَن بن الربيع قَالَ: حدثنا الفَضل بن مهلهل. وقال ابن معين: هو مولى بني حِمّان" انتهى.

قلت: ذكر البخاري اسمه ومهنته وكنيته وأنه يعد في أهل الكوفة، وبيّن أن الذي كنّاه هو تلميذه: "فضل بن مهلهل"، وأن ابن معين قال بأنه مولى لبني حمان.

وذكر في ترجمته هذا الحديث فقط! ومن عادة البخاري أنه يورد في ترجمة الراوي حديثاً يستنكره عليه. وقد خرّج له حديثاً واحداً في «صحيحه» وعلّق له آخر – كما سيأتي بيانه إن شاء الله.

·       تنبيه على خطأ في مطبوع «التاريخ الكبير»!

جاء في مطبوع «التاريخ الكبير»: "كَنّاهُ الحَسَن بن الربيع، قال: حدَّثنا المُفَضَّل بن مهلهل"!! وهو خطأ! وإنما هو: "الفضل بن مهلهل"، وقد ترجم له البخاري في كتابه  (7/115): "الفضل بن مهلهل أخو المفضل: عَنْ حبيب بن أَبِي عَمْرَةَ، وكَانَ عابداً مَعْروف الحديث. روى عنه الحَسَن بن الربيع".

·       ترجمة حبيب بن أبي عمرة:

قال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: "حبيب ابن أبى عمرة كوفي ثقة".

وقال الدوري عن ابن معين: "ثقة".

وقال عبدالله بن أحمد عن أبيه: "حبيب بن أبي عمرة شيخ ثقة، كنيته أبو عبدالله، قصّاب".

وروى عنه جرير بن عبدالحميد وقال: "وكان ثقة، وكان من اللحامين".

وقال النسائي: "ثقة".

وقال ابن سعد: "وكان ثقة قليل الحديث".

وقال أبو حاتم الرازي: "حبيب بن أبي عمرة: صالح".

وذكره ابن حبان في «ثقاته» (6/177)، وخرج حديثه في «صحيحه».

وقال يعقوب بن سفيان الفسوي في «تاريخه»: "لا بأس به".

قلت: هو صدوق صالح، ويُعتبر بحديثه، ولا يُقبل إذا انفرد، وهو ليس من أصحاب سعيد بن جُبير الذين يُقبل حديثهم عنه دون متابعة.

نعم، رأى سعيد بن جبير، وروى عنه، لكنه ليس من الأثبات فيه، وينفرد عنه بغرائب!!!

·       كيف خرّج البخاري حديث حبيب بن أبي عمرة في «صحيحه»؟

ولم يخرّج له البخاري إلا حديثاً واحداً توبع عليه، وآخر تعليقا!

روى البخاري في «صحيحه»، كتاب الحج، بَاب فَضْلِ الحَجِّ المَبْرُورِ، (2/133) (1520) عن عَبْدالرَّحْمَنِ بن المُبَارَكِ.

وفي كتاب الجهاد، بَابُ فَضْلِ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ، (4/15) (2784) عن مُسَدَّد.

كلاهما عن خَالِد بن عبدالله الواسطي.

وفي كتاب الحج، بَاب حَجِّ النِّسَاءِ، (3/19) (1861) عن مُسَدَّد، عن عَبْدالوَاحِدِ بن زياد العبدي.

وفي كتاب الحج، بَاب جِهَادِ النِّسَاءِ، (4/32) (2876) عن قَبِيصَة بن عُقبة، عن سُفْيَان الثوري.

ثلاثتهم (خالد الواسطي، وعبدالواحد بن زياد، والثوري) عن حَبِيب بنُ أَبِي عَمْرَةَ، قَالَ: حَدَّثَتْنَا عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلاَ نَغْزُو وَنُجَاهِدُ مَعَكُمْ؟ فَقَالَ: «لَكِنَّ أَحْسَنَ الجِهَادِ وَأَجْمَلَهُ الحَجُّ، حَجٌّ مَبْرُورٌ». فَقَالَتْ عَائِشَةُ «فَلاَ أَدَعُ الحَجَّ بَعْدَ إِذْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».

وقد توبع حبيب عليه. تابعه معاوية بن إسحاق بن طلحة بن عُبيدالله ابن أخي عائشة بنت طلحة.

أخرجه البخاري في بَاب جِهَادِ النِّسَاءِ، قبل حديث حبيب (2875).

قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ، قال: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الجِهَادِ، فَقَالَ: «جِهَادُكُنَّ الحَجُّ».

·       الرواية التي علقها البخاري لحبيب بن أبي عمرة:

وأما حديثه الذي علّقه له البخاري:

قال البخاري في «صحيحه»، كِتَاب الدِّيَاتِ، باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} [النساء: 93]، (9/3) (6866): وقالَ حَبِيبُ بنُ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ ابنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمِقْدَادِ: «إِذَا كَانَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يُخْفِي إِيمَانَهُ مَعَ قَوْمٍ كُفَّارٍ، فَأَظْهَرَ إِيمَانَهُ فَقَتَلْتَهُ؟ فَكَذَلِكَ كُنْتَ أَنْتَ تُخْفِي إِيمَانَكَ بِمَكَّةَ مِنْ قَبْلُ».

هذا الحديث أخرجه البزار في «مسنده» (11/317) عن أَحْمَد بن عَلِيٍّ البَغْدَادِيّ.

وبحشل في «تاريخ واسط» (ص: 160) عن أَبي جَعْفَرٍ أَحْمَد بن يُوسُفَ بنِ سَحَامِيٍّ.

والدارقطني في «الغرائب والأفراد» [كما في «تاريخ ابن عساكر» (60/171) عن أبي عبدالله الحسين بن محمد بن سعيد البزاز، عن أبي بكر محمد بن عبدالملك بن زنجويه.

والطبراني في «المعجم الكبير» (12/30) (12379) عن أَحْمَد بن عَلِيِّ بنِ الجَارُودِ الْأَصْبَهَانِيّ، عن الحَكَم بن ظَبْيَانَ المَازِنِيّ.

ومن طريق الطبراني أخرجه ابن حجر في «تغليق التعليق» (5/241).

كلهم عن جَعْفَر بن سَلَمَةَ الخُزَاعِيّ الوَرَّاق، عن أَبي بَكْرِ بن عَلِيِّ بنِ عَطَاءِ بنِ مُقَّدَمٍ، قال: حدثَنَا حَبِيبُ بنُ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً فِيهَا المِقْدَادُ بنُ الأَسْوَدِ، فَلَمَّا أَتَوُا الْقَوْمَ وجدوهم قد تَفَرَّقُوا وَبَقِيَ رَجُلٌ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ لَمْ يَبْرَحْ، فَقَالَ: "أَشْهَدُ أَن لَا إِلَه إِلَّا الله"، فَأَهْوَى إِلَيْهِ المِقْدَادُ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: أَقَتَلْتَ رَجُلا قَالَ لَا إِلَهَ إِلا الله، وَالله ليذكره ذَلِك للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا: يارسول اللَّهِ، إِنَّ رَجُلا شَهِدَ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا الله فقلته المِقْدَادُ! فَقَالَ: "ادْعُوا لِي المِقْدَادَ"، فَقَالَ: "يَا مِقْدَادُ، قَتَلْتَ رَجُلا قَالَ لَا إِلَه إِلا اللَّهُ، فَكَيْفَ بِلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ"، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وَجل {يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤمنا} إِلَى قَوْله {عَلَيْكُم}، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمِقْدَادِ: "كَانَ رَجُلا مُؤْمِنًا يُخْفِي إِيمَانَهُ مَعَ قَوْمٍ كُفَّارٍ فَقَتَلْتَهُ وَكَذَلِكَ كُنْتَ أَنْتَ قَبْلُ تُخْفِي إِيمَانَكَ بِمَكَّةَ"».

قال البزار: "وهَذَا الحَدِيثُ لاَ نعلمُهُ يُرْوَى بِهَذَا اللَّفْظِ إلاَّ عَن ابنِ عَبَّاسٍ، ولاَ نَعْلَمُ لَهُ طَرِيقًا عَن ابنِ عَبَّاسٍ إلاَّ هَذَا الطَّرِيقَ".

وقالَ الدَّارَقُطْنِيّ في «الغرائب والأفراد» [كما في الأطراف] (3/162): "هذَا حَدِيث غَرِيب من حَدِيث سعيد بن جُبَير عَن ابن عَبَّاس، تفرد بِهِ حبيب بن أبي عمْرَة! وَتفرد بِهِ أَبُو بكر بن عَليّ بن مقدم، وَهُوَ أَخُو عمر بن عَليّ، وَأَبُو بكر هَذَا وَالِد مُحَمَّد، وهُوَ غَرِيب الحَدِيث".

وقال ابن حجر: "وأَبُو بكر المَذْكُور روى عَنهُ أَيْضاً: عبدالله بن المُبَارك وَغَيره، وَلم يذكرهُ أحد بِجرح، والراوي عَنهُ وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم وغَيره. وقد رُوِيَ الحَدِيث المَذْكُور عَن وَكِيع، عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، عَن حبيب بن أبي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، مُرْسلا، لم يذكر ابن عَبَّاس"، وَهِي مُتَابعَة جَيِّدَة روينَاهُ فِي «تَفْسِير أبي جَعْفَر»".

وقال في «فتح الباري» (12/191) معقباً على كلام الدارقطني بتفرد أبي بكر به!: "قُلْتُ: قَدْ تَابَعَ أَبَا بَكْرٍ سُفْيَان الثَّوْريّ، لكنه أرْسلهُ أخرجه بن أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيعٍ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ عَنِ الثَّوْرِيِّ كَذَلِكَ، وَلَفْظُ وَكِيعٍ بِسَنَدِهِ عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ: خَرَجَ المِقْدَادُ بنُ الْأَسْوَدِ فِي سَرِيَّةٍ فَذَكَرَ الحَدِيثَ مُخْتَصَرًا إِلَى قَوْلِهِ فَنَزَلَتْ، وَلَمْ يَذْكُرِ الخَبَرَ المُعَلَّقَ".

قلت: كيف تكون الرواية المرسلة متابعة جيدة لرواية موصولة غريبة!! بل هذه الرواية المرسلة تعلّ الرواية المتصلة.

والمحفوظ من حديث حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير مرسلاً كما رواه عنه الثوري، وليس فيه اللفظ الذي علّقه البخاري!

رواه الحارث بن أبي أسامة في «مسنده» [كما في «بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث» (3)] عن مُعَاوِيَة بن عَمْرٍو الأزدي، عن أَبي إِسْحَاقَ الفزاري.

ورواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (5/557) (28940) عن وكيع.

ورواه الطبري في «تفسيره» (7/360) عن ابن وَكِيعٍ، عن أَبِيه.

كلاهما (الفزاري ووكيع) عَنْ سُفْيَانَ الثوريّ، عَنْ حَبِيبِ بنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قالَ: خَرَجَ المِقْدَادُ بنُ الْأَسْوَدِ فِي سَرِيَّةٍ فَمَرُّوا بِقَوْمٍ مُشْرِكِينَ فَفَرُّوا وَأَقَامَ رَجُلٌ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ , فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَتَلَهُ الْمِقْدَادُ , فَقِيلَ لَهُ: أَقَتَلْتَهُ وَهُوَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ فَقَالَ: وَدَّ لَوْ أَنَّهُ فَرَّ بِمَالِهِ وَأَهْلِهِ , فَقَالُوا: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْأَلُوهُ , فَأَتَوْهُ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: «أَقَتَلْتَهُ وَهُوَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَدَّ لَوْ أَنَّهُ فَرَّ بِمَالِهِ وَأَهْلِهِ , قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا} [النساء: 94] إِلَى قَوْلِهِ: {كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ} [النساء: 94] تُخْفُونَ إِيمَانَكُمْ، وَأَنْتُمْ مَعَ المُشْرِكِينَ {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} [النساء: 94] وَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ {فَتَبَيَّنُوا}".

قلت: فالحديث الذي علّقه البخاري معلول! ولفظه ليس بمحفوظ! وقد وهم فيه أبو بكر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي البَصْرِيّ فوصله، والصواب فيه الإرسال.

وأبو بكر قليل الحديث عزيز؛ لأنه مات كهلاً، لم يدركه ابنه محمد.

ولم يذكروا فيه جرحاً ولا تعديلاً، ويُعتبر بحديثه، ولا يُحتمل تفرده.

قال ابن حجر في «التقريب» (ص: 624): "مقبول" – يعني عند المتابعة، فكيف إذا خالفه مثل سفيان الثوري!

وقد نعجب من البخاري كيف جزم بقوله: "وقال حبيب بن أبي عمرة.." مع علّته!

فهل خفيت علّته على البخاري؟!

قلت: لو خفيت عليه لما احتاج إلى تعليقه! ولكنه ساقه كما رُوي عن حبيب! وإنما ساق هذا الإسناد المتصل وترك المرسل لبيان أنه معلول فعلّقه.

وهنا تنبيه إلى أن ما اشتهر من قول ابن الصلاح وتبعه عليه أهل المصطلح فيما يتعلق بمعلقات البخاري: "مَا كَانَ مِنْهُ بِصِيغَة الجَزْم مثل: قالَ فلَان وَفعل وَأمر وروى وَذكر فَهُوَ حكم بِصِحَّتِهِ عَن المُضَاف إِلَيْهِ"! هذا القول فيه نظر!

ففي هذا التعليق جزم بقوله: "وقال حبيب..." لكنه في الحقيقة لم يصح عن حبيب.

·       كيف خرج مسلم لحبيب بن أبي عمرة في «صحيحه»؟

وقد خرّج مسلم لحبيب بن أبي عمْرَة حديثاً واحداً فِي كتاب الْأَشْرِبَة تُوبع عليه، وساقه في الشواهد.

روى مسلم في «صحيحه» (3/1576) حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ، والبُسْرِ والتَّمْرِ، وقَالَ: «يُنْبَذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَتِهِ».

ثم حديث ابنِ عَبَّاسٍ، قالَ: «نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُخْلَطَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا، وَأَنْ يُخْلَطَ الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ جَمِيعًا، وَكَتَبَ إِلَى أَهْلِ جُرَشَ يَنْهَاهُمْ عَنْ خَلِيطِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ».

