الصفحة الرئيسية         الكتب           البحوث           المخطوطات          المجلة            راسلنا          الضيائية
 
 
 

الدّرّ المُلْتَقط في تَبْيِين الغَلَط في حديث «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَائِمًا فِي العَشْرِ قَطّ»!

وهو جزء من: «الزَّهر الأَنعش في تقديم منصور على الأَعمش».



روى الإِمامُ مُسلمٌ في "صحيحه" (2/833) (1176) قال: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَاقُ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ».

قال: وحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُالرَّحْمَنِ، قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَصُمْ الْعَشْرَ».

وهو عند ابن أبي شيبة في "مصنفه" (2/299) (9220).

ورواهُ الترمذي في "جامعه" (3/129) (756) عن هنّاد عن أبي معاوية الضّرير، عن الأعمش، به.

ورواهُ إسحاق بن راهوية في "مسنده" (3/846) (1505) والإمام أحمد في "مسنده" (6/42) (24193) عن أبي معاوية الضّرير، به. وقرَن معه الإمام أحمد يَعلى بن عُبيد الطّنافسيّ عن الأعمش.

ورواهُ الإمام أحمد (6/124) (24970) أيضاً عن عفَّان، عن أَبي عَوانة، عن الأعمش، به.

ورواهُ النّسائي في "السنن الكبرى" (2/165) رقم (2872) و(2873) و(2874) عن عبدالله بن محمد – الضعيف-، عن أبي معاوية، عن الأعمش، به.

ورواهُ أيضاً عن عمرو بن يزيد، عن عبدالرحمن بن مَهدي، عن سفيان الثوري، عن الأعمش، به.

ورواهُ أيضاً عن أَحمد بن عثمان بن حكيم، عن أبي نُعيم، عن حفص بن غِياث، عن الأعمش، به.

ورواهُ أبو داود في "سننه" (2/325) رقم (2439) عن مُسدد، عن أبي عوانة، عن الأعمش، به.

هكذا رواهُ أصحاب الأعمش عنه بهذا الإسناد. وقد خالفه منصور بن الْمُعتمر، فرواه مرسلاً.

رواهُ ابن أَبي شَيبة في "مصنفه" (2/299) (9219) عن جَرير، عن منصور، عن إبراهيم: «أَن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يصم العشر قط».

ورواهُ عليّ بن الجعد في "مسنده" (ص265) (1743)، وعبدالرَّزاق في "مصنفه" (4/378) (8127)، كلاهما عن سفيان الثَّوري، عن منصور، عن إبراهيم قال: حُدثّتُ: «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصم العشر قط».

ورواهُ ابن ماجه في "سننه" (1/551) (1729) عن هنّاد بن السري، عن أبي الأَحوص، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صام العشر قط».

قلت: الظاهر أن الإمام مسلماً رجّح الوصل على الإرسال ولهذا أخرجه في صحيحه.

وهكذا رجّح الترمذي حيث قال بعد أن أخرجه: "هَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ. وَرَوَى الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ: (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُرَ صَائِمًا فِي الْعَشْرِ). وَرَوَى أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَائِشَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ الْأَسْوَدِ. وَقَدْ اخْتَلَفُوا عَلَى مَنْصُورٍ فِي هَذَا الحَدِيثِ، وَرِوَايَةُ الْأَعْمَشِ أَصَحُّ وَأَوْصَلُ إِسْنَادًا. وسَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ أَبَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ وَكِيعًا يَقُولُ: الْأَعْمَشُ أَحْفَظُ لِإِسْنَادِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ مَنْصُورٍ".

ورجّحه أيضاً الشيخ الألباني والوادعي والمدخلي وغيرهم.

وقد أعلّ هذا الحديث الإمام الدارقطني، ورجّح رواية منصور على الأعمش.

