الصفحة الرئيسية         الكتب           البحوث           المخطوطات          المجلة            راسلنا          الضيائية
 
 
 

«الإِسفار» عن حلِّ إشكال حديث «منع المُضحي الأخذ من الشَّعر وقلْم الأظفار». 



هذا الحديث مشهور من رواية سعيد بن المسيّب عن أمّ سلمة - رضي الله عنها-، ولا أعرف له عنها إلا هذا الحديث.

وفي كلّ سنة في بداية العشر من ذي الحجة يبدأ نشر الخلاف بين أهل العلم في الكلام على صحة الحديث وضعفه! والاختلاف الفقهي بين العلماء حوله ما بين التحريم أو الكراهة أو الإباحة!!

وقد اختلف في هذا الحديث بين الوقف والرفع، وقد أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه"، وجمع طرقه، ورجّح فيه الرفع؛ لأنه بدأ بالرواية التي سئل فيها سُفْيَان بن عُيَيْنَةَ أن بعضهم لا يرفع الحديث، فقال: "لَكِنِّي أَرْفَعُهُ"، ثم ساق بقية الطرق.

وقد رواه عن سعيد بن المسيّب: عَبْدالرَّحْمَنِ بن حُمَيْدِ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ، وعَمْرُو بنُ مُسْلِمِ بْنِ عمارة اللَّيْثِيُّ.

أما حديث عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ حُمَيْدِ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ:

فأخرجه مسلم في "صحيحه" (3/1565) (1977) قال: حَدَّثَنَا ابنُ أَبِي عُمَرَ المَكِّيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدِ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، سَمِعَ سَعِيدَ بنَ المُسَيِّبِ، يُحَدِّثُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا دَخَلَتِ العَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا».

قِيلَ لِسُفْيَانَ: فَإِنَّ بَعْضَهُمْ لَا يَرْفَعُهُ، قَالَ: "لكِنِّي أَرْفَعُهُ".

قال: وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي عَبْدُالرَّحْمَنِ بنُ حُمَيْدِ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، تَرْفَعُهُ، قَالَ: «إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ وَعِنْدَهُ أُضْحِيَّةٌ يُرِيدُ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَأْخُذَنَّ شَعْرًا، وَلَا يَقْلِمَنَّ ظُفُرًا».

وهو عند إسحاق بن راهويه في "مسنده" (4/55) وهو إسحاق بن إبراهيم الذي خرج مسلم الحديث عنه.

ورواه الشافعي في "مسنده" (ص: 175)، والحميدي في "مسنده" (1/307) (95)، وأحمد في "مسنده" (44/75) (26474) ثلاثتهم عن سفيان، به، بلفظ: «إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ فَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعْرِهِ ولا مِنْ بَشَرِهِ شَيْئًا».

قَالَ الحميدي: "قِيلَ لِسُفْيَانَ: إِنَّ بَعْضَهُمْ لَا يَرْفَعُهُ قَالَ: لَكِنِّي أَنَا أَرْفَعُهُ".

ورواه الدارمي في "مسنده" (2/1240) (1991) عن مُحَمَّد بن أَحْمَدَ بن أبي خلف البغدادي.

والطبراني في "المعجم الكبير" (23/266) (565) من طريق سَعِيد بن مَنْصُورٍ.

وابن ماجه في "سننه"، بَابُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَأْخُذْ فِي الْعَشْرِ، مِنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ، (2/1052) (3149) عن هَارُون بن عَبْدِاللَّهِ الحَمَّال.

ورواه النسائي في "السنن الكبرى" (4/336) (4438) عن عَبْداللهِ بن مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ المسوري البصري.

ورواه أبو عوانة في "مستخرجه" (5/61) (7787) عن عَلِيّ بن حَرْبٍ. و(7788) من طريق الحُمَيْدِيّ.

والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (14/131) (5511) عن عَبْدالغَنِيِّ بن أَبِي عَقِيلٍ اللَّخميّ، و(5512) من طريق وإِسْحَاق بن إِسْمَاعِيلَ الطَّالْقَانِيّ.

كلّهم عن سُفْيَان بن عُيَيْنَةَ، به، بنحوه. بعضهم مثل رواية مسلم، وبعضهم مثل رواية الشافعي. لكن كلّهم رفعوه عن سفيان.

وخالفه أَنَسُ بنُ عِيَاضٍ فوقفه ولم يرفعه.

رواه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (5512) عن يُوْنُس بن عَبْدِالأَعْلَى: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ.

قال الطحاوي: "فَلَمْ يَكُنْ هَذَا عِنْدَنَا بِمُضَادٍّ لِهَذَا الحَدِيثِ، وَلَا مُقَصِّرًا بِهِ عَمَّا رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَنَسًا وَإِنْ قَصَّرَ بِهِ، فَلَمْ يَرْفَعْهُ، فَقَدْ رَفَعَهُ مَنْ لَيْسَ بِدُونِهِ عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ وَهُوَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ".

قلت: وقد سبق نقل كلام سفيان أنه قيل له: "فَإِنَّ بَعْضَهُمْ لا يَرْفَعُهُ، قَالَ: "لكِنِّي أَرْفَعُهُ"، وكأنه خالفه أكثر من واحد فيه، وكان أنس بن عياض ممن لا يرفعه، وهو ثقة أيضاً.

ونقل ابن عبدالبر في "التمهيد" (17/236) عن الإمام أحمد أنه قال: "وَقَدْ رَوَاهُ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ القَطَّانُ عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ هَكَذَا وَلَكِنَّهُ وَقَفَهُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ".

وابن عيينة كان أحياناً يقف الحديث وأحياناً يرفعه، وكان إذا روجع في ذلك قال: "عليك بالسماع الأول"، لكن هذا الحديث لم يُختلف فيه على سفيان، فكلهم رووه عنه بالرفع، وعندما روجع أن غيره يقفه، قال بأنه يرفعه!

والذي أراه أن الرواية الموقوفة هي الصواب فقد اتفق أنس بن عياض ويحيى القطان عليها وغيرهم، وابن عيينة كان أحياناً يخطئ في الرفع والوقف، فترجح روايتهم على روايته، وسيأتي تأييد ذلك إن شاء الله.

وأما حديث عَمْرُو بن مُسْلِمِ اللَّيْثِيّ الجُنْدَعِيِّ:

فرواه عنه: مالكُ بنُ أنسٍ، ومُحَمَّدُ بنُ عَمْرٍو اللَّيْثِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ.

أما حديث مالك:

فرواه مسلم في "صحيحه" (3/1565) (1977) من طريق يَحْيَى بن كَثِيرٍ العَنْبَرِيّ أَبي غَسَّانَ، ومُحَمَّد بن جَعْفَرٍ، كلاهما عن شُعْبَة، عَنْ مَالِكِ بنِ أَنَسٍ، عَنْ عَمْرِو بنِ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمْ هِلَالَ ذِي الحِجَّةِ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ».

وفي رواية محمد بن جعفر بالشك: "عُمَرَ أَوْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ".

ورواه أحمد في "مسنده" (44/258) (26654) عن مُحَمَّد بن جَعْفَرٍ، به.

ومن طريق أحمد أخرجه أبو عوانة في "مستخرجه" (5/204)، والحاكم في "المستدرك" (4/245) (7518).

تنبيه: [وقع في المطبوع من المستدرك وكذا الطبعة الهندية: عن محمد بن بكر! وهو تحريف، وإنما هو: محمد بن جعفر؛ لأن الحاكم أخرج الحديث من مسند أحمد، وأحمد رواه عن محمد بن جعفر لا محمد بن بكر]

ورواه الترمذي في "جامعه" بَابُ تَرْكِ أَخْذِ الشَّعْرِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ، (3/154) (1523) عن أَحْمَد بن الحَكَمِ البَصْرِيّ، عن مُحَمَّد بن جَعْفَرٍ، به.

ورواه النسائي في "السنن الكبرى" (4/335) (4435) من طريق النَّضْر بن شُميل.

ورواه ابن ماجه في "سننه" (2/1052) (3150) من طريق مُحَمَّد بن بَكْرٍ البُرْسَانِيّ، وأَبي قُتَيْبَةَ سلْم بن قتيبة، وَيَحْيَى بن كَثِيرٍ العَنْبَرِيّ.

ورواه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (14/128) (5506) و(5507) من طريق يَحْيَى بن كَثِيرِ بنِ دِرْهَمٍ، وبِشْر بن ثَابِتٍ البَزَّار.

ورواه ابن حبان في "صحيحه" (13/237) (5916) من طريق يَحْيَى بن كَثِيرٍ العَنْبَرِيّ.

 ورواه الحاكم في "المستدرك" (4/245) (7518) من طريق يَحْيَى بن كَثِيرِ بنِ دِرْهَمٍ.

ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" (23/266) (564)، والخطيب في "موضح أوهام الجمع والتفريق" (2/320) من طريق عَمْرُو بن حَكَّامٍ.

كلّهم (محمد بن جعفر، ويحيى بن كثير، والنضر، ومُحَمَّد بن بَكْر البُرْسَانِيّ، وسلْم بن قتيبة، وبِشْر بن ثَابِت، وعَمْرُو بن حَكَّامٍ) عن شُعْبَةُ، به.