ثم حديث عَائِشَةَ قَالَتْ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الدُّبَّاءِ والحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالمُزَفَّتِ».

ثم حديث أَبِي جَمْرَةَ، قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنْهَاكُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُقَيَّرِ».

ثم ساق حديث أبي إسحاق الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ وَالنَّقِيرِ».

ثم حديث مُحَمَّد بنُ فُضَيْلٍ، عَنْ حَبِيبِ بنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ وَالنَّقِيرِ، وَأَنْ يُخْلَطَ الْبَلَحُ بِالزَّهْوِ».

ثم ساق حديث يَحْيَى بنِ أَبِي عُمَرَ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ».

ثم حديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ».

ثم حديث مَنْصُورِ بنِ حَيَّانَ، عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، قالَ: أَشْهَدُ عَلَى ابنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُمَا شَهِدَا: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ وَالنَّقِيرِ».

وساق أحاديث أخرى في هذا الباب.

·       حديث آخر رواه حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير مرسلاً في التفسير!

روى عَفَّانُ بنُ مُسْلِمٍ الصَّفَار، قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بنُ غِيَاثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَبِيبُ بنُ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا} قَالَ: اللِّينَةُ النَّخْلَةُ، وَلِيُخْزِيَ الفَاسِقِينَ قَالَ: اسْتَنْزَلُوهُمْ مِنْ حُصُونِهِمْ، قَالَ: أُمِرُوا بِقَطْعِ النَّخْلِ فَحَكَّ فِي صُدُورِهِمْ. فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: قَدْ قَطَعْنَا بَعْضًا وَتَرَكْنَا بَعْضًا، فَلَنَسْأَلَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ لَنَا فِيمَا قَطَعْنَا مِنْ أَجْرٍ؟ وَهَلْ عَلَيْنَا فِيمَا تَرَكْنَا مِنْ وِزْرٍ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا}" الآيَةَ.

أخرجه الترمذي في «جامعه» (5/262) (3303)، والنسائي في «السنن الكبرى» (8/21) (8556) جميعاً عن الحَسَن بن مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيّ.

ورواه الطحاوي في «مشكل الآثار» (3/143) (1111) عن النسائي.

وأخرجه الطبراني في «المعجم الأوسط» (1/186) (587) عن أَحْمَد بن القَاسِمِ بنِ مُسَاوِرٍ.

ورواه الضياء المقدسي في «المختارة» (10/142) من طريق الطبراني.

كلاهما عن (الزعفراني وأحمد بن القاسم) عن عَفَّان بن مُسْلِمٍ، به.

وفي رواية النسائي: "قال الزَّعْفَرَانِيُّ: كَانَ عَفَّانُ حَدَّثَنَا بِهَذَا الحَدِيثِ، عَنْ عَبْدِالوَاحِدِ، عَنْ حَبِيبٍ، ثُمَّ رَجَعَ فَحَدَّثْنَاهُ عَنْ حَفْصٍ".

قال الترمذي: "هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ".

قال: "ورَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ حَفْصِ بنِ غِيَاثٍ، عَنْ حَبِيبِ بنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، مُرْسَلاً، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ: عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ.

حَدَّثَنَا بِذَلِكَ عَبْدُاللهِ بنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ، عَنْ هَارُونَ بنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ حَفْصِ بنِ غِيَاثٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلاً. سَمِعَ مِنِّي مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ هَذَا الحَدِيثَ".

وقال في «العلل الكبير» (ص: 358) (666): سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الحَدِيثِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ وَاسْتَغْرَبَهُ وَسَمِعَهُ مِنِّي! وَذَاكَرْتُ بِهَذَا الحَدِيثِ عَبْدَاللَّهِ بنَ عَبْدِالرَّحْمَنِ فَقَالَ: أَخْبَرَنَا مروان [كذا فيه!! والصواب: هارون] بنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ حَفْصِ بنِ غِيَاثٍ، عَنْ حَبِيبِ بنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ نَحْوَ هَذَا الحَدِيثِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ: عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ".

قال الطبراني: "لَمْ يَرْوِ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ حَبِيبِ بنِ أَبِي عَمْرَةَ إِلَّا حَفْصٌ، تَفَرَّدَ بِهِ: عَفَّانُ".

قلت: يعني موصولاً، وإلا فقد رواه هارون بن معاوية عن حفص مرسلاً.

وروي أيضاً عن حبيب عن سعيد من قوله!

رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (6/487) (33157) عن وكيع، عن إسرائيل بن يونس بن أَبي إِسْحَاق، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير في قوله تعالى {ما قطعتم من لينة} [الحشر: 5] قال: "هي النخلة".

فالحديث معلول على كل الأحوال! ويحتمل أن الاختلاف من حبيب نفسه، والله أعلم.

·       طريق ثان عن ابن عباس!

روى مُحَمَّدُ بنُ سَعْدِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ العَوْفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ حَدَّثَنِي عَمِّي الحُسَيْنُ بنُ الحَسَنِ بنِ عَطِيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: {ألم، غُلِبَتِ الرُّومُ} قال: «قَدْ مَضَى كَانَ ذَلِكَ فِي أَهْلِ فَارِسَ وَالرُّومِ. وَكَانَتْ فَارِسُ قَدْ غَلَبَتْهُمْ، ثُمَّ غَلَبَتِ الرُّومُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَقِيَ نبي الله صلى الله عليه وآله وَسَلَّمَ مُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَالْتَقَتِ الرُّومُ وَفَارِسُ فَنَصَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عليه وآله وسلم ومن معه من المُسْلِمِينَ عَلَى مُشْرِكِي العَرَبِ، ونصر أَهْلَ الْكِتَابِ عَلَى مُشْرِكِي العَجَمِ»، فَفَرِحَ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ إِيَّاهُمْ، وَنَصْرِ أَهْلِ الكِتَابِ عَلَى العَجَمِ».

قَالَ عَطِيَّةُ: وَسَأَلْنَا أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «الْتَقَيْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عليه وآله وَسَلَّمَ وَمُشْرِكِي الْعَرَبِ وَالْتَقَتِ الرُّومُ وَفَارِسُ فَنَصَرَنَا اللهُ تَعَالَى عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ ونصر أَهْلَ الْكِتَابِ عَلَى الْمَجُوسِ فَفَرِحْنَا بِنَصْرِ اللهِ إِيَّانَا عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَفَرِحنَا بِنَصْرِ اللهِ أَهْلَ الْكِتَابِ عَلَى المَجُوسِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ}».

أخرجه الطبري في «تفسيره» (18/449) عن محمد بن سعد العوفي، به.

وأخرجه البَيْهَقِيّ فِي «الدَّلَائِل» (2/332) عن الحاكم أَبي عَبْدِاللهِ الحَافِظ، عن أَحْمَد بن كَامِلٍ القَاضِي، عن مُحَمَّد بن سَعْد، به.

وأخرجه ابن عساكر في «تاريخه» (1/371) من طريق أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي.

·       نسخة آل العوفي التفسيرية!

قلت: هذا الحديث من نسخة تفسيرية بإسناد مسلسل بالآباء الضعفاء!!

فمحمد بن سعد تكلّم فيه الخطيب فقال في «تاريخه» (5/322): "كان ليناً في الحديث".

وأبوه سعد بن محمد بن الحسن بن عطية تكلّم فيه الإمام أحمد.

روى الخطيب في «تاريخه» (9/126) من طريق أبي بكر الأثرم قال: قلت لأبي عبدالله، أخبرني اليوم إنسان بشيء عجب!! زعم أن فلاناً أمر بالكتاب عن سعد بن العوفي! وقال: هو أوثق الناس في الحديث! فاستعظم ذاك أبو عبدالله جداً، وقال: "لا إله إلا الله، سبحان الله، ذاك جهمي امتحن أول شيء قبل أن يخوفوا، وقبل أن يكون ترهيب فأجابهم". قلت لأبي عبدالله: فهذا جهمي إذاً! فقال: "فأي شيء!"، ثم قال أبو عبدالله: "لو لم يكن هذا أيضاً، لم يكن ممن يستأهل أن يكتب عنه، ولا كان موضعاً لذلك".

وعمّ أبيه الحسين بن الحسن بن عطية، ضعّفه ابن معين والنسائي وأبو حاتم الرازي وابن حبان وغيرهم.

قال ابن حبان في «المجروحين» (1/246): "حسين بن الحسن بن عطية العوفي، كنيته أبو عبدالله. كان على قضاء بغداد، روى عنه البغداديون والكوفيون، منكر الحديث! يروي عن الأعمش وغيره أشياء لا يُتابع عليها كأنه كان يقلبها، وربما رفع المراسيل وأسند الموقوفات، ولا يجوز الاحتجاج بخبره".

والحسن بن عطية، ضعّفه البخاري وأبو حاتم.

وقال ابن حبان في «الثقات» (6/170): "الحسن بن عطية العوفي، يروي عن أبيه. روى عنه: ابنه الحسين بن الحسن. وأحاديث الحسن بن عطية ليست بنقية".

وعطية العوفي ضعيف أيضاً. ضعّفه ابن معين وهُشيم وأحمد وأبو حاتم وغيرهم.

قال عبدالله بن أحمد عن أبيه: "كان سفيان الثوري يضعف حديثه عطية". قال: وسمعت أبي - وذكر عطية العوفي – قال: "هو ضعيف الحديث"، ثم قال: "بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي فيأخذ عنه التفسير"، قال: "وكان يكنيه بأبي سعيد، فيقول: قال أبو سعيد، وكان هُشيم يضعف حديث عطية".

·       طريق ثالث عن ابن عباس!

روى عَبْدُاللَّهِ بنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ الجُمحيّ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِاللهِ بن عَبْدِاللهِ بنِ عُتْبَةَ بنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، قالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ: {الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ}، نَاحَبَ أَبُو بَكْرٍ قُرَيْشًا، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي قَدْ نَاحَبْتُهُمْ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلَّا احْتَطْتَ، فَإِنَّ الْبِضْعَ مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى التِّسْعِ». قَالَ الجُمَحِيُّ: "المُنَاحَبَةُ: المُرَاهَنَةُ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ تَحْرِيمُ ذَلِكَ".

أخرجه الطبري في «تفسيره» (18/448) من طريق مُوسَى بن هَارُونَ البُرْدِيّ.

وإبراهيم الحربي في «غريب الحديث» (2/394) عن مُحَمَّد بن إِسْحَاقَ المُسَيَّبِيّ.

وابن عساكر في «تاريخه» (1/370) من طريق علي بن عبدالله بن المديني.

والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (7/441) (2990)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (9/69) (9146) من طريق إِبْرَاهِيم بن المُنْذِرِ الحِزَامِيّ.

كلهم (البردي، والمسيبي، وابن المديني، والحزامي) عن مَعْن بن عِيسَى القزّاز، عن الجُمحي، به.

ورواية المسيبي مختصرة.

إلا أنه جاء في رواية الطبراني: "عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ عَبْدِالعَزِيزِ اللَّيْثِيِّ"!

وتابع معن عليه: مُحَمَّدُ بنُ خَالِدِ بنِ عَثْمَةَ:

أخرجه الترمذي في «جامعه» (5/195) (3191) عن أَبي مُوسَى مُحَمَّد بن المُثَنَّى.

وأبو نعيم في «تاريخ أصبهان» (2/297) من طريق مَسْلَمَة بن الهَيْصَمِ بنِ مَسْلَمَةَ العَبْدِيّ، عن مُحَمَّد بن المُثَنَّى.

والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (7/441) (2991) من طريق بِشْر بن هِلَالٍ البَصْرِيّ.

وابن عساكر في «تاريخه» (1/379) من طريق عبدالله بن شبيب.

ثلاثتهم (محمد بن المثنى، وبشر بن هلال، وابن شبيب) عن مُحَمَّد بن خَالِد بن عَثْمَةَ، عن عَبْداللهِ بن عَبْدِالرَّحْمَنِ الجُمَحِيّ، به.

قال الترمذي: "هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِاللهِ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ".

وقال الطبراني: "لمْ يَرْوِ هَذَا الحَدِيثَ عَنِ الزُّهْرِيِّ إِلَّا عَبْدُاللَّهِ بنُ عَبْدِالعَزِيزِ، ولَا رَوَاهُ عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ عَبْدِالعَزِيزِ إِلَّا مَعْنُ وَمُحَمَّدُ بنُ خَالِدِ بنِ عَثْمَةَ".

قلت: اتفق جميع الرواة أن الحديث "عن عبدالله بن عبدالرحمن الجمحي"، إلا في رواية الطبراني: "عن عبدالله بن عبدالعزيز الليثي"!

ورواية الطبراني عن مَسْعَدَة بن سَعْدٍ العطار المكيّ عن إبراهيم بن المنذر! وخالفه مُحَمَّد بنَ عَلِيِّ بنِ زَيْدٍ الصائغ المَكِّيَّ – كما عند الطحاوي- فرواه عن إبراهيم عن عبدالله بن عبدالرحمن الجمحي كما رواه الآخرون عن معن بن عيسى، وكذا تابعه عليه ابن عثمة، وهو الصواب.

والحديث ضعيف على كل الأحوال! فالجمحي مجهول! والليثي منكر الحديث!

·       عبدالله بن عبدالرحمن الجمحي عن الزهري! مجهول!

قال عثمان بن سعيد: قلت ليحيى بن معين: عبدالله بن عبدالرحمن الجمحي، كيف حديثه عن ابن شهاب؟ فقال: "لا أعرفه".

وقال ابن عدي: "مجهول".

وقال الدَّارَقُطْنِيّ: "ليْسَ بِالقَوِيّ".

وأخطأ ابن حبان بذكره في الثقات!

·       عبدالله بن عبدالعزيز الليثي عن الزهري! منكر الحديث!

وعَبْداللَّه بن عَبْدالعزيز الليثي المديني أَبُو عَبْدالرَّحْمَن، يروي عن الزهري.

قال البخاري: "منكر الحديث".

وقال أبو حاتم الرازي: "منكر الحديث، ضعيف الحديث، لا يشتغل بحديثه... عامة حديثه خطأ، لا أعلم له حديثاً مستقيماً، يُكتب حديثه".

وقال أبو زرعة الرازي: "ليس بالقوي".