فقال – رحمه الله- في "العلل" (15/74-75) عندما سُئِل عن حديث الأسود عن عائشة: "يرويه إبراهيم النخعي، واختلف عنه: فرواه الأعمش عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة. ولم يختلف عن الأعمش فيه. حدَّثَ به عنه: أبو معاوية، وحفص بن غياث، ويعلى ابن عُبيد، وزَائدة بن قُدامة، وعَبدة بن سُليمان، والقاسم بن معن، وأبو عوانة.

واختلف عن الثوري: فرواه ابنُ مَهدي، عن الثوري، عن الأعمش كذلك. وتابعه يزيد بن زُريع، واختلف عنه: فرواه حميد المروزي، عن يزيد بن زريع، عن الثوري، عن الأعمش. مثل قول عبدالرحمن بن مهدي.

وحدَّث به شيخٌ من أصبهان - يُعرف بعبدالله بن محمد بن النعمان-، عن محمد ابن منهال الضرير، عن يزيد بن زريع، عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة. وتابعه معمر بن سهل الأهوازيّ، عن أَبي أحمد الزبيريّ، عن الثوري.

والصحيح عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، قال: حُدّثت: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم... وكذلك رواه أصحاب منصور، عن منصور، مرسلاً. منهم: فُضيل بن عياض، وجرير".

وقال - رحمه الله- في "كتاب التتبع" (ص531): "وأخرج مسلم حديث الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة: ما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر. وخالفه منصور، رواه عن إبراهيم مرسلاً".

وقال ابنُ أَبي حاتم في "العلل" (1/265): سألت أبي وأبا زُرعة عن حديث رواه أبو عوانة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صام العشر من ذي الحجة قط)، ورواه أبو الأحوص، فقال: عن منصور، عن إبراهيم عن عائشة؟ فقالا: "هذا خطأ. ورواه الثوري، عن الأعمش ومنصور، عن إبراهيم قال: حُدّثت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم".

وقال الشيخ الألباني في "صحيح سنن أبي داود" (7/201): "رواية ابن ماجه عن منصور متصلة صحيحة الإسناد، فهي تؤكد أصحية رواية الأعمش".

وقال ربيع المَدخلي في كتابه "بين الإمامين مسلم والدارقطني" (ص219) متعقباً الدارقطني: "فالراجح هو الوصل: لأنه زيادة ثقة، ولأن للأعمش مزية في إبراهيم على منصور، وهي كونه أحفظ لإسناد إبراهيم من منصور كما يروي ذلك الترمذي. فكان من واجب الدارقطني أن يرجّح الوصل - رواية الأعمش - لأنه يقول بوجوب قبول زيادة الثقة، ولا يوجد مانع من قبولها لا سيما ولراويها مزية على مخالفه".

وقال الشيخ مقبل الوادعي متعقباً الدارقطني في التتبع: "فعلى هذا لا يلزم الاعتراض مسلماً؛ لأنه أخرج الطريق المتصلة وهي المعتمدة كما أفاده الترمذي عن وكيع".

قلت:

أولاً: الإمام الترمذي ومن تبعه إنما رجّحوا الوصل بمقولة وكيع في ترجيح الأعمش على منصور في إبراهيم! ولكن هذه المقولة منقوضة بآراء أئمة النقد المعتبرين. ومع كل تقديرنا لوكيع، إلا أنه لم يكن من أهل الخبرة في نقد الرجال رحمه الله. ولا أدري كيف أعرض الترمذي ومن تبعه عن آراء أهل النقد في تقديم منصور على الأعمش في إبراهيم!

ذكر الحافظ ابن رجب في "شرح العلل" (2/713-715): "أصحاب إبراهيم بن يزيد النخعي".

قال: ذكر علي بن المديني عن يحيى بن سعيد قال: "ما أحد أثبت عن مجاهد وإبراهيم من منصور"، فقلت ليحيى: منصور أحسن حديثاً عن مجاهد من ابن أبي نَجيح؟ قال: "نعم، وأثبت"، وقال: "منصور أثبت الناس".

وقال أحمد: حدثني يحيى قال: قال سفيان: "كنت إذا حدّثت الأعمش عن بعض أصحاب إبراهيم قال، فإذا قلت: منصور. سكت".