ورواه الشجري الجرجاني في "الأمالي الخميسية" (ترتيب القاضي محيي الدين العبشمي، بانْتِخَابِ عَبْدِالغَنِيِّ بْنِ سَعِيدٍ الحَافِظِ) (2/107) (1768)، وأبو الحسين الطيوري الحنبلي في "الطيوريات" (انتخاب أبي طاهر السِّلفي الأصبهاني) (1/3) (1) عن أَبي الحَسَنِ أَحْمَد بن مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ العَتِيقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الطَّيِّبِ مُحَمَّدُ بنُ الحُسَيْنِ النَّهْشَلِيُّ بِالْكُوفَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ زَيْدَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ أَنس، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ ذَبْحٌ أَرَادَ أَنْ يَذْبَحَهُ، وَأَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ، فَإِذَا كَانَ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ فَلَا تَأْخُذَنَّ شَعْرًا وَلَا تُقَلِّمَنْ ظُفْرًا».

قال عمران: سَأَلْتُ مَالِكَ بنَ أَنَسٍ عَنْهُ، فَقَالَ: "لَيْسَ مِنْ حَدِيثِي"، فَقُلْتُ لِجُلَسَائِهِ: حَدَّثَنَا بِهَذَا الحَدِيثِ إِمَامُ الْعِراقِ شُعْبَةُ عنه، وَيَقُولُ: لَيْسَ مِنْ حَدِيثِي!! فَقَالُوا لَهُ: "إِنَّهُ إذا لَمْ يَأْخُذْ بالحديث، قَالَ: لَيْسَ مِنْ حَدِيثِي".

قال ابن عبدالبر في التمهيد (17/237): "وعمران بنَ أَنَسٍ هَذَا مَدَنِيٌّ فِي سِنِّ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ يُكَنَّى أَبَا أَنَسٍ، وَلَيْسَ هُوَ عمران بن أبي أنس أبو شُعَيْبٍ الْمَدَنِيَّ، وَعِمْرَانُ بْنُ أَبِي أَنَسٍ أَوْثَقُ مِنْ عِمْرَانَ بْنِ أَنَسٍ".

قَالَ عَبْدُالغَنِيِّ بن سعيد الحافظ: "لَمْ يُسْنِدْهُ عِنْدَ مَالِكٍ إِلَّا شُعْبَةُ، وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأِ مَوْقُوفٌ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ".

قلت: بل تابعه القعنبي وعَبْداللهِ بن يُوسُفَ التنّيسيّ عن مالك مرفوعاً كما أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (23/266) (562)، ومن طريق الطبراني أخرجه المزي في "تهذيب الكمال" (22/241).

وهناك من رواه عن مالك موقوفًا أيضاً.

قال الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (14/129): "هَكَذَا رَوَى شُعْبَةُ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ، فَخَالَفَهُ فِي ابْنِ مُسْلِمٍ الَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْهُ، فَقَالَ فِيهِ: عُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَأَوْقَفَهُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، وَلَمْ يَتَجَاوَزْهَا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، ثم ساقه (5508) من طريق ابن وَهْبٍ، عن مَالِك بنُ أَنَسٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُسْلِمٍ الْجُنْدَعِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ يَزِيدَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ.

وذكر في "شرح معاني الآثار" (4/181) حديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: «كُنْتُ أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَبْعَثُ بِهَا، ثُمَّ يُقِيمُ فِينَا حَلَالًا، لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ، حَتَّى يَرْجِعَ النَّاسُ»، ثم قال: "فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى إِبَاحَةِ مَا قَدْ حَظَرَهُ الحَدِيثُ الْأَوَّلُ - حديث أم سلمة-. وَمَجِيءُ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَحْسَنُ مِنْ مَجِيءِ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا؛ لِأَنَّهُ جَاءَ مَجِيئًا مُتَوَاتِرًا. وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا لَمْ يَجِئْ كَذَلِكَ، بَلْ قَدْ طُعِنَ فِي إِسْنَادِ حَدِيثِ مَالِكٍ، فَقِيلَ: إِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا".

ثم ساقه (6248) من طريق عُثْمَان بن عُمَرَ بنِ فَارِسٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، وَلَمْ تَرْفَعْهُ، قَالَتْ: «مَنْ رَأَى هِلَالَ ذِي الحِجَّةِ، وَأَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ حَتَّى يُضَحِّيَ».

ثم ساقه (6249) أيضاً من طريق ابن وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا مِثْلَهُ وَلَمْ تَرْفَعْهُ، فَهَذَا هُوَ أَصْلُ الْحَدِيثِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا.

وقال البيهقي في "السنن الكبرى" (9/446): "وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُمَا عَنْ مَالِكٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُسْلِمٍ مَوْقُوفًا عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ".

قلت: من خلال سؤال عمران لمالك عن هذا الحديث وقوله إنه ليس من حديثي وتفسير معنى كلامه أنه إذا لم يأخذ بالحديث قال: "هذا ليس من حديثي"، الظاهر أنه كان يرفعه ولهذا حدّث به عنه الكبار كشعبة وغيره، ثم صار يقفه كما حدّث عنه عبدالله بن وهب وكان سمع منه الموطأ بعد أؤلئك، ثمّ حذفه من كتابه، وكان - رحمه الله - دائم التنقيح لموطأه، ولهذا لما ذكر الذهبي رواية محمد بن جعفر "في سير أعلام النبلاء" (8/118)، قال: "هَذَا غَرِيْب، وَلَيْسَ ذَا فِي المُوَطَّأِ".

قلت: ليس في الموطأ؛ لأنه حذفه، ولهذا لا نجده في بعض الموطآات الآن.

·       الاختلاف في اسم شيخ مالك! وتوهيم ابن حبان لمالك!!

مرّ من خلال التخريج الشك في رواية محمد بن جعفر عن شعبة عن مالك: "عُمَرَ أَوْ عَمْرِو بنِ مُسْلِمٍ".

قال أبو داود في "سننه" (4/419): اختلفوا على مالك وعلى محمد بن عمرو، في عمرو بن مسلم، قال بعضهم: عمر، وأكثرهم قال: عمرو".

ثم قال: "وهو عمرو بن مسلم بن أكيمة الليثي الجندعيُّ".

وقال ابن معين (تاريخه برواية الدوري) (3/201): "مَالك بن أنس يَقُول فِي هَذَا: عمر بن مُسلم، وَمُحَمّد بن عَمْرو يَقُول: عمّار بن مُسلم".

وقال الترمذي: "والصَّحِيحُ هُوَ عَمْرُو بْنُ مُسْلِمٍ".

وذكره أهل العلم فيمن اسمه "عمرو".

قال البخاري في "التاريخ الكبير" (6/369): "عَمْرو بن مُسْلِم الجندعي الليثىي المديني، وهو ابن عمار ابن أكيمة، عَنْ سَعِيد بْن المسيب، روى عَنْهُ سَعِيد بْن أبي هلال ومالك بن أنس، قَالَ بعضهم: الخناعي، وهو خطأ، ويقَالَ: عمر".

وقال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (6/259): "عمرو بن مسلم الجندعي المديني، وهو ابن عمار بن أكيمة، وهو ابن أكيمة، روى عن سعيد بن المسيب، روى عنه مالك وسعيد بن أبي هلال ومحمد بن عمرو بن علقمة، واختلف في اسمه عن مالك: فروى بعضهم عنه أنه قال: عمرو بن مسلم، وآخرون رووا عن مالك: عمر بن مسلم، وكذلك محمد بن عمرو بن [علقمة] يقول: عمر بن مسلم، سمعت أبي يقول بعض ذلك وبعضه من قبلي".

وقال ابن معين (تاريخه برواية الدوري) (3/176): "اسْم ابن أكيمَة: عَمْرو بن مُسلم، وَهُوَ ثِقَة، وَقد روى عَنهُ الزهري وَمُحَمّد بن عَمْرو".

قلت: الذي ذكره ابن معين هنا هو جدّ عمرو الذي يروي عنه الزهري واسمه: عمارة، وأما الذي يروي عنه محمد بن علقمة هو حفيده: عمرو بن مسلم.

قال ابن حجر في "تهذيب التهذيب" (7/411): "وأما قوله محمد بن عمرو روى عنه فخطأ"!

قلت: تخطئة ابن حجر وجود محمد بن عمرو هنا يدلّ على أن ابن معين قصد الجد؛ لأن الحفيد يروي عنه محمد بن عمرو.

ويؤيد أن الذي أراده ابن معين هو الجدّ أنه لما ذكر الاختلاف في اسم من يروي عنه مالك لم يذكر "عمرو"، وإنما ذكر "عمر" و"عمار".

قال ابن معين (تاريخه برواية الدوري) (3/201): "مَالك بن أنس يَقُول فِي هَذَا: عمر بن مُسلم، وَمُحَمّد بن عَمْرو يَقُول: عمّار بن مُسلم".

والحاصل أن التابعي هو الجدّ، وحفيده الذي يروي عنه مالك اختلف في اسمه، فقيل: عمرو بن مسلم، وقيل: عمر، والأكثر على أنه: عمرو.

·       خلط ابن حبّان بينهم!!

وقد خلط ابن حبان بينهم جميعاً، فجعل الجدّ أخاً لعمرو مرة، واخترع له أخاً! ثم ذكره مرة منفصلاً!!

قال في "صحيحه" (13/238): "وَهِمَ فِيهِ مَالِكٌ حَيْثُ قَالَ: عَمْرُو بنُ مُسْلِمٍ وَإِنَّمَا هو: عُمَرُ بنُ مُسْلِمِ بنِ عَمَّارِ بْنِ أُكَيْمَةَ، وَأَخُوهُ عَمْرُو بْنُ مُسْلِمٍ لَمْ يُدْرِكْهُ مَالِكٌ، وَهُوَ تابعي روى عنه الزهري".

