الصفحة الرئيسية         الكتب           البحوث           المخطوطات          المجلة            راسلنا          الضيائية
 
 
 

«الإِلْمَام» بعلل حديث صلاة القيام حتى يَنصرف الإِمام!

حديث: «إِذا صلَّى معَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَتْ لهُ قِيَامَ لَيلة». 



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّد المرسلين، وعلى آله وصحبه والتابعين، أما بعد:

فإن كثيراً من المعاصرين حينما يحكمون على الأحاديث ينظرون إلى حال الراوي الإجمالية كما هي في كتب الجرح والتعديل، وعليها يبنون أحكامهم!! دون النظر إلى آلية التعامل مع أحاديث الرواة ومواطنهم، وكيفية سماعهم للأحاديث! والبلاد التي سمعوا الأحاديث فيها وحدثوا بها!! وغير ذلك من المسائل التي لا يتقنونها أو يغفلون عن ملاحظتها!!

وجُلّ هؤلاء أيضاً يقلدون من سبقهم في حكمهم على بعض الأحاديث دون النظر فيما ذكرناه آنفاً!!

وسأبيّن ذلك – إن شاء الله- من خلال الكلام على هذا الحديث الذي صححه كثير من أهل العلم! واستنكره بعض المعاصرين دون أن يبيّن حجته الواضحة في ذلك!!!

والبلاء كل البلاء فيمن تزبب قبل أن يتحصرم من الأشبار الذين يتصدرون للتصحيح والتعليل مع جهلهم المركب في هذا العلم!!

وقد أطلعني بعض الإخوة في بداية شهر رمضان المبارك لهذا العام (1439هـ) على مقال لأحد هؤلاء الذين لا يُعرف أنهم يعرفون الحديث!! فحكم بنكارة الحديث اعتباطاً دون تقديم الأدلة الحديثية الصحيحة لتدعيم رأيه! ورد عليه آخر رداً لا يخلو من جهل أيضاً!! والله المستعان.

·       الحديث وتخريجه:

روى دَاوُد بن أَبِي هِنْدَ، عَنِ الوَلِيدِ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ الجُرشي، عَنْ جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ الحضرميّ الحمصيّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قالَ: صُمْنَا رَمَضَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَقُمْ بِنَا شَيْئًا مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ السَّابِعَةُ مِمَّا يَبْقَى، صَلَّى بِنَا حَتَّى كَادَ أَنْ يَذْهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ لَمْ يُصَلِّ بِنَا، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ الخَامِسَةُ مِمَّا يَبْقَى صَلَّى بِنَا حَتَّى كَادَ أَنْ يَذْهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ نَفَّلْتَنَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِنَا، فقال: «لا إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَتْ لَهُ قِيَامَ لَيْلَةٍ»، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ لَمْ يُصَلِّ بِنَا فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَهْلِهِ وَاجْتَمَعَ لَهُ النَّاسُ فَصَلَّى بِنَا حَتَّى كَادَ أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلَاحُ ثُمَّ يَا ابْنَ أَخِي لَمْ يُصَلِّ بِنَا شَيْئًا مِنَ الشَّهْرِ، قَالَ: وَالْفَلَاحُ السُّحُورُ.

وفي بعض الروايات: «فَلَمْ يَقُمْ بِنَا مِنَ الشَّهْرِ شَيْئًا حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ نَحْوٌ مِنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ، ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا اللَّيْلَةَ الرَّابِعَةَ، وَقَامَ بِنَا اللَّيْلَةَ الَّتِي تَلِيهَا حَتَّى ذَهَبَ نَحْوٌ مِنْ شَطْرِ اللَّيْلِ، قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ نَفَّلْتَنَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِنَا هَذِهِ قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ بَقِيَّةُ لَيْلَتِهِ، ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا السَّادِسَةَ، وَقَامَ بِنَا السَّابِعَةَ..».

أخرجه عبدالرزاق في «مصنفه» (4/254) (7706) عَنِ سفيان الثَّوْرِيِّ.

وابن أبي شيبة في «مصنفه» (2/164) (7695) عن ابن فضيل.

والطيالسي في «مسنده» (1/373) (468) عن وُهَيْب بن خالد.

وأحمد في «مسنده» (35/331) (21419) (21447) عن عَلِيّ بن عَاصِمٍ وسفيان الثوري.

والدارمي في «مسنده» (2/1115) (1818) من طريق يَزِيد بن زُرَيْعٍ وسُفْيَان الثوري.

والترمذي في «جامعه»، كتاب الصوم، (2/161) (806) من طريق مُحَمَّد بن الفُضَيْلِ.

وأبو داود في «سننه»، كتاب الصلاة، (2/525) (1375) من طريق يزيد بن زريع.

والنسائي في «سننه»، كتاب الصلاة، (2/108) (1289) من طريق محمد بن فضيل وبشر بن المفضل.

وابن ماجه في «سننه»، كتاب الصلاة، (2/353) (1327) من طريق مسلمة بن علقمة.

والبزار في «مسنده» (9/432) (4041) من طريق سُفْيَان الثَّوْرِيَّ وعَبْدالأَعْلى.

وابن خزيمة في «صحيحه» (3/337) (2206)، ومن طريقه ابن حبان في «صحيحه» (6/288) (2547) من طريق محمد بن فُضَيْلٍ.

ومحمد بن نصر المروزي في «مختصر قيام الليل وقيام رمضان» (ص: 215) من طريق خالد بن عبدالله الطحان.

وأبو الشيخ الأصبهاني في «طبقات المحدثين بأصبهان» (3/189) من طريق مَطَرٍ الوَرَّاقِ.

وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (63/159) من طريق يحيى بن زكريا بن أبي زائدة.

والبغوي في «شرح السنة» (4/124) (991) من طريق هُشَيْم.

كلهم (سفيان الثوري الكوفي، ومحمد بن فضيل بن غزوان الكوفي، ووهيب بن خالد البصري، وعلي بن عاصم الواسطي، ويزيد بن زُريع البصري، وبشر بن المفضل البصري، ومسلمة بن علقمة البصري، وعبدالأعلى بن عبدالأعلى السامي البصري، وخالد الطحان الواسطي، ومطر الورّاق الخراساني البصري، ويحيى بن زكريا ابن أبي زائدة الكوفي، وهشيم الواسطي) عن دَاوُد بن أَبِي هِنْدَ البصريّ، به.

·       حكم أهل العلم على الحديث:

قال الترمذي: "هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ".

وقال البزار: "وهذا الحَدِيثُ لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى بِهَذَا اللَّفْظِ إِلَّا عَنْ أَبِي ذَرٍّ، ولا نَعْلَمُ لَهُ طَرِيقًا عَنْ أَبِي ذَرٍّ غَيْرَ هذا الطَّرِيقِ، وَرَوَاهُ عَنْ دَاوُدَ غَيْرُ وَاحِدٍ".

وقال الألباني في «إرواء الغليل» (447): "إسناده صحيح رجاله كلهم ثقات".

قلت: هذا الحديث تفرد به داود بن أبي هند! ورواه عنه جماعة من تلاميذه البصريين والكوفيين والواسطيين كما بينا في تخريجه.

وهذا الحديث إسناده شاميّ! ولا يُعرف حدث به من أهل الشام عن الوليد بن عبدالرحمن الجرشي أحد! وانفرد به عنه داود بن أبي هند البصري!

بل لم يرو عن الوليد من العراقيين غير داود بن أبي هند!

قال الأحوص بن المفضل: حدثنا أبي قال: "والوليد بن عبدالرحمن الجرشي روى عنه داود بن أبي هند من العراقيين وحده" [تاريخ دمشق: 63/162].

وكلام البزار فيه إشارة إلى إعلال هذا الحديث.

·       بيان حال داود بن أبي هند:

وداود بنُ أبي هِنْد: الإِمامُ الثبتُ أَبو محمد البصري (ت 139هـ) رأى أنس بنَ مالك.

وروى عن: أبي العالية، وابن المسيِّب، وأبي عثمان النَّهدي، والشّعبي، وعِكرمة، وغيرهم.

وكان عكرمة قَدِم عكرمة البصرة، فنزل على دَاوُد بن أَبِي هند وسمع منه التفسير.

وروى عنه: شعبة، والحمّادانِ، وابنُ عُليَّة، ويحيى القطَّان، ويزيدُ بن هارون، وغيرهم.

وكان من حفاظ أهل البصرة.

قال ابن المبارك عن سفيان قال: "حفاظ البصريين ثلاثة: سليمان التيمي، وعاصم الأحول، وداود بن أبي هند، وكان عاصم أحفظهم".

وثقه ابن معين وأحمد وأبو حاتم والنسائي ويعقوب بن شيبة والعجلي وابن سعد وابن خراش.

·       قدوم داود دمشق والتحديث بها وتفرده عن بعض الشاميين!

وكان رحمه الله قدم دمشق وحدّث بها.

روى ابن عساكر في «تاريخه» (17/117) من طريق إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا داود بن أبي هند، قال: قدمت دمشق فسألوني عن أولاد المشركين؟ فحدثتهم عن الحسن عن أبي هريرة أنه قال: "كل مولود يولد على الفطرة"، وحدثتهم عن الشعبي عن علقمة: أن ابني مليكة قالا: يا رسول الله، إن أمنا وأدت موؤودة في الجاهلية! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوائدة والموءودة في النار، إلا أن تدرك الوائدة الإسلام فتسلم".

ثم روى من طريق سعيد بن عامر قال: قال داود بن أبي هند: "أتيت الشام فلقيني غيلان، فقال: يا داود، إني أريد أن أسألك عن مسائل، قلت: سلني عن خمسين مسألة، وأسألك عن مسألتين! قال: سل يا داود، قلت: أخبرني ما أفضل ما أعطي ابن آدم؟ قال: العقل، قلت: فأخبرني عن العقل، هو شيء مباح للناس من شاء أخذه ومن شاء تركه أو هو مقسوم بينهم؟ قال: فمضى ولم يجبني".

ويبدو أن حديثه لم يشتهر عند الشاميين لعدم وجود من روى عنه منهم من حديثه!

وقد حدّث عن مكحول، والوليد بن عبدالرحمن، وأبي منيب الجرشي، من الشاميين!

ولما نزل الشام نزلها وهو شيخ وحدث بها، وسمع من بعض الشاميين، ويبدو أنه لم يُتقن حديثهم على قلته!

بل قد تفرد عن بعض الشاميين بأحاديث لا توجد عندهم!

·       تفرد داود عن رجل من أهل الشام جعله بعض أهل العلم صحابياً!!

تفرد بالرواية عن شيخ شامي اسمه «عَمَّار بن عُبَيْدٍ» أو «عُمارة بن عبيد».

قال أبو نُعيم في «معرفة الصحابة» (4/2074): "عَمَّارُ بنُ عُبَيْدٍ الخَثْعَمِيُّ وقِيلَ: عُمَارَةُ، وهُوَ المَشْهُورُ الأَصَحُّ، يُعَدُّ فِي الشَّامِيِّينَ، حَدِيثُهُ عِنْدَ دَاوُدَ بنِ أَبِي هِنْدٍ فِي الفِتَنِ، نَذْكُرُهُ فِيمَنِ اسْمُهُ عُمَارَةُ".

ثم ساقه (5236) من طريق حَبَّان بن هِلَالٍ، عن سُلَيْمَان بن كَثِيرٍ، عن دَاوُد بن أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عُمَارَةَ بنِ عُبَيْدٍ - شَيْخٍ مِنْ خَثْعَمٍ كَبِيرٍ-، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُذَاكِرُنَا: «خَمْسُ فِتَنٍ أَعْلَمُ أَنَّ أَرْبَعًا قَدْ مَضَتْ، والخَامِسَةُ هِيَ فِيكُمْ يَا أَهْلَ الشَّامِ - وذَلِكَ عِنْدَ هَزِيمَةِ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ الْأَشْعَثِ- فَإِنْ أَدْرَكْتَ الخَامِسَةَ، فَاسْتَطَعْتَ أَنْ تَقْعُدَ فِي بَيْتِكَ فَافْعَلْ، وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ فَتَدْخُلَ فِيهِ فَافْعَلْ».

قال أبو نُعيم: "رَوَاهُ حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، عَنْ دَاوُدَ بنِ أَبِي هِنْدٍ، فقال: عَنْ عَمَّارٍ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ خَثْعَمٍ".

ثم ساقه (5237) من طريق حَجَّاج، عن حَمَّاد، عَنْ دَاوُدَ بنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عَمَّارٍ - رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ-، قَالَ: أَدْرَبْنَا وَفِينَا شَيْخٌ مِنْ خَثْعَمٍ، فَذُكِرَ حَجَّاجٌ، فَوَقَعَ فِيهِ وَشَتَمَهُ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ خَمْسُ فِتَنٍ..» الحَدِيث.

وحديث حماد أخرجه أحمد في «مسنده» (34/303) (20696) عن عَفَّان، عن حَمَّاد بن سَلَمَةَ، عن دَاوُد بن أَبِي هِنْدٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ يُقَالُ لَهُ: عَمَّارٌ: قَالَ: أَدْرَبْنَا عَامًا، ثُمَّ قَفَلْنَا وَفِينَا شَيْخٌ مِنْ خَثْعَمٍ، فَذُكِرَ الْحَجَّاجُ، وذكر الحديث.

*أدربنا: أي: دخلنا الدرب، وكل مدخل إلى الروم درب.

وذكره ابن عبدالبر في «الاستيعاب» (3/1143): "عمارة بن عُبَيْد الخثعمي. ويقال عُمَارَة بن عُبَيْدالله. رجل من خثعمٍ.

روى عَنْهُ دَاوُد بن أَبِي هند أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وَسَلَّمَ، فذكر حديثاً حسناً فِي الفتن.

ويُقال: إن بينه وبين دَاوُد بن أَبِي هند رجلاً من أهل الشام".

قلت: اختلف فيه على داود! فرواه سليمان بن كثير العبدي عنه عن عمارة بن عبيد عن النبي صلى الله عليه وسلم، فجعله صحابياً!!

وخالفه حماد بن سلمة فجعل بينه وبين الرجل الخثعمي رجلاً آخر من الشام!

قال ابن أبي حاتم في «العلل» (2741): سألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ حَبَّان بنُ هِلالٍ؛ قَالَ: حدَّثنا سُلَيمان بنُ كَثير.. وذكره؟

قال أَبِي: "هذا خطأٌ؛ إِنَّمَا هُوَ: عُمارَة، عَنْ رجلٍ لَمْ يُسَمَّ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم".

قلت: سليمان ضعيف يُكتب حديثه، وحماد أوثق منه!

والحديث ليس بحسن كما قال ابن عبدالبر!! وإنما هو ضعيف مُنكر!! فالرجل الخثعمي مجهول! وكذا شيخه الشامي!!

وقد أورد ابن عدي حديث سليمان في ترجمته من «الكامل» (4/290) ثم قال: "وهذا يرويه عن دَاوُد: سُلَيْمَان بن كثير، ولاَ أعلم يرويه غيره! ولسُلَيْمَان بن كثير غير ما ذكرت من الحديث، عنِ الزُّهْريّ وعن غيره أحاديث صالحة، وقد روى عنه أخوه مُحَمد بن كثير العبدي بأحاديث عداد، وأحاديثه عندي مقدار ما يرويه لا بأس به".

وعلى هذا الحديث اعتمد أهل العلم في الترجمة لهذا الرجل الخثعمي وجزم بعضهم بصحبته!!

·       ترجمة أهل العلم لعُمارة بن عُبيد:

قال البخاري في «التاريخ الكبير» (6/494): "عُمَارَة بن عُبَيْد: شيخ كبير من خثعم، فِي الفتن – قاله مُحَمَّد بن مَعْمَر: حَدَّثَنَا حبان: حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بن كثير: حَدَّثَنَا دَاوُد بن أَبِي هند عن عمارة".

وجزم أبو حاتم بصحبته!!

قال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (6/366): "عمارة بن عبيد: له صحبة. روى داود بن أبي هند عن رجل من أهل الشام عنه. سمعت أبي يقول ذلك".

·       استدراك على أبي حاتم الرازي!

قلت: كأنه انقلب على أبي حاتم! فصار الإسناد عنده:

عن داود، عن رجل من أهل الشام، عن الرجل الخثعمي، عن النبي صلى الله عليه وسلم!!

والصواب المشهور العكس:

عن داود، عن الرجل الخثعمي، عن رجل من أهل الشام، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذا ما صوّبه أبو حاتم في سؤال ابنه له في «العلل» كم سبق نقله.

·       استدراك على ابن حبان!

وقال ابن حبان في «الثقات» (3/295): "عمَارَة بن عبيد شيخ كَبِير كَانَ دَاوُد بن أبي هِنْد يزْعم أَن لَهُ صُحْبَة".

قلت: لم يزعم داود بأن له صحبة! وإنما الاختلاف عليه في إسناده جعل له الصحبة! والوهم فيه من سليمان بن كثير!!

وقد حرر هذه الترجمة الحافظ ابن حجر في «الإصابة» (4/480) فقال: "وروى البخاريّ وابن عديّ في ترجمة سليمان بن كثير، من طريق سليمان بن داود، عن عمارة بن عبيد - شيخ من خثعم كبير، قال: سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم يذكر خمس فتن، أربع قد مضين، والخامسة فيكم يا أهل الشام، وذلك عند فتنة عبد الرحمن بن الأشعث.

قال ابن عديّ: تفرّد به سليمان.

قلت: بل تابعه حماد بن سلمة، وخالد الطّحان، وسلمة بن علقمة، كلّهم عن داود في أصل الحديث، ثم اختلفوا، فأخرجه أحمد من رواية حماد، ورواية حماد هذه أيضاً عند ابن قانع، وابن منده، لكنه قال: عمار، فجزم به، لكن خالفوه في سياقه. والمحفوظ في هذا ما أخرجه أحمد من طريق حماد بن سلمة، عن داود، عن عمار. وفي نسخة عمارة رجل من أهل الشام، قال: أدربنا- يعني دخلنا درب الروم، في الغزاة عاماً، ثم قفلنا ورجعنا، وفينا شيخ من خثعم، فذكر الحجاج بن يوسف فوقع فيه وشتمه، فقلت له: لم تشتمه وهو يقاتل أهل العراق في طاعة أمير المؤمنين؟ فقال: إنه هو الّذي أكفرهم، أي أخرجهم بسوء سيرته من الطاعة، ثم قال: سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم يقول: «يكون في هذه الأمّة خمس فتن...» الحديث. قلنا: أنت سمعته من النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم؟ قال: نعم.