وقال ابن المديني عن يحيى عن سفيان قال: "كنت لا أحدث الأعمش عن أحد - من أهل الكوفة- إلا ردّه، فإذا قلت: منصور. سكت".

وذكر ابن أبي خيثمة عن يحيى بن معين قال: "لم يكن أحد أعلم بحديث منصور من سفيان الثوري".

ورجحت طائفة الأعمش على منصور في حفظ إسناد حديث النخعي:

قال وكيع: "الأعمش أحفظ لإسناد إبراهيم من منصور".

وقد ذكره الترمذي في (باب التشديد في البول) من كتاب الطهارة، واستدل به على ترجيح قول الأعمش في حديث ابن عباس في القبرين: سمعت مجاهداً يحدث عن طاوس عن ابن عباس، وأما منصور فرواه عن مجاهد عن ابن عباس.

وكذلك ذكره أيضاً في كتاب الصيام في (باب صيام العشر)، واستدل به على ترجيح رواية الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة: (ما رأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم صائماً في العشر قط)، على قول منصور فإنه أرسله.

ورجّحت طائفة الحكم:

قال عبدالله بن أحمد: سألت أبي، مَن أثبت الناس في إبراهيم؟ قال: "الحكم ثم منصور". وقال أيضاً: قلت لأبي، أي أصحاب إبراهيم أحبّ إليك؟ قال: "الحكم ثم منصور، ما أقربهما".

وقال حرب عن أحمد: "كان يحيى بن سعيد يقدم منصوراً والحكم على الأعمش".

وقال ابن المديني: قلت ليحيى بن سعيد، أي أصحاب إبراهيم أحبّ إليك؟ قال: "الحكم ومنصور"، قلت: أيهما أحب إليك؟ قال: "ما أقربهما".

قلت: فهؤلاء الأئمة قد اتفقوا على تقديم منصور على الأعمش في إبراهيم، وخالفهم في ذلك وكيع! فهل يُقدَّم قول وكيع على هؤلاء النقاد الذين اشتهروا بنقد الرّجال!

ومع اتفاقهم في ذلك، فمن قدّم الحكم في إبراهيم جمع معه منصوراً، ولم يذكر الأعمش، بل قدّم بعضهم منصور على الحكم. والأعمش نفسه كان يسكت إذا قيل له: منصور؛ لأنه يعلم أن منصوراً أثبت منه.

قال عثمان الدارمي: "قلت ليحيى، أبو معشر أحبّ إليك عن إبراهيم أو منصور؟ فقال: منصور خير منه. قلت: الأعمش عن إبراهيم أحبّ إليك أو منصور؟ قال: منصور. قلت: فالحكم أو منصور؟ قال: منصور. قلت: فمنصور أو مغيرة؟ قال: منصور".

وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين - وأبي حاضر- يقول: "إذا اجتمع منصور والأعمش فقدِّم منصور".

وقال أيضاً: سمعت يحيى يقول: "منصور أثبت من الحكم، ومنصور بن المعتمر من أثبت الناس".

وقال أيضاً: "رأيت في كتاب علي بن المديني، وسئل: أي أصحاب إبراهيم أعجب إليك؟ قال: إذا حدثك عن منصور ثقة، فقد ملأت يديك ولا تريد غيره".

وقال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل"(8/178) وسُئل أبي عن الأعمش ومنصور؟ فقال: "الأعمش حافظ يخلط ويدلس، ومنصور أتقن، لا يدلس ولا يخلط".

قلت: فهل بعد هذه النقول، يُقال: الصواب رواية الأعمش!! وأين المزية للأعمش على منصور كما ادّعى ربيع المدخلي؟!!

فالصحيح ما رواه منصور. وقد أصاب الدارقطني بترجيح الإرسال على الوصل، ولا يعترض عليه بأنه يقبل زيادة الثقة، والوصل زيادة ثقة! لأن هذا المقام لا يصلح هنا لوجود علّة في الحديث.