وذكر في "ثقات التابعين" (5/169) في باب "عمرو": "ابن أكيمَة الخَولَانِيّ، يَرْوِي عَن أَبِي هُرَيْرَة. اسْمه: عَمْرو بْن مُسلم بن عمَارَة بْن أكيمَة، رَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيّ وَأَخُوهُ عَمْر بن مُسلم بْن عمَارَة يَرْوِي عَن سَعِيد بن الْمسيب وسَعِيد بن أَبِي هِلَال وَمُحَمّد بن عَمْرو بن عَلْقَمَة روى عَنهُ مَالك، وَقَالَ: عَمْرو بْن مُسلم، وَإِنَّمَا هُوَ عمر بن مُسلم لَا عَمْرو؛ لِأَن مَالِكًا لم يدْرك عمراً".

وقال في "مشاهير علماء الأمصار" (ص: 119): "ابن أكيمة الليثي، اسمه: عمرو بن مسلم بن عمار بن أكيمة أخو عمر بن مسلم، وهو يروي عن أبي هريرة: ما لي أنازع القرآن، وقد روى عنه الزهري. وعمر بن مسلم يروي عن سعيد بن المسيب عن أم سلمة: (إذا دخل العشر وعند أحدكم أضحية فلا يأخذ من شعره وأظفاره). مات عمرو وهو أكبرهما سنة إحدى ومائة، وهو ابن تسع وسبعين سنة".

قلت: خلط هنا بين الجدّ والحفيد، فجعل الجد أخاً لعمرو!

وذكر الجدّ في "ثقات التابعين" (5/242) في باب "عمارة"، فقال: "ابن أكيمَة اللَّيْثِيّ، كُنْيَتُهُ أَبُو الْوَلِيد من أهل الْحجاز، اسْمه: عمَارَة بْن أكيمَة، وَقد قِيلَ: عَمْرو بْن مُسلم بْن أكيمَة، وَيُقَال: عمار بْن أكيمَة، يَرْوِي عَن أَبِي هُرَيْرَة، روى عَنهُ الزُّهْرِيّ وسَعِيد بْن أَبِي هِلَال. مَاتَ سنة إِحْدَى وَمِائَة وَهُوَ ابن تسع وَسبعين سنة. وَيُشبه أَن يكون المَحْفُوظ: عمار بن أكيمَة، وَهُوَ تَابِعِيّ، رَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيّ وابْن ابْنه عَمْرو بن مُسلم بن عمار بن أكيمَة من أَتبَاع التَّابِعين يَرْوِي عَن سَعِيد بْن الْمسيب، رَوَى عَنْهُ مُحَمَّد بْن عَمْرو وَأهل الْمَدِينَة".

قلت: الذي يروي عنه سعيد بن أبي هلال هو الحفيد لا الجدّ!

ولم يذكر أحد من أهل العلم أنّ لعمرو بن مسلم أخاً، ولهذا قال الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" (8/104) بعد أن نقل قول ابن حبان: "ولم يوافقه أحد علمته على ذلك".

والعجيب أن مغلطاي نقل كلام ابن حبان أعلاه الذي خلط فيه في ترجمة الجدّ! ولم يتعقبه!

وقد اختلف في اسم الجدّ، فسماه بعضهم: "عمارة"، وبعضهم: "عمّار"، والأكثر على أنه: "عمارة".

ذهب الذهلي أن المشهور هو: "عمار"، وسماه البخاري وغيره: "عمارة".

قال أَبُو بكر بن خزيمة: قال لنا محمد بْن يحيى - هو الذهلي-: "ابن أكيمة هُوَ عمار، ويُقال عامر، والمحفوظ عندنا عمّار، وهو جد عَمْرو بْن مسلم الَّذِي روى عنه مالك بْن أنس ومحمد بْن عَمْرو حديث أم سلمة (إِذَا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي)".

وقال البخاري في "التاريخ الكبير" (6/498): "عُمَارَة بن أكيمة الليثي، ويقَالَ: كنيته أَبُو الوليد، حجازي، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عَنْهُ، سَمِعَ منه الزُّهْرِيّ، ويُقَالَ: عمار".

وذكره خليفة بن خياط في الطبقة الأولى من أهل المدينة، وقال: "كنيته أبو الوليد. توفي سنة إحدى ومائة، رجل من بلحارث".

وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من "الطبقات الكبرى" (5/192)، وقال: "عمارة بن أكيمة الليثي من كنانة من أنفسهم ويكنى أبا الوليد. توفي سنة إحدى ومائة وهو ابن تسع وسبعين سنة. روى عن أبي هريرة وروى عنه الزهري حديثًا واحدًا. ومنهم من لا يحتج به. يقول هو شيخ مجهول".

وقال ابن قانع وابن زَبْر، وابن أبي عاصم: "في سنة إحدى ومائة - يعني: مات أبو الوليد عمارة بن أكيمة من بلحارث بن كعب، مديني".

وفي تاريخ علي بن عبدالله التميمي: "عمارة بن أكيمة توفي سنة إحدى ومائة، وله تسع وتسعون سنة".

قال مغلطاي في "إكمال تهذيب الكمال" (10/7): "كذا هو مجود بخط ابن أبي هشام وغيره".

قال: "وذكره مسلم بن الحجاج في الطبقة الأولى من أهل المدينة، وقال ابن طاهر في إيضاح الإشكال: ابن أكيمة الليثي اسمه: عبدالله بن سليم بن أكيمة، عداده في أهل الحجاز.

وقال البزار في كتاب السنن: ابن أكيمة ليس مشهورًا بالنقل، ولم يحدث عنه إلا الزهري، وسماه ابن معين: عبادًا.

وفي كتاب ابن الحذّاء، ويُقال: يزيد. قال ابن الحذاء: وهو ثقة".

وسمّاه المزي: "عمارة"، فقال في "تهذيب الكمال" (21/228): "عمارة بن أكيمة الليثي ثُمَّ الجندعي، من أنفسهم، أَبُو الوليد المدني جد عَمْرو بْن مسلم. وقِيلَ: اسمه عمار، وقيل: عَمْرو، وقيل: عامر. روى عن: أَبِي هُرَيْرة، وعن ابْن أخي أَبِي رهم الغفاري. رَوَى عَنه: الزُّهْرِيّ".

قلت: وبهذا يتبيّن لنا خلط ابن حبان في هذه الأسماء، وأن عمرو بن مسلم هو عمر نفسه، وجدّه هو عمارة.

قال الخطيب في "المتفق والمفترق" (3/1683): عمرو بن مسلم بن عمارة بن أكيمة الجندعي الليثي المدني. حدث عن سعيد بن المسيب، روى عنه: مالك بن أنس وسعيد بن أبي هلال ومحمد بن عمرو بن علقمة، واختلف الناس على مالك في اسمه: فروى عنه بعضهم: عمروا، وآخرون: عمر".

ثم قال: "وَهُوَ عُمَر بْن مُسلم بْن عمار بْن أكيمَة الَّذِي روى عَنهُ مُحَمَّد بْن عَمْرو".

ثم قال: "وَهُوَ عمار بْن مُسلم".

·       هل وثّق ابن معين عمرو بن مسلم؟! ووهم للمزي ومتابعة بشار معروف له!

وهنا تنبيه مهم، وهو أنّ بعض أهل العلم نقلوا توثيق ابن معين لعمرو بن مسلم الحفيد كما فعل المزي في "تهذيب الكمال" (22/240)، قال: "قال عباس الدُّورِيُّ، عَنْ يحيى بْن مَعِين: ثقة. وَقَال إِبْرَاهِيم بْن عَبداللَّهِ بْن الجنيد، عَنْ يحيى بْن مَعِين: لا بأس به".

وقال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (3/477): "وَثَّقَهُ ابنُ مَعِينٍ".

وعليه بنى الحافظ ابن حجر حكمه عليه في "التقريب" (ص:427) فقال: "صدوق من السادسة".

قلت: سبق بيان أن ابن معين إنما وثق الجدّ في رواية الدوري عنه، وبسبب الخلط بينهما نقلوا أنه قاله في الحفيد، وليس كذلك.

وأما ما نقله المزي عن ابن الجنيد عن يحيى أنه قال فيه: "لا بأس به"!! فهذا وهم منه - رحمه الله- وإنما قال ابن معين هذا في "عَمْرو بن مسلم الجندي اليماني" كما في "سؤالات ابن الجنيد" المطبوعة (ص: 346) (303): قلت ليحيى: من يحدث عن عبدالله بن عمرو بن مسلم؟ قال: «عبدالرزاق»، قلت: ثقة؟ قال: «هو ثقة ليس به بأس»، قلت: فأبوه عمرو بن مسلم الذي يحدث عن طاوس، كيف هو؟ قال: «هو وأبوه لا بأس به»".

والعجيب أن المزي نقل هذا أيضاً من سؤالات ابن الجنيد عن يحيى في ترجمة "عَمْرو بن مسلم الجندي اليماني" في "تهذيب الكمال" (22/244) وقال: "وَقَال إِبْرَاهِيم بْن الجنيد، عن يحيى بْن مَعِين: لا بأس به".

وقد تابع المزي على هذا الوهم محقق "تهذيب الكمال" الدكتور بشار معروف، فإنه وثّق في هامش التحقيق (22/241) هامش "(2) سؤالاته، الورقة 22".

والعجيب أنه في الموضع الثاني الذي نقله المزي لم يوثّقه!!! والنقل من الكتاب نفسه!!

وعليه فلا يوجد توثيق لأهل العلم المتقدمين في "عمرو بن مسلم" الذي يروي عنه مالك وغيره هذا الحديث.

·       وهم لإبراهيم بن حُميد الطويل في روايته لهذا الحديث عن شعبة!