والحاصل أنّ داود بن أبي هند تفرّد بهذا الحديث، فاختلف عليه في اسم شيخه: هل هو عمارة أو عمار؟ وهل هو صحابي هذا الحديث أو الصحابي شيخ من خثعم؟

فالأول لم يترجّح عندي فيه شيء، والثاني الراجح أنّ شيخ داود تابعي، والصحابي خثعمي لم يسمّ. واللَّه أعلم.

وتابعه وهب بن بقيّة عن خالد، ورواية مسلمة قال فيها: عن داود، عن عمارة بن عبيد: حدثني رجل من خثعم. والّذي ذكره ابن حبان تبع فيه البخاري.

وخالفه أبو حاتم فذكر أنه عند عمارة بن عبيد له صحبة.

وروى داود بن أبي هند، عن رجل من أهل الشام عنه، وهذا لا شك أنه غلط، فإنّ الشامي هو عمارة أو عمار كما صرح به في رواية أحمد وشيخه رجل من خثعم، فهذا قول ثالث. واللَّه أعلم".

وقال في «تعجيل المنفعة» (2/620): "عمَارَة أَو عمار رجل من أهل الشَّام عَن رجل من خثعم قال: سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَذكر حَدِيثا فِي الفِتَن. لا اعرف اسْمه وَقد أغفله الحُسَيْنِي وَمن تبعه، وَذكره ابن عَسَاكِر فِيمَن لم يذكر اسْمه فِي أَوَاخِر تَرْتِيب الصَّحَابَة فِي مُسْند أَحْمد.

وَقد اخْتلف فِيهِ على رِوَايَة دَاوُد بن أبي هِنْد فَفِي البُخَارِيّ من طَرِيق سُلَيْمَان بن كثير عَن دَاوُد عَن عمَارَة بن عبيد شيخ من خثعم كَبِير سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يذكر خمس فتن الحَدِيث، والَّذِي فِي المسند اصوب وتابع حماداً عليه مسلمة بن عَلْقَمَة، فقال: عَن دَاوُد عَن عمَارَة بن عبيد: حَدثنِي رجل من خثعم، وتَابعه أَيْضا وهب بن بَقِيَّة، عَن خَالِد الطَّحَّان عَن دَاوُد، وَاعْتمد ابن حبَان على رِوَايَة سُلَيْمَان بن كثير فَقَالَ فِي الصَّحَابَة: عمَارَة بن عبيد الْخَثْعَمِي شيخ كَبِير كَانَ دَاوُد بن أبي هِنْد يَقُول إِن لَهُ صُحْبَة! وَأما ابن أَبي حَاتِم فَنقل عَن أبيه فقال مَا نَصه: عمَارَة بن عبيد لَهُ صُحْبَة، روى دَاوُد بن أبي هِنْد عَن رجل من أهل الشَّام عَنهُ. انْتهى. وهَذَا مقلوب مُخَالف لجَمِيع مَا تقدم، والصحبة إِنَّمَا هِيَ للخثعمي الَّذِي لم يُسمّ، وَعمارَة هُوَ الرَّاوِي عَن الصَّحَابِيّ لَا الصَّحَابِيّ، وَمِنْهُم من قال أَن الصَّحَابِيّ هُوَ عمَارَة كَمَا تقدم".

·       تعقّب ابن حجر لابن عدي فيه نظر!

قلت: وتعقّب ابن حجر لابن عدي في قوله: "قال ابن عديّ: تفرّد به سليمان. قلت: بل تابعه حماد بن سلمة، وخالد الطّحان، وسلمة بن علقمة، كلّهم عن داود في أصل الحديث، ثم اختلفوا.."! فيه نظر!!

فابن عدي كأنه قصد أن سليمان بن كثير تفرد بجعل الرجل الخثعمي الذي يروي عنه داود هو الصحابي، وغيره يجعله تابعياً والصحابي رجل آخر من الشام لم يُسمّ!

والوهم فيه من سليمان بن كثير البصري؛ لأن غيره من البصريين كحماد بن سلمة وسلمة بن علقمة رووه بزيادة رجل، وكذا رواه أيضاً خالد الطحان وهو واسطي، فلو كان داود بن أبي هند حدث به في واسط فهي كروايته أيضاً في البصرة، فالوهم ليس منه، وإنما من سليمان.

وهذا الحديث عموماً تفرد به داود بن أبي هند عن رجل شامي مجهول الحال!! ولا يُعرف الحديث عند الشاميين!!

·       داود بن أبي هند من أقران الوليد الجرشي.

وداود بن أبي هند من أقران الوليد بن عبدالرحمن الجرشي، ومن خلال النظر في شيوخ الوليد وتلامذته أرى أن وفاته قريبة من سنة (130هـ)، فهو يروي عن جبير بن نفير (ت80هـ)، وأبي أمامة الباهلي (ت86هـ)، وداود بن أبي هند رأى أنس بن مالك (ت92هـ)، ومعظم شيوخه توفوا بعد سنة (90هـ).

وأرى أن بينهما عشر سنوات في السنّ تقريباً، والله أعلم.

وسماعه من مكحول الشامي لما نزل دمشق وهو قريب منه أيضاً إذ توفي مكحول سنة بضع عشرة ومائة.

والحديث لا يُعرف عن الوليد بن عبدالرحمن الجرشي إلا من طريق داود بن أبي هند! ولا يُعرف عند أصحابه كيونس بن ميسرة بن حَلْبس، ومحمد بن مهاجر، وعبدالله بن العلاء بن زبر، وإبراهيم بن أبي عبلة، وخالد بن دهقان!

والوليد من أهل حمص وسكن دمشق، وكان على خراج الغوطة في أيام هشام، وقد رأى أبا أمامة.

وثَّقه أَبُو حاتم الرازي ومحمد بن عوف الطائي.

وقد أورد ابن عساكر هذا الحديث فقط في ترجمته من «التاريخ» (63/162) وكأنه يستغربه!! والله أعلم.

وإذا روى الأقران عن بعضهما إنما يرويان ما يُعدّ من الفوائد غير المشتهرة أو المنتشرة!! وكثيراً ما يتخلل تلك الروايات الأوهام لعدم العناية بها كونها من رواية الأقران!

·       نصّ بعض أهل العلم على أنّ داود بن أبي هند كان يَهم، وبيان بعضاً من أوهامه!

وداود ثقة، إلا أنه كان يهم إذا حدّث من حفظه! وليس معنى هذا أنه متروك أو أن حديثه يُضعّف ابتداء وإنما يُنظر فيه، فإذا ثبت الوهم فيه رُد من خلال عرض حديثه على أصحابه ونحو ذلك.

قال ابن حبان في «الثقات» (6/278): "كانَ دَاوُد من خِيَار أهل البَصْرَة من المتقنين فِي الرِّوَايَات؛ إِلَّا إِنَّه كَانَ يهم إِذا حدث من حفظه! ولا يسْتَحق الْإِنْسَان التّرْك بالخَطَأ اليَسِير يخطىء، والوهم القَلِيل يهم حَتَّى يفحش ذَلِك مِنْهُ؛ لِأَن هَذَا مِمَّا لا يَنْفَكّ مِنْهُ الْبشر وَلَو كُنَّا سلكناه المسلك للزمنا ترك جمَاعَة من الثِّقَات الْأَئِمَّة لأَنهم لم يَكُونُوا معصومين من الْخَطَأ بل الصَّوَاب فِي هَذَا ترك من فحش ذَلِك مِنْهُ والاحتجاج بِمن كَانَ مِنْهُ مَا لَا يَنْفَكّ مِنْهُ البشر".

وقال الأثرم، عن أحمد: "كان كثير الاضطراب والخلاف".

وقال أبو داود: "رجل البصرة إلا أنه خولف في غير حديث".

وقال ابن حجر في «التقريب»: "ثقة متقن كان يهم بأخرة".

وداود له نحو من مائتي حديث.

قال البخاري، عن ابن المديني: "له نحو مائتي حديث".

وقد سمع منه نصف هذه الأحاديث يزيد بن هارون الواسطي.

قال أحمد بن عبدالله العجلي في «الثقات» (ص: 148): "داود بن أبي هند: بصري ثقة، جيد الإسناد رفيع، وكان رجلاً صالحاً، وكان خياطاً، سمع منه يزيد بن هارون مئة حديث إلا حديثاً، وقد سمعتها أنا من يزيد".

قلت: هذه نصف أحاديث داود، وهذا الحديث ليس منها! وهذا يدل على أن داود بن أبي هند أتى بهذا الحديث من الشام لما نزلها.

·       اختلاف أصحاب داود عليه!

ومما يدلّ على أن داود كان يهم في الحديث: اختلاف أصحابه عليه! نعم، قد يكون الاختلاف على الراوي من التلاميذ عن شيخهم، وقد يكون من الشيخ نفسه، لكن إن كان الاختلاف بين الثقات على الشيخ فهذا يدلّ على أن الوهم من الشيخ نفسه.

قال عبدالله بن أحمد في «العلل» (1/328): قالَ أبي: "دَاوُد بن أبي هِنْد بَصرِي، كَانُوا يَقُولُونَ: إِن أَصله خراساني".

فَقلت: أَيهمَا أعجب إِلَيْك: إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد أَو دَاوُد -يَعْنِي بن أبي هِنْد-؟ فقال: "إِسْمَاعِيل أحفظ عِنْدِي مِنْهُ"، قالَ: "قَلَّ مَا اخْتلف عَن إِسْمَاعِيل وَدَاوُد يخْتَلف عَنهُ".

وقد تتبعت حديثه في كتب العلل فوجدت كما قال الإمام أحمد! فأصحابه يختلفون عليه في أحاديث كثيرة! وسأفردها في بحث مستقل إن شاء الله تعالى.

ومن ذلك:

* سُئِلَ الدارقطني في «العلل» (6/276) (1135) عَنْ حَدِيثِ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ ذَهَبَ وَإِلَّا اضْطَجَعَ»؟

فقال:

"يَرْوِيهِ دَاوُدُ بنُ أَبِي هِنْدٍ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ:

فَرَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ أَبِي حَرْبِ بنِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ.

قال ذَلِكَ: العَبَّاسُ بنُ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ.

وَخَالَفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، فَأَرْسَلَهُ.

وَقِيلَ: عَنْ دَاوُدَ بنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ بَكْرٍ الْمُزَنِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ.

قَالَهُ حَفْصُ بنُ غِيَاثٍ، وخَالِدٌ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ دَاوُدَ.

والصَّحِيحُ حَدِيثُ أَبِي حَرْبِ بنِ الْأَسْوَدِ، المُرْسَلُ عَنْ أبي ذر".

ومنها أيضاً:

* سُئِلَ الدارقطني في «العلل» (6/324) (1170) عَنْ حَدِيثِ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، قال: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَرَّمَ حُرُمَاتٍ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ رَحْمَةً لَكُمْ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا»؟

فقال:

"يَرْوِيهِ مَكْحُولٌ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ:

فرَوَاهُ دَاوُدُ بنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ مَكْحُولٍ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ:

فَرَوَاهُ إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ، عَنْ دَاوُدَ بنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ مَرْفُوعًا.

وَتَابَعَهُ مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلٍ، عَنْ دَاوُدَ.

وَرَوَاهُ حَفْصُ بنُ غِيَاثٍ، وَيَزِيدُ بنُ هَارُونَ، عَنْ دَاوُدَ، فوقَفَاهُ.

وقال قَحْذَمٌ: سَمِعْتُ مَكْحُولًا، يَقُولُ: لَمْ يُتَجَاوَزْ به، والأشبه بالصواب مرفوعاً، وهو أشهر".

قلت:

قال ابن عساكر كما في «معجمه» (2/965): "هذا حديث غريب ومكحول لم يسمع من أبي ثعلبة".

وكان داود أيضاً يهم في حديثه ويخالف غيره من الثقات!

ومن أمثلة ذلك:

* قال ابن أبي حاتم في «العلل» (1/471) (49): وسألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رواه داود بن أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَير، عن جابر: أنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّام ٍ»؟

قال أَبِي: "هذا خطأٌ؛ إِنَّمَا هُوَ على مَا رَوَاهُ الثِّقات عَنْ أَبِي الزُّبَير، عَنْ طَاوُسٍ، عن أبي هريرة، موقوفً".

قلت: سلك داود الجادة فوهم فيه.

ومنها أيضاً:

* سُئِلَ الدارقطني في «العلل» (6/83) (994) عَنْ حَدِيثِ الحَارِثِ بنِ عُمَيْرَةَ عَنْ مُعَاذٍ قالَ: «إِنَّ هَذَا الطَّاعُونَ رَحْمَةُ رَبِّكُمْ وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ»؟

فقال:

"يَرْوِيهِ شَهْرُ بنُ حَوْشَبٍ وَاخْتُلِفَ عَنْهُ:

فَرَوَاهُ دَاوُدُ بنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ عَنِ الحَارِثِ بْنِ عُمَيْرَةَ عَنْ مُعَاذٍ.

وخَالَفَهُ عَبْدُالحَمِيدِ بنُ بِهْرَامٍ، فَرَوَاهُ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ غَنْمٍ عَنِ الحَارِثِ بنِ عُمْيَرَةَ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ".

·       سبب وقوع داود بن أبي هند في الأوهام!

وعليه فقد أصاب ابن حبان وابن حجر في قولهما بأنه كان يهم، وسبقهما بهذا الأئمة النقاد بالكلام على أوهامه عملياً في كتب العلل. ولهذا نبّه أبو داود على مخالفته لغيره في غير حديث، وكذلك الإمام أحمد قبله أنه يُختلف عليه!

وكأن السبب في أوهامه – مع وصفه بالثقة والاتقان- هو الطاعون الذي أصابه! والمرض عادة يؤثر على حفظ الراوي وخاصة في آخر عمره.

قال – رحمه الله-: "مرضت مرضاً شديداً حتى ظننت أنه الموت".

فربما بسبب هذا المرض نسي ما كان يحفظه، فإذا حدّث من حفظه وهم في حديثه.

·       تعقّب صاحبي التحرير للحافظ ابن حجر! والرد على تعقبهما!

وبعد كلّ ما ذكرناه وحررناه من ثبوت أوهام داود بن أبي هند في بعض الأحاديث، ومخالفته فيها، وكذلك ما سيأتي من كيفية تعليق البخاري لحديثه، يتبيّن لنا وهاء ما زعم بشار معروف وشعيب الأرنؤوط من تحرير ترجمة داود بن أبي هند والرد على ابن حجر في قوله فيه!!! ولا بأس من إيراد قولهما وبيان عدم معرفتهما بهذا الشأن!

قال بشار معروف وشعيب الأرنؤوط في كتابهما «تحرير تقريب التهذيب» (1/378) (1817): "قوله: «كان يهم بأخرة» ليس بجيد، أخذه – حسب فهمه – من أبي داود الذي انفرد به، قال أحمد: ثقة ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثبت. ووثقه سفيان بن عيينة، وابن معين، وأبو حاتم، والنسائي، وابن حبان وغيرهم. وقال أبو داود وحده: «رجل البصرة إلا أنه خولف في غير حديث». وهذا الكلام الذي ساقه أبو داود لا ينبغي أن يُذكر،لأن ما من أحد من الثقات المتقنين إلا خولف في بعض الأحاديث، قال ابن حبان: «وقد روى عن أنس خمسة أحاديث لم يسمعها منه. وكان داود من خيار أهل البصرة من المتقنين في الروايات إلا أنه كان يهم إذا حدّث من حفظه، ولا يستحق الإنسان الترك بالخطأ اليسير....». قلنا: وينبغي التنّبه إلى أن لفظ «يهم» لفظ غير دقيق فإن المضارع إذا كان يدلّ على المدح أو الذم يفيد الاستمرار عند البلغاء، من ذلك قول الشاعر:

لا يألفُ الدرهمُ المضروبُ صُرَّتَنا *** لكن يمرُّ عليها وهو ينطلق

فقد يكون الراوي قد وهم في حديثين أو ثلاثة، فلا يقال فيه: «يهم»، وإنما اللفظ الصحيح أن يقال: «يهم في بعض ما يروي»، وإذا كثرت أوهامه وغلبت على نباهته، فيقال فيه حينئذٍ: «يهم»، وهو التعبير الذي يفيد استمرار وهمه في أغلب ما يرويه" انتهى.

قلت: إذا كان ابن حجر أخذ قوله من فهم أبي داود فنعم الفهم هو، وأنّى لمن لم يعرف علم الحديث أن يتحدث عن فهم هؤلاء الكبار!!

ونرد على كلام صاحبي التحرير بما يأتي:

أولاً: ابن حجر أخذ كلامه من قول ابن حبان ولم ينقل كلام أبي داود في «تهذيب التهذيب»، وإنما نقل كلام ابن حبان.

ثم كيف كلامه ليس بجيد وهو قد بدأ كلامه على داود بقوله: " ثقة متقن"!!! فهو قد نص على ثقته وإتقانه إلا أنه كان يهم في آخر عمره، وهذا قد حصل لكثير من الرواة.

ثانياً: قولهما إن هذا كلام أبي داود وحده إنما هو لقصر نظرهما ومعرفتهما بأقوال أهل العلم!

فها هو أحمد الذي بدأآ بكلامه في توثيق داود نقل عنه الأثرم في داود بأنه "كثير الاضطراب والخلاف"! وهذا النص يوجد أمامهما في تهذيب ابن حجر! فأين هما منه؟!!

ثالثاً: قول ابن حبان فيه إقرار بأنه كان يهم، ومع وهمه إلا أنه لا يصل للترك - بحسب ما يراه-، وكأني بابن حبان أنه يغمز الإمام البخاري لعدم احتجاجه بداود وتخريج حديثه!