فالصواب رواية منصور المرسلة المتقنة، فهو قد ضبطها بقوله: "حُدّثت". وقد وهم الأعمش في روايته وخلط، فسلك الجادّة: إبراهيم عن الأسود عن عائشة. وضبط منصور الرواية، فلا يقدّم الأعمش على منصور، ومنصور مقدّم مطلقاً في أصحاب إبراهيم.

ثانياً: منصور لم يختلف عليه في الحديث كما قال الترمذي! وإنما الاختلاف على الثوري.

فأصحاب منصور رووه عنه مرسلاً. منهم: فُضيل بن عياض، وجرير، والثوري.

والاختلاف على الثوري كما بيّن الدارقطني، والأصح عنه ما رواه مع الجماعة.

قال الدارقطني: "واختلف عن الثوري: فرواه ابنُ مَهدي، عن الثوري، عن الأعمش كذلك. وتابعه يزيد بن زُريع، واختلف عنه: فرواه حميد المروزي، عن يزيد بن زريع، عن الثوري، عن الأعمش. مثل قول عبدالرحمن بن مهدي. وحدَّث به شيخٌ من أصبهان –يُعرف بعبدالله بن محمد بن النعمان-، عن محمد ابن منهال الضرير، عن يزيد بن زريع، عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة. وتابعه معمر بن سهل الأهوازيّ، عن أَبي أحمد الزبيريّ، عن الثوري. والصحيح عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، قال: حُدّثت: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم".

قلت: أما رواية الثوري عن الأعمش كما روى أصحاب الأعمش، فهذا رواه الثوري كما سمعه من الأعمش. فهو قد روى الحديث عن الأعمش وعن منصور.

قال ابن أبي حاتم: "ورواه الثوري، عن الأعمش ومنصور، عن إبراهيم قال: حُدّثت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم".

قلت: كذا! والأعمش لم يختلف عليه كما مرّ، ولم يروه مرسلاً كرواية منصور! فالجمع بين الأعمش ومنصور في هذه الرواية المرسلة لا يصح!

وقول الدارقطني عن رواية الأعمش إنه لم يختلف عليه، لا يُفهم منه أن الدارقطني يرجح روايته لعدم الاختلاف عليه كما فهمه بعض الجهّال! وغاية ما في الأمر أنه رحمه الله في عرضه للاختلاف في هذا الحديث بيّن أنه لا خلاف على الأعمش فيه بين أصحابه فكل أصحابه رووه عنه ولم يختلفوا، ولا كذلك منصور لم يختلف عليه أصحابه؛ وإنما الخلاف على الثوري بين أصحابه، ولعدم وجود الاختلاف بين أصحاب الأعمش فإن الوهم منه، ولو كان هناك اختلاف عليه لربما كان الوهم من بعضهم، وهذا معنى كلامه الدارقطني بأنه لم يختلف عليه، وهو الذي خالف منصوراً.

ورواية يزيد بن زريع وأبي أحمد الزبيري، عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، خالفهما علي بن الجعد وعبدالرزاق، فروياه عن الثوري عن منصور عن إبراهيم مرسلاً.

ورواية يزيد بن زريع هذه تفرد بها عبدالله بن محمد بن النعمان الأصبهاني عن محمد بن المنهال! وهي مخالفة لما رُوي عن يزيد بن زريع عن الثوري عن الأعمش، وتابعه عبدالرحمن بن مهدي - وهو من أوثق أصحاب الثوري- عن الثوري. فلو صحت رواية هذا الأصبهاني فلا تقف أمام رواية علي بن الجعد وعبدالرزاق عن الثوري عن منصور عن إبراهيم مرسلاً.

وقد قال الدارقطني "الغرائب والأفراد" [كما في الأطراف] (5/418) (5909): "حديث: (ما رأيت أو ما رؤي رسول الله صائماً في العشر قط). تفرد به عبدالله بن محمد بن النعمان الأصبهاني عن محمد بن المنهال عن يزيد بن زريع عن الثوري عن منصور عن إبراهيم عنه  - أي الأسود".