روى أبو نُعيم في "حلية الأولياء" (6/333) قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ القَاضِي الْأَهْوَازِيُّ: حدثَنَا مُحَمَّدُ بنُ نُعَيْمٍ: حدثَنَا إِبْرَاهِيمُ بنُ حُمَيْدٍ الطَّوِيلُ: حدثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ، عَنِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْأُضْحِيَّةَ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا يُقَلِّمَنَّ أَظْفَارَهُ حَتَّى يُضَحِّيَ».

قال أبو نُعيم: "غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ لَمْ نَكْتُبْهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ".

قلت: هذا الحديث لم يروه الزهري عن سعيد بن المسيب، ولم يروه مالك عن الزهري! والمعروف أن مالكاً رواه عن عمرو بن مسلم، كذا رواه الثقات عن شعبة عن مالك.

وإبراهيم بن حميد الطويل لم يرو له أحد من أصحاب الكتب الستة، وروى عنه أبو حاتم الرازي ووثقه، وقال ابن حبان في "الثقات" (8/68) وقال: "يُخطىء".

وقال أبو إسحاق الحويني في "نثل النبال بمعجم الرجال" (1/113) (48) بعد أن ذكر قول أبي حاتم الرازي وابن حبان: "وأبو حاتم أدرى به من ابن حبان، لا سيما وهو من شيوخ أبي حاتم الذين لقيهم، وكتب عنهم. فالله أعلم". (بذل الإحسان 1/200؛ غوث المكدود 1/36 ح28).

قلت: لا تناقض بين قوليهما، فهو ثقة لكنه يُخطئ، وعبارة ابن حبان تدلّ على أنه وقف على أخطائه، وهذا الحديث مما أخطأ فيه. لم يحفظ اسم شيخ مالك فرواه عن الزهري لشهرته!

·       رواية أخرى عن الزهري لا تصح!

ورُوي عن الزهري من طريق آخر:

رواه أبو محمد الفاكهي في "فوائده" (ص: 246) (84) قال: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي صَالِحٍ: أخبرنا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا بَشَرِهِ شَيْئًا فِي العَشْرِ».

قلت: تفرد به مسلم بن خالد وهو الزنجي الفقيه، وهو منكر الحديث، لا يُحتج به.

وأما حديث مُحَمَّد بن عَمْرِو بنِ عَلْقَمَةَ اللَّيْثِيّ:

فرواه مسلم في "صحيحه" (3/1566) (1977)، وأبو داود في "سننه"، باب الرجل يأخُذُ من شعره في العشرِ وهو يُريد أن يُضحِّي، (4/418) (2791) قالا: حَدَّثنا عُبَيْدُاللهِ بنُ مُعَاذٍ العَنْبَرِيُّ، قال: حَدَّثَنَا أَبِي، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو اللَّيْثِيُّ، عَنْ عُمَرَ بنِ مُسْلِمِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ أُكَيْمَةَ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بنَ الْمُسَيِّبِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ فَإِذَا أُهِلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ، فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ».

ورواه ابن حبان في "صحيحه"، ذِكْرُ البَيَانِ بِأَنَّ هَذَا الفِعْلَ إِنَّمَا زَجَرَ عَنْهُ لِمَنْ عِنْدَهُ أُضْحِيَّةٌ يُرِيدُ ذَبْحَهَا وَأَهَلَّ عَلَيْهِ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ وَهِيَ عِنْدَهُ دُونَ مَنِ اشْتَرَاهَا بَعْدَ هِلَالِهِ عَلَيْهِ، (13/239) (5917) عن أَحْمَد بن عَلِيِّ بنِ المُثَنَّى. والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (14/133) (5513) عن مُحَمَّد بن أَحْمَدَ الْوَاسِطِيّ الحَوْزِيّ.

كلاهما عن عن عُبَيْداللَّهِ بن مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ، به.

ورواه أحمد في "مسنده" (44/260) (26655) عن إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّدٍ. وابن أبي خيثمة في "التاريخ الكبير" (2/123) (2022) عن يَحْيَى بن أيوب. والخطيب في "المتفق والمفترق" (3/1683) (1186) من طريق إسماعيل بن عبدالرحمن البلخي. وأبو عوانة في "المستخرج" (5/60) (7783) عن أَبي عَلِيٍّ الحَسَن بن مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ الزَّعْفَرَانِيّ.

أربعتهم عن مُعَاذ بن مُعَاذٍ العَنْبَرِيّ، به.

وهذا الحديث له قصة يرويها أيضاً محمد بن عمرو بن علقمة.

رواه مسلم في "صحيحه" (3/1566) (1977) قال: حَدَّثَنِي الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرو: حَدَّثَنَا عَمْرُو بنُ مُسْلِمِ بنِ عَمَّارٍ اللَّيْثِيُّ، قَالَ: كُنَّا فِي الحَمَّامِ قُبَيْلَ الْأَضْحَى، فَاطَّلَى فِيهِ نَاسٌ، فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الحَمَّامِ: إِنَّ سَعِيدَ بنَ المُسَيِّبِ يَكْرَهُ هَذَا، أَوْ يَنْهَى عَنْهُ، فَلَقِيتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، هَذَا حَدِيثٌ قَدْ نُسِيَ وَتُرِكَ، حَدَّثَتْنِي أُمُّ سَلَمَةَ، زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بِمَعْنَى حَدِيثِ مُعَاذٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو.

ورواه إسحاق بن راهويه في "مسنده" (4/56) (1816) عن النَّضْر بن شُمَيْلٍ، عن مُحَمَّد بن عمرو بن عَلْقَمَةَ، به.

ومن طريق إسحاق أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (9/446) (19043).

ورواه ابن حبان في "صحيحه" (13/239) (5918) من طريق عَبْدَة بن سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَمْرٍو، به.

قلت: قبل أن يسوق ابن أبي خيثمة هذا الحديث روى (2021) من حديث مَعْن بن عيسى، قال: حدثنا مالك، عن عِمَارَة بن صياد، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب: "أَنَّهُ كان لا يرى بأسا بالاطِّلاء في العشر". [والإطلاء: إزالة شَعْر العَانَةِ بِالنَّوْرَةِ، يُقَالُ طَلَيْتُهُ بِنُورَةٍ أَوْ غَيْرِهِ لَطَّخْتُهُ وَاطَّلَيْتُ إِذَا فَعَلْتَهُ بِنَفْسِكَ، وأصله تلطيخ الجسم بشيء من الدهن وغيره].

ثم ساق حديث محمد بن عمرو بن علقمة، ونقل عن يَحْيَى بْن مَعِيْن أنه قال عن مُحَمَّد بن عَمْرو: "ثقة".

قال: "وكان في كتاب علي بن المَدِيْنِيّ: عن يَحْيَى بن سعيد، قَالَ: مُحَمَّد بن عَمْرو أعلى منه - يعني: من سُهَيْل بن أبي صالح".

ثم نقل عن يَحْيَى بن مَعِيْن أنه قال: "ما زال الناس يتقون حديث مُحَمَّد بن عَمْرو".

قلت: فكأنه يذهب إلى استنكار حديثه هذا عن سعيد بن المسيب! لأن المحفوظ عن ابن المسيب أنه لم يكن يرى بأساً بالاطلاء في العشر. وهو الصواب، وما رواه محمد بن عمرو منكر وهو نفسه ضعيف.

وقال الطحاوي بعد أن ساق حديث محمد بن عمرو: "فكَانَ هَذَا الحَدِيثُ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، وَقَدْ قَالَ فِي إِسْنَادِهِ: عُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ، فَكَانَ ذَلِكَ شَدًّا لِمَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ مَالِكٍ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِمَا فِي إِسْنَادِهِ: عَنْ عُمَرَ بنِ مُسْلِمٍ، وَبِخِلَافِ مَا قَالَهُ شُعْبَةُ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ اسْمِهِ، مَا هُوَ؟ وَكَانَ فِي مَتْنِ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو مَا يُخَالِفُ مَا فِي مُتُونِ الْآثَارِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا قَبْلَهُ فِي هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنَّ فِيهِ: (مَنْ كَانَ لَهُ ذَبْحٌ يَذْبَحُهُ). وَالْآثَارُ الَّتِي رَوَيْنَا قَبْلَهُ فِي هَذَا الْبَابِ إِنَّمَا هِيَ: (إِذَا رَأَيْتُمْ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ، فَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ)، أَوْ: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ هِلَالَ ذِي الحِجَّةِ، فَأَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ)".

قلت: كأنه يميل إلى تضعيف رواية محمد بن عمرو لاختلاف متنها! وأما ما ذكره من الاختلاف في الاسم فقد تقدّم الكلام عليه بإسهاب.

ومحمد بن عمرو بن علقمة رجل صدوق لكن حفظه ليس بذاك! فما توبع عليه يُقبل منه، وأصل الحديث قد توبع عليه، لكن ما ذكره عن سعيد بن المسيب في القصة لا يُتابع عليه، بل يُروى عن ابن المسيب خلافه.

قال يحيى القطان: "وأما محمد ابن عَمْرو فرجل صالح ليس بأحفظ الناس للحديث".

وَقَال أَبُو بكر بْن أَبي خيثمة: سئل يَحْيَى بْن مَعِين عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرو، فقال: "ما زال الناس يتقون حديثه. قيل له، وما علة ذلك؟ قال: كان يحدث مرة عَن أبي سلمة بالشيء من رأيه ثم يحدث بِهِ مرة أخرى عَن أبي سلمة عَن أبي هُرَيْرة".

وَقَال إبراهيم بن يعقوب السعدي الجوزجاني: "ليس بقوي الحديث ويُشتهى حديثه".

وَقَال أَبُو حاتم: "صَالِح الحديث، يكتب حديثه، وهو شيخ".