وهذا ديدن ابن حبان في الغمز بالإمام البخاري فيمن لم يخرج حديثهم في كتابه ويحتج بهم كما قال في ترجمة «حماد بن سلمة» من كتاب «الثقات» (6/216): "وَلم ينصف من جَانب حَدِيثه وَاحْتج بِأبي بكر بن عَيَّاش فِي كِتَابه وبابن أخي الزُّهْرِيّ وَبِعَبْد الرَّحْمَن بن عبد الله بن دِينَار فَإِن كَانَ تَركه إِيَّاه لما كَانَ يخطىء فَغَيره من أقرانه مثل الثَّوْريّ وَشعْبَة ودونهما وَكَانُوا يخطؤن فَإِن زعم أَن خطأه قد كثر من تغير حفظه فقد كَانَ ذَلِك فِي أبي بكر بن عَيَّاش مَوْجُودا وأنى يبلغ أَبُو بكر حَمَّاد بن سَلمَة وَلم يكن من أَقْرَان حَمَّاد مثله بِالْبَصْرَةِ فِي الْفضل وَالدّين وَالْعلم والنسك وَالْجمع والكتبة والصلابة فِي السّنة والقمع لأهل الْبِدْعَة وَلم يكن يثلبه فِي أَيَّامه إِلَّا قدري أَو مُبْتَدع جهمي لما كَانَ يظْهر من السّنَن الصَّحِيحَة الَّتِي ينكرها الْمُعْتَزلَة وأنى يبلغ أَبُو بكر بن عَيَّاش حَمَّاد بن سَلمَة فِي إتقانه أَو فِي جمعه أم فِي علمه أم فِي ضَبطه".

رابعاً: وأما كلامهما في لفظ «يهم» وأنه لفظ غير دقيق فإن المضارع إذا كان يدلّ على المدح أو الذم يفيد الاستمرار عند البلغاء!! ففيه نظر! فأئمة الجرح والتعديل لا ينظرون في اصطلاحاتهم إلى دقائق اللغة وبلاغتها، واصطلاحاتهم مفهومة فيما بينهم ولا نحملها ما لا تحتمل بمثل هذا التمحل! كما فعل بعض المعاصرين في التفرقة بين قولهم «ليس بقوي» و«ليس بالقوي» اعتماداً على اللغة ووجود «أل» التعريف في المصطلح!

فقالوا: «ليس بقوي» تنفي القوة مطلقاً وإن لم تثبت الضعف مطلقاً، وكلمة: «ليس بالقوي» إنما تنفي الدرجة الكاملة من القوة!! ونسبوا هذه التفرقة للإمام النسائي! وحقيقة الأمر أنه لا فرق بينهما لا عند النسائي ولا غيره من النقاد كما فصّلته في موضع آخر.

ولو وافقناهما على رأيهما في "أن المضارع إذا كان يدلّ على المدح أو الذم يفيد الاستمرار عند البلغاء" فكلام ابن حجر لا يخالف هذا القول؛ لأنه نص على استمرار ذلك في آخر عمره: «كان يهم بأخرة»، فوهمه كان في تحديثه الذي حدث به في آخر عمره لا قبل ذلك، فلم يقصد ابن حجر أنه كان يهم دائماً طوال تحديثه.

ومصطلح ابن حجر في كتابه في الغالب لمن غلب على حديثه الوهم أنه كان يقول فيه «صدوق يهم»، وأما داود فإنه حدد فترة الوهم عنده بأنه كانت في آخر عمره.

ثم إنّ هذا القول منهما فيما يتعلق بما عند البلغاء يعني أنهما أعلم من الحافظ ابن حجر وأئمة الحديث في اللغة والنحو!! ووالله ما عند بشار من النحو والأدب شيئاً يُذكر!! والحافظ ابن حجر إمام في اللغة والأدب، وله قصائد في غاية البلاغة.

ومسألة أن الفعل المضارع يفيد الاستمرار والتكرار دائما لا يسلّم بها، وهي محل بسط عند البلاغيين في مطولات كتب البلاغة، وليس هذا محل نقاشها.

وأما قولهما: "فقد يكون الراوي قد وهم في حديثين أو ثلاثة، فلا يقال فيه: «يهم»"!! فهذا إطلاق منهما دون تحرير!! ولازم كلامهما أنهما تتبعا كل حديث داود بن أبي هند فوجدا أنه لم يخطئ إلا في حديثين أو ثلاثة!! ولو ثبت ذلك فيكون لكلامها وجهة! لكنهما لم يفعلا ذلك! فأوهام داود كثيرة وقد بينّا بعضها وسيأتي بعضاً آخر منها، ومن تتبع كتب العلل وجد كثيراً منها! وسأفرد ذلك في بحث خاص إن شاء الله.

·       وهم داود في متن الحديث!

وقد وقع اختلاف على داود في متن الحديث:

فرواه وهيب بن خالد وعلي بن عاصم وجعلوا قيامه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الليالي الزوجية من العشر الأواخر.

ورواه الثوري ومسلمة بن علقمة ومحمد بن فضيل وخالد الطحان وبشر بن المفضل وجعلوا قيامه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الليالي الفردية من العشر الأواخر!

وخرّج البيهقي في «السنن الكبرى» (2/696) رواية الثوري، ثم قال: "وَرَوَاهُ وُهَيْبٌ، عَنْ دَاوُدَ قالَ: لَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ السَّابِعُ مِمَّا يَبْقَى، وَقَالَ: لَيْلَةُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ الخَامِسُ مِمَّا يَبْقَى، وَلَيْلَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ الثَّالِثُ مِمَّا يَبْقَى، وَبِمَعْنَاهُ رَوَاهُ هُشَيْمُ بنُ بَشِيرٍ، وَيَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ وَغَيْرُهُمَا، عَنْ دَاوُدَ وَبِمَعْنَاهُ رَوَاهُ غَيْرُ عَبْدِالرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَرَوَاهُ حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ عَنْ دَاوُدَ نَحْوَ رِوَايَةِ عَبْدِالرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَكَذَلِكَ مُحَمَّدُ بنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ عَنْ دَاوُدَ، وَرِوَايَةُ وُهَيْبٍ وَمَنْ تَابَعَهُ أَصَحُّ، فَاللهُ أَعْلَمُ".

·       تعقّب شعيب الأرنؤوط ورفاقه!

والعجب من شعيب الأرنؤوط ورفاقه عدّهم رواية وهيب ومن تابعه شاذة!! فإنهم علّقوا أثناء تحقيقهم للمسند حول رواية علي بن عاصم (35/332) هامش (1) فقالوا: "إسناده ضعيف لضعف علي بن عاصم، وقد خالف الثقات في متن الحديث فجعل قيامه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الليالي الزوجية من العشر الأواخر، وتابعه على ذلك وهيب بن خالد عند الطيالسي (466) وروايته شاذَّة".

قلت: الاختلاف في متن الحديث من داود نفسه.

·       سبب عدم تخريج البخاري لحديث داود وتعليقه لحديثه!

وكأنه بسبب أوهامه لم يُخرّج له الإمام البخاري في «صحيحه».

ولم يتنبّه لهذا الإمام الذهبي عندما قال في «الميزان» (2/11): "داود بن أبي هند، حجة. ما أدري لمَ لمْ يخرّج له البخاري".

وقد علّق له البخاري أربعة أحاديث، وهي:

الحديث الأول: أخرج البخاري في «صحيحه»، في كتاب الإيمان، (1/11) (10) قال: حَدَّثَنَا آدَمُ بنُ أَبِي إِيَاسٍ، قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ أَبِي السَّفَرِ وإِسْمَاعِيلَ بنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ عَمْرٍو - رضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، والمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ».

قال البخاري: "وقال أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ – هُوَ: ابنُ أَبِي هِنْدٍ-، عَنْ عَامِرٍ، قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَاللَّهِ - يَعْنِي ابنَ عَمْرٍو-، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم.

وقال عَبْدُالأَعْلَى، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ".

قال ابن حجر في «فتح الباري» (1/54): "أَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيقِ بَيَانُ سَمَاعِهِ – أي الشعبي- لهُ مِنَ الصَّحَابِيِّ، وَالنُّكْتَةُ فِيهِ رِوَايَةُ وُهَيْبِ بنِ خَالِدٍ لَهُ عَنْ دَاوُدَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، حَكَاهُ ابن مَنْدَهْ فعَلى هذَا لَعَلَّ الشَّعْبِيَّ بَلَغَهُ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِاللَّهِ ثُمَّ لَقِيَهُ فَسَمِعَهُ مِنْهُ.

وَنَبَّهَ بِالتَّعْلِيقِ الْآخَرِ عَلَى أَنَّ عَبْدَاللَّهِ الَّذِي أُهْمِلَ فِي رِوَايَتِهِ هو عَبْدُاللَّهِ بنُ عَمْرٍو الَّذِي بُيِّنَ فِي رِوَايَةِ رَفِيقِهِ.

والتَّعْلِيقُ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ وَصَلَهُ إِسْحَاقُ بنُ رَاهَوَيْه فِي مُسْنده عَنهُ، وَأخرجه ابن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِهِ، وَلَفْظُهُ: سَمِعْتُ عَبْدَاللَّهِ بنَ عَمْرٍو يَقُولُ: وَرَبِّ هَذِهِ البَنِيَّةِ لسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: المُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السَّيِّئَاتِ، والمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ".

قلت:

بعد أن روى ابن منده في كتاب «الإيمان» (1/451) (313) رواية أبي معاوية عن داود قال: "رَوَاهُ وهَيْبُ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ عَمْرٍو، وروى هذا الحديث: مُغِيرَةُ، وَعَاصِمٌ، وَفِرَاسٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابنِ عَمْرٍو".

·       بيان سبب تعليق البخاري لهذا الحديث والرد على من يقول علقه لبيان السماع ونحوه!

قلت: لا أظن أن البخاريّ أراد بيان سماع الشعبي من عبدالله بن عمرو! أو بيان أن المهمل في الرواية المعلقة الثانية هو عبدالله بن عمرو!!

فلم يحتاج البخاري لبيان ذلك وهو نفسه خرّج هذا الحديث في موضع آخر (8/102) (6484) من حديث زَكَرِيَّاءُ ابن أبي زائدة، عَنْ عَامِرٍ، قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَاللَّهِ بنَ عَمْرٍو، يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ».

فذكر هنا سماع الشعبي له من الصحابي، وعيّن أن عبدالله هذا هو ابن عمرو، فلم يحتاج لأن يعلّق رواية داود لبيان ذلك؟!!

والذي أراه أن الإمام البخاري كعادته فيمن يترك حديثه ولا يُخرّج عنه لسبب ما يُعلق له حديثاً أو أكثر من باب التنبيه على أنه لم يُخرّج له عمداً، وبتعليقه لحديثه يعطيك فائدة تدلّ على سبب عدم التخريج له أو شيئاً يتعلق بحديثه، وعليه فسوقه لحديثه يكون من باب الفائدة لا الاحتجاج أو الاستشهاد!

وهنا علّق رواية أبي معاوية الضرير وعبدالأعلى السامي عن داود، فلم لم يأتي بالروايات الأخرى عن داود أيضاً والتي فيها أكثر تفصيلاً كرواية ابن عيينة الآيتة! أو رواية وهيب بن خالد التي زاد فيها رجلاً!! أو رواية عبدالوهاب بن عطاء التي سمى فيها عبدالله بن عمرو كما في «فوائد تمام» (231).

فكأنه – رحمه الله- أراد بيان أنه يُختلف على داود في أحاديثه، وفي روايته أوهاماً، حتى متنه يختلف قليلاً عن متن الرواية الأصل.

ورواية وهيب بن خالد عنه تدلّ على أنه كان يهم في الحديث أحياناً! وكأنه اشتبه عليه أن رجلاً سأل عبدالله بن عمرو عن حديث، فجعل الرجل بين الشعبي وبين عبدالله بن عمرو!

وهو نفسه بيّن ذلك في رواية ابن عيينة عنه.

روى الحميدي في «مسنده» (1/506) (606) قال: حدثنا سُفْيَانُ، قال: حدثنا دَاوُدُ بنُ أَبِي هِنْدَ، قال: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ، يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَأَنَا عِنْدَهُ، فَجَعَلَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ حَتَّى جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: حَدِّثْنِي بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا تُحَدِّثْنِي عَنِ العَدْلَيْنِ، فَقَالَ عَبْدُاللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيْدِهِ، والمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السُّوءَ»، أَوْ قال: «مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ».

فيُحتمل أن وهيباً نفسه أخطأ في إسناده فزاد فيه "الرجل" وهو السائل!! على أني أستبعد ذلك فوهيب ثقة ثبت آية في الحفظ، والذي يظهر أن الوهم فيه من داود نفسه! والله أعلم.

·       تعقّب على ابن حجر!

وفي قول ابن حجر: "لعلّ الشَّعْبِيَّ بَلَغَهُ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِاللَّهِ ثُمَّ لَقِيَهُ فَسَمِعَهُ مِنْهُ"! نظر شديد!!! فالرواية فيها خطأ أصلاً ولا يُبنى عليها ما قاله! والشعبي سمع هذا في مجلس عبدالله بن عمرو لما سأله الرجل.

ورواية وهيب عن داود أعلّها أبو حاتم الرازي وجعل العهدة فيها على داود مقارنة برواة الحديث الآخرين عن الشعبي! أي خالف داود من رواه عن الشعبي فزاد فيه "رجلاً".

قال ابن أبي حاتم في «العلل» (5/69) (1809) وسُئِلَ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ سَيَّارٌ، وإسماعيلُ بنُ أَبِي خَالِدٍ، وبَيَانٌ، ومُجالِدٌ، عن عامر، عن عبدالله بن عمرو، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «المُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السَّيِّئَاتِ».

ورَوَاهُ وُهَيب، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعبي، عن رَجُلٍ، عن عبدالله بن عمرو، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم.

قلتُ: فأيُّهُمْ أصحُّ؟

قال: "هؤلاءِ أحفظُ، أحكُمُ لهم به عَلَى داود".

 

الحديث الثاني: وخرّج البخاري أيضاً في «صحيحه» في "بَاب الصَّيْدِ إِذَا غَابَ عَنْهُ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً"، (7/87) (5484) قال: حَدَّثَنَا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ، قال: حَدَّثَنَا ثَابِتُ بنُ يَزِيدَ، قال: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَسَمَّيْتَ فَأَمْسَكَ وَقَتَلَ فَكُلْ، وَإِنْ أَكَلَ فَلاَ تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِذَا خَالَطَ كِلاَبًا، لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهَا، فَأَمْسَكْنَ وَقَتَلْنَ فَلاَ تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِي أَيُّهَا قَتَلَ، وَإِنْ رَمَيْتَ الصَّيْدَ فَوَجَدْتَهُ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لَيْسَ بِهِ إِلَّا أَثَرُ سَهْمِكَ فَكُلْ، وَإِنْ وَقَعَ فِي المَاءِ فَلاَ تَأْكُلْ».

قال البخاري: وقال عَبْدُالأَعْلَى: عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَدِيٍّ، أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَرْمِي الصَّيْدَ فَيَقْتَفِرُ أَثَرَهُ اليَوْمَيْنِ وَالثَّلاَثَةَ، ثُمَّ يَجِدُهُ مَيِّتًا وَفِيهِ سَهْمُهُ، قَالَ: «يَأْكُلُ إِنْ شَاءَ».

·       الاختلاف في متن الحديث واستفادة البخاري في الترجمة من الحديث المعلّق!

قلت: كذا علقه البخاري من حديث داود بن أبي هند عن الشعبي.

وخالف داود عاصم الأحول في ذكر الأيام! فذكر عاصم "يوم أو يومين"، وذكر داود: "اليومين والثلاثة"!

واستفاد البخاري من حديث داود في ترجمة الباب فترجم عليه.

قال ابن حجر في «فتح الباري» (9/611): "قولُهُ «اليَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ» فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى رِوَايَةِ عَاصِمِ بنِ سُلَيْمَانَ: «بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ»، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ: «فَيَغِيبُ عَنْهُ اللَّيْلَةَ وَاللَّيْلَتَيْنِ»، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ بِسَنَدٍ فِيهِ مُعَاوِيَةُ بنُ صَالِحٍ: «إِذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَغَابَ عَنْكَ فَأَدْرَكْتَهُ فَكُلْ مَا لَمْ يُنْتِنْ»، وَفِي لَفْظٍ: «فِي الَّذِي يَدْرِكُ الصَّيْدَ بَعْدَ ثَلَاثٍ كُلْهُ مَا لَمْ يُنْتِنْ»، ونَحْوُهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ".

قلت: وهذا ثابت في رواية عبدالأعلى بن عبدالأعلى عن داود التي علقها البخاري، وقد رواه عن عبدالأعلى: ابن أبي شيبة في «مصنفه» (4/243) (19689)، وأبو داود في «سننه» (4/475) (2853) عن الحسين بن معاذ بن خليف.

لكن أشار المزي في «تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف» (7/275) (9859) إلى أنه في رواية ابن العبد لسنن أبي داود رواية أخرى لم يذكرها ابن عساكر في أطرافه: "عن ابن المثنى، عن عبدالوهاب، عن داود نحوه: أنه قال: يا رسول الله! أحدنا يرمي الصيد فيقتفر أثره اليوم واليومين... الحديث".

فذكر فيها: «اليوم واليومين» وهي موافقة لرواية عاصم الأحول عن الشعبي.

وكأن البخاريّ رحمه الله أراد الإشارة إلى مخالفة داود لعاصم في ذكر عدد الأيام، إلا أنه ترجم به للباب! فربما لم يقف على الاختلاف فيه على داود كما سيأتي بيانه.

·       وهم داود في ذكر عدد الأيام!

وبحسب رواية عبدالوهاب بن عبدالمجيد الثقفي عن داود فيكون داود وهم في ذكر الأيام في الرواية التي رواها عنه عبدالأعلى، والله أعلم.