وأما رواية أبي أحمد الزبيري فلا يُعتد بها؛ لأن عبدالرزاق مثله في روايته عن الثوري، وقد خالفه هنا، وتابعه عليّ بن الجعد، فترجح روايتهما على رواية أبي أحمد.

قال أبو بكر بن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين - وسئل عن أصحاب الثوري- فقال: "أما عبدالرزاق والفريابي وعبيدالله بن موسى وأبو أحمد الزبيري وأبو عاصم وقبيصة وطبقتهم، فهم كلهم في سفيان قريباً بعضهم من بعض، وهم دون يحيى بن سعيد وعبدالرحمن بن مهدي ووكيع وابن المبارك وأبي نُعيم".

وقال ابن نُمير: "أبو أحمد الزبيري صدوق في الطبقة الثالثة من أصحاب الثوري".

فهو ليس من طبقات الحفاظ عن الثوري. وكذلك فإن في روايته عن سفيان فيها خطأ كثير!

قال حنبل بن إسحاق عن أحمد بن حنبل: "كان كثير الخطأ في حديث سفيان".

قلت: فلا يُحتج برواية أبي أحمد الزبيري هذه عن الثوري، ولا برواية يزيد بن زريع التي اختلف عليه فيها في مقابل رواية ابن الجعد وعبدالرزاق، فروايتهما عن الثوري هي الصواب كما صرّح بذلك الإمام الدارقطني -رحمه الله-!

ثالثاً: وأما رواية ابن ماجه التي اتكأ عليها الشيخ الألباني ومن تبعه في أصحية رواية الأعمش، وهي - كما في المطبوع-: ما رواه هنّاد بن السري، عن أبي الأَحوص، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة.

فقد سأل ابن أبي حاتم أباه وأبا زرعة عنها، قال: "ورواه أبو الأحوص، فقال: عن منصور، عن إبراهيم عن عائشة؟ فقالا: "هذا خطأ".

قلت: في المطبوع من سنن ابن ماجه: "عن الأسود"، ولم يذكر أبو حاتم وأبو زرعة ذلك، وقد نصّ الترمذي على أن أبا الأحوص لم يذكر: "الأسود" - كما سبق نقله- وهذا هو الصحيح، وهذا يعني أن رواية ابن ماجه ليست بمتصلة كما زعم الشيخ الألباني، وهي خطأ؛ لأن أصحاب منصور قد خالفوا أبا الأحوص فلم يذكروا "عائشة"، ورواية الجماعة هي الصواب.

وروى ابن حبان في "صحيحه" (4/288) عن الحسن بن سفيان قال: حدثنا يحيى بن طلحة اليربوعي قال: حدثنا أبو الأحوص عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، قالت: «ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم صائماً العشر قط، ولا خرج من الخلاء إلا مس ماء».

فلعل متوهماً يقول: وهذه متابعة لرواية ابن ماجه! فأقول: هذه الرواية ليست بصواب، فإن يحيى اليربوعي هذا ليس بشيء.

قال المزي في "التحفة" (11/359): "وروى أبو الأحوص عن منصور عن إبراهيم عن عائشة - ولم يذكر فيه «الأسود»".

وإبراهيم لم يسمع من عائشة.

قال ابن أبي حاتم في "المراسيل" (ص9-10): سمعت أبي يقول: "لم يلق إبراهيم النخعي أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا عائشة، ولم يسمع منها شيئاً، فإنه دخل عليها وهو صغير، وأدرك أنساً ولم يسمع منه". قال: وقال أبو زرعة: "إن إبراهيم دخل على عائشة وهو صغير ولم يسمع منها شيئاً".

وأبو الأحوص هو: سَلاَّم بن سُلَيْم الحنفيُّ الكوفيُّ، وهو ثقة، وله بعض الأخطاء في سعة حفظه واتقانه، وقد نقموا عليه حديثه: عن سماك، عن القاسم بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن أبي بردة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشربوا في الظروف ولا تسكروا». قال الإمام أحمد: "كان أبو الأحوص يُخطىء في هذا" [الميزان: 3/254].