وقال ابن حبان في «المجروحين» (2/8): "كَانَ مِمَّن اخْتَلَط بِأخرَة حَتَّى كَانَ يقلب الْأَسَانِيد وَهُوَ لَا يعلم وَيرْفَع الْمَرَاسِيل من حَيْثُ لَا يفهم فَاسْتحقَّ التّرْك، وَرُبمَا أَدخل بَينه وَبَين الزُّهْرِيّ: مُحَمَّد بن عبدالعَزِيز".

وذكر الألباني الحديث في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (3354) وقال: "ضعيف بتمامه"، ثم صححه ببعض الشواهد الواهية!!!

·       تعليل الدارقطني للحديث بالإرسال.

وقد أُعلّ هذا الحديث بالإرسال!

وقد سئل الدارقطني عنه في «العلل» (1/212) (19)، فقال: "يَرْوِيهِ عَبْدُاللَّهِ بنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ الجُمَحِيُّ، مِنْ وَلَدِ عَامِرِ بنِ مَسْعُودٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِاللَّهِ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، مُتَّصِلًا.

وَغَيْرُهُ يَرْوِيهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا.

وعَبْدُاللَّهِ الجُمَحِيُّ لَيْسَ بِالقَوِيِّ، والمُرْسَلُ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ".

قلت: رواه عقيل بن خالد الأيلي، وابن أخي الزهري، وصالح بن كيسان، والوليد بن محمد الموقري، أربعتهم عن الزهري مرسلاً.

·       رواية عُقيل بن خالد الأيلي عن الزهري:

رواه عُقَيْل بن خالد الأيلي، عَنِ ابنِ شِهَابٍ، قالَ: «كَانَ المُشْرِكُونَ يُجَادِلُونَ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ بِمَكَّةَ يَقُولُونَ: الرُّومُ أَهْلُ كِتَابٍ وَقَدْ غَلَبَتْهُمُ الْفُرْسُ، وَأَنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ سَتَغْلِبُونَ بِالْكِتَابِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى نَبِيِّكُمْ، فَسَنَغْلِبُكُمْ كَمَا غَلَبَتْ فَارِسُ الرُّومَ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ».

قالَ ابنُ شِهَابٍ الزهري: فَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُاللهِ بن عَبْدِاللهِ بنِ عُتْبَةَ بنِ مَسْعُودٍ: «أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ نَاحَبَ أَبُو بَكْرٍ بَعْضَ الْمُشْرِكِينَ قَبْلَ أَنْ يُحَرَّمَ القِمَارُ عَلَى شَيْءٍ إِنْ لَمْ تُغْلَبْ فَارِسُ فِي سَبْعِ سِنِينَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عليه وآله وَسَلَّمَ: لِمَ فَعَلْتَ فَكُلُّ مَا دُونَ الْعَشْرِ بِضْعٌ. وَكَانَ ظُهُورُ فَارِسَ عَلَى الرُّومِ فِي تِسْعِ سِنِينَ، ثُمَّ أَظْهَرَ اللهُ الرُّومَ عَلَى فَارِسَ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ فَفَرِحَ المُسْلِمُونَ بِظُهُورِ أَهْلِ الْكِتَابِ».

أخرجه ابن عبدالحكم فِي «فتوح مصر» (ص: 54) عن أبي صالح عبدالله بن صالح كاتب الليث.

والبيهقي في «دلائل النبوة» (2/332) من طريق أَبي صَالِحٍ وابن بُكَيْرٍ.

كلاهما عن الليث بن سعد، عن عقيل بن خالد، به.

·       رواية مُحَمَّد بن عَبدالله بن مسلم ابن أخي الزهري عن الزهري:

وأما رواية ابن أخي الزهري فأخرجها ابن عساكر في «تاريخه» (1/370) من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري، عن ابن أخي ابن شهاب، عن عمه، قال: أخبرني عبيدالله بن عبدالله بن عتبة: أن أبا بكر الصديق حين أنزل الله هاتين الآيتين.

·       رواية صالح بن كيسان عن الزهري:

وأما رواية صالح بن كَيْسان فأخرجها ابن عساكر في «تاريخه» (1/370) من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري، عن أبيه، عن صالح، قال: قال ابن شهاب: أخبرني عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود: أنه بلغه: أن أبا بكر الصديق حين أنزل الله هاتين الآيتين لقي رجالاً من المشركين، فقال لهم: إن أهل الكتاب سيغلبون فارسا، قالوا في كم؟ قال: في بضع سنين، قالوا: فنحن نناحبك على ذلك، فسمّ سنين نناحبك عليها، فسمى أبو بكر سبع سنين، فعقدوا المناحبة على ذلك قبل أن يحرم القمار.. فذكره.

·       رواية الوليد بن محمد الموقري عن الزهري:

وأما رواية الوليد الموقري فأخرجها ابن عساكر في «تاريخه» (1/378) من طريق أبي عبدالله محمد بن عائذ القرشي، عن أبي بشر الوليد بن محمد، عن ابن شهاب الزهري: «أن المشركين جادلوا المسلمين بمكة قبل أن يخرجوا منها إلى المدينة، وقالوا لهم: تقولون إنكم ستغلبونا بالكتاب الذي أنزل على نبيكم! فكيف وقد غلبت فارس المجوس الروم أهل الكتاب فسنغلبهم نحن كم غلبت فارس الروم! فأنزل الله عز وجل {ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون} الآية.

قال الزهري: فأخبرني عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود: أن أبا بكر حين أنزل الله عز وجل الكتاب لقي رجلاً من المشركين، فقال: إن أهل الكتاب سيغلبون فارس، قالوا: في كم؟ قال: في بضع سنين، قالوا: فنحن نناحبك على ذلك، فناحب، فسمى أبو بكر سبع سنين وعقد النحابة، وذلك قبل تحريم القمار فلما رجع أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم فعلت! فكل ما دون العشرة فهو من البضع».

قلت: الموقري هذا ضعيف، كذّبه يحيى ومحمد بن عوف الطائي. وتركه بعضهم، وقال بعضهم: حديثه مقارب!

وقيل يروي أحاديث مناكير عن الزهري!

لكن هذا الحديث توبع عليه عن الزهري.

·       مخالفة يونس بن يزيد الأيلي لأصحابه!

وقد رواه يُونُسُ بنُ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُاللهِ بنُ عَبْدِاللهِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتِ الم غُلِبَتِ الرُّومُ لَقِيَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ رِجَالًا مِنَ المُشْرِكِينَ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ سَيَغْلِبُونَ عَلَى فَارِسَ.. فذكره بتمامه.

أخرجه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (7/440) (2989) عن يَحْيَى بن عُثْمَان، عن نُعَيْم بن حَمَّادٍ، عن عَبْداللهِ بن المُبَارَكِ، عن يونس، به.

قلت: وهم يونس في ذكر "رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم"!! وخالف ثلاثة من أصحاب الزهري الثقات لم يذكروه! وهم عقيل بن خالد الأيلي، وابن أخي الزهري، وصالح بن كيسان، ومعهم رابع وهو: الوليد بن محمد الموقري.

ولا شك أن رواية الجماعة تقدم على رواية الواحد سيما وقد تكلّم بعض أهل النقد في رواية يونس عن الزهري! وبعضهم قدّمها على غيره!

قال وكيع: "رأيت يونس بن يزيد الأيلي وكان سيئ الحفظ".

وقال أحمد: "يونس كثير الخطأ عَن الزُّهْرِيّ، وعقيل أقل خطأ منه".

وقال أبو زُرْعَة الدمشقي: سمعت أَبَا عَبداللَّهِ أَحْمَد بْن حنبل يقول: "فِي حديث يونس بن يزيد منكرات عَن الزُّهْرِيّ، منها: عَن سالم عَن أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وسَلَّمَ: فيما سقت السماء العشر".

وقَال أَبُو الحسن الميموني: سئل أحمد بْن حنبل: من أثبت فِي الزُّهْرِيّ؟ قال: "معمر. قيل لَهُ: فيونس؟ قال: روى أحاديث منكرة".

وقَال الفضل بن زياد: قال أحمد: "يونس أكثر حديثا عَن الزُّهْرِيّ من عقيل، وهما ثقتان".

فهذا الإمام أحمد يقول بأن يونس يروي أحاديث منكرة عن الزهري!

وهذا لا يخالف قول من قدّم يونس في أصحاب الزهري، فهو ثقة وكتابه عن الزهري صحيح. لكن مخالفة ثلاثة له من أصحاب الزهري الثقات تثبت أنه وهم في هذا الحديث، وكذا متابعة الوليد بن محمد الموقري لهم.

فالصواب في هذا الحديث عن الزهري: الإرسال.

·       حديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدريّ:

روى سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ، عَنْ عَطِيَّةَ العوفيّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قالَ: لمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ ظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ فَأَعْجَبَ ذَلِكَ المُؤْمِنِينَ فَنَزَلَتْ: {الم غُلِبَتِ الرُّومُ}، إِلَى قَوْلِهِ: {يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ} قَالَ: فَفَرِحَ المُؤْمِنُونَ بِظُهُورِ الرُّومِ عَلَى فَارِسَ.

أخرجه الترمذي في «جامعه» (5/196) (3192)، والطبري في «تفسيره» (18/457) من طريق سُلَيْمَان التيميّ.

وأخرجه الطبري أيضاً في «تفسيره» (18/457) من طريق عَبدالمَلِك بن معن بن عَبْدالرحمن أبو عُبَيدة ابن معن المسعودي.

كلاهما عن الأعمش، به.

وراه أيضاً ابنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ الأعمش، عَنْ عَطِيَّةَ، كما أشار ابن كثير في «تفسيره» (6/303).

قال الترمذي: "هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ".

·       علة الحديث:

قلت: عطية العوفي ضعيف مدلّس!

قال أحمد: بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي فيأخد عنه التفسير، وكان يكنى بأبي سعيد فيقول: "قال أبو سعيد". - يعني يوهم أنه الخدري الصحابي!

والكلبي كذّاب، وكان عطية يروي عنه ويدلّسه فيقول: "قال أبو سعيد" حتى يظن السامع أنه الصحابي الخدري!

·       حديث البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ:

روى المُؤَمَّل بن إسماعيل، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ قَالَ: «لمَّا نَزَلَتْ: {الم. غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ}، قَالَ الْمُشْرِكُونَ لِأَبِي بَكْرٍ: أَلَا تَرَى إِلَى مَا يَقُولُ صَاحِبُكَ؟ يَزْعُمُ أَنَّ الرُّومَ تَغْلِبُ فَارِسَ. قَالَ: صَدَقَ صَاحِبِي. قَالُوا: هَلْ لَكَ أَنْ نُخَاطِرَكَ؟ فَجَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ أَجَلًا فَحَلَّ الْأَجَلُ قَبْلَ أَنْ تَغْلِبَ الرومُ فارسَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَاءَهُ ذَلِكَ وَكَرِهَهُ، وَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: "مَا دَعَاكَ إِلَى هَذَا؟" قَالَ: تَصْدِيقًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ. فَقَالَ: "تَعَرَّض لَهُمْ وَأَعْظِمِ الخَطَر وَاجْعَلْهُ إِلَى بِضْعِ سِنِينَ". فَأَتَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ لَهُمْ: هَلْ لَكُمْ فِي العَوْدِ، فإن العود أحمد؟ قالوا: نَعَمْ. قَال: فَلَمْ تَمْضِ تِلْكَ السُّنُونَ حَتَّى غَلَبَتِ الرُّومُ فارسَ، وَرَبَطُوا خُيُولَهُمْ بِالمَدَائِنِ، وَبَنَوُا الرُّومِيَّةَ، فَجَاءَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ يَحْمِلُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: هذا السُّحْتُ، تَصَدَّقْ بِهِ».

رواه ابنُ أَبِي حَاتِمٍ في «تفسيره» عن عَلِيّ بن الحُسَيْنِ، عن أَحْمَد بن عُمَرَ الوَكِيعي.

ورواه ابن عساكر في «تاريخه» (1/373) من طريق أبي يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي، عن إبراهيم بن محمد بن عرعرة.

كلاهما عن المؤمل، به.

·       علة الحديث:

قلت: هذا حديثٌ مُنكَرٌ بِهَذَا الإِسْنَادِ! لَمْ يَرْوِه عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السبيعي إِلَّا إِسْرَائِيلُ بن يونس، تَفَرَّدَ بِهِ: مُؤَمَّلٌ!

ومؤمل بن إسماعيل البصري كثير الغلط بسبب سوء حفظه! قيل: إنه دفن كتبه فَكَانَ يُحدِّث من حفظه، فكثر خطؤه.

وثقه ابن معين وإسحاق بن راهويه.

وقَال البُخارِيُّ: "منكر الحديث".

وقال أبو حاتم الرازي: "صدوق، شديد في السنة، كثير الخطأ، يُكتب حديثه".

وقال أبو زرعة: "في حديثه خطأ كثير".

وَقَال أَبُو عُبَيد الأجري: سألت أبا داود عن مؤمل بن إِسماعيل، فعظّمه ورفع من شأنه إلا أنه يهم في الشيء.

وذكره ابنُ حِبَّان في كتاب «الثقات» وقال: "ربما أخطأ".

وقال ابن سعد: "ثقة كثير الغلط".

وقال يعقوب بن سفيان: "مُؤَمِّلُ بنُ إِسْمَاعِيلَ: سُنِّيٌّ شَيْخٌ جَلِيلٌ. سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بنَ حَرْبٍ يُحْسِنُ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ يَقُولُ: كَانَ مَشْيَخَتُنَا يَعْرِفُونَ لَهُ وَيُوصُونَ بِهِ، إِلَّا أَنَّ حَدِيثَهُ لَا يُشْبِهُ حَدِيثَ أَصْحَابِهِ، حَتَّى رُبَّمَا قالَ: كَانَ لَا يَسَعُهُ أَنْ يُحَدِّثَ، وَقَدْ يَجِبُ عَلَى أَهْلِ العِلْمِ أَنْ يَقِفُوا عَنْ حَدِيثِهِ، وَيَتَخَفَّفُوا مِنَ الرِّوَايَةِ عَنْهُ، فَإِنَّهُ مُنْكَرٌ يَرْوِي المَنَاكِيرَ عَنْ ثِقَاتِ شُيُوخِنَا، وَهَذَا أَشَدُّ فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ المَنَاكِيرُ عَنْ ضِعَافٍ لَكُنَّا نَجْعَلُ لَهُ عُذْرًا".