ثم وجدت متابعة لعبدالوهاب عن داود، رواها عنه: مسَلَمَة بن عَلْقَمَةَ المَازِنِي في قصة طويلة أخرجها الطبراني في «الأحاديث الطوال» (ص: 193) (1) من طريق إِسْحَاق بن إِدْرِيسَ الْأَسْوَارِيُّ، قال: حدثنا مسَلَمَةُ بنُ عَلْقَمَةَ المَازِنِي، قال: حدثنا دَاوُدُ بنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ، قال: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المَدِينَةَ وَهَاجَرَ إِلَيْهَا جَعَلَ يَبْعَثُ السَّرَايَا، فَلَا يَزَالُ إِبِلُ قَوْمٍ قَدْ أَغَارَتْ عَلَيْهَا خَيلُهُ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ قُلْتُ: وَاللَّهِ لَوْ خَلَّفْتُ أَجْمَالًا مِنْ إِبِلِي، فَكَانَتْ تَكُونُ قَرِيبًا، فَوَاللَّهِ مَا شَعُرْتُ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ رَاعِي الْإِبِلِ قَدْ جَاءَ يَعْدُو بِعَصَاهُ، قُلْتُ: وَيْلَكَ مَا لَكَ؟ قَالَ: أُغِيرَ وَاللَّهِ عَلَى النُّعُومِ، قُلْتُ: مَنْ أَغَارَ عَلَيْهَا؟ قَالَ: خَيلُ مُحَمَّدٍ، قُلْتُ لِنَفْسِي: هَذَا الَّذِي كُنْتُ أَحْذَرُ، فَوَثَبْتُ أُرحِّلُ أَجْمَالِي أَنْجُو بِأَهْلِي، وَكُنْتُ نَصْرَانِيًّا وَلِيَ عَمَّةٌ فَدَخَلْتُ، فَقُلْتُ: مَا تُرَى يُصْنَعُ بِهَا؟ وحَمَلْتُ امْرَأَتِي، وَجَاءَتْنِي عَمَّتِي فَقَالَتْ: يَا عَدِيُّ، أَمَّا تتَّقي اللَّهَ أنْ تَنْجُوَ بِامْرَأَتِكَ وَتَدَعَ عَمَّتَكَ، فَقُلْتُ: مَا عَسَى أَنْ يَصْنَعُوا بِهَا؟ امْرَأَةٌ قَدْ خُلِّيَ مِنْ سِنِّهَا، فَمَضَيْتُ وَلَمْ أَلْتَفِتْ إِلَيْهَا حَتَّى وَرَدْتُ الشَّامَ، فَانْتَهَيْتُ إِلَى قَيْصَرَ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ بِحِمْصَ، فَقُلْتُ: إِنِي رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ وَأَنَا عَلَى دِينِكَ، وَإِنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَيَتَنَاوَلُنَا، فَكَانَ الْمَفَرُّ إِلَيْكَ، قَالَ: اذْهَبْ فَانْزِلْ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا حَتَّى نَرَى مِنْ رَأْيِكَ، فَذَهَبْتُ فَنَزَلْتُ الْمَكَانَ الَّذِي قَالَ لِي، فَكُنْتُ بِهِ حِينًا، فبَيْنَا أَنَا ذَاتَ يَوْمٍ إِذَا أَنَا بِظَعِينَةٍ مُتَوَجِّهَةٍ إِلَيْنَا حَتَّى انْتَهَتْ إِلَى بُيُوتِنَا، فَإِذَا هِيَ عَمَّتِي، فَقَالَتْ لِي: يَا عَدِيُّ أَمَا اتَّقَيْتَ اللَّهَ أنْ تَنْجُوَ بِامْرَأَتِكَ وَتَرَكْتَ عَمَّتَكَ. قُلْتُ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ فَأَخْبِرِينَا مَا كَانَ بَعْدَنَا. قَالَتْ: إِنَّكُمْ لَمَّا انْطَلَقْتُمْ أَتَتْنَا الْخَيْلُ فَسَبَوْنَا وَذُهِبَ بِي فِي السَّبْيِ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَكُنَّا فِي نَاحِيَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ فَمَرَّ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ الْقَائِلَةِ وَخَلْفَهُ رَجُلٌ يَتْبَعُهُ وَهُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَأَوْمَأَ إِلَيَّ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَنْ كَلِّمِيهِ، فَهَتَفْتُ بِهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ الْوَلَدُ وَغَابَ الْوَافِدُ، فَمُنَّ عَلَيَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ وَافِدُكِ؟» قُلْتُ: عَدِيُّ بنُ حَاتِمٍ. قَالَ: «الَّذِي فَرَّ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ». ثُمَّ مَضَى وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيَّ حَتَّى كَانَ الغَدُ فَمَرَّ بِي نَحْوَ تِلْكَ السَّاعَةِ وَخَلْفَهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَأَوْمَأَ إِلَيَّ أَنْ كَلِّمِيهِ، فَهَتَفْتُ بِهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ الْوَلَدُ، وَغَابَ الْوَافِدُ، فَمُنَّ عَلَيَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ. قَالَ: «وَمَنْ وَافِدُكِ؟» قُلْتُ: عَدِيُّ بنُ حَاتِمٍ الطَّائِيُّ. قَالَ: «الَّذِي فَرَّ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيَّ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ نَحْوًا مِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ مَرَّ وَخَلْفَهُ ذَاكَ يَعْنِي عَلِيًّا، فَأَوْمَأَ أَنْ كَلِّمِيهِ، فَأَوْمَأْتُ إِلَيْهِ بِيَدِي أَنْ قَدْ كَلَّمْتُهُ مَرَّتَيْنِ، فَأَوْمَأَ: كَلِّمِيهِ أَيْضًا، فَهَتَفْتُ بِهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ الْوَلَدُ، وَغَابَ الْوَافِدُ، فَمُنَّ عَلَيَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ. قَالَ: «وَمَنْ وَافِدُكِ» قُلْتُ: عَدِيُّ بنُ حَاتِمٍ. قَالَ: «الَّذِي فَرَّ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» ثُمَّ قَالَ: «اذْهَبِي فَأَنْتِ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِذَا وَجَدْتِ أَحَدًا يَأْتِي أَهْلَكِ فَأَخْبِرِينِي نَحْمِلْكِ إِلَى أَهْلِكِ» قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ فَإِذَا أَنَا بِرُفْقَةٍ مِنْ تَنُوخَ يَحْمِلُونَ الزَّيْتَ، فَبَاعُوا زَيْتَهُمْ وَهُمْ يَرْجِعُونَ، فَحَمَلَنِي عَلَى هَذَا الْجَمَلِ وَزَوَّدَنِي. قَالَ عَدِيٌّ: ثُمَّ قَالَتْ لِي عَمَّتِي: أَنْتَ رَجُلٌ أَحْمَقُ، أَنْتَ قَدْ غَلَبَكَ عَلَى شَرَفِكَ مِنْ قَوْمِكَ مَنْ لَيْسَ مِثْلَكَ، ائْتِ هَذَا الرَّجُلَ فَخُذْ بِنَصِيبِكَ، فَقُلْتُ: وَإِنَّهُ لَقَدْ نَصَحَتْ لِي عَمَّتِي، فَوَاللَّهِ لَوْ أَتَيْتُ هَذَا الرَّجُلَ فَإِنْ رَأَيْتُ مَا يَسُرُّنِي أَخَذْتُ، وَإِنْ رَأَيْتُ غَيْرَ ذَلِكَ رَجَعْتُ، وَكُنْتُ أَضِنُّ بِدِينِي، فَأَتَيْتُ حَتَّى وَصَلْتُ الْمَدِينَةَ فِي غَيْرِ جِوَارٍ، فَانْتَهَيْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَإِذَا أَنَا فِيهِ بِحَلْقَةٍ عَظِيمَةٍ، وَلَمْ أَكُنْ قَطُّ فِي قَوْمٍ إِلَّا عُرِفْتُ، فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى الْحَلْقَةِ سَلَّمْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَنْتَ؟» قُلْتُ: أَنَا عَدِيُّ بنُ حَاتِمٍ الطَّائيُّ، وَكَانَ أَعْجَبُ شَيْءٍ إِلَيْهِ أنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ أَشْرَافُ العَرَبِ وَرُءُوسُهُمْ، فَوَثَبَ مِنَ الْحَلْقَةِ فَأَخَذَ بِيَدِي فَوَجَّهَ بِي إِلَى مَنْزِلِهِ، فَبَيْنَا هُوَ يَمْشِي مَعِي إِذْ نَادَتْهُ امْرَأَةٌ وَغُلَامٌ مَعَهَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لَنَا إِلَيْكَ حَاجَةً، فَخَلَوْا بِهِ قَائِمًا مَعَهُمَا حَتَّى أَوَيْتُ لَهُ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ، قُلْتُ فِي نَفْسِي: أَشْهَدُ أَنَّكَ بَرِيءٌ مِنْ دِينِي وَدِينِ النُّعْمَانِ بنِ الْمُنْذِرِ، وَأَنَّكَ لَوْ كُنْتَ مَلِكًا لَمْ يَقُمْ مَعَهُ صَبِيٌّ وَامْرَأَةٌ طُولَ مَا رَأَى، فَقَذَفَ اللَّهُ فِي قَلْبِي لَهُ حُبًّا، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَأَلْقَى إِلَيَّ وِسَادَةً حَشْوُهَا لِيفٌ، فَقَعَدْتُ عَلَيْهَا، وَقَعَدَ هُوَ عَلَى الْأَرْضِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: وَهَذَا، ثُمَّ قَالَ لِي: «مَا أَفْرَدَكَ مِنَ المُسْلِمِينَ إِلَّا أَنَّكَ سَمِعْتَهُمْ يَقُولُونَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ وَهَلْ مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ؟ وَمَا أَفْرَدَكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا أَنَّكَ سَمِعْتَهُمْ يَقُولُونَ اللَّهُ أَكْبَرُ؟ فَهَلْ تَعْلَمُ شَيْئًا هُوَ أَكْبَرُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟».

فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى أَسْلَمْتُ وَأَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَا كَانَ فِي قَلْبِي مِنْ حُبِّ النَّصْرَانِيَّةِ، فَسَأَلْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا بِأَرْضِ صَيْدٍ وَإِنَّ أَحَدَنَا يَرْمِي الصَّيْدَ بِسَهْمِهِ لَمْ يَقْتَصَّ أَثَرَهُ لِيَوْمٍ أَوْ لِيَوْمَيْنِ، ثُمَّ يَجِدُهُ مَيِّتًا فِيهِ سَهْمُهُ، فَيَأْكُلُهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِنْ شَاءَ».

والحديث بهذا اللفظ الطويل فيه بعض النّكرة! وإسحاق الأسواري ضعيف الحديث! رماه ابن معين بالكذب، وتركه الناس!! لكن سقناه من أجل ما جاء فيه من متابعة لعبدالوهاب الثقفي، فالله أعلم.

 

الحديث الثالث: وخرّج البخاري أيضاً في «صحيحه» (7/12) (5108) قال: حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قال: أَخْبَرَنَا عَبْدُاللَّهِ، قال: أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، سَمِعَ جَابِرًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قال: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُنْكَحَ المَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا».

قال البخاري: "وقال دَاوُدُ، وَابنُ عَوْنٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ".

·       بيان الاختلاف بين داود بن أبي هند وابن عون مع عاصم الأحول! وترجيح البخاري لرواية عاصم.

قلت: بيّن البخاري اختلاف داود بن أبي هند وابن عون مع عاصم الأحول! فعاصم جعل الحديث من "مسند جابر"، وداود وابن عون جعلاه من "مسند أبي هريرة"! وأشار إلى هذا الاختلاف النسائي في «السنن الكبرى».

والظاهر هو ترجيح البخاري لقول عاصم على داود وابن عون، ولهذا علّق حديثهما.

وحديث داود رواه عنه جماعة من أصحابه:

يزيد بن هارون كما هو عند الترمذي في «جامعه» (1126).

وزهير بن معاوية الجعفي كما هو عند أبي داود في «سننه» (2065).

والمعتمر بن سليمان التيمي كما هو عند النسائي في «الكبرى» (5406).

ومَعْمَر كما هو عند عبدالرزاق في «المصنف» (10758).

وهُشيم كما عند سعيد بن منصور في «سننه» (652).

ومحمد بن فُضيل كما عند ابن أبي شيبة في «مصنفه» (16764).

وعبدالأعلى السامي كما عند إسحاق بن راهويه في «مسنده» (155).

وإِسْمَاعِيلُ ابنُ عُلَيَّةَ كما عند أحمد في «مسنده» (9500).

وبشر بن المفضل ويزيد بن زُريع كما عند البزار في «مسنده» (9612) و(9613).

وعبدالوهاب بن عطاء الخفاف وأبو معاوية الضرير كما عند البيهقي في «السنن الكبرى» (13948).

ووُهَيْب بن خالد كما عند أبي يعلى في «مسنده» (6641).

وعبدالوهاب بن عبدالمجيد الثقفي كما عند ابن حبان في «صحيحه» (4117).

وزَكَرِيَّا بن أَبِي زَائِدَةَ كما عند السهمي في «تاريخ جُرجان» (651).

وعَلِيُّ بنُ عَاصِمٍ كما عند الذهبي في «معجم الشيوخ الكبير» (2/57).

·       رواية ابن عون موقوفة!

قلت: لم يُبيّن البخاري أن رواية ابن عون موقوفة!!

وقد رواها النسائي في «الكبرى» (5407) من طريق خَالِد بن الحَارِثِ، عن عبدالله بن عَوْنٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قال: «لا تُزَوَّجُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَلَا عَلَى خَالَتِهَا». قال: «ولا تُزَوَّجُ عَلَى ابْنَةِ أَخِيهَا وَلَا ابْنَةِ أُخْتِهَا».

ورواها البزار في «مسنده» (9611) من طريق مُحَمَّد بن أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابنِ عَوْنٍ، عن الشَّعْبِي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قال: «نَهَى أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَعَلَى خالتها».

وهذه الرواية شبيهة بالمرفوع! وسيأتي كلام الدارقطني حولها، فلعل البخاري يرى رفعها لقرنه رواية داود مع رواية ابن عون، والله أعلم.

·       سماع الشعبي من أبي هريرة!

قال الترمذي: " حديث أبي هريرة حسن صحيح".

وقال: "أَدْرَكَ الشَّعْبِيُّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَرَوَى عَنْهُ. وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هذا، فقال: «صَحِيحٌ»: ورَوَى الشَّعْبِيُّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ".

قلت: نعم الشعبي أدرك أبا هريرة، ولم أجد أحداً من أهل العلم تكلّم في سماعه منه، لكنهم قالوا بأن روايته عن عائشة مرسلة! وأبو هريرة توفي في السنة التي توفيت فيها عائشة سنة (57هـ).

والشعبي يُدخل واسطة بينه وبين أبي هريرة كما قال الترمذي، وهذه مظنة عدم السماع!

قال أبو حاتم الرازي: "لا أَدْرِي سَمِعَ الشَّعْبِيُّ مِنْ سَمُرَةَ أَمْ لَا لِأَنَّهُ أُدْخِلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ رَجُلٌ".

فهنا استدل أبو حاتم بوجود الواسطة إلى عدم ثبوت السماع، ومثله في إدخال الواسطة بين الشعبي وبين أبي هريرة، والله أعلم.

والذي يظهر أن البخاري يثبت سماعه من أبي هريرة؛ فإنه خرّج له حديثين أحدهما في كتاب «الرهن»، والآخر في كتاب «التفسير» - سورة الزمر.

قال الحافظ في «فتح الباري» (5/144) عند شرحه لحديثه في الرهن: "ولَيْسَ لِلشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي البُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرَ فِي تَفْسِيرِ الزُّمَرِ، وَعَلَّقَ لَهُ ثَالِثًا فِي النِّكَاحِ".

والذي يظهر لي أن البخاري علّق حديث داود بن أبي هند لوهم فيه! وهذا ما أشار إليه أيضاً في جوابه على سؤال للترمذي.

روى الترمذي في «العلل الكبير» (280) قال: حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بنُ غَيْلَانَ، قال: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، قال: قَرَأْتُ عَلَى الشَّعْبِيِّ كِتَابًا فِيهِ: عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِاللَّهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ عَلَى خَالَتِهَا». فقال الشَّعْبِيُّ: سَمِعْتُ هَذَا مِنْ جَابِرٍ.

قال الترمذي: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هذا الحَدِيثِ؟

فقال: "يُحَدِّثُ الشَّعْبِيُّ عَنْ صَحِيفَةِ جَابِرٍ"، ولمْ يَعْرِفَ حَدِيثَ أَبِي دَاوُدَ عَنْ شُعْبَةَ.

وقال دَاوُدُ بنُ أَبِي هِنْدَ: عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ".

والذي أذهب إليه أنه لم يثبت سماع الشعبيّ من أبي هريرة – رضي الله عنه- وما صحّ إلى الشعبي عن أبي هريرة فهو مرسل، وهو قليل جداً.

وقد فصلت ذلك في بحثي: بلوغُ الأَمل في حكم حديث «اللهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أوْ أُضَلَّ، أَو أزِل أَوْ أُزَل».

والشعبي لا يُعرف في أصحاب أبي هريرة، وما رُوي عنه من حديث عن أبي هريرة فيه اختلاف في إسناده وفي بعض المتون، فنقدّم رواية أصحاب أبي هريرة المعروفين، ومن ذلك يمكن تبين إذا كان هذا الراوي سمع من الصحابي أم لا!

·       رواية أخرى معلولة لداود عن ابن سيرين عن أبي هريرة!

وهناك رواية أخرى عن داود عن ابن سيرين عن أبي هريرة!

رواها مسلم في «صحيحه» (2/1030) (1408) من طريق عَلِيّ بن مُسْهِرٍ، عَنْ دَاوُدَ بنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ ابنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا، أَوْ أَنْ تَسْأَلَ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْتَفِئَ مَا فِي صَحْفَتِهَا، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ رَازِقُهَا».

قال ابن حجر في «فتح الباري» (9/160): "وأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، فقال: عَنْ مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَكَانَ لداود فِيهِ شيخين وَهُوَ مَحْفُوظٌ لِابنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الوَجْهِ".

قلت: لم يتابع علي بن مسهر عليه!! فإن كان محفوظاً فيكون الوهم فيه من داود، والله أعلم.

ورواه البزار في «مسنده» (17/252) (9934) قال: حَدَّثَنا إبراهيم بن زياد، قال: حَدَّثَنا منجاب، قال: حَدَّثَنا علي بن مسهر، عَنْ دَاوُدَ بنِ أَبِي هِنْد، عَنِ الشَّعْبِيِّ ومحمد بن سيرين، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها».