وَقَال النَّسَائي: "ليس به بأس". وَقَال في موضع آخر: "ثقة".

وَقَال أَبُو أَحْمَد بْن عدي: "لهُ حديث صالح، وقد حدث عنه جماعة من الثقات كل واحد منهم ينفرد عَنْهُ بنسخة، ويغرب بعضهم على بعض، ويروي عَنْهُ مالك غير حديث في الموطأ، وأرجو أنه لا بأس به".

وذكره ابنُ حِبَّان فِي كتاب "الثقات"، وَقَال: "كان يُخطئ".

وقال الذهبي في "ميزان الاعتدال" (3/673): "شيخ مشهور، حسن الحديث، مكثر عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، قد أخرج له الشيخان متابعة".

وأما حديث سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ المصريّ:

فرواه مسلم في "صحيحه" (3/1566) قال: وحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ ابْنِ أَخِي ابْنِ وَهْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ، أَخْبَرَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ الجُنْدَعِيِّ: أَنَّ ابنَ المُسَيِّبِ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ وَذَكَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ.

ورواه النسائي في "السنن الكبرى" (4/335) (4436) عن مُحَمَّد بن عَبْدِاللهِ بنِ الحَكَمِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عن اللَّيْثُ، عن خَالِد، به.

ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" (23/266) (563) عن يَحْيَى بن عُثْمَانَ، عن أَبي صَالِحٍ كاتب الليث، عن اللَّيْث، به.

ورواه الخطيب في "المتفق والمفترق" (3/1683) (1185) من طريق سهيل بن عبدالله بن مسعود العبدي، عن عبدالله بن صالح كاتب الليث، به.

قلت: وسعيد بن أبي هلال ثقة، أصله من المدينة، ونزل مصر.

·       حكم العلماء على الحديث:

لا شك في تصحيح مسلم له وقد أخرجه في "صحيحه" بكلّ طرقه.

قال الترمذي: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالصَّحِيحُ هُوَ عَمْرُو بنُ مُسْلِمٍ، قَدْ رَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الوَجْهِ نَحْوَ هَذَا، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ وَبِهِ كَانَ يَقُولُ سَعِيدُ بنُ الْمُسَيَّبِ، وَإِلَى هَذَا الحَدِيثِ ذَهَبَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ وَرَخَّصَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ فِي ذَلِكَ، فَقَالُوا: لاَ بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ شَعَرِهِ وَأَظْفَارِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبْعَثُ بِالهَدْيِ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَلاَ يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِبُ مِنْهُ الْمُحْرِمُ".

وقال الحاكم: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ".

قلت: وهذا وهم من الحاكم من وجهين: الأول: أن مسلماً خرّجه، والثاني: أنه ليس على شرط البخاري.

قال الزيلعي في "نصب الراية" (4/206): "وَوَهَمَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، فَرَوَاهُ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ".

وقال ابن حجر في "التلخيص الحبير" (4/342): "وَاسْتَدْرَكَهُ الحَاكِمُ فَوَهَمَ".

وقال البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (14/22): "هذا حَدِيثٌ قَدْ ثَبَتَ مَرْفُوعًا مِنْ أَوْجُهٍ لَا يَكُونُ مِثْلُهَا غَلَطًا، وَأَوْدَعَهُ مُسْلِمُ بنُ الْحَجَّاجِ كِتَابَهُ".

وقال ابن حجر في "التلخيص الحبير" (4/342): "وأَعَلَّهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِالوَقْفِ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ".

قلت: وتعليل الدارقطني له نقله أيضاً ابن القيّم في "تهذيب السنن" (ص1384) - وكأنه في بعض القطع المفقودة من مسند أم سلمة؛ لأنه ليس موجوداً في المطبوع من مسندها-.

قال الدارقطني: "ووقفه عبدالله بن عامر الأسلمي، ويحيى القطان، وأبو ضمرة، عن عبدالرحمن بن حميد، عن سعيد.

ووقفه عقيل (!!) على سعيد، قوله.

ووقفه يزيد بن عبدالله بن قسيط، عن سعيد، عن أم سلمة، قولها.

ووقفه ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبدالرحمن، عن أبي سلمة، عن أم سلمة، قولها.

ووقفه عبدالرحمن بن حرملة، وقتادة، وصالح بن [أبي] حسان، عن سعيد، قوله.

والمحفوظ عن مالك موقوف.

والصحيح عندي قول من وقفه".

قلت: كذا جاء في مطبوع كتاب ابن القيم: "ووقفه عقيل على سعيد"!! ولا يوجد من اسمه "عقيل" يروي عن سعيد بن المسيب! وأظنه "ابن عقيل"، وهو: "عبدالله بن محمد بن عقيل"، وستأتي روايته عن سعيد لكنها مرسلة، أرسلها سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.

·       الخلاصة:

من خلال التخريج يتبيّن لنا أن هذا الحديث يرويه عن سعيد بن المسيب اثنان: عبدالرحمن بن حميد بن عبدالرحمن بن عوف، وعمرو بن مسلم الليثي.

أما حديث عبدالرحمن بن حميد: فيرويه عنه: سفيان بن عيينة، وأنس بن عياض، ويحيى القطان وعبدالله بن عامر الأسلمي.

أما ابن عيينة فقد رفعه، ووقفه أنس والقطان والأسلمي، والصواب رواية الجماعة عن حميد موقوفاً.

وقد تابعهم على الوقف: يزيد بن عبدالله بن قسيط عن سعيد عن أم سلمة.

وأما حديث عمرو بن مسلم: فيرويه عنه: مالك، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وسعيد بن أبي هلال، وكلهم رفعوه، إلا أن مالكاً كان يرفعه ثم وقفه ثم حذفه من كتابه ولم يأخذ به.

·       علّة الحديث الإسنادية:

والحديث صححه مسلم والترمذي والحاكم وغيرهم من المتأخرين والمعاصرين!

وأعلّه الدارقطني بالوقف على أم سلمة، وهذا هو الراجح؛ لأن عبدالرحمن بن حُميد قد وقفه في رواية أنس بن عياض ويحيى القطان والأسلمي، وخالف ابن عيينة فرفعه مع أن أصحابه قالوا له بأن غيره ممن رواه عن عبدالرحمن قد أوقفوه! فكأنه - رحمه الله - توهّم في ذلك؛ فقد كان يخطئ أحياناً فيرفع الموقوف.

ويحيى القطان عند أهل النقد يُقدّم على ابن عيينة وغيره عند الاختلاف.

قال الإمام أحمد: "لا يقاس بيحيى بن سعيد في العلم أحد". وقال أيضا: "ما رأيت في الحديث أثبت منه".

وسُئل أحمد بن حنبل: يحيى القطان، وابن المبارك إذا اختلفا في حديث، فقول من تقدم؟ فقال: "ليس نقدم نحن على يحيى أحداً".

وقال أبو حاتم الرازي: "إذا اختلف ابن المبارك ويحيى بن سعيد وسفيان بن عيينة في حديث، آخذ بقول يحيى". [شرح علل الترمذي لابن رجب (1/465)].

فرواية يحيى القطان كافية في ترجيحها على رواية سفيان فكيف إذا توبع عليه، بل وتؤيده رواية يزيد بن عبدالله بن قسيط عن سعيد عن أم سلمة قولها.

وإذا كان ذلك كذلك فإن رواية عمرو بن مسلم لا تقاوم رواية عبدالرحمن بن حميد، فإن عبدالرحمن ثقة مشهور، وعمرو هذا مستور الحال لم يوثقه أحد من أهل العلم، وما نُقل من توثيق يحيى بن معين له قد بينته سابقاً أن ذلك التوثيق كان في جدّه عمارة، وعلى فرض أن التوثيق من يحيى له، فهذا التوثيق فيه نظر! سيما وقد خولف في إسناده.

خالفه عبدالرحمن بن حميد وعبدالله بن قسيط فرووه عن سعيد عن أم سلمة موقوفاً، وهو الصواب.

على أن الأصل في كلام الدارقطني على الحديث كما أخرجه الإمام مسلم وغيره بلفظ: «أن يُضَحِّيَ»! والصواب «يحج»، ورواية الحارث بن عبدالرحمن التي ذكرها ليس فيها أي تحديد، وسيأتي أنها فيمن أراد الحج.

لكن تبقى المسألة في صحة سماع ابن المسيّب من أم سلمة!! فإني لا أرى أنه سمع منها! وقد اضطربت الرواية عنه في هذا الحديث جداً!!

·       مُعارضة الحديث لحديث آخر صحيح! وجواب بعض أهل العلم عنه.

وكذلك فإن هذا الحديث مُعارض بما رُوي عن سعيد بن المسيب نفسه أنه كان لا يرى بأساً بالطلاء في العشر كما سبق بيانه، وإليه مال ابن أبي خيثمة في تعليل حديث محمد بن عمرو بن علقمة.

وكذلك معارضة هذا الحديث لما روى البخاري وغيره من حديث مَسْرُوقٍ: أَنَّهُ أَتَى عَائِشَةَ، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ رَجُلًا يَبْعَثُ بِالهَدْيِ إِلَى الكَعْبَةِ وَيَجْلِسُ فِي المِصْرِ، فَيُوصِي أَنْ تُقَلَّدَ بَدَنَتُهُ، فَلاَ يَزَالُ مِنْ ذَلِكِ اليَوْمِ مُحْرِمًا حَتَّى يَحِلَّ النَّاسُ، قَالَ: فَسَمِعْتُ تَصْفِيقَهَا مِنْ وَرَاءِ الحِجَابِ، فَقَالَتْ: لَقَدْ «كُنْتُ أَفْتِلُ قَلاَئِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَبْعَثُ هَدْيَهُ إِلَى الكَعْبَةِ، فَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مِمَّا حَلَّ لِلرِّجَالِ مِنْ أَهْلِهِ، حَتَّى يَرْجِعَ النَّاسُ».