وقال الساجي: "صدوق كثير الخطأ وله أوهام يطول ذكرها".

وقال ابن قانع: "صالح يخطئ".

وقال الدارقطني: "ثقة كثير الخطأ".

وقال محمد بن نصر المروزي: "المؤمل إذا انفرد بحديث وجب أن يتوقف ويثبت فيه؛ لأنه كان سيء الحفظ، كثير الغلط".

·       حديث ابن مسعود:

رواه ابنُ جَرِيرٍ الطبري في «تفسيره» (18/455) عن ابن وَكِيع، عن عَبْدالرَّحْمَنِ بن مُحَمَّد المُحَارِبِيّ، عَنْ دَاوُدَ بنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيُّ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بن مَسْعُودٍ، قالَ: «كَانَ فَارِسُ ظَاهِرًا عَلَى الرُّومِ، وَكَانَ المُشْرِكُونَ يُحِبُّونَ أَنْ تَظْهَرَ فَارِسُ عَلَى الروم. وكان المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ أَنْ تَظْهَرَ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ وَهُمْ أَقْرَبُ إِلَى دِينِهِمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: {الم. غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ} قَالُوا: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ صَاحِبَكَ يَقُولُ: إِنَّ الرُّومَ تَظْهَرُ عَلَى فَارِسَ فِي بِضْعِ سِنِينَ؟! قَالَ: صَدَقَ. قَالُوا: هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ نُقَامِرَكَ، فَبَايَعُوهُ عَلَى أَرْبَعِ قَلَائِصَ إِلَى سَبْعِ سِنِينَ، فَمَضَتِ السَّبْعُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ، فَفَرِحَ الْمُشْرِكُونَ بِذَلِكَ وَشَقَّ عَلَى المُسْلِمِينَ، فذُكِر ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "مَا بِضْعُ سِنِينَ عِنْدَكُمْ"؟ قَالُوا: دُونَ العَشْرِ. قال: "اذْهَبْ فَزَايِدْهُمْ وَازْدَدْ سَنَتَيْنِ فِي الْأَجَلِ". قَالَ: فَمَا مَضَتِ السَّنَتَانِ حَتَّى جَاءَتِ الرُّكْبَانُ بِظُهُورِ الرُّومِ عَلَى فَارِسَ، فَفَرِحَ الْمُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ: {ألم. غُلِبَتِ الرُّومُ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ}».

·       علة الحديث:

قلت: هذا إسناد منقطع! الشعبي لم يسمع من ابن مسعود.

قال ابن أبي حاتم في «المراسيل» (ص: 160) (591) سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: "لَمْ يَسْمَعْ الشَّعْبِيُّ مِنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ".

وللحديث علّة أخرى، وهي:

أن سفيان بن وكيع بن الجراح رواه عن المحاربي، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن ابن مسعود!

وخولف في إسناده وفي بعض متنه!

فالحديث محفوظ من رواية داود بن أبي هند عن الشعبي قوله! ليس فيه "عبدالله بن مسعود"!!

رواه الطبري في «تفسيره» (18/455) عن يَعْقُوب، قَالَ: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، فِي قَوْلِهِ: {ألم. غُلِبَتِ الرُّومُ} إِلى قَوْلِهِ {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ} قالَ: «كانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ النَّاسَ بِمَكَّةَ أَنَّ الرُّومَ سَتَغْلِبُ. قَالَ: فَنَزَلَ القُرْآنُ بِذَلِكَ، قَالَ: وَكَانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ ظُهُورَ الرُّومِ عَلَى فَارِسَ، لِأَنَّهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ».

وسفيان بن وكيع بن الجرّاح ضعيف لا يُحتج بما انفرد به.

قال البُخَارِيّ: "يتكلمون فيه لأشياء لقنوه إياها".

وقَال عَبْدالرَّحْمَنِ بن أَبي حَاتِم في «الجرح والتعديل» (4/231): سألت أَبَا زرعة عنه؟ فقالَ: "لا يشتغل بِهِ". قيل لَهُ: كان يكذب؟ قال: "كان أبوه رجلاً صالحاً". قيل لَهُ: كان يتهم بالكذب؟ قال: "نعم".

قال عبدالرحمن: سمعت أبي يقول: "جاءني جماعة من مشيخة الكوفة، فقالوا: بلغنا أنك تختلف إلى مشايخ الكوفة تكتب عنهم وتركت سفيان بن وكيع! أما كنت ترعى له في أبيه؟ فقلت لهم: إني أوجب له وأحب أن تجري أموره على الستر، وله ورّاق قد أفسد حديثه!

قالوا: فنحن نقول له أن يبعد الوراق عن نفسه، فوعدتهم أن أجيئه فأتيته مع جماعة من أهل الحديث، وقلت له: إن حقك واجب علينا في شيخك، وفي نفسك، فلو صنت نفسك وكنت تقتصر على كتب أبيك لكانت الرحلة إليك في ذلك، فكيف وقد سمعت!! قال: ما الذي ينقم عليّ؟ فقلت: قد أدخل ورّاقك في حديثك ما ليس من حديثك!!

فقال: فكيف السبيل في ذلك؟ قلت: ترمي بالمخرجات وتقتصر على الأصول، ولا تقرأ إلا من أصولك، وتنحي هذا الوراق عن نفسك، وتدعو بابن كرامة وتوليه أصولك، فإنه يوثق به. فقال: مقبول منك.

وبلغني أنّ ورّاقه كان قد أدخلوه بيتاً يتسع علينا، فما فعل شيئاً مما قاله، فبطل الشيخ، وكان يحدث بتلك الأحاديث التي قد أدخلت بين حديثه، وقد سرق من حديث المحدثين".

قال عبدالرحمن: سئل أبي عنه؟ فقال: "ليّن".

قال الذهبي: "وقد ساق له أبو أحمد خمسة أحاديث منكرة السند لا المتن، ثم قال: وله حديث كثير، وإنما بلاؤه أنه كان يتلقن ما لقن، يقال: كان له وراق يلقنه من حديث موقوف فيرفعه، أو مرسل فيوصله، أو يبدل رجلاً برجل".

والمحفوظ عن ابن مسعود في مسألة "{غلبت الروم} ما رواه الشيخان [البخاري في التفسير، ومسلم في التوبة] من حديث سُلَيْمَان بن مِهْران الْأَعْمَش، عَنْ مُسْلِم بن صبيح أبي الضحى، عَنْ مَسْرُوقٍ، قالَ: قَالَ عَبْدُاللَّهِ: «خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ: الدُّخَانُ، وَاللِّزَامُ، وَالْبَطْشَةُ، وَالْقَمَرُ، وَالرُّومُ».

·       أقوال التابعين بنحو هذا الحديث:

وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا الحديث مُرْسَلًا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ، مِثْلِ: الشَّعْبِيِّ، وعِكْرِمة، وَمُجَاهِدٍ، وقَتَادَةَ، والزُّهْرِيِّ، وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم، وغَيْرِهم.

·       قول الشعبيّ:

أما قول الشعبي (توفي بعد 100هـ) فقد مرّ قريباً من رواية داود بن أبي هند عنه.

ورواه عبدالرزاق في «تفسيره» (3/14) (2270) عن مَعْمَر بن راشد، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قال: «لَمَّا نَزَلَتْ {وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} فَبَلَغَنَا أَنَّ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ تَخَاطَرُوا بَيْنَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ تَحْرِيمُ الْقِمَارِ فَضَرَبُوا بَيْنَهُمْ أَجَلًا فَجَاءَ ذَلِكَ الْأَجَلُ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، قَالَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالَ: "لَوْ ضَرَبْتُمْ أَجَلًا آخَرَ فَإِنَّ الْبِضْعَ يَكُونُ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى التِّسْعِ والعَشْرِ فَزَادُوهُمْ فِي الخَطَارِ، وَمَدُّوا لَهُمْ فِي الْأَجَلِ، قَالَ: فَظَهَرُوا فِي تِسْعِ سِنِينَ، فَفَرِحَ المُؤْمِنُونَ يَوْمَئِذٍ بِالقِمَارِ الَّذِي أَصَابُوا مِنَ المُشْرِكِينَ {بِنَصْرِ اللَّهِ} يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ، وَكَانُوا يُحِبُّونَ أَنْ يَظْهَرَ أَهْلُ الكِتَابِ عَلَى المَجُوسِ، وَكَانَ تَشْدِيدًا لِلْإِسْلَامِ».

قلت: هذا إسناد ضعيف فيه رجل مبهم!

وروى أيضاً (3/210) (2894) عَنِ ابنِ التَّيْمِيِّ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} قَالَ: «نَزَلَتْ بَعْدَ الحُدَيْبِيَةِ، فَغُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَبَايَعُوهُ مُبَايَعَةَ الرِّضْوَانِ، وَأَطْعَمُوا كُلَّ خَيْبَرَ، وَظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ، وَفَرِحَ المُؤْمِنُونَ بِتَصَدِيقِ كِتَابِ اللَّهِ، وَظَهَرَ أَهْلُ الكِتَابِ عَلَى المَجُوسِ».

وهذا إسناد صحيح إلى الشعبيّ.

·       قول عكرمة مولى بن عبّاس (ت104هـ):

وأما قول عكرمه:

فرواه أَبو بَكْرِ بنِ عَبْدِاللَّهِ ابن أبي سَبْرَة المدني، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «كَانَتْ فِي فَارِسَ امْرَأَةٌ لَا تَلِدُ إِلَّا المُلُوكَ الْأَبْطَالَ، فَدَعَاهَا كِسْرَى فَقَالَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَ إِلَى الرُّومِ جَيْشًا وَأَسْتَعْمِلُ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْ بَنِيكِ، فَأَشِيرِي عَليَّ، أيَّهم أَسْتَعْمِلُ؟ فَقَالَتْ: هَذَا فُلَانٌ، وَهُوَ أَرْوَغُ مِنْ ثَعْلَبٍ، وَأَحْذَرُ مِنْ صَقْرٍ. وَهَذَا فَرْخَانُ، وَهُوَ أَنْفَذُ مِنْ سِنَانٍ. وَهَذَا شَهْرَيَرَازُ، وَهُوَ أَحْلَمُ مِنْ كَذَا - تَعْنِي أَوْلَادَهَا الثَّلَاثَةَ - فَاسْتَعْمِلَ أَيَّهُمْ شِئْتَ. قَالَ: فَإِنِّي قَدِ اسْتَعْمَلْتُ الحَلِيمَ. فَاسْتَعْمَلَ شَهْرَيَرَازَ، فَسَارَ إِلَى الرُّومِ بِأَهْلِ فَارِسَ، فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَقَتَلَهُمْ، وَخَرَّبَ مدائنهم، وقطع زيتونهم.

قَال أَبُو بَكْرِ بنُ عَبْدِاللَّهِ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الحَدِيثِ عَطَاءً الخُرَاسَانِيَّ فَقَالَ: أَمَا رَأَيْتَ بِلَادَ الشَّامِ؟ قُلْتُ: لا، قَالَ: أَمَا إِنَّكَ لَوْ رَأَيْتَهَا لَرَأَيْتَ المَدَائِنَ الَّتِي خُرِّبَتْ، وَالزَّيْتُونَ الَّذِي قُطِّعَ. فَأَتَيْتُ الشَّامَ بَعْدَ ذَلِكَ فَرَأَيْتُهُ.

قَالَ عَطَاءٌ الخُرَاسَانِيُّ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بنُ يَعْمَر: أَنَّ قَيْصَرَ بَعَثَ رَجُلًا يُدْعَى قِطْمَةَ بِجَيْشٍ مِنَ الرُّومِ، وَبَعَثَ كِسْرَى شَهْرَيَرَازَ، فَالْتَقَيَا بِأَذْرُعَاتَ وبُصرى، وَهِيَ أَدْنَى الشَّامِ إِلَيْكُمْ، فَلَقِيَتْ فَارِسُ الرُّومَ، فَغَلَبَتْهُمْ فَارِسُ. فَفَرِحَتْ بِذَلِكَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ وَكَرِهَهُ المُسْلِمُونَ.

قالَ عِكْرِمَةُ: وَلَقِيَ المُشْرِكُونَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالُوا: إِنَّكُمْ أَهْلُ كِتَابٍ، وَالنَّصَارَى أَهْلُ كِتَابٍ، وَنَحْنُ أُمِّيُّونَ، وَقَدْ ظَهَرَ إِخْوَانُنَا مِنْ أَهْلِ فَارِسَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَإِنَّكُمْ إِنْ قَاتَلْتُمُونَا لنظهرَنّ عَلَيْكُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {الم. غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ}، فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ الصَّدِيقُ إِلَى الكُفَّارِ فَقَالَ: أَفَرِحْتُمْ بِظُهُورِ إِخْوَانِكُمْ عَلَى إِخْوَانِنَا، فَلَا تَفْرَحُوا، وَلَا يُقرَّن اللَّهُ أَعْيُنَكُمْ، فَوَاللَّهِ لَيُظْهِرَنَّ اللَّهُ الرُّومَ عَلَى فَارِسَ، أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَامَ إِلَيْهِ أُبَيُّ بنُ خَلَف فَقَالَ: كَذَبْتَ يَا أَبَا فُضَيْلٍ. فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: أَنْتَ أَكْذَبُ يَا عَدُوَّ اللَّهِ. فَقَالَ: أناحبُكَ عَشْرَ قَلَائِصَ مِنِّي وَعَشْرَ قَلَائِصَ مِنْكَ، فَإِنْ ظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ غَرِمتُ، وَإِنْ ظَهَرَتْ فَارِسُ غرمتَ إِلَى ثَلَاثِ سِنِينَ. ثُمَّ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: "مَا هَكَذَا ذَكَرْتُ، إِنَّمَا الْبِضْعُ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى التِّسْعِ، فزايدْه فِي الخَطَر ومادّهْ فِي الْأَجَلِ"، فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ فَلَقِيَ أُبَيًّا فَقَالَ: لَعَلَّكَ نَدِمْتَ؟ فَقَالَ: لَا تَعَالَ أُزَايِدْكَ فِي الخَطَر وأمادُّك فِي الْأَجَلِ، فَاجْعَلْهَا مِائَةَ قَلُوصٍ لِمِائَةِ قَلُوصٍ إِلَى تِسْعِ سِنِينَ. قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، فَظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَغَلَبَهُمُ المُسْلِمُونَ.