والخلاصة: أن حديث إِبْرَاهِيمَ، عَنْ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَصُمْ الْعَشْرَ» معلول!

والصواب فيه: عن إبراهيم، قال: حُدّثت: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم".

 

·       مناقشة حول هذا الحديث:

كان أحد الإخوة الفضلاء أرسل لي بريداً إلكترونياً - قديماً- يسألني عن هذا الحديث وأيهما نقدّم منصور أم الأعمش، فأرسلت له هذا الكلام الذي سطرته هنا بكامله، فقام الأخ - جزاه الله خيراً- بنشره في بعض المنتديات، فما كان من أحدهم ممن يُعرف بسوء أدبه إلا أن نصب نفسه محدثاً فرد على ما ذكرته باستهزاء وقلة أدب. فأرسلت للأخ ردّاً عليه قبل أن تحذف الإدارة هذا الموضوع.

* وكان هذا الذي له "من اسمه نصيب"! قد سأل من أين جئت بترجيح الدارقطني لرواية منصور؟ فقلت له: الدارقطني عندما يعلل في كتابه ليس من الضرورة أن ينص على ترجيحه، وإنما يمكن معرفة ذلك من خلال العرض في الكلام على الاختلاف في الروايات. وهذا لا يعرفه إلا من تشبع بكتابه العظيم "العلل" فقراءة الكتب تحتاج إلى مراس. مع ما يحيط الأمر من قرائن كمعرفة الدارقطني ترجيح رواية منصور وتقديمه على الأعمش وهذا هو حال كل الأئمة النقاد في هذا بخلاف وكيع الذي اعتمد قوله الترمذي. أيظن أن إمام العلل هذا لا يعرف أقوال النقاد في تقديم منصور على الأعمش؟

* وكان أيضاً استهزأ بقولي إن الأعمش خلط فيه وكأن الأرض انشقت لهذا الكلام! فقلت له: الخلط الذي أشرت إليه مستنده كلام أبي حاتم بتقديمه منصور على الأعمش وذلك أن الأعمش يدلس ويخلط، ومنصور لا يدلس ولا يخلط، فأيهما نرجح؟ وهل يخالف الدارقطني في ذلك يرحمك الله! والدارقطني عندما يعرض لهذه الاختلافات هو يوردها في كتاب اسمه «العلل» يعني أن في هذه الأحاديث التي يوردها علل أيها الكريم.

سئل رحمه الله في «العلل» (5/353) عن حديث مسروق عن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دم امرئ مسلم ما إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه»؟ فقال: "يرويه الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله مرفوعاً.

حدث به عنه: أبو معاوية والثوري وعبد الله بن داود وأبو حمزة السكري وأبو شهاب وابن نمير وأبو الأحوص ويحيى الأموي وجرير وابن عيينة ويعلى. - وقيل: عن وكيع عن الأعمش عن عمرو بن مرة، ولا يصح عمرو-. ورواه الثوري عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله، وعن إبراهيم عن الأسود عن عائشة.

ورواه منصور بن المعتمر فخالف الأعمش، ورواه عن إبراهيم عن أبي معمر عن مسروق عن عائشة موقوفاً. وإبراهيم بن طهمان ووقفه عن منصور. وذكر لعبد الرحمن بن مهدي حديث منصور عن إبراهيم عن أبي معمر عن مسروق عن عائشة فقال أسند هذين الحديثين".

فقل لي بربك أيها الكريم: ماذا يرجح الدارقطني هنا من خلال عرضه لهذا الحديث؟! أيرجح طريق الأعمش أم منصور؟!

وقلت لهذا الأخ: إذا أخطأت في فهمي لكلام الدارقطني ونسبة هذا القول له، فيمكن أن أتراجع عنه - ولا أتراجع لأن لي بحث في اختلافات الأعمش وإبراهيم من كلام الدارقطني وتقديمه مطلقا على الأعمش بعنوان: «الزَّهر الأَنعش في تقديم منصور على الأعمش».