وبوّب عليه البخاري: "بَابُ إِذَا بَعَثَ بِهَدْيِهِ لِيُذْبَحَ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ شَيْءٌ".

قال ابن عبدالبر في "التمهيد" (17/234) في حديث أم سلمة: "ففي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ أَنْ يَحْلِقَ شَعْرًا وَلَا يَقُصَّ ظُفْرًا، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَجْتَنِبْ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ حِينَ قَلَّدَ هَدْيَهُ وَبَعَثَ بِهِ، وَهُوَ يَرُدُّ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ وَيَدْفَعُهُ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ وَوَهَنِهِ أَنَّ مالك رَوَى عَنْ عُمَارَةَ بنِ عَبْدِاللَّهِ عَنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ قالَ: (لا بَأْسَ بِالْإِطْلَاءِ بِالنَّوْرَةِ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ)، فَتَرْكُ سَعِيدٍ لِاسْتِعْمَالِ هَذَا الحَدِيثِ وَهُوَ رَاوِيَتُهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَهُ غَيْرُ ثَابِتٍ أَوْ مَنْسُوخٌ. وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِمَاعَ مُبَاحٌ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَمَا دونه أَحْرَى أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِحَلْقِ الرَّأْسِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَقَصِّ الشَّارِبِ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ سَائِرِ الْفُقَهَاءِ بِالْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ، وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَقَدْ ذُكِرَ لَهُ حَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَنْ أَهَلَّ عَلَيْهِ مِنْكُمْ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ وَأَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ حَتَّى يُضَحِّيَ) فَقَالَ اللَّيْثُ: قَدْ رُوِيَ هَذَا، وَالنَّاسُ عَلَى غير هذا".

ونقل أنه ذُكر لِعَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ مَهْدِيٍّ حَدِيثَ عَائِشَةَ (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَعَثَ بِالْهَدْيِ)، وحَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ إذا دخل الْعَشْرِ)، فَبَقِيَ عَبْدُالرَّحْمَنِ وَلَمْ يَأْتِ بِجَوَابٍ، فَذَكَروه لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، فَقَالَ يَحْيَى: "ذَاكَ لَهُ وَجْهٌ وَهَذَا لَهُ: وَجْهٌ حَدِيثُ عَائِشَةَ إِذَا بَعَثَ بِالهَدْيِ وَأَقَامَ، وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ بِالمِصْرِ".

·       اضطراب حديث قتادة عن ابن المسيب!

ثم ذكر حديث: إِنَّ قَتَادَةَ يَرْوِي عَنْ سَعِيدِ بنِ الْمُسَيَّبِ: (أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا إِذَا اشْتَرَوْا ضَحَايَاهُمْ أَمْسَكُوا عَنْ شُعُورِهِمْ وَأَظْفَارِهِمْ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ).

قال ابن عبدالبر: "حَدِيثُ قَتَادَةَ هَذَا اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى قَتَادَةَ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَفِي رُوَاتِهِ مَنْ لا تقوم بِهِ حُجَّةٌ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ يُضَعِّفُونَ هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ".

وجمع بين الحديثين الطحاوي، فقال: "وَيَكُونُ تَصْحِيحُ مَا رَوَيْنَاهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَمَا رَوَيْنَاهُ عَنْ عَائِشَةَ: أَنْ يَكُونَ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ عَلَى مَنْعِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ، وَلَهُ مَا يُضَحِّي عَنْ حَلْقِ شَعْرِهِ، وَقَصِّ أَظَفَارِهِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ حَتَّى يُضَحِّيَ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِمَا سِوَى قَصِّ الْأَظْفَارِ، وَحَلْقِ الشَّعْرِ، لَهُ مِنْ تِلْكَ الْأَيَّامِ، وَأَنَّهُ فِيهَا بِخِلَافِ مَا المُحْرِمُ عَلَيْهِ فِي إِحْرَامِهِ فِي تِلْكَ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا، حَتَّى تَتَّفِقَ هَذِهِ الْآثَارُ كُلُّهَا، وَلَا يُضَادَّ بَعْضُهَا بَعْضًا. وَقَدْ شَدَّ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَهَبْنَا إِلَيْهِ فِي المَنْعِ مِنْ قَصِّ الْأَظْفَارِ، وَمِنْ حَلْقِ الشَّعْرِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ مِمَّنْ لَهُ مَا يُضَحِّي بِهِ فِي أَيَّامِ العَشْرِ مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ".

قلت: يقصد حديث قتادة الذي تكلّم عليه ابن عبدالبر وضعّفه.

وهو ما رواه إسحاق بن راهويه في "مسنده" (4/57) (1817) عن النَّضْر بن شُميل، عن شُعْبَة، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قِيلَ لِسَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ: إِنَّ يَحْيَى بنَ يَعْمَرَ يُفْتِي بِخُرَاسَانَ: إِذَا دَخَلَ العَشْرُ، مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا ظُفْرِهِ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: "صَدَقَ كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ ذَلِكَ".

ورواه الحاكم في "المستدرك" (4/246) (7521) من طريق عَبْدالرَّحْمَنِ بن مَهْدِيٍّ، عن شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ العَتِيكِ فَحَدَّثَ سَعِيدَ بنَ المُسَيَّبِ أَنَّ يَحْيَى بنَ يَعْمَرَ يَقُولُ: «مَنِ اشْتَرَى أُضْحِيَّةَ فِي العَشْرِ فَلَا يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ» قَالَ سَعِيدٌ: نَعَمْ فَقُلْتُ: عَنْ مَنْ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: "عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".

ورواه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (14/142) من طريق هِشَام بن أَبِي عَبْدِاللهِ الدستوائي، عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّ كَثِيرَ بنَ أَبِي كَثِيرٍ سَأَلَ سَعِيدَ بنَ المُسَيِّبِ: أَنَّ يَحْيَى بنَ يَعْمَرَ يُفْتِي بِخُرَاسَانَ - يَعْنِي كَانَ يَقُولُ -: "إِذَا دَخَلَ عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، وَاشْتَرَى الرَّجُلُ أُضْحِيَّتَهُ، فَسَمَّاهَا، لَا يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ"، فَقَالَ سَعِيدٌ: "قَدْ أَحْسَنَ، كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، أَوْ يَقُولُونَ ذَلِكَ".

ثم رواه من طريق سَعِيد بن أَبِي عَرُوبَةَ، عن قَتَادَة، عَنْ كَثِيرٍ: أَنَّ يَحْيَى بْنَ يَعْمَرَ كَانَ يُفْتِي بِخُرَاسَانَ، فذكره.

قَالَ قَتَادَةُ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسَعِيدِ بنِ الْمُسَيِّبِ، فَقَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: عَمَّنْ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: "عَنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".

ورواه إسحاق بن راهويه (4/58) (1818) عن النَّضْرُ، عن حَمَّاد بن سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ العَشْرُ، وَوَدِمَ الرَّجُلُ أُضْحِيَتَهُ، فَلَا يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا ظُفْرِهِ».

ورواه ابن أبي خيثمة في "تاريخه" (2/124) (2028) عن مُوسَى بن إِسْمَاعِيلَ، عن حَمَّاد بن سَلَمَة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ كَثِيرِ بنِ أَبِي كَثِيرٍ مَوْلَى عَبْدالرَّحْمَن بنِ سَمُرَة، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ: أَنَّ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: فذكره.

قَالَ قَتَادَةُ فأخبرتُ بِذَلِكَ سَعِيدَ بنَ المُسَيَّب، فَقَالَ: "كَذَلِكَ كَانُوا يَقُولُونَ".

قلت: فهذا الحديث كما ترى رُوي عن قتادة على عدّة أوجه!! فمرة نسبه ليحيى بن يعمر، ومرة لعليّ بن أبي طالب، ومرة زاد في إسناده، ومرة نقص منه! ومرة أن السائل هو كثير، ومرة قتادة نفسه!

فالأثر مضطرب! وهو ضعيف كما قال ابن عبدالبر للاختلاف فيه. ولو صحّ إلى سعيد بن المسيب فهو من مراسيله! ومراسيله - وإن كان بعض أهل العلم ذهب إلى أنها من أصح المرسلات، إلا أن في بعضها نكارة!

وقد روى قتادة عن كثير هذا حديثاً، فسئل عنه كثير فأنكر أن يكون حدّث به!

قال حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ: قُلْتُ لِأَيُّوبَ: هَلْ عَلِمْتَ أَحَدًا؟ قَالَ: فِي أَمْرِكِ بِيَدِكِ أَنَّهَا ثَلَاثٌ غَيْرَ الحَسَنِ، فَقَالَ: لَا، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ غَفْرًا، إِلَّا مَا حَدَّثَنِي قَتَادَةُ، عَنْ كَثِيرٍ مَوْلَى ابْنِ سَمُرَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «ثَلَاثٌ»، فَلَقِيتُ كَثِيرًا، فَسَأَلْتُهُ فَلَمْ يَعْرِفْهُ، فَرَجَعْتُ إِلَى قَتَادَةَ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: «نَسِيَ».

قال النسائي في "السنن الصغرى" (6/147) بعد أن ذكر هذه الحكاية: "هذا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ".

والغريب أن قتادة ليس عنده حديث سعيد بن المسيب عن أم سلمة مع أنه استنزفه!!