قَالَ عِكْرِمَةُ: لَمَّا أَنْ ظَهَرَتْ فَارِسُ عَلَى الرُّومِ، جَلَسَ فَرْخَانُ يَشْرَبُ وَهُوَ أَخُو شَهْرَيَرَازَ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: لَقَدْ رَأَيْتُ كَأَنِّي جَالِسٌ عَلَى سَرِيرِ كِسْرَى. فَبَلَغَتْ كِسْرَى فَكَتَبَ إِلَى شَهْرَيَرَازَ إِذَا أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا فَابْعَثْ إليَّ بِرَأْسِ فَرْخَانَ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ مِثْلَ فَرْخَانَ، لَهُ نِكَايَةٌ وَصَوْتٌ فِي العَدُوِّ، فَلَا تَفْعَلْ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّ فِي رِجَالِ فَارِسَ خَلَفًا مِنْهُ، فَعَجِّلْ إليَّ بِرَأْسِهِ. فَرَاجَعَهُ، فَغَضِبَ كِسْرَى فَلَمْ يُجِبْهُ، وَبَعَثَ بَرِيدًا إِلَى أَهْلِ فَارِسَ: إِنِّي قَدْ نَزَعْتُ عَنْكُمْ شَهْرَيَرَازَ، وَاسْتَعْمَلْتُ عَلَيْكُمْ فَرْخَانَ. ثُمَّ دَفَعَ إِلَى الْبَرِيدِ صَحِيفَةً لَطِيفَةً صَغِيرَةً فَقَالَ: إِذَا وَلِيَ فَرْخَانُ الْمُلْكَ، وَانْقَادَ لَهُ أَخُوهُ، فَأَعْطِهِ هَذِهِ. فَلَمَّا قَرَأَ شَهْرَيَرَازُ الْكِتَابَ قَالَ: سَمْعًا وَطَاعَةً، وَنَزَلَ عَنْ سَرِيرِهِ، وَجَلَسَ فَرْخَانُ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ الصَّحِيفَةَ، قَالَ: ائْتُونِي بِشَهْرَيَرَازَ، وقَدَّمَه لِيَضْرِبْ عُنُقَهُ، قَالَ: لَا تَعْجَلْ عليَّ حَتَّى أَكْتُبَ وَصِيَّتِي، قَالَ: نعم. فدعا بالسَّفط فأعطاه الصَّحَائِفَ وَقَالَ: كُلُّ هَذَا راجعتُ فِيكَ كِسْرَى، وَأَنْتَ أَرَدْتَ أَنْ تَقْتُلَنِي بِكِتَابٍ وَاحِدٍ. فَرَدَّ المَلِكُ إِلَى أَخِيهِ شَهْرِيرَازَ، وَكَتَبَ شَهْرِيرَازُ إِلَى قَيْصَرَ مَلِكِ الرُّومِ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً لَا تَحْمِلُهَا البُرُد وَلَا تَحْمِلُهَا الصُّحُفُ، فَالْقَنِي، وَلَا تَلْقَنِي إِلَّا فِي خَمْسِينَ رُومِيًّا، فَإِنِّي أَلْقَاكَ فِي خَمْسِينَ فَارِسِيًّا. فَأَقْبَلَ قَيْصَرُ فِي خَمْسِمِائَةِ أَلْفِ رُومِيٍّ، وَجَعَلَ يَضَعُ الْعُيُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي الطَّرِيقِ، وَخَافَ أَنْ يَكُونَ قَدْ مَكَرَ بِهِ، حَتَّى أَتَاهُ عُيُونُهُ أَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إِلَّا خَمْسُونَ رَجُلًا. ثُمَّ بُسِطَ لَهُمَا وَالْتَقَيَا فِي قُبَّةِ دِيبَاجٍ ضُرِبَتْ لَهُمَا، مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سِكِّينٌ، فَدَعَيَا تُرْجُمَانًا بَيْنَهُمَا، فَقَالَ شَهْرِيرَازُ: إِنَّ الَّذِينَ خَرَّبُوا مَدَائِنَكَ أَنَا وَأَخِي بِكَيْدِنَا وَشَجَاعَتِنَا، وَإِنَّ كِسْرَى حَسَدنا وَأَرَادَ أَنْ أَقْتُلَ أَخِي فَأَبَيْتُ، ثُمَّ أَمَرَ أَخِي أَنْ يَقْتُلَنِي. وَقَدْ خَلَعْنَاهُ جَمِيعًا، فَنَحْنُ نُقَاتِلُهُ مَعَكَ. قَالَ: قَدْ أَصَبْتُمَا. ثُمَّ أَشَارَ أَحَدُهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ أَنَّ السِّرَّ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَإِذَا جَاوَزَ اثْنَيْنِ فَشَا. قَالَ: أَجَلْ. فَقَتَلَا التُّرْجُمَانَ جَمِيعًا بِسِكِّينَيْهِمَا. قَالَ: فَأَهْلَكَ اللَّهُ كِسْرَى، وَجَاءَ الخَبَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، فَفَرِحَ والمُسْلِمُونَ مَعَهُ».

أخرجه الْإِمَامُ سُنَيد بنُ دَاوُدَ المصيصيّ في «تفسيره» [كما قال ابن كثير في «تفسيره» (6/299)] عن حَجَّاج بن محمد المصيصي.

وأخرجه الطبري في «تفسيره» (18/450) من طريق الحُسَيْن بن بشر الطرسوسي، عن حَجَّاج، عن أبي بكر بن عبدالله، به.

قال ابن كثير: "هذا سِيَاقٌ غَرِيبٌ، وَبِنَاءٌ عَجِيبٌ"!!

قلت: أبو بكر بن عبدالله ابن أبي سَبْرَة ليس بشيء متروك! وهو متّهم بالوضع.

قال الإمام أحمد: "يضع الحديث".

وقال ابن عدي: وعامة ما يرويه غير محفوظ... وهو فِي جُمْلَةِ مَنْ يَضَعُ الحَدِيثَ".

ورواه مقاتل بن سليمان في «تفسيره» (3/402) من طريق أَبِي بَكْر الهُذَلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، نحوه بطوله.

وأبو بكر الهذلي هو سُلمى - بضم المهملة- ابن عبدالله، وهو إخباري متروك ليس بشيء! متّهم بالكذب!

·       قول مجاهد بن جبر المكي (ت101 أو 102 أو 103 أو 104هـ):

وأما قول مجاهد:

فرواه عبدالله بنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: {ألم غُلِبَتِ الرُّومُ}، قالَ: «ذَكَرَ غَلَبَةَ فَارِسَ الرُّومَ، وَإِدَالَةَ الرُّومِ عَلَى فَارِسَ، وَفَرِحَ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ أَهْلَ الْكِتَابِ عَلَى أَهْلِ الْأَوْثَانِ، قَالَ: وَالْبِضْعُ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى العَشَرَةِ».

أخرجه الطبري في «تفسيره» (18/450) من طريق عِيسَى بن موسى غُنجار، ووَرْقَاء بن عمر اليشكري الكوفي، كلاهما عن ابن أبي نجيح، به.

قلت: وهذا إسناد صحيح، وتكلموا في سماع ورقاء التفسير من ابن أبي نَجيح! لكن تابعه عليه غُنجار، فصحّ من قول مجاهد.

وروى عبدالرزاق في «تفسيره» (3/14) (2269) عن مَعْمَر، عَنِ ابنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {الم غُلِبَتِ الرُّومُ} قَالَ: «كَانَتْ فَارِسُ قَدْ غَلَبَتِ الرُّومَ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهِيَ الجَزِيرَةُ، وَهِيَ أَقْرَبُ أَرْضِ الرُّومِ إِلَى فَارِسَ {وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ}».

·       قول قَتَادَة بن دعامة البصري (ت سنة بضع عشرة ومائة):

وأما قول قنادة:

فرواه سَعِيد بن أبي عَروبة، عَنْ قَتَادَةَ، قال في قوله تعالى: «{الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأرض}: غَلَبَهُمْ أَهْلُ فَارِسَ عَلَى أَدْنَى الشَّامِ، {وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ} الْآيَةَ. قَالَ: لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ، صَدَّقَ الْمُسْلِمُونَ رَبَّهُمْ وَعَرَفُوا أَنَّ الرُّومَ سَتَظْهَرُ عَلَى أَهْلِ فَارِسَ، فَاقْتَمَرَهُمْ وَالْمُشْرِكُونَ خَمْسَ قَلَائِصَ، وَأَجَّلُوا بَيْنَهُمْ خَمْسَ سِنِينَ، قَالَ: فَوَلِيَ قِمَارَ الْمُسْلِمِينَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَوَلِيَ قِمَارَ الْمُشْرِكِينَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُنْهَى عَنِ الْقِمَارِ فِي الْأَجَلِ، وَلَمْ تَظْهَرِ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ، فَسَأَلَ الْمُشْرِكُونَ قِمَارَهُمْ، فَذَكَرَ ذَلِكَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وَسَلَّمَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فَقَالَ: «لَمْ يَكُونُوا أَحِقَّاءَ أَنْ يُؤَجِّلُوا أَجَلًا دُونَ العَشْرِ، فَإِنَّ الْبِضْعَ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى العَشْرِ، فَزَايدُوهُمْ وَمَادُّوهُمْ فِي الْأَجَلِ»، فَفَعَلُوا فَأَظْهَرَ اللهُ الرُّومَ عَلَى فَارِسَ عِنْدَ رَأْسِ السَّبْعِ مِنْ قِمَارِهِمُ الْأَوَّلِ، فَكَانَ ذَلِكَ مَرْجِعَهُمْ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِفَلْجِهِمُ الَّذِي كَانَ مِنْ ظُهُورِ أَهْلِ الكِتَابِ عَلَى المَجُوسِ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا شَدَّ اللهُ بِهِ الْإِسْلَامَ فَهُوَ قوله: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ}».

أخرجه الطبري في «تفسيره» (18/454) عن بِشْر بن معاذ العَقَدي.

والبيهقي في «دلائل النبوة» (2/333) من طريق العَبَّاس بنِ الوَلِيدِ البيروتي.

كلاهما عن يَزِيد بن زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدٍ، به.

ورواه عبدالرزاق في «تفسيره» (3/14) (2270) عن مَعْمَر بن راشد، عَنِ قتادة، قال: «لَمَّا نَزَلَتْ {وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} فَبَلَغَنَا أَنَّ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ تَخَاطَرُوا بَيْنَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ تَحْرِيمُ الْقِمَارِ فَضَرَبُوا بَيْنَهُمْ أَجَلًا فَجَاءَ ذَلِكَ الْأَجَلُ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، قَالَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالَ: "لَوْ ضَرَبْتُمْ أَجَلًا آخَرَ فَإِنَّ الْبِضْعَ يَكُونُ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى التِّسْعِ والعَشْرِ فَزَادُوهُمْ فِي الخَطَارِ، وَمَدُّوا لَهُمْ فِي الْأَجَلِ، قَالَ: فَظَهَرُوا فِي تِسْعِ سِنِينَ، فَفَرِحَ المُؤْمِنُونَ يَوْمَئِذٍ بِالقِمَارِ الَّذِي أَصَابُوا مِنَ المُشْرِكِينَ {بِنَصْرِ اللَّهِ} يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ، وَكَانُوا يُحِبُّونَ أَنْ يَظْهَرَ أَهْلُ الكِتَابِ عَلَى المَجُوسِ، وَكَانَ تَشْدِيدًا لِلْإِسْلَامِ».

قلت: هذا إسناد جيد، وفي متنه بعض النكارة في أن المسلمين فرحوا بالقمار الذي أصابوا من المشركين!!!

·       قول عبدالرحمن بن زيد بن أسلم (ت182هـ):

وأما قول عبدالرحمن بن زيد بن أسلم:

فرواه الطبري في «تفسيره» (18/456) عن يُونُس بن عبدالأعلى المصري، عن عبدالله بن وَهْبٍ، قالَ: قالَ ابنُ زَيْدٍ، «فِي قَوْلِهِ {ألم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ} [الروم: 2] قالَ: أَدْنَى الْأَرْضِ: الشَّامُ {وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} قَالَ: كَانَتْ فَارِسُ قَدْ غَلَبَتِ الرُّومَ، ثُمَّ أُدِيلَ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ، وَذُكِرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الرُّومَ سَتَغْلِبُ فَارِسَ»، فقالَ المُشْرِكُونَ: هَذَا مِمَّا يَتَخَرَّصُ مُحَمَّدٌ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: تُنَاحِبُونَنِي؟ وَالْمُنَاحَبَةُ: الْمُجَاعَلَةُ، قَالُوا: نَعَمْ، فَنَاحَبَهُمْ أَبُو بَكْرٍ، فَجَعَلَ السِّنِينَ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْبِضْعَ فِيمَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى التِّسْعِ، فَارْجِعْ إِلَى الْقَوْمِ، فَزِدْ فِي الْمُنَاحَبَةِ»، فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ. قَالُوا: فَنَاحَبَهُمْ فَزَادَ. قَالَ: فَغَلَبَتِ الرُّومُ فَارِسَ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللَّهِ، يَنْصُرُ مِنْ يَشَاءُ} يَوْمَ أُدِيلَتِ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ».

قلت: عبدالرحمن بن زيد بن أسلم متفقٌ على تضعيفه.

·       تفسيرات عامّة للآيات:

يورد أهل التفسير هذه الروايات عند تفسير هذه الآيات الكريمة، ويعتمدون عليها، وقد تبيّن لنا أنه لم يصح أيّ شيء مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، ولا إلى أصحابه رضي الله عنهم.

وصحّ ذلك من أقوال بعض التابعين والمفسرين، وكأنهم اعتمدوا في ذلك على ما جاء من روايات مرفوعة أو مما هو منتشر مرسل بين أهل العلم، فاشتهرت في كتب التفسير! ولهذا عبّر ابن تيمية عن ذلك بتواتر هذه القصة!!!

وقد تتابع كل من صنّف في التفسير في إيراد هذه القصة إلى يومنا هذا!!