وهب أن ذلك خطأ، فالقول قول منصور كما قال الأئمة النقاد في ترجيح رواية منصور على الأعمش.

وأهديك هذه الحكاية: روى الصيداوي في «معجم الشيوخ» (ص178) في ترجمة «أحمد بن محمد بن شجاع أبو بكر» قال: حدثنا أحمد بن محمد بالأهواز قال: كنا عند إبراهيم بن موسى الجوزي ببغداد وكان عنده أبو بكر الباغندي ينتقي عليه فقال له ابراهيم بن موسى: هو ذا تضجرني أنت أكثر حديثاً مني وأعرف وأحفظ للحديث، فقال له: قد حُبب إليّ هذا الحديث بحسبك، أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فلم أقل له: أدع الله لي! وقلت: يا رسول الله: أيما أثبت في الحديث منصور أو الأعمش؟ فقال لي: "منصور منصور".

نعم، الرؤى لا يستدل بها، ولكن الأئمة على هذا الرأي حتى إنهم يسألون عن هذا في الرؤيا.

وقال أبو داود: "طلب منصور الحديث قبل وقعة الجماجم والأعمش طلب بعد الجماجم".

وانظر ترجمة منصور في «السير» المجلد الخامس، وحكاية الباغندي المتقدمة ذكرها الذهبي في ترجمة منصور رحمه الله.

* وكان هذا الأخ أيضاً نسب الاضطراب إلى رواية منصور!! ورد قولي في أن الاختلاف كان على الثوري، فلا دخل لمنصور في هذا! فلا أدري كيف يقرأ هؤلاء الأغمار كلام الأئمة، وكيف يفهمونه؟ أيقرأون بعين واحدة، أم بنصف عين؟ إنه عصر السرعة في صُنع المحدّثين! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

* وأما نسبة القول إلى أبي حاتم وأبي زرعة بترجيحهما رواية منصور، فمن يفهم كلامهما يعرف ذلك. فإن أبى واحد من طلبة العلم ألا يفهم هذا فهذا شأنه، ولعمري ما الذي يريدانه بذكر رواية منصور المرسلة!

فهذا الحديث قد اختلف فيه وصلاً وإرسالاً، فرواه الأعمش موصولاً، وخالفه منصور فرواه مرسلاً، وبعيداً عن ترجيح فلان أو فلان، فلمن نحكم يا أهل العلم؟

من قدَّم الأعمش كالترمذي اعتمد قول وكيع، ولكن خالفه كل الأئمة النقاد فقدموا منصور حتى في المنام، فرواية من نرجح؟

وأبى هذا الأخ - هداه الله- بعد ذلك إلا أن يعود للاستهزاء!!

وكان مما قال: "وهل الإمام الترمذي مغفلٌ إلى هذا الحد الذي يعرف معه كلام الأئمة في رواية منصور عن إبراهيم ويتجنبها ويذهب إلى غيرها؟!"

فقلت له: عيب عليك أن تقول مثل هذا الكلام أيها الكريم! فأنت لا تعرف الترمذي ولا منهجه. فالترمذي رحمه الله متساهل - ولعلك تغضب من هذا القول- فاغضب كما تشاء!! فهو رحمه الله لا شك أنه يعرف أقوال الأئمة ولكنه آثر قول وكيع مؤيداً الحديث في هذا المقام. ولكنه في مكان آخر: انظر ما فعل:

قال في «الجامع» (3/557)، باب ما جاء في اشتراط الولاء والزجر عن ذلك، حدثنا محمد بن بشار: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي: حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: أنها أرادت أن تشتري بريرة فاشترطوا الولاء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اشتريها فإنما الولاء لمن أعطى الثمن أو لمن ولي النعمة».

قال الترمذي: "حديث عائشة حديث حسن صحيح. والعمل على هذا عند أهل العلم".