روى ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (7/172) من طريق عِمْرَان بن عَبْدِاللَّهِ الخزاعيّ، قالَ: لَمَّا قَدِمَ قَتَادَةُ عَلَى سَعِيدِ بنِ الْمُسَيِّبِ جَعَلَ يُسَائِلُهُ أَيَّامًا وَأَكْثَرَ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ: أَكُلُّ مَا سَأَلْتَنِي عَنْهُ تَحْفَظُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. سَأَلْتُكَ عَنْ كَذَا فَقُلْتَ فِيهِ كَذَا. وَسَأَلْتُكَ عَنْ كَذَا فَقُلْتَ فِيهِ كَذَا. وَقَالَ فِيهِ الحَسَنُ كَذَا. قَالَ حَتَّى رَدَّ عَلَيْهِ حَدِيثًا كَثِيرًا. قَالَ: يَقُولُ سَعِيدٌ: مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ مِثْلَكَ.

وَقَالَ عَبْدُالرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ: إِنَّهُ أَقَامَ عِنْدَ سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ فَقَالَ لَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ: "ارْتَحِلْ يَا أَعْمَى فَقَدْ نَزَفْتَنِي".

وقال عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ: "كَانَ قَتَادَةُ يَقِيسُ عَلَى قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ثُمَّ يَرْوِيهِ عَنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ". قَالَ: "وَذَاكَ قَلِيلٌ".

·       أصل الحديث من قول أم سلمة فيمن أراد الحج لا في المقيم الذي يريد أن يُضحي!

قلت: الحديث ليس عند قتادة عن ابن المسيب مرفوعاً، وهذه قرينة على أنه لم يكن عنده عن أم سلمة، سيما وأن الروايات عن ابن المسيب مضطربة!!

ولو صحّ هذا الأثر عن قتادة عن سعيد بن المسيّب لكان حجّة في تضعيف حديث أم سلمة؛ لأنه لو كان حديث أم سلمة سمعه سعيد بن المسيب منها لذكره في هذا الموضع لما سُئِل عنه.

ولم يروِ ابن المسيّب عن أم سلمة إلا هذا الحديث! ولا نعرف أنه سمع منها! ولا ننظر إلى الطرق التي جاء فيها مصرحاً بأنه سمع منها؛ لأن هذه الأسانيد أصلاً مختلفٌ فيها، وفيها اضطراب شديد!

وكأن هذا الأثر كان معروفاً عن أم سلمة فكان يرويه سعيد بن المسيّب لما يُسئل عن هذه المسألة، وليس هناك ما يدلّ على أنه سمع ذلك منها.

فقد روى ابن أبي شيبة في "مصنفه (3/344) (14769) قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ خَالِهِ الحارث بن عَبْدِالرَّحْمَنِ القرشي العامري، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بن عبدالرحمن بن عوف، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «إِذَا دَخَلَ العَشْرُ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ».

قلت: وهذا إسناد صحيح، وكأن هذا هو أصل حديث أم سلمة وهو من قولها ليس مرفوعاً، وقد أورده الحافظ ابن أبي شيبة في باب "مَنْ كَرِهَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ شَعْرِهِ إِذَا أَرَادَ الحَجَّ".

فهذا الأثر ليس للمضحي، وإنما لمن أراد الحجّ، فيستحب له أن لا يأخذ من شعره ولا أظفاره قبل أن يحجّ حتى إذا ما تحلل من حجّه كان أكثر أجراً لطول شعره أو أظفاره من بداية العشر حتى إحرامه، والله أعلم.

وكأنه كان معروفاً عندهم أنهم لا يجزون شعورهم في تلك الأيام.

فقد روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (3/345) (14779) من طريق مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قالَ: «كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ تَوْفِيرَ الشَّعْرِ، إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُحْرِمُوا».

وروى أيضاً (3/345) (14775) من طريق أَبِي بَكْرِ بنِ سَالِمٍ، عَنْ سَالِمٍ: «أَنَّهُ كَانَ يَجُزُّ رَأْسَهُ فِي النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، ثُمَّ يَخْرُجُ حَاجًّا».

وروى أيضاً (3/346) (14784) من طريق قَتَادَةَ، عَنِ ابنِ المُسَيِّبِ، «أَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِبُّ تَوْفِيرَ الشَّعْرِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ».

وروى تحت باب "مَنْ كَرِهَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ شَعْرِهِ إِذَا أَرَادَ الحَجَّ" (3/345) (14778) عن ابن فُضَيْلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمِّي، عَنْ جَدَّتِهَا، أَنَّهَا سَمِعَتْ أُمَّ سَلَمَةَ، أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ تَقُولُ: «مَنْ كَانَ يُضَحِّي عَنْهُ فَهَلَّ هِلَالُ ذِي الحِجَّةِ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ». فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: «مَا سَمِعْتُ بِهَذَا».

وتحت هذا الباب أيضاً روى ابن أبي شيبة (14770) قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ، عَنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ، أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا، إِذَا أَهَلَّ ذُو الحِجَّةِ».

قلت: عبدالرحمن بن حرملة فيه كلام، لكن في مثل هذه الآثار يُستأنس به، وفيه أنه جعل هذا من قول سعيد بن المسيّب وهو لمن أراد الحج كذلك، وكأن هذا هو أصل الحديث الذي رُوي عن سعيد عن أم سلمة!

ثم روى ابن أبي شيبة (14771) عن شَرِيك، عَنِ الْأَحْلَافِيِّ - وهو: ابن حكيم بن عباد بن حُنيف الأنصاري الأوسي أبو سهل المدني ثم الكوفي-، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، «أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ شَعْرِهِ إِذَا أَرَادَ الحَجَّ». قَالَ: فَسَأَلْتُ عِكْرِمَةَ قَالَ: «أَفَلَا تَدَعُ النِّسَاءَ».

ورواه النسائي في "السنن الكبرى" (4/336) (4437) عن عَلِيّ بن حُجْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عُثْمَانَ الْأَحْلَافِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ قَالَ: «مَنْ أَرَادَ الثَّجَّ فَدَخَلَتْ أَيَّامُ العَشْرِ فَلَا يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا أَظْفَارِهِ» فَذَكَرْتُهُ لِعِكْرِمَةَ فَقَالَ: "أَلَا يَعْتَزِلُ النِّسَاءَ وَالطِّيبَ".

قلت: شريك فيه ضعف فيما يسنده، لكن مثل هذه الآثار تقبل منه، وهذا يقوي ما قبله أن هذا القول لسعيد بن المسيب في الحاج.

ويُروى أيضاً عن سعيد بن المسيّب مرسلاً.

رواه ابن أبي خيثمة في "تاريخه" (2/124) (2026) من طريق حَمَّاد بن سَلَمَة، عَنْ عَبْداللَّهِ بنِ مُحَمَّد بنِ عَقِيلٍ، عَنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّب: أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ فِي العَشْرِ وَابْتَاعَ أُضْحِيَتَهُ فليُمْسك عَنْ شَعْرِهِ، وَأَظْفَارِهِ"، قُلْتُ: فَالنِّسَاءُ؟ قَالَ: "أَمَّا النِّسَاءُ فَلا".

قلت: ابن عقيل سيء الحفظ، والحديث مرسل، فإن ضبطه ابن عقيل فيكون سعيد بن المسيب كان يرسله أيضاً، والله أعلم.

والخلاصة أن ما رُوي عن أم سلمة هو من قولها، وليس للمقيم الذي يريد أن يضحي، وإنما لمن أراد الحجّ، وكأن هذا هو أصل حديث أم سلمة الذي يرويه سعيد بن المسيّب، وهو من قولها ليس مرفوعاً، وقد أورده الحافظ ابن أبي شيبة في باب "مَنْ كَرِهَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ شَعْرِهِ إِذَا أَرَادَ الحَجَّ".

ويُحتمل أنه وقع تصحيف في الرواية المشهورة: «إِذَا دَخَلَتِ العَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يضحي، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا».

والصواب: «إِذَا دَخَلَتِ العَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يحج، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا».

تصحفت «يحج» إلى «يضحي»!

ثم انتشر هذا المفهوم فصارت الرواية في المضحي مطلقاً، ومن هنا جاءت روايات بعض الضعفاء: «مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ فَإِذَا أُهِلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ، فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ»!! والله أعلم.

·       فوائد البحث:

1- الحديث رواه عَبْدالرَّحْمَنِ بن حُمَيْد بن عَبْدِالرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ، وعَمْرُو بنُ مُسْلِمِ بْنِ عمارة اللَّيْثِيُّ، كلاهما عن سَعِيد بن المُسَيِّبِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا».

وفي لفظ: «فَلَا يَأْخُذَنَّ شَعْرًا، وَلَا يَقْلِمَنَّ ظُفُرًا».

2- الحديث رفعه سفيان بن عيينة، وقيل له: إن بعضهم لا يرفعه، فقال: "لكني أرفعه"!

وخالفه يحيى القطان وأنس بن عياض وعبدالله بن عامر الأسلمي فوقفوه على أم سلمة. ويحيى يُقدّم على ابن عيينة.

3- اتفق مالك بن أنس ومحمد بن عمرو الليثي وسعيد بن أبي هلال في روايته عن عمرو بن مسلم الليثي عن سعيد بن المسيب مرفوعاً.

4- كان مالك يرويه مرفوعاً، ثم صار يرويه موقوفاً؛ وهذه كانت عادته إذا لم يأخذ بالحديث، ثم حذفه من كتابه، وعليه فيكون قول الدارقطني: "والمحفوظ عن مالك موقوف"! ليس بصحيح.