قال البزار: "وهذا الحديثُ قد رواه جماعة عن داود، عن الشَّعْبِي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، ولا نعلم أحداً جمع عن داود عن الشَّعْبِي ومُحَمَّد إلا علي بن مسهر، ولا أسند داود، عن ابن سيرين، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- غير هذا الحديث".

وفي سؤالات ابن الجُنيد (404): قلت ليحيى: داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تنكح المراة على عمتها ولا على خالتها» تعرفه عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة؟ قال: "نعم، حدثنا به منجاب".

قلت ليحيى: حدثنا محرز بن عون، عن علي بن مسهر.

قال: حدثنا منجاب، عن علي بن مسهر. لا أعلم أحدًا يقول هذا غير علي، وأما ابن عون وغيره فيقولون: «نهى أن تنكح»".

·       الاختلاف على داود بن أبي هند وابن عون!

وسُئل الدارقطني في «العلل» (11/115) (2158) عَنْ حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوِ الْعَمَّةُ عَلَى بِنْتِ أَخِيهَا، أَوِ الْمَرْأَةُ عَلَى خَالَتِهَا، أَوِ الْخَالَةُ عَلَى بِنْتِ أُخْتِهَا»؟

فقال: "يَرْوِيهِ دَاوُدُ بنُ أَبِي هِنْدٍ، وَابنُ عَوْنٍ، وَسُلَيْمٌ مَوْلَى الشَّعْبِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

وخَالَفَهم عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ: فَرَوَاهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِاللَّهِ.

وخَالَفَهُمْ جَابِرٌ الجُعْفِيُّ: فَرَوَاهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ.

وَاخْتُلِفَ عَنْ دَاوُدَ بنِ أَبِي هِنْدٍ، وَعَنِ ابنِ عَوْنٍ!

فَرَوَاهُ زُهَيْرُ بنُ مُعَاوِيَةَ، وَحَمَّادُ بنُ زَيْدٍ، وَهُشَيْمٌ، وَمُعْتَمِرٌ، وعَبْدُالرَّحِيمِ بنُ سليمان، وابن فضيل، ومحبوب بن الحسن، وعائذ بنُ حَبِيبٍ، وَعُمَرُ بنُ حَبِيبٍ القَاضِي العَدَوِيُّ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

وكَذَلِكَ رَوَوْهُ عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ بَقِيَّةُ: عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

وَرَوَاهُ زَكَرِيَّا بنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ دَاوُدَ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ:

فَرَوَاهُ يَحْيَى بنُ زَكَرِيَّا بنِ أَبِي زَائِدَةَ، وَعُبَيْدُاللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ زَكَرِيَّا، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ.

وَخَالَفَهُ عُمَرُ بنُ عَلِيِّ بنِ مُقَدَّمٍ، فَرَوَاهُ عَنْ زَكَرِيَّا، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، لَمْ يَذْكُرْ بَيْنَهُمَا أَحَدًا.

ورَوَاهُ عَبْدُالوَارِثِ بنُ سَعِيدٍ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ:

فَرَوَاهُ أَبُو مَعْمَرٍ القَطِيعِيُّ، عَنْ عَبْدِالوَارِثِ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

وَاخْتُلِفَ عَنْ مُسَدَّدٍ: فَرَوَاهُ عُبَيْدُاللَّهِ بنُ جَرِيرِ بنِ جَبَلَةَ، عَنْ مُسَدَّدٍ، عَنْ عَبْدِالوَارِثِ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

ووهِمَ فِي قَوْلِهِ: عَنِ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

والصَّحِيحُ عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ ذَلِكَ مُعَاذُ بنُ الْمُثَنَّى، عَنْ مُسَدَّدٍ، عَنْ عَبْدِالوَارِثِ.

وَرَوَاهُ يَزِيدُ بنُ هَارُونَ، عَنْ دَاوُدَ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ:

فَرَوَاهُ حُسَيْنُ بنُ أَيُّوبَ - بَغْدَادِيٌّ، ثِقَةٌ -، وَإِبْرَاهِيمُ بنُ نَصْرٍ الْكِنْدِيُّ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ ابنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَمْ يُتَابِعَا عَلَى هَذَا القول.

وَرَوَاهُ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، وَمُحَمَّدُ بنُ الصَّبَّاحِ الدُّولَابِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بنِ هَارُونَ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

والصَّوَابُ عَنْ يَزِيدَ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

ورَوَاهُ عَلِيُّ بنُ مُسْهِرٍ عَنْ دَاوُدَ، فَقَالَ: عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَتَى بِحَدِيثِ الشَّعْبِيِّ أَيْضًا، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ عَنْ دَاوُدَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: وَلَا تُسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا.

وذلك مَحْفُوظٌ فِي حَدِيثِ ابنِ سِيرِينَ، وليس من حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ قَوْلُ إِنَّهُ حَفِظَ الحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا.

وَاخْتُلِفَ عَنِ ابنِ عَوْنٍ:

وقال ابنُ أَبِي عَدِيٍّ: عَنْهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: نَهَى أَنْ تُزَوَّجَ المَرْأَةُ، نَحَا بِهِ نَحْوَ الرَّفْعِ.

وقال النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ: عَنْهُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَوْلُهُ.

والصَّحِيحُ: عَنْ دَاوُدَ بنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرٍ".

قلت: قد توبع النضر في روايته عن داود بالوقف، تابعه خالد بن الحارث كما تقدّم، وروايتهما ترجح على رواية محمد بن أبي عدي.

·       الرد على من صحح الروايتين!

وقد ذهب بعض أهل العلم إلى تصحيح الروايتين عن الشعبي عن جابر وأبي هريرة!

قال ابن عبدالبر في «الاستذكار» (5/452): "عِنْدَ الشَّعْبِيِّ فِي هذَا البَابِ حَدِيثَانِ: أَحَدُهُمَا عَنْ جَابِرٍ، والْآخَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ومِنَ النَّاسِ مَنْ تَعَسَّفَ فَجَعَلَهُ مِنَ الِاخْتِلَافِ".

وقال في «التمهيد» (18/278): "والحَدِيثَانِ جَمِيعًا صَحِيحَانِ".

وقد أغرب البيهقي! فقال في «معرفة السنن والآثار» (10/107): "فالحُفَّاظُ يَرَوْنَ رِوَايَةَ عَاصِمٍ خَطَأٌ، وأَنَّ الصَّحِيحَ رِوَايَةُ ابنِ عَوْنٍ، وَدَاوُدَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ".

ورد ذلك ابن التركماني وابن حجر!

قال ابن حجر في «الفتح» (9/161): "وهذَا الِاخْتِلَافُ لَمْ يَقْدَحْ عِنْدَ البُخَارِيِّ؛ لِأَنَّ الشَّعْبِيَّ أَشْهَرُ بِجَابِرٍ مِنْهُ بِأَبِي هُرَيْرَةَ، وللحَدِيثِ طُرُقٌ أُخْرَى عَنْ جَابِرٍ بِشَرْطِ الصَّحِيحِ".

قلت: الذي جعل البيهقي يُرجّح رواية داود وابن عون على رواية عاصم الشيخين اتفقا على تخريج حديث الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَلَا بَيْنَ المَرْأَةِ وَخَالَتِهَا».

وقال: "وإِنَّمَا اتَّفَقَا ومَنْ قَبْلَهُمَا وَمَنْ بَعْدَهُمَا مِنْ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ عَلَى إِثْبَاتِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْبَابِ وَالِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ".

قلت: نعم، اتفقا على تخريج حديث أبي هريرة لكن ليس من حديث الشعبي عنه!! فالكلام هنا على رواية داود وابن عون عن الشعبي عن أبي هريرة، لا الروايات الأخرى من طريق الأعرج وغيره.

ولولا أن البخاري يرى عدم صحة رواية داود وابن عون عن الشعبي عن أبي هريرة لما علقها ورجّح عليها رواية عاصم الأحول عن الشعبي عن جابر، والله أعلم.

 

الحديث الرابع: وخرّج البخاري في «صحيحه» (8/86) (6404) قال: حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بنُ مُحَمَّدٍ – هو: المُسْنَدِيُّ -، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُالمَلِكِ بنُ عَمْرٍو -هُو: أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ -، قال: حَدَّثَنَا عُمَرُ بنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بنِ مَيْمُونٍ، قالَ: «مَنْ قَالَ عَشْرًا كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ».

قال عُمَرُ بنُ أَبِي زَائِدَةَ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بنُ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ رَبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، مِثْلَهُ. فَقُلْتُ لِلرَّبِيعِ مِمَّنْ سَمِعْتَهُ؟ فقَالَ: مِنْ عَمْرِو بنِ مَيْمُونٍ، فَأَتَيْتُ عَمْرَو بنَ مَيْمُونٍ، فَقُلْتُ: مِمَّنْ سَمِعْتَهُ؟ فَقَالَ: مِنَ ابنِ أَبِي لَيْلَى، فَأَتَيْتُ ابنَ أَبِي لَيْلَى، فَقُلْتُ: مِمَّنْ سَمِعْتَهُ؟ فَقَالَ: مِنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، يُحَدِّثَهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وقالَ إِبْرَاهِيمُ بنُ يُوسُفَ: عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بنُ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَوْلَهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وقالَ مُوسَى، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وقالَ إِسْمَاعِيلُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَوْلَهُ.

وقالَ آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُالمَلِكِ بنُ مَيْسَرَةَ، سَمِعْتُ هِلاَلَ بنَ يَسَافٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، وَعَمْرِو بنِ مَيْمُونٍ، عَنْ ابنِ مَسْعُودٍ، قَوْلَهُ.

وقَال الأَعْمَشُ، وَحُصَيْنٌ: عَنْ هِلاَلٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ، قَوْلَهُ.

وَرَوَاهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الحَضْرَمِيُّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ».

قال البخاري: "والصَّحِيحُ قَوْلُ عَبْدِالمَلِكِ بنِ عَمْرٍو".

ذكر البخاري رواية عبدالملك بن عمرو ثم علّق الأحاديث الأخرى للاختلاف في أسانيدها، ثم بيّن أن الصواب هي رواية عبدالملك بن عمرو وهو أبو مالكٍ العَقدي!

وهي رواية عَمْرُو بن مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَالَ عَشْرًا، كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ».

·       هل اختصر البخاري رواية أبي عامر العقدي؟!

قلت: ساق البخاري رواية أبي عامر العقدي بلفظ: «مَنْ قَالَ عَشْرًا كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ»، وهي كذلك في جميع نسخ البخاري وكذا شروحاته! وعزا بعض أهل العلم ذلك إلى أن البخاري اختصر الرواية!! وهذا غريب جداً! لأن المعروف في رواية أبي عامر «كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ».

فلم الاختصار؟ وما فائدته؟!!

وحديث أبي عامر العقدي رواه مسلم في «صحيحه» (4/2071) (2693) قال: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بنُ عُبَيْدِاللهِ أَبُو أَيُّوبَ الغَيْلَانِيُّ، قال: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ - يَعْنِي العَقَدِيَّ-، قال: حَدَّثَنَا عُمَرُ - وهُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مِرَارٍ كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ».

وقال سُلَيْمَانُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ رَبِيعِ بنِ خُثَيْمٍ، بِمِثْلِ ذَلِكَ.

قال: فَقُلْتُ لِلرَّبِيعِ: مِمَّنْ سَمِعْتَهُ؟ قَالَ: مِنْ عَمْرِو بنِ مَيْمُونٍ، قالَ فَأَتَيْتُ عَمْرَو بنَ مَيْمُونٍ فَقُلْتُ: مِمَّنْ سَمِعْتُهُ؟ قال: مِنِ ابنِ أَبِي لَيْلَى، قال: فَأَتَيْتُ ابنَ أَبِي لَيْلَى فَقُلْتُ: مِمَّنْ سَمِعْتُهُ؟ قال: مِنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ يُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وأخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (4/165) (4021) من طريق مُحَمَّد بن بَشَّارٍ.

والدارقطني في «العلل» (6/105) من طريق عليّ بن مسلمٍ الطوسيّ.

كلاهما عن أَبي عَامِرٍ العَقَدِيّ، به.

قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (11/202): "قوله «مَنْ قال عَشْرًا كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ» هكذا ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ مُخْتَصَرًا وَسَاقَهُ مُسْلِمٌ عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ عُبَيْدِاللَّهِ الغَيْلَانِيِّ والْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بنِ مُسْلِمٍ قالا: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ بِالسَّنَدِ المَذْكُورِ، ولفْظُهُ: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ»، وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ رَوْحِ بنِ عُبَادَةَ، وَمِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بنِ عَاصِمٍ فَرَّقَهُمَا قالا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بنُ أَبِي زَائِدَةَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً".

·       سبب تعليق البخاري لرواية داود: الاضطراب في متنها!

وقد علّق البخاري رواية داود بن أبي هند مع أنها بنفس إسناد رواية عمرو بن ميمون وذلك لوقوع اضطراب في متنها!!!

والحديث رواه دَاوُدُ بنُ أَبِي هِنْدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ؛ كُنَّ لَهُ كَعِدْلِ عَشْرِ رِقَابٍ» أَوْ قال: «رَقَبَةٍ».

وفي بعض الروايات: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ كَانَ لَهُ كَعِدْلِ مُحَرَّرٍ، أَوْ مُحَرَّرِينَ».

أخرجه أحمد في «مسنده» (38/526) (23546)، وعبد بن حميد في «مسنده» [كما في المنتخب (221)]، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (6/58) (29454)، والحسين المروزي في «زياداته على الزهد» (1124) كلهم عن يَزِيد بن هَارُونَ.

وأخرجه الحسين المروزي في «زياداته على الزهد» (1125) عن عَبْدالوَهَّابِ بنِ عَبْدِالمَجِيدِ الثقفي.

وأخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (4/164) (4017، 4018) من طريق حَمَّاد بنِ سَلَمَةَ، وحَمَّاد بن زَيْدٍ.

كلهم عَنْ دَاوُدَ بنِ أَبِي هِنْدٍ، به.

·       مخالفة متن حديث داود للمحفوظ من حديث أبي أيوب الأنصاري!

فهذا المتن مخالف للصحيح المحفوظ عن أبي أيوب: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا الله... عشر مرات، كان كمن أعتق أربع رقاب من ولد إسماعيل».

·       ذكاء البخاري في اختيار رواية وهيب عن داود لتعليقها.

لكن رواية وهيب بن خالد الباهلي البصري عن داود مثل الرواية المحفوظة: «كان لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ مَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ».

وكأن البخاري اختار رواية وهيب لتعليقها عن داود لموافقتها متن المحفوظ من حديث أبي أيوب، ولم يُشر إلى الاختلاف عليه، وهذه هي النكتة التي من أجلها ذكر هذه الرواية.

قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (11/203): "قوله: (وقال مُوسَى: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ إِلَخْ مَرْفُوعًا): وَصَلَهُ أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي خَيْثَمَةَ فِي تَرْجَمَةِ «الرَّبِيعِ بنِ خُثَيْمٍ» مِن «تَارِيخِهِ» فقال: حَدَّثَنَا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بنُ خَالِدٍ، عَنْ دَاوُدَ بنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، فَذَكَرَهُ، وَلَفْظُهُ: «كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ مَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ».

وقدْ أَخْرَجَهُ جَعْفَرٌ فِي «الذِّكْرِ» مِنْ رِوَايَةِ خَالِدٍ الطَّحَّانِ عَنْ دَاوُدَ بنِ أَبِي هِنْدٍ بِسَنَدِهِ لَكِنْ لَفْظُهُ: «كَانَ لَهُ عَدْلُ رَقَبَةٍ أَوْ عَشْرُ رِقَابٍ»، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِالوَهَّابِ بنِ عَبْدِالمَجِيدِ عَنْ دَاوُدَ قال: مِثْلُهُ، وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بنِ أَبِي عَدِيٍّ وَيَزِيدُ بنُ هَارُونَ كِلَاهُمَا عَنْ دَاوُدَ نَحْوَهُ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ، وهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ عَنْ يَزِيدَ بِلَفْظِ: «كُنَّ لَهُ كَعَدْلِ عَشْرِ رِقَابٍ»، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ خَلَفِ بنِ رَاشِدٍ قال: وَكَانَ ثِقَةً صَاحِبَ سُنَّةٍ عَنْ دَاوُدَ بنِ أَبِي هِنْدٍ مِثْلَهُ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ، قال: قُلْتُ مَنْ حَدَّثَكَ؟ قال: عَبْدُالرَّحْمَنِ، قُلْتُ لِعَبْدِالرَّحْمَنِ: مَنْ حَدَّثَكَ؟ قال: أَبُو أَيُّوبَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الرَّبِيعَ بنَ خُثَيْمٍ، وَرِوَايَةُ وُهَيْبٍ تُؤَيِّدُ رِوَايَةَ عُمَرَ بنِ أَبِي زَائِدَةَ وَإِنْ كَانَ اخْتَصَرَ القِصَّةَ فَإِنَّهُ وَافَقَهُ فِي رَفْعِهِ وَفِي كَوْنِ الشَّعْبِيِّ رَوَاهُ عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أَبِي أَيُّوبَ".

ثم قال: "وأَمَّا ذِكْرُ رَقَبَةِ بِالْإِفْرَادِ فِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ فشَاذٌّ والمَحْفُوظُ أَرْبَعَةٌ".

·       الاختلاف على داود في لفظ الحديث!

وحاصل الاختلاف على داود بن أبي هند في متن الحديث:

«كَعِدْلِ عَشْرِ رِقَابٍ» أَوْ قال: «رَقَبَةٍ».

«كَعِدْلِ مُحَرَّرٍ، أَوْ مُحَرَّرِينَ».

«مِثْلُ مَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ».

·       تصويب ما جاء في بعض نسخ صحيح البخاري!

وأما ما جاء من قول البخاري: "والصَّحِيحُ قَوْلُ عَبْدِالمَلِكِ بنِ عَمْرٍو".

قال الحَافِظُ أَبُو ذَرٍّ الهَرَوِيُّ: "صَوَابُهُ عُمَرَ، وَهُوَ ابنُ أَبِي زَائِدَةَ".

قال اليونيني في نسخته: "وعَلَى الصَّوَابِ ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِاللهِ البُخَارِيُّ فِي الأَصْلِ كمَا تَرَاهُ لا عَمْرو".

قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (11/205): "قوْلُهُ (قال أَبُو عَبْدِاللَّهِ هُوَ البُخَارِيُّ: وَالصَّحِيحُ قَوْلُ عَمْرٍو) كذا وقعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنِ المُسْتَمْلِي وَحْدَهُ، وَوَقَعَ عِنْدَهُ: «عَمْرٌو» بِفَتْحِ العَيْنِ، وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ الصَّوَابَ: «عُمَرُ» بِضَمِّ العَيْنِ وَهُوَ كَمَا قالَ. وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي زَيْدٍ المَرْوَزِيِّ فِي رِوَايَتِهِ الصَّحِيحُ قَوْلُ عَبْدِالمَلِكِ بْنِ عَمْرٍو! وقالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: الحَدِيثُ حَدِيث ابن أَبِي السَّفَرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَهُوَ الَّذِي ضَبَطَ الإِسْنَادَ، وَمُرَادُ البُخَارِيِّ تَرْجِيحُ رِوَايَةِ عُمَرَ ابنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ على رِوَايَةِ غَيْرِهِ عَنْهُ، وَقَدْ ذَكَرَ هُوَ مِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: حَفِيدَهُ إِبْرَاهِيمَ بنَ يُوسُفَ... وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَيْضًا حَفِيدُهُ الْآخَرُ إِسْرَائِيلُ بنُ يُونُسَ".

·       كيف خرّج مسلم لداود بن أبي هند في صحيحه!

وأما الإمام مسلم فقد خرّج لداود بن أبي هند أحاديث كثيرة، ولهذا قال أهل العلم هو من رجال مسلم.

قال ابن منجويه في «رجال مسلم» (1/196): روى عَن سعيد بن المسيب فِي الْإِيمَان، وَالشعْبِيّ فِي الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَغَيرهمَا، وَعَاصِم الْأَحول وَأبي العالية الريَاحي وَالحسن فِي الصَّلَاة، والنعمان بن سالم فِي الصَّلَاة، وَعَمْرو بن سعيد فِي الصَّلَاة، وَأبي حَرْب بن أبي الْأسود فِي الزَّكَاة، وَأبي نَضرة فِي الزَّكَاة وَالحج والحُدُود وَغَيرهَا، ومُحَمّد بن سِيرِين فِي النِّكَاح، وَأبي عُثْمَان النَّهْدِيّ فِي الجِهَاد، وعزرة بن عبدالرحمن فِي اللبَاس".

قلت: أخرج له مسلم في «صحيحه» اثنين وثلاثين حديثاً كلها في المتابعات والشواهد، وفي بعضها أوهام.

منها حديثه عن أبي عثمان النهدي، عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال العَرَب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة»، وقد تكلمت عليه مفصلاً في بحثي: «المُعْجِبُ» في حُكم رواية: «لا يَزَالُ أَهْلُ الغَرْب» أو «أهلُ المَغْرِب».

·       متابعة للوليد بن عبدالرحمن عن جبير بن نفير! وبيان ضعفها!

وهناك متابعة لحديث داود عن الوليد أخرجها جعفر الفريابي في كتاب «الصيام» (150) قال: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بنُ صَالِحٍ، قال: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ، قال: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قال: "قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى مُعْتَكَفِهِ، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ جِئْنَاكَ، وَلَقَدْ تَشَدَّدْنَا لِلْقِيَامِ وَمَا كُنَّا نَظُنُّ أَنَّكَ تُفَارِقُ مَقَامَكَ حَتَّى نُصَلِّيَ الصُّبْحَ، فَقَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ إِذَا صَلَّيْتَ بِصَلَاةِ إِمَامِكَ وَانْصَرَفْتَ، كُتِبَ لَكَ قُنُوتُ لَيْلَتِكَ».

·       وهم صفوان بن صالح!

قلت: هذا الحديث تفرد به بهذا الإسناد صفوان بن صالح أبو عبدالملك الدمشقي، مؤذن المسجد الجامع بدمشق!!

قال أَبُو حَاتِم: "صدوق".

وَقَال أبو عُبَيد الأجري، عَن أبي داود: "حجة".

قلت: هو صدوق، خرج له أصحاب السنن، ولم يخرّج له البخاري ومسلم! وينفرد بأحاديث لا تُحتمل!! وهو الذي تفرد بذكر أسماء الله الحسنى في الحديث الذي رواه عن الوليد بن مسلم، عن شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً، إنه وتر يحب الوتر من أحصاها دخل الجنة، هو الله الذي لا إله إلا هو: الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن... الحديث».

وهذا لا يُعرف إلا من حديث صفوان!! وقد روي من غير وجه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولا يُعلم في شيء من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث!!

وقد وهم صفوان في هذا الحديث! سلك فيه الجادة: "عبدالرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه"!!

والمحفوظ من حديث صفوان بن عمرو بغير هذا الإسناد.

أخرجه أحمد في «مسنده» (35/402) (21510) قال: حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قال: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بنُ عَمْرٍو، عَنْ شُرَيْحِ بنِ عُبَيْدٍ الحَضْرَمِيِّ، يَرُدُّهُ إِلَى أَبِي ذَرٍّ، أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا كَانَ العَشْرُ الْأَوَاخِرُ اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي المَسْجِدِ، فَلَمَّا صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ العَصْرِ مِنْ يَوْمِ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ، قَالَ: «إِنَّا قَائِمُونَ اللَّيْلَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَقُومَ فَلْيَقُمْ» وَهِيَ لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، فَصَلَّاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَاعَةً بَعْدَ الْعَتَمَةِ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ لَمْ يُصَلِّ شَيْئًا وَلَمْ يَقُمْ، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ قَامَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ يَوْمَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ فَقَالَ: «إِنَّا قَائِمُونَ اللَّيْلَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، يَعْنِي لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَقُمْ» فَصَلَّى بِالنَّاسِ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا وَلَمْ يَقُمْ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ سِتٍّ وَعِشْرِينَ قَامَ فَقَالَ: «إِنَّا قَائِمُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، يَعْنِي لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، فَمَنْ شَاءَ أَنْ يَقُومَ فَلْيَقُمْ». قَالَ أَبُو ذَرٍّ: فَتَجَلَّدْنَا لِلْقِيَامِ فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى قُبَّتِهِ فِي الْمَسْجِدِ فَقُلْتُ لَهُ: إِنْ كُنَّا لَقَدْ طَمِعْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ تَقُومَ بِنَا حَتَّى تُصْبِحَ. فَقَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ إِذَا صَلَّيْتَ مَعَ إِمَامِكَ وَانْصَرَفْتَ إِذَا انْصَرَفَ، كُتِبَ لَكَ قُنُوتُ لَيْلَتِكَ».

وأخرجه الطبراني في «المعجم الأوسط» (1/140) (442)، وفي «مسند الشاميين» (2/91) (972) عن أَحْمَد بن خُلَيْدٍ الحَلَبِيّ، عن أَبي اليَمَانِ الحَكَم بن نَافِعٍ، به.

قال الطبراني: "لَمْ يَرْوِ هذا الحَدِيثَ عَنْ شُرَيْحِ بنِ عُبَيْدٍ إِلَّا صَفْوَانُ بنُ عَمْرٍو".

قلت: هذا حديث منقطع! شريح بن عبيد الحضرمي الحمصي لم يدرك أبا ذر! وكان شريح يُرسل كثيراً على عادة الشاميين!

·       شُريح بن عبيد الشامي لم يسمع من أحد من الصحابة!

وسئل مُحَمَّد بن عوف الطائي الحمصي الحافظ: هل سمع شريح بن عُبَيد من أَبي الدَّرْدَاء؟ فقال: "لا". قيل له: فسمع من أحد من أصحاب النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم؟ قال: "ما أظن ذلك، وذلك أنه لا يقول فِي شيء من ذلك: سمعت، وهو ثقة".

وقال ابن أبي حاتم في «المراسيل» عن أبيه: "لم يدرك أبا أمامة، ولا المقدام، ولا الحارث بن الحارث، وهو عن أبي مالك الأشعري مرسل".

قال ابن حجر في «تهذيب التهذيب» (4/329): "وإذا لم يدرك أبا أمامة الذي تأخرت وفاته فبالأولى أن لا يكون أدرك أبا الدرداء".

قلت: ومن باب أولى أن لا يكون أدرك أبا ذر.

وكأن هذا الحديث المرسل في الشام هو أصل الأحاديث المرفوعة في هذا الباب، والله أعلم.

·       زيادة في حديث داود عن الوليد عن جُبير! لا توجد في رواية أبي الزاهرية عن جُبير!!

وللحديث طريق أخرى رواها مُعَاوِيَةُ بنُ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةَ حُدير بن كُريب الحَضْرمي، عَنْ جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: "قُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ كُنَّا نَظُنُّ أَنَّكَ تَسْتَقِلَّنَا لَيْلَتَنَا هَذِهِ، فَقَالَ: «مَا أَحْسِبُ مَا تَطلبونَ إِلَّا وَرَاءَكُمْ» ، ثُمَّ قَامَ بِنَا لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ كُنَّا نَرْجُو أَنَّكَ تَسْتَقِلَّنَا لَيْلَتَنَا هَذِهِ، فَقَالَ: «مَا أَحْسِبُ مَا تَطْلُبُونَ إِلَّا وَرَاءَكُمْ» ثُمَّ قَامَ بِنَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا".

أخرجه أحمد في «مسنده» (35/447) (21566) عن زَيْد بن الحُبَابِ.

وابن خزيمة في «صحيحه» (3/337) (2205) من طريق زيد بن الحباب.

والطبراني في «مسند الشاميين» (3/142) (1957) من طريق ابن وَهْبٍ.

كلاهما عن معاوية بن صالح، به.

قال شعيب الأرنؤوط ورفاقه: "إسناده صحيح على شرط مسلم".

وقال الأعظمي في تحقيقه لصحيح ابن خزيمة: "إسناده حسن. أبو الزاهرية صدوق. أخرجه الإمام أحمد في المسند (الفتح الرباني 10/285) وقال البنا: لم أقف عليه لغير الإمام أحمد وسنده جيد".

·       حال معاوية بن صالح! وتفرده بالغرائب عن الشاميين!

قلت: تفرد به معاوية بن صالح، وهو صدوق، حمصي خرج منها قديماً إلى الأندلس وصار قاضيها.

وقد وثقه بعض أهل العلم وضعفه آخرون! وله غرائب وإفرادت عن الشاميين!!

قال أَبُو طالب عَن أَحْمَد بن حنبل: "خرج من حمص قديماً، وكان ثقة".

وَقَال جعفر بن أَبي عثمان الطيالسي عَنْ يحيى بن مَعِين: "ثقة".

وَقَال عَباس الدُّورِيُّ، وأبو بكر بن أَبي خيثمة عَن يحيى بن مَعِين: "كان يحيى بن سَعِيد لا يرضاه".

وَقَال عباس، عَن يحيى فِي موضع آخر: "ليس برضى".

وقال مرة: "مُعَاوِيَة بن صالح: صالح".

وقال يحيى: "كان ابن مهدي إِذَا حدث بحديث مُعَاوِيَة بن صَالِح زبره يَحْيى بن سَعِيد! وقال: إيش هَذِهِ الأحاديث!! وكان ابن مهدي لا يبالي عمن روى، ويحيى ثقة في حديثه".

وقال ابن أبي خيثمة: رَأَيْتُ فِي كتابِ عليِّ بن عَبْدِاللَّهِ المَدِيْنِيّ الَّذِي دفعه إلينا ابنُه: سألتُ يَحْيَى بن سعيد الْقَطَّان عَنْ مُعَاوِيَة بن صالح؟ فقالَ: "ما كنا نأخذ عنه ذلك الزمان ولا حرفا".

وقال يعقوب بن شيبة: "وقد حمل الناس عن معاوية بن صالح، ومنهم من يرى أنه وسط ليس بالثبت ولا بالضعيف، ومنهم من يضعفه".

وقال حميد بن زَنْجَوَيْهِ: قُلتُ لعلي بن المديني، إنك تطلب الغرائب فأت عَبداللَّه بن صَالِح واكتب كتاب مُعَاوِيَة بن صالح تستفيد مِئَتَي حديث".

وقال عبدالرحمن ابن أبي حاتم: سألت أبي عن معاوية بن صالح؟ فقال: "صالح الحديث، حسن الحديث، يُكتب حديثه ولا يُحتج به".

وقال عبدالرحمن: سئل أبو زرعة عن معاوية بن صالح؟ فقال: "ثقة محدث".

وقال العجلي والنسائي: "ثقة".

وقال محمد بن عبدالله بن عمّار: "الناس يروون عنه، وزعموا أنه لم يكن يدري أي شيء في الحديث".

وقال أَبُو صالح الفراء: حَدَّثَنَا أَبُو إسحاق - يعني الفزاري - يوماً بحديث عَن معاوية بن صالح، ثم قال أَبُو إسحاق: "ما كَانَ بأهل أن يُروى عنه".

وقال ابن حبان في «مشاهير علماء الأمصار» (ص: 302): "يُغرب".

وقال ابن عدي في «الكامل» (8/146): "وما أرى بحديثه بأساً، وَهو عندي صدوق إلا أَنَّهُ يقع فِي أحاديثه إفرادات".

وقال ابن حجر في «التقريب» (ص: 538): "صدوق له أوهام".

وقال الذهبي في «الميزان» (4/135): "ومن مفاريده: «ليشربن ناس الخمر يسمونها بغير اسمها». وحديث: «اجلس فقد آذيت وآنيت». وهو ممن احتج به مسلم دون البخاري. وترى الحاكم يروي في مستدركه أحاديثه، ويقول: هذا على شرط البخاري فَيَهِم في ذلك ويكرره"!

وقال محمد بن أحمد بن أبي خيثمة: "لوددت أن أدخل الأندلس حتى أفتش عن أصول كتب معاوية بن صالح، فلما قدمت طلبت ذلك، فوجدته كتبه قد ذهبت بسقوط همم أهله، وكان معاوية يُغرب بحديث أهل الشام جداً، وكان أغرب حديثه روايته عن أبي الزاهرية حدير بن كريب، عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو طريق غريب ثابت من حديث الشاميين، لا يوجد إلا عند معاوية بن صالح، ورحل زيد بن الحباب العكلي من العراق إلى الأندلس، وأخذ عن معاوية".

قلت: وهذا الحديث من غرائبه وإفراداته عن أهل الشام، ومعاوية يروي عن «شريح بن عبيد» صاحب الحديث السابق، فلعل هذا الحديث هو أصل حديث شريح المرسل!

ولو صح حديث أَبِي الزَّاهِرِيَّةَ، عَنْ جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، فإنه لا توجد فيه الزيادة التي في حديث داود بن أبي هند عن الوليد الجرشي عن جبير بن نفير عن أبي ذر: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَتْ لَهُ قِيَامَ لَيْلَةٍ»!

وعليه تكون الزيادة هذه من أوهام داود بن أبي هند، وهي شاذة!

·       معاوية بن صالح يروي الحديث بإسنادين مختلفين ويتفرد بهما!!

وقد روي هذا الحديث عن معاوية بن صالح بإسناد آخر! وهذا يدلّ على غرابة هذه الأحاديث التي يرويها معاوية عن الشاميين!!

رواه زَيْد بن الحُبَابِ وعبدالله بن وهب وعبدالله بن صالح كاتب الليث، ثلاثتهم عن مُعَاوِيَة بن صَالِحٍ، قال: حَدَّثَنِي نُعَيْمُ بنُ زِيَادٍ أَبُو طَلْحَةَ الْأَنْمَارِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ النُّعْمَانَ بنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ عَلَى مِنْبَرِ حِمْصَ: «قُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قُمْنَا مَعَهُ لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَامَ بِنَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ لَا نُدْرِكَ الْفَلَاحَ، قَالَ: وَكُنَّا نَدْعُو السُّحُورَ الْفَلَاح. فَأَمَّا نَحْنُ فَنَقُولُ: لَيْلَةُ السَّابِعَةِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ السَّابِعَةُ، فَمَنْ أَصَوْبُ نَحْنُ، أَوْ أَنْتُمْ».

أما حديث زيد بن الحباب:

فأخرجه أحمد في «مسنده» (30/351) (18402)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (2/164) (7696) كلاهما عن زَيْد بن الحُبَابِ.

ورواه الفريابي في كتاب «الصيام» (156)، والطبراني في «المعجم الكبير» (21/170) كلاهما عن أَبي بَكْرِ بن أَبِي شَيْبَةَ، به.

ورواه النسائي في «الكبرى» (2/115) (1301) عن أَحْمَد بن سُلَيْمَانَ، وعَبْدَة بن عَبْدِاللهِ، وعَبْدالرَّحْمَنِ بنِ خَالِدٍ.

وابن خزيمة في «صحيحه» (2/1053) (2204) عن عَبْدة بن عَبْداللَّه الخُزَاعِيّ.

والمروزي في «مختصر قيام الليل وقيام رمضان وكتاب الوتر» (ص: 216) عن أحمد بن منصور الرمادي.

كلهم عن زيد بن الحباب، به.

وأما حديث ابن وهب:

فأخرجه الفريابي في كتاب «الصيام» (155) عن يَزِيد بن خَالِدِ بنِ مَوْهَبٍ الرَّمْلِيّ.

والطبراني في «مسند الشاميين» (3/193) (2063) من طريق أَحْمَد بن صَالِحٍ.

كلاهما عن ابن وَهْبٍ، به.

وأما حديث عبدالله بن صالح:

فأخرجه الحاكم في «المستدرك» (1/607) (1608) عن عَبْداللَّهِ بن مُحَمَّدٍ البَلْخِيّ، عن أَبي إِسْمَاعِيلَ السُّلَمِيّ، عن عَبْداللَّهِ بن صَالِحٍ، به.

قال الحاكم: "هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ على شَرْطِ البُخَارِي، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ".

قال: "وَفِيهِ الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ أَنَّ: صَلَاةَ التَّرَاوِيحِ فِي مَسَاجِدِ المُسْلِمِينَ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ، وَقَدْ كَانَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ يَحُثُّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَلَى إِقَامَةِ هَذِهِ السُّنَّةِ إِلَى أَنْ أَقَامَهَا".