والأمر عندي لا يعدو إخباراً منه سبحانه وتعالى بهذا الأمر الغيبي ليدل على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم، وقد تحققت هذه النبوءة، وكأنها كانت إشارة إلى سقوط هاتين الدولتين القويتين بظهور الإسلام، وهذا ما حدث بفضل الله وكرمه.

وذكر "الروم" وهي قوة عظمى بأنها هُزمت من دولة قوية أخرى أبعد عن الله منها وأشد كفراً مع بداية ظهور الإسلام وذكر {نصر الله} إشارة إلى زوال هذه الدول الكافرة بيد أولياء الله من الصحابة رضي الله عنهم، وجاءت تسميتها لأنها الأقرب للعرب، وهي المعروفة أكثر عندهم لتعاملهم معهم، والافتتاح بقوله {غلبت الروم} تبشير بأنها مغلوبة بعد أن تغلب تلك القوة التي غلبتها.

وقوله تعالى: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ} أي يفرح المؤمنون بنصرهم في بدر على المشركين، وكان ذلك في اليوم الذي غلبت فيه الروم فارس كما قال بعض أهل التفسير، أو بصلح الحديبية الذي سماه الله فتحاً وأعز به عباده.

وهذا رأيٌ ذكره أهل التفسير في كتبهم. وحتى لا يخرج علينا بعض الجهّال قائلين: "من استنكر الرواية فإنه يكون بذلك مخالفاً لصريح القرآن! وما جاء في الآيات أن النصر المقصود به هو: نصر الروم على الفرس! ولهذا فرح به المسلمون!!!"، فسأنقل طرفاً من أقوال أهل التفسير في ذلك:

قال السمرقندي في «بحر العلوم» (3/5): "ثم قال: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ} لما يرجون من إسلامهم، ويُقال: يفرح أبو بكر - رضي الله عنه- خاصة، ويقال: يفرح المؤمنون بتصديق وعد الله تعالى. ورُوي عن الشعبي أنه قال: كان ذلك عام الحديبية، فغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فبايعوه مبايعة الرضوان، ووعد لهم غنائم خيبر، وظهرت الروم على فارس، وكان تصديقاً لهذه الآية {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ}.

ثم قال: "{بِنَصْرِ اللَّهِ} يعني: بفتح الله، {يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ} يعني: نصر الله محمداً صلّى الله عليه وسلم وأصحابه، {وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ} بالمؤمنين حين نصرهم".

وقال الماوردي في «تفسيره» (4/299): "{وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ} فيه قولان: أحدهما: أنه الخبر الذي ورد على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية بهلاك كسرى ففرح ومن معه فكان هذا يوم فرحهم بنصر الله لضعف الفرس وقوة العرب. الثاني: يعني به نصر الروم على فارس. وفي فرحهم بذلك ثلاثة أوجه: أحدها: تصديق خبر الله وخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. الثاني: لأنهم أهل كتاب مثلهم. الثالث: لأنه مقدمة لنصرهم على المشركين. {بِنَصْرِ اللَّهِ} يعني من أوليائه لأن نصره مختص بغلبة أوليائه لأعدائه فأما غلبة أعدائه لأوليائه فليس بنصر وإنما هو ابتلاء".

وقال الزمخشري في «تفسيره» (3/467): "نصر الله: هو إظهار صدق المؤمنين فيما أخبروا به المشركين من غلبة الروم، وقيل نصر الله: أنه ولى بعض الظالمين بعضاً وفرق بين كلمتهم، حتى تفانوا وتناقصوا، وفلّ هؤلاء شوكة هؤلاء وفي ذلك قوّة للإسلام. وعن أبى سعيد الخدري: وافق ذلك يوم بدر، وفي هذا اليوم نصر المؤمنون {وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ} ينصر عليكم تارة وينصركم أخرى".

وقال ابن عطية في «تفسيره» (4/328): "والنصر الذي يَفْرَحُ به المُؤْمِنُونَ يحتمل أن يشار فيه إلى نصر الروم على فارس وهي نصرة الإسلام بحكم السببين اللذين قد ذكرتهما، ويحتمل أن يشار فيه إلى نصر يخص المؤمنين على عدوهم وهذا أيضاً غيب أخبر به.. إما يوم بدر وإما يوم بيعة الرضوان، ويحتمل أن يشار به إلى فرح المسلمين بنصر الله إياهم في أن صدق ما قال نبيهم من أن الروم ستغلب فارس فإن هذا ضرب من النصر عظيم".

وقال البقاعي في «نظم الدرر في تناسب الآيات والسور» (15/32): "{بنصر الله} أي الذي لا رادّ لأمره، لأهل الكتاب عامة، نصرهم على المشركين في غزوة بدر وهو المقصود بالذات، ونصر الروم على فارس لتصديق موعود الله ونصر من سيصير من أهل الكتاب الخاتم من مشركي العرب على الفرس في وقعة ذي قار، فقد وقع الفرح بالنصر الذي ينبغي إضافته إلى الله تعالى وهو نصر أهل الدين الصحيح أصلاً وحالاً ومالاً".

وقال أبو السعود في «إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم» (7/50): "{بِنَصْرِ الله} وتغليبِه من له كتابٌ على من لا كتابَ له وغيظِ من شمِت بهم من كفَّار مكَّةَ وكونِ ذلك من دلائلِ غلبةِ المؤمنينَ على الكفَّار وقيل نصرُ الله إظهارُ صدقِ المؤمنينَ فيما أخبرُوا به المشركينَ من غَلَبة الرُّومِ على فارسَ، وقيل نصرُه تعالى أنَّه ولَّى بعضَ الظَّالمين بعضاً وفرَّق بين كلمتِهم حتَّى تناقصُوا وتفانوا وفلَّ كل منهم شوكةَ الآخرِ وفي ذلك قوَّةٌ وعن أبي سعيدٍ الخدريُّ رضيَ الله عنه أنَّه وافقَ ذلك يومَ بدرٍ".

فالآيات تركّز على الأمر الغيبي الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم صناديد قريش.. ولهذا جاءت الآيات بعد {يعلمُونَ ظَاهرا من الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم عَن الْآخِرَة هم غافلون}.

وقد اختلف العلماء في السنة التي غلبت الروم أهل فارس على ثلاثة أقاويل:

أحدها: أنها عام بدر ظهر الروم على فارس فيه، وظهر المسلمون على قريش فيه، قاله أبو سعيد، قال: فكان يوم بدر.

الثاني: أن ظهور فارس على الروم كان قبل الهجرة بسنتين، وظهور المسلمين على قريش كان في عام بدر بعد الهجرة بسنتين، ولعله قول عكرمة.

الثالث: عام الحديبية ظهرت الروم على فارس، وكان ظهور المسملين على المشركين في الفتح بعد مدة الحديبية، قاله عبيدالله بن عبدالله. [تفسير الماوردي (4/298)].

قال ابن كثير في «تفسيره» (6/297): "نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَاتُ حِينَ غَلَبَ سَابُورُ مَلِكُ الفُرْسِ عَلَى بِلَادِ الشَّامِ وَمَا وَالَاهَا مِنْ بِلَادِ الجَزِيرَةِ وَأَقَاصِي بِلَادِ الرُّومِ، وَاضْطَرَّ هِرَقْلَ مَلك الرُّومِ حَتَّى أَلْجَأَهُ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَحَاصَرَهُ فِيهَا مُدَّةً طَوِيلَةً، ثُمَّ عَادَتِ الدَّوْلَةُ لِهِرَقْلَ...".

قال: "{وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ} أَيْ: لِلرُّومِ أَصْحَابِ قَيْصَرَ مَلِكِ الشَّامِ، عَلَى فَارِسَ أَصْحَابِ كِسْرَى، وَهُمُ المَجُوسُ. وَقَدْ كَانَتْ نُصْرَةُ الرُّومِ عَلَى فَارِسَ يَوْمَ وَقْعَةِ بَدْرٍ فِي قَوْلِ طَائِفَةٍ كَبِيرَةٍ مِنَ العُلَمَاءِ، كَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالثَّوْرِيِّ، والسُّدِّي، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالْبَزَّارُ، مِنْ حَدِيثِ الأعمش، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، ظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ، فَأَعْجَبَ ذَلِكَ الْمُؤْمِنِينَ وَفَرِحُوا بِهِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}.

وقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَ نُصْرَةُ الرُّومِ عَلَى فَارِسَ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ؛ قَالَهُ عِكْرِمَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمْ. وَوَجَّهَ بَعْضُهُمْ هَذَا القَوْلَ بِأَنَّ قَيْصَرَ كَانَ قَدْ نَذَرَ لَئِنْ أَظْفَرَهُ اللَّهُ بِكِسْرَى لَيَمْشِيَنَّ مِنْ حِمْصَ إِلَى إِيلِيَا - وَهُوَ بَيْتُ المَقْدِسِ -شُكْرًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَفَعَلَ، فَلَمَّا بَلَغَ بَيْتَ المَقْدِسِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ حَتَّى وَافَاهُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الَّذِي بَعَثَهُ مَعَ دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ، فَأَعْطَاهُ دِحْيَةُ لِعَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفْعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إِلَى قَيْصَرَ. فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ سَأَلَ مَنْ بِالشَّامِ مِنْ عَرَب الحِجَازِ، فأحضرَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ صَخْرُ بْنُ حَرْبٍ الْأُمَوِيُّ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ كَانُوا فِي غَزَّةَ، فَجِيءَ بِهِمْ إِلَيْهِ، فَجَلَسُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَنَا. فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ - وَأَجْلَسَهُمْ خَلْفَهُ -: إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَ فَكَذِّبُوهُ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَوَاللَّهِ لَوْلَا أَنْ يَأثُرُوا عَلَيَّ الْكَذِبَ لَكَذَبْتُ. فَسَأَلَهُ هِرَقْلُ عَنْ نَسَبِهِ وَصِفَتِهِ، فَكَانَ فِيمَا سَأَلَهُ أَنْ قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدّة لَا نَدْرِي مَا هُوَ صَانِعٌ فِيهَا -يَعْنِي بِذَلِكَ الْهُدْنَةَ الَّتِي كَانَتْ قَدْ وَقَعَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُفَّارِ قُرَيْشٍ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ بَيْنَهُمْ عَشْرَ سِنِينَ، فَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا عَلَى أَنَّ نَصْرَ الرُّومِ عَلَى فَارِسَ كَانَ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ؛ لِأَنَّ قَيْصَرَ إِنَّمَا وَفَّى بِنَذْرِهِ بَعْدَ الحُدَيْبِيَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ولِأَصْحَابِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ يُجِيبُوا عَنْ هَذَا بِأَنَّ بِلَادَهُ كَانَتْ قَدْ خُرِّبَتْ وَتَشَعَّثَتْ، فَمَا تَمَكَّنَ مِنْ وَفَاءِ نَذْرِهِ حَتَّى أَصْلَحَ مَا يَنْبَغِي إِصْلَاحُهُ وَتَفَقَّدَ بِلَادَهُ، ثُمَّ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ نُصْرَتِهِ وفَّى بِنَذْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

والْأَمْرُ فِي هَذَا سَهْلٌ قَرِيبٌ، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا انْتَصَرَتْ فَارِسُ عَلَى الرُّومِ سَاءَ ذَلِكَ المُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا انْتَصَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ فَرِحَ الْمُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرُّومَ أَهْلُ كِتَابٍ فِي الجُمْلَةِ، فَهُمْ أَقْرَبُ إِلَى المُؤْمِنِينَ مِنَ المَجُوسِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ. وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [المائدة: 82، 83]، وَقَالَ تَعَالَى هَاهُنَا: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ}.

وقَالَ ابنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، قال: حَدَّثَنَا صَفْوان – هو: ابن صالح-، قال: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ - هو ابن مسلم-، حَدَّثَنِي أُسَيْدٌ الكِلَابِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ العَلَاءَ بنَ الزُّبَيْرِ الكِلَابِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ غَلَبَةَ فَارِسَ الرُّومَ، ثُمَّ رَأَيْتُ غَلَبَةَ الرُّومِ فَارِسَ، ثُمَّ رَأَيْتُ غَلَبَةَ المُسْلِمِينَ فَارِسَ وَالرُّومَ، كُلُّ ذَلِكَ فِي خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً".

قلت: كذا يعتمد أهل التفسير على هذه القصة في تفسير الآيات! وفي كل ذلك نظر! لعدم ثبوتها!

وما ذكره ابن أبي حاتم من حديث الزبير الكلابي فيه نظر أيضاً! فالزبير هذا لا تصح له صحبة! ولا يُعرف إلا في هذا الأثر!! والله أعلم.

·       اعتماد الإمام أحمد على هذه القصة في مسألة خلق القرآن!

قال أبو بكر الخلال: أخبرني أبو يحيى زكريا بن يحيى الناقد قال: حدثنا أبو طالب قال: قلت لأبي عبداللَّه: كتب إليّ من طرسوس: أن الشراك يزعم أن القرآن كلام اللَّه، فإذا تلوته فتلاوته مخلوقة!

قال: "قاتله اللَّه! هذا كلام جهم بعينه".

قلت: رجل قال: القرآن كلام اللَّه وليس بمخلوق، ولكن لفظي به مخلوق؟

قال: "من قال هذا فقد جاء بالأمر كله، إنما هو كلام اللَّه على كل حال، الحجة فيه حديث أبي بكر: {ألم غُلِبَتِ الرُّومُ}".

فقيل له: هذا مما جاء به صاحبك؟ فقال: لا واللَّه، ولكنه كلام اللَّه. هذا وغيره إنما هو كلام اللَّه.

قال: "نعم، هذا وغيره إنما هو كلام اللَّه، إن لم يرجع عن هذا فاجتنبه ولا تكلمه، هذا مثل ما قال الشراك".

قلت: هذه القصة لم تثبت، والرد على من قال بهذا القول في آيات وأحاديث أخرى كثيرة.

·       الرهان الوارد في الحديث! والاحتجاج به! ودعوى أنه نُسخ!