5- اختلف في اسم شيخ مالك، فقيل: عمرو بن مسلم، وقيل: عمر بن مسلم، والراجح أنه: عمرو بن مسلم كما ترجم له كثير من أهل العلم فيمن اسمه "عمرو"، وأشاروا إلى الاختلاف.

6- حصل هناك بعض الأوهام لابن معين وابن حبان نتيجة الخلط بين "عمرو بن مسلم" وجدّه: "ابن أكيمة" وهو: "عمارة بن أكيمة"، وذلك لأن الزهري يروي عن الجد لا الحفيد! والذي وثقه ابن معين هو الجد.

7- نتيجة الخلط في اسمه خلط ابن حبان بين الجد والحفيد، فجعل الجد أخاً له فوهم، ولم يذكر أحد من أهل العلم أن لعمرو بن مسلم أخا.

8- اختلف في اسم الجد، فقيل: عمارة، وقيل: عمار، وقيل: عامر. فذهب الذهلي أن المشهور هو "عمار"، وذهب البخاري وغيره: "عمارة".

9- من وثق عمرو بن مسلم إنما وثقه بما قاله عنه ابن معين في رواية عباس الدوري، لكن الذي تبين أن ابن معين قال ذلك في الجد لا الحفيد.

10- ما نقله المزي من أن ابن الجنيد نقل عن ابن معين أنه قال في عمرو بن مسلم: "لا بأس به"، وتبعه على ذلك محقق التهذيب د. بشار معروف، وهم!! فالذي قال فيه يحيى في سؤالات ابن الجنيد هو: "عمرو بن مسلم الجندي اليماني" الذي يروي عن طاوس.

11- لا وجه لترجيح أبي إسحاق الحويني توثيق أبي حاتم لإبراهيم بن حميد الطويل على قول ابن حبان فيه: يخطئ"! فهو ثقة كما قال أبو حاتم لكنه يُخطئ كما قال ابن حبان، فلا تناقض بينهما، وابن حبان قال ذلك بسبره لحديثه، والرواية التي أوردناه تدلّ على ذلك.

12- القصة التي ساقها محمد بن عمرو بن علقمة فيها نظر!! لأنها تعارض ما ثبت عن سعيد بن المسيب: "أنه كان لا يرى بأساً بالاطلاء في العشر"، وحاصل فعل ابن أبي خيثمة تضعيف ذلك.

13- الحديث صححه مسلم، والترمذي، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي.

وأعلّه الدارقطني بالوقف على أم سلمة. ونصر تضعيفه ابن عبدالبر.

والراجح فيه الوقف، ولا يصح مرفوعاً.

فعبدالرحمن بن حميد بن عوف وعبدالله الأسلمي وقفوه على سعيد على أم سلمة، وخالفهما عمرو بن مسلم، فرفعه، وهو مستور الحال، وروايته لا تقاوم رواية الجماعة.

لكن هذا لا يعني تصحيح ما جاء في رواية مسلم ولو من قولها! وإنما هو من قولها في الذي يريد الحج لا في المقيم الذي لا يريد الحج ويريد أن يضحي.

14- الحديث معارض بحديث عائشة الصحيح: «كُنْتُ أَفْتِلُ قَلاَئِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَبْعَثُ هَدْيَهُ إِلَى الكَعْبَةِ، فَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مِمَّا حَلَّ لِلرِّجَالِ مِنْ أَهْلِهِ، حَتَّى يَرْجِعَ النَّاسُ».

وأجاب عن ذلك بعض أهل العلم! لكن حديث عائشة أقوى إسناداً فيقدّم عليه.

15- حديث قتادة عن سعيد بن المسيب: «أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا إِذَا اشْتَرَوْا ضَحَايَاهُمْ أَمْسَكُوا عَنْ شُعُورِهِمْ وَأَظْفَارِهِمْ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ»! فيه اضطراب!

16- الحديث معروف عن أم سلمة من قولها، لكن ليس في المقيم الذي يريد التضحية، وإنما فيمن أراد الحج، وقد روي مطلقاً عنها من حديث أَبِي سَلَمَةَ بن عبدالرحمن بن عوف، عَنها قَالَتْ: «إِذَا دَخَلَ العَشْرُ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ» - أي من أراد الحج، ولهذا بوّب عليه ابن أبي شيبة: باب "مَنْ كَرِهَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ شَعْرِهِ إِذَا أَرَادَ الحَجَّ".

وذكر «المضحي» مطلقاً في الحديث: «إِذَا دَخَلَتِ العَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا» خطأ ووهم! نتج من اضطراب الرواية!!

وما جاء في الرواية: «وأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ» لا يصح! لأن الحاج واجب عليه التضحية. ومن هنا حمل أهل العلم أن المقصود بذلك من أراد التضحية غير الحاج! لكن هذه الرواية لا تصح، والصواب: من أراد الحج ودخل العشر فلا يأخذ من شعره ولا أظفاره.

فهذا الأثر ليس للمضحي المقيم، وإنما لمن أراد الحجّ، فيستحب له أن لا يأخذ من شعره ولا أظفاره قبل أن يحجّ حتى إذا ما تحلل من حجّه كان أكثر أجراً لطول شعره أو أظفاره من بداية العشر حتى إحرامه، والله أعلم.

وكأنه كان معروفاً عندهم أنهم لا يجزون شعورهم في تلك الأيام.

فقد قال إِبْرَاهِيم النخعي: «كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ تَوْفِيرَ الشَّعْرِ، إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُحْرِمُوا».

ورُوي عن سَالِم بن عبدالله بن عمر: «أَنَّهُ كَانَ يَجُزُّ رَأْسَهُ فِي النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، ثُمَّ يَخْرُجُ حَاجًّا».

وروي عَنِ ابنِ المُسَيِّبِ: «أَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِبُّ تَوْفِيرَ الشَّعْرِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ».

ويُحتمل أنه وقع تصحيف في الرواية المشهورة: «إِذَا دَخَلَتِ العَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يضحي، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا».

والصواب: «إِذَا دَخَلَتِ العَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يحج، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا».

تصحفت «يحج» إلى «يضحي»!

ثم انتشر هذا المفهوم فصارت الرواية في المضحي مطلقاً، ومن هنا جاءت روايات بعض الضعفاء: «مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ فَإِذَا أُهِلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ، فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ»!!

17- رُوي الأثر أيضاً من قول سعيد بن المسيب لمن أراد أن يضحي، وكذا لمن أراد الحج، وكأن الأول هو أصل الحديث الذي رُوي عن سعيد بن المسيب عن أم سلمة، وحصل اضطراب في الروايات.

18- الحديث رُوي عن سعيد بن المسيب من قوله، وروي عنه مرسلاً، وروي عنه عن أم سلمة مرفوعاً، وروي عنه عنها موقوفاً!!

وهذا يدلّ على الاضطراب فيه!! وكأن هذا القول كان منتشراً عنها فاختلفوا فيه على هذه الألوان!

19- لم يرو سعيد بن المسيب عن أم سلمة إلا هذا الحديث!! ولم يثبت أنه سمع منها! والظاهر أنه سمع به لشهرته، وكان يرسله أحياناً ويقوله من تلقاء نفسه أحياناً أخرى.

20- أنكر بعض أهل العلم هذا القول على سعيد بن المسيّب كعكرمة.

والخلاصة أن الحديث لا يصح مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وصحّ من قول أم سلمة لكن في الذي يريد الحج لا في في المقيم الذي يريد أن يُضحي، ولم يسمعه سعيد بن المسيّب من أم سلمة.

ومن خلال مجموع الروايات كان سعيد بن المسيب مرة يقفه على أم سلمة، ومرة يقفه من كلامه، ومرة يرسله، ولم يثبت أنه هو من رفعه للنبي صلى الله عليه وسلم عن أم سلمة، والظاهر أنه سمع قول أم سلمة فكان يحدِّث به، ودخلت هنا الرواية التي فيها ذكر المضحي، والتي فيها ذكر من يريد الحج! والأصل أن قول أم سلمة في الذي يريد الحج، ولهذا كان هو نفسه يقول به في بعض ما رُوي عنه، وهو الصواب من مجموع الروايات، وما عداه لا يثبت، والله أعلم.

فهذه عشرون كاملة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

وكتب: خالد الحايك

الأول من شهر ذي الحجّة لسنة ألف وأربعمائة وثمان وثلاثين من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

1 ذو الحجة 1438هـ.

 

دُورُ الحديث
تحقيق التراث
فوائد حديثية
المناهج والنقد
مصطلح الحديث
علوم الرّجال
علل الأحاديث
فقه الحديث
المغازي والسّير
المدارس الحديثية
أسئلة وأجوبة
السرقات العلمية
متفرقات
علوم أخرى
 
   
   الاسم
  البريد الإلكتروني
البلد
  التعليق*:

 
     
 
 
 

******
الكاتـب ابو ريان
الـبلـد السودان
التـاريخ 8/25/2017


   السلام عليكم ورحمة الله ، شيخنا الفاضل عندي استفهام واحد الا وهو:- علمت ان اصح الكتب بعد كتاب الله تعالي صحيح البخاري و مسلم وان لا يجوز نقدهما او التشكيك فيهما لانه يترتب عليه مفاسد كبيره ، ولا اعني انك تفعل ذلك لكن ارجو ان تخاطبنا علي قدر افهامنا حتي لا تختلط علينا الامور فاحيانا تضعف الصحيح فترفق بنا وقدم بما يناسب عقولنا نحن العامه و جزيت خيرا
 
     
       
         
 
الصوتيات والمرئيات  |   الكتب  |   البحوث   |   المخطوطات   |    المجلة   |    الأرشيف
جميع الحقوق محفوظة لدار الحديث الضيائية