فتعقبه الذهبي بقوله: "ليس الحديث على شرط واحد منهما، بل هو حسن"!

وقال شعيب الأرنؤوط ورفاقه: "إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح غير نعيم بن زياد، فمن رجال النسائي، وروى له أبو داود في التفرد، وهو ثقة... وله شاهد من حديث أبي ذر".

وقال الأعظمي في تعليقه على صحيح ابن خزيمة: "إسناده حسن".

قلت:

هذا الإسناد تفرد به معاوية بن صالح عن نُعَيْم بن زِيَادٍ، عن النُّعْمَان بن بَشِيرٍ! ولا يُعرف عن النعمان إلا من حديث معاوية!

ورواه معاوية بإسناد آخر – كما سبق – عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نُفير، عن أبي ذر!

وأشهر طرق الشاميين لهذا الحديث من حديث أبي ذر!

والظاهر أن معاوية بن صالح كان يضطرب فيه!! فلا يُقبل تفرده بأي إسناد من حديث الشاميين ما لم يُتابع عليه!!

والمعاصرون ممن يحققون الكتب إنما يسيرون على ظواهر الأسانيد دون الالتفات إلى أحوال الرواة وتفرداتهم وغرائبهم!! فيصححون الأحاديث ويحسنوها! والله المستعان.

·       رواية معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن جبير بن نُفير!

ومعاوية بن صالح يروي بعض الأحاديث عن أبي الزاهرية عن جبير بن نفير! فلعله كان يدخل له بعض الأسانيد في بعضها!

أخرج الحاكم في «المستدرك» (1/750) (2066) من طريق عَبْداللَّهِ بن صَالِحٍ المِصْرِيُّ، قال: أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بنُ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ، عَنْ جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ خَتَمَ سُورَةَ البَقَرَةِ بِآيَتَيْنِ أَعْطَانِيهِمَا مِنْ كَنْزِهِ الَّذِي تَحْتَ العَرْشِ فَتَعَلَّمُوهُنَّ، وَعَلِّمُوهُنَّ نِسَاءَكُمْ، فَإِنَّهَا صَلَاةٌ، وَقُرْآنٌ، وَدُعَاءٌ».

قال الحاكم: "هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ البُخَارِيِّ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُاللَّهِ بنُ وَهْبٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بنِ صَالِحٍ مُرْسَلًا".

ثم ساقه من طريق يُونُس بن عَبْدِ الأَعْلَى، قال: أَنْبَأَنا ابنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بنُ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِثْلَهُ.

·       وهم للحاكم!

قلت: العجب من الحاكم كيف صححه وجعله على شرط البخاري!! ولم يعلّه برواية ابن وهب المرسلة!!

وابن وهب أوثق من عبدالله بن صالح كاتب الليث، وعبدالله بن صالح تكلّم عليه العلماء من قبل حفظه.

وقد تابع ابن وهب عليه مرسلاً: معن بن عيسى القزاز كما هو عند «الدارمي» في «سننه» (3433).

·       رواية معاوية بن صالح عن عبدالرحمن بن جبير عن جبير بن نُفير عن أبي ذر! ووهم للحاكم!

حدّث مُعَاوِيَةُ بنُ صَالِحٍ: أَنَّ عَبْدَالرَّحْمَنِ بنَ جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ، حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «يَا أَبَا ذَرٍّ أَتَرَى أَنَّ كَثْرَةَ المَالِ هُوَ الغِنَى؟» قُلْتُ: نَعَمْ. قال: «وَتَرَى أَنَّ قِلَّةَ المَالِ هُوَ الفَقْرُ؟» قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ الْفَقْرُ، فَقَالَ: «لَيْسَ كَذَلِكَ، إِنَّمَا الغِنَى غِنَى القَلْبِ، والفَقْرُ فَقْرُ القَلْبِ». ثُمَّ سَأَلَنِي عَنْ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ قالَ: «هَلْ تَعْرِفُ فُلَانًا؟» قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قال: «وَكَيْفَ تَرَاهُ؟» قُلْتُ: إِذَا سَأَلَ أُعْطِيَ، وَإِذَا حَضَرَ دَخَلَ. قَالَ: ثُمَّ سَأَلَنِي عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ قَالَ: «هَلْ تَعْرِفُ فُلَانًا؟» قُلْتُ: لا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: فَمَا زَالَ يُجْلِيهِ وَيَنْعَتُهُ حَتَّى عَرَفْتُهُ، قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «كَيْفَ تَرَاهُ؟» قُلْتُ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ مِنْ أَهْلِ المَسْجِدِ، قال: «فَهُوَ خَيْرٌ مِنْ طِلَاعِ الْأَرْضِ مِثْلَ الْآخَرِ». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا يُعْطَى مِنْ بَعْضِ مَا يُعْطَى؟ قالَ: «إِنْ يُعْطَى فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ، وَإِنْ يُصْرَفْ عَنْهُ فَقَدْ أُعْطِيَ حَسَنَةً».

رواه النسائي في «السنن الكبرى» (10/382) (11785) من طريق اللَّيْثِ بنِ سَعْدٍ.

والطبراني في «مسند الشاميين» (3/174) (2020)، والحاكم في «المستدرك» (4/363) (7929) من طريق عَبْداللَّهِ بن صَالِحٍ المِصْرِيّ.

وابن حبان في «صحيحه» (2/460) (685) من طريق ابن وَهْبٍ.

ثلاثتهم عن مُعَاوِيَة بن صَالِحٍ، به.

قال الحاكم: "هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ على شَرْطِ البُخَارِيِّ ولَمْ يُخَرِّجَاهُ بِهَذِهِ السِّيَاقَةِ، إِنَّمَا خَرَّجَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ مُخْتَصَرًا".

قلت: وهذا من أوهام الحاكم! فهذا ليس على شرط البخاري! وقد تفرد به معاوية بن صالح ولا يُعرف بهذا الإسناد وهذه السياقة إلا من طريقه!!

والحديث الذي أشار إليه الحاكم أن الشيخين خرجاه من طريق الأعمش عن زيد بن وهب عن أبي ذر مختصراً هو: «إِنَّ المُكْثِرِينَ هُمُ المُقِلُّونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا، فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ، وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا».

وقد أسنده البخاري عن زيد بن وهب رواه عنه عَبْدالعَزِيزِ بنِ رُفَيْعٍ، ثم علّق رواية الأعمش عن زيد.

وأما مسلم فقد أسند رواية الأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ.

·       رواية أخرى للوليد بن عبدالرحمن عن جبير بن نفير عن أبي ذر!

روى البزار في «مسنده» (9/434) (4044) من طريق إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيمَ الحِمْصِيِّ، قال: حدثنَا عَمْرُو بنُ الحَارِثِ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ سَالِمٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الوَلِيدِ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ، عَنْ جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ: «كُنْتُ أُتْبِعُ خَلَواتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَهَبْتُ يَوْمًا، فَإِذَا هُوَ قَدْ خَرَجَ فَاتَّبَعْتُهُ فَجَلَسَ فِي مَوْضِعٍ فَجَلَسْتُ عِنْدَهُ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَسَلَّمَ وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ فَجَلَسَ، عَنْ يَمِينِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ فَجَلَسَ يَمِينَ عُمَرَ، قَالَ: فَتَنَاوَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَصَيَاتٍ فَسَبَّحْنَ فِي يَدِهِ حَتَّى سَمِعْتُ لَهُنَّ حَنِينًا كَحَنِينِ النَّحْلِ، ثُمَّ وَضَعَهُنَّ فَخَرِسْنَ، ثُمَّ وَضَعَهُنَّ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ فَسَبَّحْنَ فِي يَدِهِ حَتَّى سَمِعْتُ لَهُنَّ حَنِينًا كَحَنِينِ النَّحْلِ، ثُمَّ وَضَعَهُنَّ فَخَرِسْنَ، ثُمَّ تَنَاوَلَهُنَّ فَوَضَعَهُنَّ فِي يَدِ عُمَرَ فَسَبَّحْنَ فِي يَدِهِ حَتَّى سَمِعْتُ لَهُنَّ حَنِينًا كَحَنِينِ النَّحْلِ، ثُمَّ وَضَعَهُنَّ فَخَرِسْنَ، ثُمَّ تَنَاوَلَهُنَّ فَوَضَعَهُنَّ فِي يَدِ عُثْمَانَ فَسَبَّحْنَ فِي يَدِهِ حَتَّى سَمِعْتُ لَهُنَّ حَنِينًا كَحَنِينِ النَّحْلِ، ثُمَّ وَضَعَهُنَّ فَخَرِسْنَ».

قلت: هذا إسناد منكر!! تفرد به إسحاق بن إبراهيم الزبيدي الحمصي، يُقال له: ابن زِبرِيق، وهو ضعيف، واتهمه بعضهم.

قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: سمعت يحيى بن معين وأثنى على إسحاق بن الزبريق خيراً، وقال: "الفتى لا بأس به، ولكنهم يحسدونه".

قال: وسئل أبي عن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء؟ فقال: "شيخ".

وقال النسائي: "ليس بثقة عن عمرو بن الحارث".

وفي «كتاب الآجري»: سئل أبو داود عنه؟ فقال: "ليس هو بشيء".

قال أبو داود، قال لي ابن عوف – وهو محمد بن عوف الطائي محدّث حمص-: "ما أشك أن إسحاق بن إبراهيم بن زبريق يكذب".

خرّج الحاكم، وابن حبان حديثه في «صحيحيهما» بعد ذكره إياه في كتاب «الثقات»!

وقال ابن حجر: "صدوق يهم كثيراً، وأطلق محمد بن عوف أنه يكذب".

قلت: هو ليس بذاك! ويروي عن عمرو بن الحارث مناكير كثيرة! منها ما رواه عنه عن عَبْداللَّهِ بن سَالِمٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، قال: حَدَّثَنِي الوَلِيدُ بنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ، أَنَّ جُبَيْرَ بْنَ نُفَيْرٍ، حَدَّثَهُ قال: حدثنا شَدَّادُ بنُ أَوْسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أُسْرِيَ بِكَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِكَ؟ وذكر حديثاً طويلاً.

قال البزار: "وهذَا الحَدِيثُ لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ".

والحديث معروف عن صَالِحِ بنِ أَبِي الْأَخْضَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سُوَيْدِ بنِ يَزِيدَ، قالَ: رَأَيْتُ أَبَا ذَرٍّ جَالِسًا وَحْدَهُ فِي المَسْجِدِ فَاغْتَنَمْتُ ذَلِكَ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ فَذَكَرْتُ لَهُ عُثْمَانَ، فَقَالَ: لَا أَقُولُ لِعُثْمَانَ أَبَدًا إِلَّا خَيْرًا لِشَيْءٍ رَأَيْتُهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنْتُ أَتْبَعُ خَلَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَتَعَلَّمُ مِنْهُ فَذَهَبْتُ يَوْمًا، وذكره مطولاً.

قال البزار في «مسنده» بعد أن خرّجه (9/432): "وهذا الحَدِيثُ لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى إِلَّا مِنْ حَدِيثِ سُوَيْدِ بنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ. وَرَوَاهُ جُبَيْرُ بنُ نُفَيْرٍ وَزَادَ فِيهِ جُبَيْرٌ كَلَامًا لَيْسَ فِي حَدِيثِ سُوَيْدٍ، وَلَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ سُوَيْدٍ غَيْرُ الزُّهْرِيِّ، وَلَا رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ غَيْرُ صَالِحِ بنِ أَبِي الْأَخْضَرِ، وصَالِحُ لَيِّنُ الحَدِيثِ، وَقَدِ احْتَمَلَ حَدِيثَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَحَدَّثُوا عَنْهُ".

قلت: صالح بن أبي الأخضر ضعيف وخاصة في الزهري فلا يقبل حديثه عنه! ورواية جبير بن نفير تقدم الكلام عليها وهي من رواية ابن زبريق، وهو ضعيف جداً لا يُقبل تفرده، فإن صدق قول ابن عوف محدث حمص في تكذيبه فيكون هذا من الأحاديث التي سرقها! والله أعلم.

·       عدد أحاديث الوليد بن عبدالرحمن عن جبير عن أبي ذر.

والخلاصة أنه لا يُعرف للوليد بن عبدالرحمن الجرشي عن جبير بن نفير إلا حديثين! ولا يُعرف عن جبير عن أبي ذر إلا هذين الحديثين!!!

أحدهما هو حديث البحث، والآخر هذا الذي رواه ابن زبريق وهو منكر!!

·       هل سمع جُبير بن نُفير من أبي ذر؟!

ولا يُعرف لجبير بن نُفير سماعاً من أبي ذر، ولا شك أنه قد أدركه وربما رآه لكنه لم يسمع منه.

فجبير بن نفير حمصي قيل: إنه أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: إنه أسلم في حياته، وقيل: إنه أسلم في خلافة أبي بكر، وهو من كبار تابعي أهل الشام القدماء.

روى معاوية بن صالح عَنْ سُليم بن عامر، عَنْ جُبَيْر بن نفير، قالَ: "لقد استقبلت الإسلام من أولَهُ، فلم أزل أرى فِي الناس صالحا وطالحا".

وروى أيضاً عن أبي الزاهرية، عَنْ جُبَيْر بن نفير بن مالك بن عامر الحضرمي وكانَ جاهلياً إسلامياً.

وقال أبو نُعيم في «معرفة الصحابة» (2/525): "جُبَيْرُ بنُ نُفَيْرٍ أَبُو عَبْدِالرَّحْمَنِ الحَضْرَمِيُّ: أَسْلَمَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِاليَمَنِ وَلَمْ يَرَهُ، ثُمَّ قَدِمَ بِالْمَدِينَةِ فَأَدْرَكَ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الشَّامِ فَسَكَنَ حِمْصًا".

ثم قال: ذَكَرَ مُحَمَّدُ بنُ حَرْبٍ الحِمْصِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ قال: «أَدْرَكْتُ الجَاهِلِيَّةَ وَأَتَانَا رَسُولُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاليَمَنِ فَأَسْلَمْنَا».

وعلى هذا يكون قد عمّر إذا كان أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أو أنه كان جاهلياَ ثم أسلم في زمن أبي بكر.

والراجح أنه تابعي وليس بصحابي.

وذكروا أباه ذكر في الصحابة وأنه وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفي «كتاب» العسكري: "جبير بن نفير هما اثنان، فذكر بعضهم أن جبير بن نفير الكندي هو الذي وفد على النبي صلى الله عليه وسلم، وأن جبير بن نفير الحضرمي هو الأصغر التابعي، وقيل: إن الذي وفد على النبي صلى الله عليه وسلم هو نفير والد جبير"! ورد ذلك ابن حجر وأنهما واحد، وهو والد جبير بن نفير.

لكن العجيب أن أبا الحسن بن سميع قال في الطقبة الأولى من تابعي أهل الشام ممن أدرك عمر وأبا عبيدة وبلالا ومعاذا: "نفير بن مالك بن يخامر الحضرمي أبو جبير بن نفير يكنى ابا خمير حمصي"!

فإذا كان والد جبير تابعياً أدرك عمر وأبا عبيدة، فيكون ابنه حينها ليس جاهلياً!!

وقد ذكروا أنه له إدراكاً لعمر، فحينها يكون صغيراً، ويستحيل أن يكون جاهلياً.

قال أبو زرعة: "وهو أسن من أبي إدريس؛ لأنه قد ثبت له إدراك عمر، وسمع كتابه يقرأ بحمص، فأما معاذ بن جبل فكلاهما لم يصح له منه سماع، فإذا تحدث جبير عن معاذ أسند ذلك إلى مالك بن يخامر، وإذا تحدث أبو إدريس عن معاذ أسند ذلك إلى يزيد الزبيدي".

والجمهور على أنه مات سنة (80هـ).

لكن  قال معاوية بن صالح: "أدرك إمارة الوليد بن عبدالملك".

قال ابن حجر في «تهذيب التهذيب» (2/65): "فإن صحّ ذلك فيكون عاش إلى سنة بضع؛ لأن الوليد ولي سنة 86، والله أعلم".

وقد تتبعت روايات جبير بن نفير فلم أجد أنه سمع من أبي ذر مع عدم إنكاري لرؤيته؛ لأن أبا ذر نزل الشام لكن لم يمكث فيها طويلاً، ثم رجع المدينة، ثم تركها وسكن الربذة وحيداً ومات بها سنة (32هـ).

·       إثبات البخاري سماع جبير بن نفير من أبي ذر! والرد على ذلك!

وقد يقول قائل: فماذا تقول في إثبات سماع البخاري له من أبي ذر؟!!

قال البخاري في «التاريخ الكبير» (2/223): "جُبَيْر بن نفير الحضرمي، أَبُو عَبْدالرَّحْمَن: سَمِعَ أبا الدرداء وأبا ذر. كناه شريح وأَبُو حيوة، سكن الشام".

وتبعه مسلم على ذلك كعادته في كتابه «الكنى والأسماء» (1/514) فقال: "أبو عبدالرحمن جبير بن نفير الحضرمي: سمع أبا الدرداء وأبا ذر. روى عنه ابنه عبدالرحمن وسليم بن عامر".

قلت: البخاري – رحمه الله- له عناية كبيرة بالسماعات وأُسُّ كتابه «التاريخ الكبير» قائم عليها، وقلما يقع له الخطأ في ذلك إلا في تراجم الشاميين! فإنه يقع له الخطأ فيها بسبب اعتماده على أصول الشاميين ونسخهم، وكان فيها أخطاء وتصحيفات وتحريفات!!

وقد بينت ذلك جلياً في مقالي: «كيف يقع الوهم للإمام البخاريّ في الشاميين؟».

والبخاري تجنّب حديث جبير بن نفير بالكلية في «صحيحه»، ولم يخرّج له شيئاً!! وحديثه بحاجة لدراسة معمقة وخاصة فيما يرويه عن أبي الدرداء – رضي الله عنه-.

والبخاري مُعارض بإثبات السماع ولو في رواية واحدة أو قصة!!