قال القرطبي في «تفسيره» (14/5): "وكَانَ فِي هَذَا الْإِخْبَارِ دَلِيلٌ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِأَنَّ الرُّومَ غَلَبَتْهَا فَارِسُ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الرُّومَ سَتَغْلِبُ فَارِسَ فِي بِضْعِ سِنِينَ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَفْرَحُونَ بِذَلِكَ، لِأَنَّ الرُّومَ أَهْلُ كِتَابٍ، فَكَانَ هَذَا مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ مِمَّا لَمْ يَكُنْ عَلِمُوهُ، وَأَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُرَاهِنَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَأَنْ يُبَالِغَ فِي الرِّهَانِ، ثُمَّ حُرِّمَ الرِّهَانُ بَعْدُ وَنُسِخَ بِتَحْرِيمِ القِمَارِ".

قلت: اعتمد كثير من أهل العلم على ما جاء في هذه القصة من تفسير بعض الرواة لأن ما فعله أبو بكر كان مُباحاً قبل أن يحرم القمار!!

بل احتج بذلك أبو حنيفة على جواز العقود الربوية مع أهل الحرب!

قال الزمخشري في «تفسيره» (3/467): "فإن قلت: كيف صحت المناحبة وإنما هي قمار؟ قلت: عن قتادة - رحمه الله - أنه كان ذلك قبل تحريم القمار. ومن مذهب أبي حنيفة ومحمد: أن العقود الفاسدة من عقود الربا وغيرها جائزة في دار الحرب بين المسلمين والكفار. وقد احتجا على صحة ذلك بما عقده أبو بكر بينه وبين أبيّ بن خلف مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ، أي: في أوّل الوقتين وفي آخرهما حين غلبوا وحين يغلبون، كأنه قيل: من قبل كونهم غالبين، وهو وقت كونهم مغلوبين. ومن بعد كونهم مغلوبين، وهو وقت كونهم غالبين، يعني أن كونهم مغلوبين أوّلا وغالبين آخرا ليس إلا بأمر الله وقضائه".

وقال الطاهر بن عاشور في «التحرير والتنوير» (21/45): "واعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي مُخَاطَرَةِ أَبِي بَكْرٍ وَأُبَيِّ بنِ خَلَفٍ وَتَقْرِيرِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهَا احْتَجَّ بِهَا أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى جَوَازِ الْعُقُودِ الرِّبَوِيَّةِ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ. وَأَمَّا الجُمْهُورُ فَهَذَا يَرَوْنَهُ مَنْسُوخًا بِمَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ القِمَارِ نَهْيًا مُطْلَقًا لَمْ يُقَيَّدْ بِغَيْرِ أَهْلِ الحَرْبِ. وَتَحْقِيقُ المَسْأَلَةِ أَنَّ المُرَاهَنَةَ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ جَرَتْ عَلَى الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ إِذْ لَمْ يَكُنْ شَرْعٌ بِمَكَّةَ أَيَّامَئِذٍ فَلَا دَلِيلَ فِيهَا عَلَى إِبَاحَةِ المُرَاهِنَةِ، وَأَنَّ تَحْرِيمَ الْمُرَاهَنَةِ بَعْدَ ذَلِكَ تَشْرِيعٌ أُنُفٌ وَلَيْسَ مِنَ النَّسْخِ فِي شَيْءٍ".

وعنون ابن القيم في كتاب «الفروسية» (ص: 92): "فصل: مراهنة الصّديق للْمُشْرِكين بِعِلْمِهِ وإذنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم".

ثم ساق حديث حبيب بن أبي عمْرَة عَن سعيد بن جُبَير عَن ابن عَبَّاس، وحديث نيار بن مكرم الْأَسْلَمِيّ، وحَدِيث الزُّهْرِيّ عَن عبيدالله بن عتبَة عَن ابن عَبَّاس.

ثم قال: "وقَوله فِي الحَدِيث مناحبته فالمناحبة المخاطرة وَهِي المُرَاهنَة من النحب وَهُوَ النّذر وَكِلَاهُمَا مناحب هَذَا بِالعقدِ وَهَذَا بِالنذرِ... وَقَوله (وَذَلِكَ قبل تَحْرِيم الرِّهَان) من كَلَام بعض الروَاة لَيْسَ من كَلَام أبي بكر ولا من كَلَام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم".

ثم قال: "وَقد اخْتلف أهل العلم فِي إحكام هَذَا الحَدِيث ونسخه على قَوْلَيْنِ:

فادعت طَائِفَة نسخه بنهي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الغرَر والقمار، قَالُوا: فَفِي الحَدِيث دلَالَة على ذَلِك وَهُوَ قَوْله: وَذَلِكَ قبل تَحْرِيم الرِّهَان.

قَالُوا: وَيدل على نسخه مَا رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد وَأهل السّنَن من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: «لا سبق إِلَّا فِي خف أَو حافر أَو نصل». والسبق - بِفَتْح السِّين وَالبَاء - وَهُوَ الخطر الَّذِي وَقع عَلَيْهِ الرِّهَان.

وإِلَى هَذَا القَوْل ذهب أَصْحَاب مَالك وَالشَّافِعِيّ وأحْمَدْ.

وَادعت طَائِفَة أَنه مُحكم غير مَنْسُوخ وَأَنه لَيْسَ مَعَ مدعي نسخه حجَّة يتَعَيَّن المصير إِلَيْهَا.

قالوا: والرهان لم يحرم جملَة فَإِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَاهن فِي تسبيق الخَيل، وَإِنَّمَا الرِّهَان على المحرم الرِّهَان على البَاطِل الَّذِي لَا مَنْفَعَة فِيهِ فِي الدّين، وَأما الرِّهَان على مَا فِيهِ ظُهُور أَعْلَام الْإِسْلَام وأدلته وبراهينه كَمَا قد رَاهن عَلَيْهِ الصّديق فَهُوَ من أَحَق الحق وَهُوَ أولى بِالجَوَازِ من الرِّهَان على النضال وسباق الخَيل وَالْإِبِل أدنى وَأثر هَذَا فِي الدّين أقوى؛ لِأَن الدّين قام بِالحجَّةِ والبرهان وبالسيف والسنان، والمقصد الأول إِقَامَته بِالحجَّةِ وَالسيف منفذ.

قَالُوا: وَإِذا كَانَ الشَّارِع قد أَبَاحَ الرِّهَان فِي الرَّمْي والمسابقة بِالخَيْلِ وَالْإِبِل لما فِي ذَلِك من التحريض على تعلم الفروسية وإعداد الْقُوَّة للْجِهَاد فجواز ذَلِك فِي المُسَابقَة والمبادرة إِلَى الْعلم وَالْحجّة الَّتِي بهَا تفتح الْقُلُوب ويعز الْإِسْلَام وَتظهر أَعْلَامه أولى وَأَحْرَى.

وإِلَى هَذَا ذهب أَصْحَاب أبي حنيفَة وَشَيخ الْإِسْلَام ابن تَيْمِية.

قَالَ أَرْبَاب هَذَا القَوْل: والقمار المحرم هُوَ أكل المَال بِالبَاطِلِ، فَكيف يلْحق بِهِ أكله بِالحَقِّ!

قَالُوا: والصديق لم يقامر قطّ فِي جَاهِلِيَّة وَلَا إِسْلَام وَلَا أقرّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على قمار فضلا عَن أَن يَأْذَن فِيهِ.

وَهَذَا تَقْرِير قَول الْفَرِيقَيْنِ".

ثم رَّد على القَائِلين بِأَن مراهنة أبي بكر الصّديق لكفار قُرَيْش مَنْسُوخَة، قال: "قَالُوا: وَنَظِير قصَّة مصارعه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لركانة قصَّة مراهنة الصّديق لكفار قُرَيْش على تَصْدِيق النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا أخبر بِهِ من غَلَبَة الرّوم لفارس، وَكَانَ الرِّهَان من الجَانِبَيْنِ كَمَا تقدم فِي أول الكتاب سِيَاق الحَدِيث وَإِسْنَاده على شَرط الصَّحِيح، وَقد صَححهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره.

قَالُوا: وَلَا يَصح أَن يُقَال إِن قصَّة الصّديق مَنْسُوخَة بِتَحْرِيم القمَار فَإِن القمَار حرم مَعَ تَحْرِيم الخمر فِي آيَة وَاحِدَة، والخمر حرمت وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم محاصر بني النَّضِير وَكَانَ ذَلِك بعد أحد بأشهر، وَأحد كَانَت فِي شَوَّال سنة ثَلَاث بِغَيْر خلاف، وَالصديق لما كَانَ المُشْركُونَ قد أخذُوا رَهنه عَاد وراهنهم على مُدَّة أُخْرَى كَمَا تقدم، فَغلبَتْ الرّوم فَارس قبل المدَّة المضروبة بَينهم، فَأخذ أَبُو بكر رهنهم هَكَذَا جَاءَ مُصَرحًا بِهِ فِي بعض طرق الحَدِيث، وَهَذِه الْغَلَبَة من الرّوم لفارس كَانَت عَام الحُدَيْبِيَة بِلَا شكّ وَمن قَالَ كَانَت عَام وقْعَة بدر فقد وهم! لما ثَبت فِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن ابن عَبَّاس عَن أبي سُفْيَان: أَن هِرقل لما أظهره الله على فَارس مَشى من حمص إِلَى إيلياء شكراً لله فوافاه كتاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ بإيلياء، فَطلب من هُنَاكَ من العَرَب فجِئ بِأبي سُفْيَان صَخْر بن حَرْب فَقَالَ لَهُ: إِنِّي سَائِلك عَن هَذَا الرجل... فَذكر الحَدِيث، وَفِيه: فَقَالَ: هَل يغدر؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَان: لا، وَنحن الْآن فِي أَمَان مِنْهُ فِي مُدَّة مَا نَدْرِي مَا هُوَ صانع فِيهَا - يُرِيد أَبُو سُفْيَان بالمدة صلح الحُدَيْبِيَة، وَكَانَ فِي ذِي الْقعدَة سنة سِتّ بِلَا شكّ- فَعلم أَن تَحْرِيم القمَار سَابق على أَخذ الصّديق الرِّهَان الَّذِي رَاهن عَلَيْهِ أهل مَكَّة، وَلَو كَانَ رهان الصّديق مَنْسُوخا لَكَانَ أبعد النَّاس مِنْهُ، فقد روى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه أَنه كَانَ لَهُ غُلَام يَأْخُذ مِنْهُ الخراج فجَاء يَوْمًا بشيء فَأكل مِنْهُ، ثمَّ ضحك غُلَامه، فَقَالَ: مَالك؟ فَقَالَ: أَتَدْرِي من أَيْن هَذَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: إِنِّي كنت تكهنت لإِنْسَان فِي الجَاهِلِيَّة، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم جَاءَنِي بِمَا جعل لي، فَوضع أَبُو بكر يَده فِي فِيهِ واستقاء مَا كَانَ أكل، فَكيف يَأْخُذ القمَار الحَرَام بعد علمه بِتَحْرِيمِهِ ونسخه! هَذَا من المحَال الْبَين، وَقد رُوِيَ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر أَبَا بكر أَن يتَصَدَّق بِمَا أَخذ من المُشْركين من الرِّهَان، وهَذَا إِن صَحَّ لَا يضر، فَإِنَّهُ الأولى والأكمل والأليق بِمنْصب الصديقية، فَلَمَّا رَأَتْ هَذِه الطَّائِفَة أَنه لَا يَصح أَن تكون قصَّة الصّديق مَنْسُوخَة بِتَحْرِيم القمَار قَالَت هِيَ مَنْسُوخَة بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة: «لا سبق إِلَّا فِي خف أَو حافر أَو نصل»، قَالُوا: وَأَبُو هُرَيْرَة أسلم عَام خَيْبَر سنة سبع، وَهَذَا بعد تَحْرِيم القمَار والخمر بِلَا شكّ، فَيكون حَدِيثه نَاسِخاً لمراهنة الصّديق.

قَالَ الْآخرُونَ: أَبُو هُرَيْرَة لم يقل سمعته من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَجَائِز أَن يكون أرْسلهُ عَن بعض الصَّحَابَة كَمَا فِي عَامَّة حَدِيثه، فَإِنَّهُ كَانَ يَقُول: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَإِذا وقف يَقُول: حَدثنِي فلَان وَيذكر من حَدثهُ من الصَّحَابَة، وعَلى تَقْدِير أَن يكون سَمعه من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فغايته أَنه لفظ عَام ومراهنة الصّديق وَاقعَة خَاصَّة وَالخَاص مقدم على الْعَام تقدم أَو تَأَخّر عِنْد الجُمْهُور، وَقيل إِنَّه إِجْمَاع الصَّحَابَة كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ أقرّ أهل خَيْبَر على أَن يعملوها وَالثَّمَرَة بَينهم وَبَينه ثمَّ أوصى عِنْد وَفَاته: أخرجُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى من جَزِيرَة العَرَب، وَلَا خلاف أَن خَيْبَر من جَزِيرَة العَرَب فَعمل الخليفتان الراشدان بالخاص الْمُتَقَدّم وَقَدمَاهُ على الْعَام الْمُتَأَخر، وَأقر أهل خَيْبَر فِيهَا إِلَى أَن أَحْدَثُوا فِي زمن عمر - رَضِي الله عَنهُ - مَا أَحْدَثُوا وَعلم فأجلاهم إِلَى الشَّام.

قَالُوا: وَهَذَا للحنفية ألزم فَإِنَّهُم يرَوْنَ الْمُرَاهنَة على مثل مَا رَاهن عَلَيْهِ الصّديق من الْغَلَبَة فِي مسَائِل العلم، وَعِنْدهم أَن العَام الْمُتَأَخر ينْسَخ الخَاص الْمُتَقَدّم، وَلم ينسخوا قصَّة الصّديق المُتَقَدّمَة الخَاصَّة بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة العَام المُتَأَخر، وَهُوَ قَوْله: «لا سبق إِلَّا فِي خف أَو حافر أَو نصل»، وعَلى هَذَا فقد يُقَال قصَّة مراهنة الصّديق لم تدخل فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَلَا أُرِيد بهَا بِنَفْي وَلَا إِثْبَات! وعَلى هَذَا فَكل وَاحِد من الحَدِيثين يبْقى مَعْمُولا بِهِ؛ لِأَنَّهُ على بَابه ولا تعَارض بَينهمَا، وَهُوَ تَقْرِير حسن.