روى عَمْرو بن أَبِي سَلَمَةَ التنيسي الدمشقي، عن صَدَقَة بنِ عَبْدِاللهِ السمين، عَنْ نَصْرِ بنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَخِيهِ، عَنِ ابنِ عَائِذٍ، عَنْ جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ، قال: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يَقُولُ: «لَقَدْ رَأَيْتُنِي رَبْعَ الْإِسْلَامِ، لَمْ يُسْلِمْ قَبْلِي، إِلَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَبِلَالٌ رَضِي اللهُ عَنْهُمَا».

أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (2/148) (1618) عن عَبْداللهِ بن سَعِيدِ بنِ أَبِي مَرْيَمَ.

والحاكم في «المستدرك» (3/384) (5458) من طريق أَحْمَد بن عِيسَى اللَّخْمِيّ التنيسيّ.

كلاهما عن عَمْرو بن أَبِي سَلَمَةَ، به.

قال الحاكم: "هذا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ".

قلت: بل ضعيف الإسناد!! عمرو بن أبي سلمة وصدقة ضعيفان لا يحتج بهما!!

ورواه الطبراني في «مسند الشاميين» (3/389) (2528) عن أَحْمَد بن مَسْعُودٍ المَقْدِسِيّ، عن عَمْرو بن أَبِي سَلَمَةَ، به، بلفظ: "كانَ أَبُو ذَرٍّ وَعَمْرُو بنُ عَبَسَةَ كِلَاهُمَا يَقُولُ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي رُبْعَ الْإِسْلَامِ لَمْ يُسْلِمْ قَبْلِي إِلَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ، كِلَاهُمَا لَا يَدْرِي مَتَى أَسْلَمَ الْآخر".

قلت: وهذا يدلّ على اختلاط بعض الرواة! إما عمرو أو صدقة! فإن هذا القول مشهور عن "عمرو بن عبسة".

وأخرج ابن حبان في «صحيحه» (16/83) (7134) عن أَحْمَد بن الحُسَيْنِ بنِ عَبْدِالجَبَّارِ الصُّوفِيّ.

والحاكم في «المستدرك» (3/385) من طريق الحُسَيْن بن مُحَمَّدِ بنِ زِيَادٍ.

كلاهما عن عَبْداللَّهِ بن الرُّومِيِّ، قال: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بنُ مُحَمَّدٍ اليمامي، قال: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بنُ عَمَّارٍ، قال: حَدَّثَنِي أَبُو زُمَيْلٍ، عَنْ مَالِكِ بنِ مَرْثَدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قال: "كُنْتُ رُبُعَ الإِسْلَامِ أَسْلَمَ قَبْلِي ثَلَاثَةٌ وَأَنَا الرَّابِعُ أَتَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ لَهُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَرَأَيْتُ الِاسْتِبْشَارَ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".

قال ابن حبان: "قَوْلُ أَبِي ذَرٍّ: كُنْتُ رَابِعَ الْإِسْلَامِ أَرَادَ مِنْ قَوْمِهِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أسلم الخلق من قريش وغيرهم".

قلت: عكرمة بن عمار عنده اضطراب! ومالك بن مرثد وأبوه مجهولا الحال!

·       شاهد لحديث أبي ذر!

روى الطبراني في «المعجم الكبير» (18/60) (111) قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ إِسْحَاقَ بنِ رَاهَوَيْهِ، قال: حدثنا أَبِي، قال: حدثنا حُسَيْنُ بنُ عَلِيٍّ الجُعْفِيُّ، قال: حدثنا وَاقِدُ بنُ سُلَيْمَانَ، قال: حدثنا عُثْمَانُ بنُ عَطَاءٍ الخُرَاسَانِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَوْفِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْتَكِفًا فِي العَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ قال: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقُومَ مَعَنَا هَذِهِ اللَّيْلَةَ فَلْيَقُمْ مَقَامِي، حَتَّى انْقَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ» ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَمَشَيْتُ مَعَهُ إِلَى قُتَيْبَةَ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ قُمْتَ بِنَا هَذِهِ اللَّيْلَةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بِحَسْبِ امْرِئٍ أَنْ يَقُومَ مَعَ الْإِمَامَ حَتَّى يَنْصَرِفَ يُحْسَبُ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ».

قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (3/178) (5064): "رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ، وَفِيهِ عُثْمَانُ بنُ عَطَاءٍ الخُرَاسَانِيُّ وَثَّقَهُ دُحَيْمٌ، وَضَعَّفَهُ الْأَئِمَّةُ".

قلت: هذا حديث منكر! عثمان بن عطاء (ت 151هـ) ضعيف منكر الحديث!

قال ابن معين: "ضعيف".

وقال عمرو بن علي الفلاّس: "منكر الحديث". وقال في موضع آخر: "متروك الحديث".

وقال إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوبَ الجوزجاني: "لَيْسَ بالقوي فِي الحديث".

وقَال البُخارِيُّ: "ليس بذاك".

وَقَال مُسْلِم، والدارقطني: "ضعيف الحَدِيث".

وقال النَّسَائي: "ليس بثقة".

وقال أَبُو حاتم: "يكتب حديثه ولا يحتج به".

وقَال أَيْضًا: سمعت دحيما وسألته عَنْ عُثْمَان بن عَطَاء؟ فقال: "لا بأس بِهِ". فَقُلْتُ: إِن أَصْحَابنا يضعفونه! قال: "وأي شَيْء حدث عُثْمَان من الحَدِيث" واستحسن حَدِيثه!

·       معارضة الحديث للحديث الصحيح!

والحديث الذي رُوي عن أبي ذر مُعارض بالحديث الصحيح! فقد جاء في حديث أبي ذر أن صلاة التراويح كانت في الأواخر من شهر رمضان! والصحيح أنه صلى الله عليه وسلم صلاها في بداية الشهر لبضع أيام ثم ترك ذلك.

ففي الصحيح من حديث ابنِ شِهَابٍ الزهري، عن عُرْوَةُ، عن عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ لَيْلَةً مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَصَلَّى فِي المَسْجِدِ، وَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلاَتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا، فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ فَصَلَّى فَصَلَّوْا مَعَهُ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا، فَكَثُرَ أَهْلُ المَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى فَصَلَّوْا بِصَلاَتِهِ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ المَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ، حَتَّى خَرَجَ لِصَلاَةِ الصُّبْحِ، فَلَمَّا قَضَى الفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَتَشَهَّدَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ، وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْتَرَضَ عَلَيْكُمْ، فَتَعْجِزُوا عَنْهَا»، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ.

أخرجه مالك في «الموطأ» (111) عن ابن شهاب، به.

وأخرجه البخاري (1129)، ومسلم (761) من طريق مالك.

وأخرجه البخاري أيضاً (2/11) (924) من طريق عُقَيْل بن خالد الأيلي.

ومسلم (1/524) (761) من طريق يُونُس بن يَزِيد الأيلي.

كلاهما عن الزهري، به.

 

والخلاصة أن حديث دَاوُد بن أَبِي هِنْد، عَنِ الوَلِيدِ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ الجُرشي، عَنْ جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ الحضرميّ الحمصيّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، معلول بأربع علل:

الأولى: تفرد داود بالحديث عن الوليد! وتفرده لا يُحتمل لعدم وجود الحديث عند أصحاب الوليد وهو شامي، فكيف يتفرد به رجل بصري ولا يوجد عند أصحابه من أهل الشام!

الثانية: الوهم في حديث داود.. فقد ثبت أنه يهم في حديثه، وعلى اعتبار صحة حديث أبي الزاهرية عن جبير فتكون زيادة: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَتْ لَهُ قِيَامَ لَيْلَةٍ» زيادة شاذة.

وكذلك الاختلاف على داود في متن الحديث بذكر الليالي الزوجية والفردية!

الثالثة: عدم ثبوت سماع جُبير بن نُفير من أبي ذرّ! وتفرد جبير به عنه – إن صح-! وأين أصحاب أبي ذرّ الذين أكثروا عنه عن هذا الحديث؟!!

الرابعة: مخالفة الحديث لما رُوي في الصحيح أن قيامه صلى الله عليه وسلم كان في أوائل شهر رمضان لا في أواخره.

 

·       هل احتج أحمد بهذا الحديث! وهل صححه؟!

احتج بعض أهل العلم بهذا الحديث في استحباب القيام مع الإمام في رمضان حتى ينصرف ليكتب للمصلي قيام ليلة كاملة.

ونُقل ذلك عن الإمام أحمد.

قال أبو داود في «مسائل أحمد» «بَاب التَّرَاوِيحِ» (ص: 90): سَمِعْتُ أَحْمَدَ، وَقِيلَ لَهُ: أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مَعَ النَّاسِ فِي رَمَضَانَ أَوْ وَحْدَهُ؟ قَالَ: يُصَلِّي مَعَ النَّاسِ.

وسَمِعْتُهُ أَيْضًاً يَقُولُ: "يُعْجِبُنِي أَنْ يُصَلِّيَ مَعَ الْإِمَامِ وَيُوتِرَ مَعَهُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ بَقِيَّةُ لَيْلَتِهِ»".

قُلْتُ لِأَحْمَدَ: الإِمَامُ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ بِالنَّاسِ وَنَاسٌ فِي المَسْجِدِ يُصَلُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ؟ فَقَالَ: "لا يُعْجِبُنِي، يُعْجِبُنِي أَنْ يُصَلُّوا مَعَ الْإِمَامِ".

فَقِيلَ لِأَحْمَدَ، وَأَنَا أَسْمَعُ: يُوتِرُ الْإِمَامُ بِثَلَاثٍ، أُوتِرُ أَوْ أَنْصَرِفُ، فَأُوتِرُ وَحْدِي؟ قَالَ: "تُوتِرُ مَعَهُ"، قِيلَ: يَضِجُّونَ فِي الْقُنُوتِ؟ قال: "أَوْتِرْ مَعَهُ".

قِيلَ لِأَحْمَدَ، وَأَنَا أَسْمَعُ: يُؤَخِّرُ القِيَامَ، يَعْنِي: التَّرَاوِيحَ إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ؟ قال: "لا، سُنَّةُ الْمُسْلِمِينَ أَحَبُّ إِلَيَّ".

قال أبو داود: "وكَانَ أَحْمَدُ يَقُومُ مَعَ النَّاسِ حَتَّى يُوتِرَ مَعَهُمْ وَلَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَنْصَرِفَ الْإِمَامُ، شَهِدْتُهُ شَهْرَ رَمَضَانَ كُلَّهُ يُوتِرُ مَعَ إِمَامِهِ إِلَّا أُرَى لَيْلَةً لَمْ أَحْضِرْ".

وقال إسحاق بن راهوية عن قول أحمد: "يعجبني أن يصلي في الجماعة يحيي السنة" في «مسائله» (2/759): "أجاد، كما قال".

وقال الألباني في كتاب «صلاة التراويح» (ص: 15) بعد أن خرّج الحديث وصححه: "والشاهد من الحديث قوله: «من قام مع الإمام...» فإنه ظاهر الدلالة على فضيلة صلاة قيام رمضان مع الإمام يؤيد هذا ما ذكره أبو داود في المسائل (ص 62) قال: سمعت أحمد قيل له: يعجبك أن يصلي الرجل مع الناس في رمضان أو وحده؟ قال: يصلي مع الناس...".

قلت: مذهب الإمام أحمد معروف في العمل بمثل هذه الأحاديث، وليس معنى العمل به عنده أنه يصححه، لكن ظاهر إسناده مقبول سيما وقد رواه في «مسنده»، وهذه طريقة الإمام في العمل بهذه الأحاديث، ولاحظ قوله في اختياراته: "يعجبني" فهذا رأيه. وكذا كان إسحاق بن راهويه كان يعمل بمثل هذه الأحاديث. والله أعلم.

 

·       الخلاصة والفوائد:

1- الحديث تفرد به داود بن أبي هند عن الوليد بن عبدالرحمن الجرشي عن جُبير بن نُفير عن أبي ذر. وكلام البزار عن ذلك فيه إشارة إلى إعلاله.

2- الحديث صححه الترمذي وابن حبان والحاكم وتبعهم المتأخرون والمعاصرون.

3- إسناد الحديث شامي! ولم يروه أحد من أصحاب الوليد بن عبدالرحمن الجرشي عنه! كيونس بن ميسرة بن حلبس، ومحمد بن مهاجر، وعبدالله بن العلاء بن زبر، وإبراهيم بن أبي عبلة، وخالد بن دهقان!

4- لم يروعن الوليد بن عبدالرحمن من العراقيين غير داود بن أبي هند البصري.

5- داود بن أبي هند البصري (ت139هـ) ثقة إلا أنه كان يهم في الحديث، وغالب أوهامه في متون الأحاديث. وكأن تلك الأوهام حصلت له بسبب مرض الطاعون الذي أُصيب به!

6- هناك أحاديث كثيرة اختلف فيها أصحاب داود عليه، وغالب الاختلافات منه.

7- نزل داود بن أبي هند الشام وهو شيخ وحدث بها، وتفرد بالرواية عن بعض الشاميين ممن لا يعرفون إلا من طريقه! وسمع الحديث من بعض الشيوخ ممن هم في عداد أقرانه كالوليد الجرشي.

8- عادة إذا روى الأقران عن بعضهما فإن هذا يُعدّ من الفوائد التي ليست منتشرة أو مشتهرة!! وكثيراً ما يتخلل تلك الروايات الأوهام لعدم العناية بها كونها من رواية الأقران!

9- لم يُخرّج البخاري حديث داود بن أبي هند وكأن ذلك بسبب كثرة أوهامه في الأحاديث!! وعلق له أربعة أحاديث، وتعليقه لها ليبيّن أن فيها بعض الأوهام والاضطراب!

10- لم يثبت سماع الشعبي من أبي هريرة.

11- أخرج مسلم لداود بن أبي هند في «صحيحه» اثنين وثلاثين حديثاً كلها في المتابعات والشواهد، وفي بعضها أوهام.

12- المتابعة المروية عن صفوان بن عمرو عن عبدالرحمن بن جبير بن نفير عن أبي عن أبي ذر معلولة! وَهِمَ فيها صفوان بن صالح الدمشقي.

والصواب: عن صفوان بن عمرو عن شُريح بن عُبيد الحضرمي عن أبي ذر، وهذا منقطع! فشريح لم يدرك أبا ذر.

وهذه الرواية المرسلة كأنها هي أصل الروايات المرفوعة الأخرى.

13- رواية أبي الزاهرية عن جبير بن نفير عن أبي ذر تفرد بها معاوية بن صالح متكلّم فيه! وله إفرادات وغرائب! وروى الحديث بإسناد آخر تفرد به كذلك: "عن نعيم بن زياد عن النعمان بن بشير"!!

ولا يوجد في هذه الرواية ما ورد في رواية داود: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَتْ لَهُ قِيَامَ لَيْلَةٍ»!

فإن صح حديث أبي الزاهرية فتكون الزيادة هذه شاذة من أوهام داود بن أبي هند!

14- لم يثبت سماع جُبير بن نُفير من أبي ذر. وإثبات البخاري لسماعه لأنه كان يخطئ في الرواة الشاميين لاعتماده على أصولهم التي فيها أخطاء وتحريفات.

15- لا يوجد لجبير بن نفير عن أبي ذر إلا حديثين! أحدهما حديثنا هذا، والآخر منكر لا يصح عن جبير!

16- تفرد جُبير بن نُفير عن أبي ذر بهذا الحديث فيه غرابة! فأين أصحابه الذين أكثروا من الرواية عنه عن هذا الحديث!!!

17- شاهد عوف بن مالك لا يصح؛ لأنه من رواية عثمان بن عطاء الخراساني وهو منكر الحديث.

18- حديث داود بن أبي هند مُعارض بالحديث الصحيح! فقد جاء في حديث أبي ذر أن صلاة التراويح كانت في الأواخر من شهر رمضان! والصحيح أنه صلى الله عليه وسلم صلاها في بداية الشهر لبضع أيام ثم ترك ذلك.

19- عمل بعض الأئمة بهذا الحديث وأمثاله لا يعني أنهم يصححونه! وإنما هذا كان مذهب يعضهم في العمل بالأحاديث الضعيفة!

20- بيان أوهام بشار عواد وشعيب الأرنؤوط في تحريرهما للتقريب!! وانتقاد الحافظ ابن حجر بأشياء تدلّ على عدم تمكنهما من هذا العلم الجليل.

21- حديث دَاوُد بن أَبِي هِنْد، عَنِ الوَلِيدِ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ الجُرشي، عَنْ جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ الحضرميّ الحمصيّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، معلول بأربع علل:

الأولى: تفرد داود بالحديث عن الوليد! وتفرده لا يُحتمل لعدم وجود الحديث عند أصحاب الوليد وهو شامي، فكيف يتفرد به رجل بصري ولا يوجد عند أصحابه من أهل الشام!

الثانية: الوهم في حديث داود.. فقد ثبت أنه يهم في حديثه، وعلى اعتبار صحة حديث أبي الزاهرية عن جبير فتكون زيادة: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَتْ لَهُ قِيَامَ لَيْلَةٍ» زيادة شاذة.

وكذلك الاختلاف على داود في متن الحديث بذكر الليالي الزوجية والفردية!

الثالثة: عدم ثبوت سماع جُبير بن نُفير من أبي ذرّ! وتفرد جبير به عنه – إن صح-! وأين أصحاب أبي ذرّ الذين أكثروا عنه عن هذا الحديث؟!!

الرابعة: مخالفة الحديث لما رُوي في الصحيح أن قيامه صلى الله عليه وسلم كان في أوائل شهر رمضان لا في أواخره.

وغيرها من الفوائد المنثورة في ثنايا البحث.

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

وكتب: أبو صهيب خالد الحايك

17 رمضان 1439 هـ

 

دُورُ الحديث
تحقيق التراث
فوائد حديثية
المناهج والنقد
مصطلح الحديث
علوم الرّجال
علل الأحاديث
فقه الحديث
المغازي والسّير
المدارس الحديثية
أسئلة وأجوبة
السرقات العلمية
متفرقات
علوم أخرى
 
   
   الاسم
  البريد الإلكتروني
البلد
  التعليق*:

 
     
 
 
 
 
     
       
         
 
الصوتيات والمرئيات  |   الكتب  |   البحوث   |   المخطوطات   |    المجلة   |    الأرشيف
جميع الحقوق محفوظة لدار الحديث الضيائية