قَالُوا: فَهَذِهِ نبذة من أدلتنا على عدم اشْتِرَاط المُحَلّل فِي السباق فَإِن كَانَ عنْدكُمْ مَا يعارضها فَحَيَّهَلا بِهِ فَنحْن من وَرَاء القبُول لَهُ إِن قاومها وَمن وَرَاء الرَّد وَالْجَوَاب إِن لم يقاومها، ومحال أَن تقوم هَذِه الْأَدِلَّة وَأكْثر مِنْهَا على أَمر بَاطِل فِي الشَّرْع يتَضَمَّن تَحْلِيل مَا حرمه الله وَرَسُوله وإلحاق القمَار بالحلال، وَلَا يكون عَنْهَا أجوبة صَحِيحَة صَرِيحَة! وَلها معَارض مقَام فَمن ادّعى بُطْلَانهَا فليجب عَنْهَا أجوبة مفصلة وَإِلَّا فليعرف قدره وَلَا يتَعَدَّى طوره، وَلَا يقتحم حلبة هَذَا السباق إِلَّا إِذا وثق من نَفسه بمقاومة الرفاق" انتهى كلامه.

قلت: كل ذلك مبني على صحة هذا الحديث!! ولا يصح بحال! فبطل كل هذا الاستدلال!

·       الخلاصة والفوائد:

توصلت في هذا البحث – بحمد الله وكرمه – إلى جملة من النتائج، أهمها:

1- قصة حزن المسلمين لانتصار الفرس على الروم، وفرحهم بانتصار الروم على الفرس جاءت في بعض الأحاديث المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يصح فيها شيء!

2- حديث نِيار بن مُكرم الأسلمي تفرد به: عبدالرحمن بن أبي الزناد! وهو ضعيف، ولا يقبل تفرده.

3- صحح الترمذي حديث نيار بالشواهد! وصحح إسناده البيهقي وابن حجر!! وهذا من تساهلهم رحمهم الله.

4- اختلف في صحبة نيار بن مكرم، والصواب أنه لم تصح صحبته. وهو تابعي كما قال ابن سعد وخليفة بن خياط.

5- إيراد البخاري للحديث في ترجمة "نيار بن مكرم" يدلّ على استنكاره له بحسب الاستقراء من منهجه رحمه الله.

6- ما جاء في أن نيار بن مكرم شارك في دفن عثمان جاء في رواية منكرة!! وأخرى ضعيفة مرسلة!!

7- ما جاء في أن نيار بن مكرم شارك في معركة القادسية جاء من طريق منكر!!

8- علل حديث نيار بن مكرم في نزول {ألم. غلبت الروم}، وقصة مراهنة أبي بكر للمشركين:

العلة الأولى: ضعف راويه عبدالرحمن بن أبي الزناد، وتفرده به عن أبيه!!

العلة الثانية: الانقطاع: فعروة لم يسمع من نِيار بن مُكرم! ولا تُعرف له رواية عنه!

العلة الثالثة: الإرسال: فنيار بن مُكرم لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يُعرف له سماعاً من أبي بكر!

العلة الرابعة: نكارة المتن!

وتتمثل النكارة في مسألة رهان أبي بكر مع المشركين! واختلافهم في جعل "البضع"!! وكذلك ما جاء فيه أنه "أسلم عند ذلك ناس كثير"!!! فلا تحفظ لنا الكتب وخاصة كتب السيرة إسلام ناس كثير من مشركي قريش لمثل هذه الحادثة أو غيرها!!

وكذلك ما جاء في الرواية من تحديد عدد السنين. ومخالفة هذه الرواية لروايات أخرى!

ففي بعضها: "أَن أَبَا بكر لما قصد الهِجْرَة جَاءَ إِلَى أبيّ بن خلف، وَطلب مِنْهُ كَفِيلا بالقلائص، فكفل بهَا ابْنه عبدالرَّحْمَن بن أبي بكر، ثمَّ لما خرج أبيّ بن خلف إِلَى أحد طلب عبدالرَّحْمَن مِنْهُ كَفِيلا، فكفل بالقلائص ابْنه، ثمَّ انه لما ظَهرت الرّوم على فَارس أَخذ أَبُو بكر القلائص".

وفِي بعضها: "أَن المدَّة كَانَت إِلَى خمس سِنِين لَا زِيَادَة، وَمَضَت الخمس وَلم تغلب الرّوم على فَارس، واخذ أبي بن خلف القلائص، ثمَّ بعد ذَلِك ظَهرت الرّوم على فَارس".

وفي بعضها: "أن الأجل كان قد تم، وطلب المشركون قمارهم فزايدهم المسلمون في القمار ومادوهم في الأجل، فغلبت الروم"!!

9- ما روي أن مالكاً كان يوثق عبدالرحمن بن أبي الزناد ويأمر بالكتابة عنه لا يصح!

10- رواية أصحاب السنن الأربعة لراو لا يعني توثيقه! كما نجد في عبارات بعض أهل العلم مشيرين إلى اعتبار تخريجهم للراوي!

11- تساهل الترمذي بتصحيحه لبعض حديث عبدالرحمن بن أبي الزناد!

12- شعيب الأرنؤوط يقرر بعض الأشياء مع رفيقه بشار معروف في كتابهما "التحرير"! ويخالفه أثناء تعليقه على "مسند أحمد"! وكذلك عدم دقتهما في النقول عن أهل العلم!

13- لم يقرأ حجاج الأعور التفسير على ابن جُريج.

14- حديث: الفَزَارِيّ، عن سُفْيَان الثوريّ، عَنْ حَبِيبِ بنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْر، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، حسّنه الترمذي، وصححه الضياء المقدسي والحاكم والألباني وشعيب الأرنؤوط!! وهذا من تساهلهم!

15- علل حديث ابن عباس:

العلة الأولى: الإرسال!

فقد تفرد بوصله أبو إسحاق الفزاري عن سفيان!! وغيره يرويه عن سفيان مرسلاً!

العلة الثانية: التفرد والنكارة!

فالحديث تفرد به حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جُبير!! ولم يروه عنه غيره!! وحبيب قليل الرواية له ما يقرب من خمسة عشر حديثاً كما قال ابن المدينيّ. وله تفردات غريبة عن سعيد بن جبير في هذه البابة = بابة تفسير بعض الآيات!

16- أبو إسحاق الفزاري ثقة حافظ، ولم أجد من تكلم فيه بأنه يهم إلا ابن سعد، فإنه وصفه بكثرة الخطأ في حديثه!! وهذه مبالغة منه، فأوهامه قليلة وقفت منها على ثلاثة عشر وهماً، وهي في وصل مرسل أو رفع موقوف أو وهم في اسم، أو زيادة في إسناد، أو إبدال اسم الصحابي!

17- ذكر البخاري في ترجمة "حبيب بن أبي عمرة" هذا الحديث فقط! ومن عادة البخاري أنه يورد في ترجمة الراوي حديثاً يستنكره عليه. وقد خرّج له حديثاً واحداً في «صحيحه» قد تُوبع عليه، وعلّق له آخر لضعفه.

18- حبيب بن أبي عمرة صدوق صالح، ويُعتبر بحديثه، ولا يُقبل إذا انفرد، وهو ليس من أصحاب سعيد بن جُبير الذين يُقبل حديثهم عنه دون متابعة. وقد رآه، وروى عنه، لكنه ليس من الأثبات فيه، وينفرد عنه بغرائب!!!

19- ما اشتهر من قول ابن الصلاح وتبعه عليه أهل المصطلح فيما يتعلق بمعلقات البخاري: "مَا كَانَ مِنْهُ بِصِيغَة الجَزْم مثل: قالَ فلَان وَفعل وَأمر وروى وَذكر فَهُوَ حكم بِصِحَّتِهِ عَن المُضَاف إِلَيْهِ"! هذا القول فيه نظر! فالبخاري قد يُعلق حديثاً عن راو ويجزم به، وهذا الراوي لم يروه كذلك، والعلة فيه ليست منه!

20- خرّج مسلم لحبيب بن أبي عمْرَة حديثاً واحداً فِي كتاب الْأَشْرِبَة تُوبع عليه، وساقه في الشواهد.

21- كلّ ما رُوي عن ابن عباس في هذا الباب في نزول هذه الآيات {ألم. غلبت الروم} لا يصح!

22- نسخة: مُحَمَّد بن سَعْدِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ العَوْفِيّ، عن أَبِيه، عن عَمّه الحُسَيْن بن الحَسَنِ بنِ عَطِيَّةَ، عن أَبِيه، عَنْ جَدّه عَطِيَّة بنِ سَعْدٍ العوفي، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ.. نسخة تفسيرية بإسناد مسلسل بالآباء الضعفاء!

23- حسّن الترمذي حديث: عَبْداللَّهِ بن عَبْدِالرَّحْمَنِ الجُمحيّ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِاللهِ بن عَبْدِاللهِ بنِ عُتْبَةَ بنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، قالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ: {الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ}، نَاحَبَ أَبُو بَكْرٍ قُرَيْشًا... وهو حديث معلول بالإرسال! وجهالة الجمحي!

24- حسّن الترمذي حديث: سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ، عَنْ عَطِيَّةَ العوفيّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قالَ: لمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ ظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ.. وهو معلول بضعف عطية العوفي وتدليسه اسم "أبي سعيد" وهو الكلبي الكذاب، لا الصحابي!

25- حديث المُؤَمَّل بن إسماعيل، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ قالَ: «لمَّا نَزَلَتْ: {الم. غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ}.. منكر بهذا الإسناد! لَمْ يَرْوِه عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السبيعي إِلَّا إِسْرَائِيلُ بن يونس، تَفَرَّدَ بِهِ: مُؤَمَّلٌ! ومؤمل بن إسماعيل البصري كثير الغلط بسبب سوء حفظه! قيل: إنه دفن كتبه فَكَانَ يُحدِّث من حفظه، فكثر خطؤه.

26- حديث سفيان بن وَكِيع بن الجراح، عن عَبْدالرَّحْمَنِ بن مُحَمَّد المُحَارِبِيّ، عَنْ دَاوُدَ بنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيُّ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بن مَسْعُودٍ، قالَ: «كَانَ فَارِسُ ظَاهِرًا عَلَى الرُّومِ، وَكَانَ المُشْرِكُونَ يُحِبُّونَ أَنْ تَظْهَرَ فَارِسُ عَلَى الروم... » معلول بالانقطاع! فالشعبي لم يسمع من ابن مسعود! وذكر "ابن مسعود" فيه وهم من ابن وكيع – وهو ضعيف-! والمحفوظ في إسناده: "عن داود بن أبي هند عن الشعبي" قوله.

27- المحفوظ عن ابن مسعود في مسألة "{غلبت الروم} ما رواه الشيخان [البخاري في التفسير، ومسلم في التوبة] من حديث سُلَيْمَان بن مِهْران الْأَعْمَش، عَنْ مُسْلِم بن صبيح أبي الضحى، عَنْ مَسْرُوقٍ، قالَ: قَالَ عَبْدُاللَّهِ: «خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ: الدُّخَانُ، وَاللِّزَامُ، وَالْبَطْشَةُ، وَالْقَمَرُ، وَالرُّومُ».

28- حديث نزول آيات الروم رُوي نحوه مُرْسَلًا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ، مِثْل: الشَّعْبِيِّ، وعِكْرِمة، وَمُجَاهِدٍ، وقَتَادَةَ، والزُّهْرِيِّ، وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم، وغَيْرِهم.

ومن صح عنه القول في هذا إنما اعتمد على الروايات المشتهرة في ذلك، ولا يصح منها شيء! وأقوال هؤلاء المرسلة ليست بحجة مع وجود نكارة في القصة، وخاصة قصة مراهنة أبي بكر للمشركين، وطلب النبي صلى الله عليه وسلم منه أن يزيد في الأجل!! وفرح المسلمين بربح الرهان في بعض الروايات!! واهتمام المسلمين بفرح كافر على مثله!!

29- ما روي عن عكرمة في هذا الباب لا يصح؛ لأنه من رواية الكذابين والوضاعين عنه!

30- قال بعض أهل التفسير أن النصر الذي يَفْرح به المُؤْمِنُون يحتمل أن يشار فيه إلى نصر الروم على فارس، ويحتمل أن يشار فيه إلى نصر يخص المؤمنين على عدوهم وهذا أيضاً غيب أخبر به.. إما يوم بدر وإما يوم بيعة الرضوان، ويحتمل أن يشار به إلى فرح المسلمين بنصر الله إياهم في أن صدق ما قال نبيهم من أن الروم ستغلب فارس فإن هذا ضرب من النصر عظيم.

والأمر في الآيات {ألم. غلبت الروم} عندي لا يعدو إخباراً منه سبحانه وتعالى بهذا الأمر الغيبي ليدل على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم، وقد تحققت هذه النبوءة. وقوله تعالى: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ} أي يفرح المؤمنون بنصرهم في بدر على المشركين أو الحديبية، وكان ذلك في اليوم الذي غلبت فيه الروم فارس كما قال بعض أهل التفسير. إذ لا يضاف النصر لمشرك على آخر إلى الله!! وإن كان النصر كله بيد الله.

31- اعتماد الإمام أحمد على هذه القصة في الرد على من قال بخلق القرآن فيه نظر!! لعدم ثبوتها.

32- احتج أبو حنيفة بما جاء في هذه القصة من مراهنة كفار قريش على جواز العقود الربوية مع أهل الحرب!! ورأى غيره أنها منسوخة بما ورد من النهي عن القمار نهياً مطلقاً! وقد ردّ ابن القيم على من ادعى نسخ ذلك وحرر رأي الفريقين في ذلك! وكل ذلك مبني على تصحيحهم للقصة! ولم تصح، ولم يرد أن أبا بكر راهن لا في جاهلية ولا إسلام، والله أعلم.

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

وكتب: أبو صهيب خالد الحايك

27 شوّال 1439هـ.

 

دُورُ الحديث
تحقيق التراث
فوائد حديثية
المناهج والنقد
مصطلح الحديث
علوم الرّجال
علل الأحاديث
فقه الحديث
المغازي والسّير
المدارس الحديثية
أسئلة وأجوبة
السرقات العلمية
متفرقات
علوم أخرى
 
   
   الاسم
  البريد الإلكتروني
البلد
  التعليق*:

 
     
 
 
 
 
     
       
         
 
الصوتيات والمرئيات  |   الكتب  |   البحوث   |   المخطوطات   |    المجلة   |    الأرشيف
جميع الحقوق محفوظة لدار الحديث الضيائية