ثم قال: "ومنصور بن المعتمر يكنى أبا عتاب. حدثنا أبو بكر العطار البصري عن ابن المديني قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: إذا حدثت عن منصور فقد ملأت يدك من الخير لا ترد غيره. ثم قال يحيى: ما أجد في إبراهيم النخعي ومجاهد أثبت عن منصور. قال: وأخبرني محمد عن عبدالله بن أبي الأسود قال: قال عبد الرحمن بن مهدي منصور أثبت أهل الكوفة".

قلت: فانظر رحمك الله إلى ما نقله هنا في منصور وأنه يقدم في إبراهيم مطلقاً - وإن لم يكن هنا ذكر لرواية الأعمش- فالله يرحمه فإنه كان يتساهل في بعض المواضع.

وما نقله هنا عن منصور مخالف لما نقله عن وكيع، فلم لم يورد ما ذكره عن وكيع هنا؟!

والذي جعلني أذكر لك هذه الرواية أيضاً أن هذا الحديث عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، وهذا الإسناد مشهور، ومن هنا قلت: إن الأعمش سلك الجادة.

فإن كنت يا أخي لم تتشرب كيف كان أهل العلم يُعلّون الأحاديث فلا حرج عليك.

قال أبو بكر بن عياش عن مغيرة: "اختلف منصور إلى إبراهيم وهو من أعبد الناس فلما أخذ في الآثار فتر".

قلت: وهذا يعني تشبع منصور من إبراهيم فيما أسنده رحمه الله.

وقال علي بن سعيد النسوي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: "منصور أثبت أهل الكوفة، ففي حديث الأعمش اضطراب كثير".

وما سبق من أقوال لأهل العلم كيحيى وغيره في تقديم منصور على الأعمش عند الاختلاف بينهما كما هو معلوم، وهذا الحديث يرجح فيه من خلال أقوالهم.

وبعد هذه الأقوال: ألا يمكننا القول بأن الأعمش وهم في حديثه! ونقدِّم عليه منصورا؟!

* وكان مما أغضب هذا الأخ - هداه الله - أني قلت له في نهاية كلامي: طالما أنك تسفه الناس ولا ترفع بهم رأساً وقد حزت العلم كله - ونحن نحاكمك إلى أقوالك - أسألك سؤال المتعلم:

قال صالح بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: إن قوماً قالوا منصور أثبت في الزهري من مالك! قال: وأي شيء روى منصور عن الزهري. هؤلاء جهال. منصور إذا نزل إلى المشائخ اضطرب".

فما معنى هذا الكلام؟ أليس منصورا عن الزهري من أصح الأسانيد أيها الشيخ الكريم؟

فما كان منه إلا أن غضب ورفض أن يرد عليّ لأن الأدب يتقاطر من بين أنامله، فالله حسيبه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وبعد أن حذفت إدارة ذلك المنتدى الموضوع برمته رجع هذا الأخ - هداه الله- إلى الموضع الأصلي لمناقشة الحديث فأملى كلاماً طويلاً فيه تعريض بنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وقد تكلّم بكلام عام في إيراد مسلم للحديث وأنه اشترط في مقدمة كتابه شروطاً لا يستهان بها ولا يتساهل، وأن التصدي للكلام على أحاديث في الصحيحين يعدّ عملية انتحارية، وأزبد وأرعد، وجشم وتجشأ من غير علم ولا دراية، ففاحت منه رائحة الحقد والحسد، ونسبنا إلى التهور والتعسف والعبث مما هو أولى به.

وحكمي في هؤلاء أن يعزروا لإقدامهم على الكلام في علم لا يعرفونه كالذي يتكلم في الطب وهو لا يحسن الكتابة والقراءة، ولكن هيهات، فإن الإنفلات ومحاربة أهل العلم جعلته وأمثاله يتكلمون بهذا العلم دون أن يجدوا من يعزرهم.

وفي كلامه العريض الذي ملأه بالتعريض لم يأت هذا الجاهل بشيء جديد كعادة غيره ممن يناقشون العبد الفقير - وأنا لا أدعي لنفسي العصمة، بل ولا أخرج عما أصله الأئمة-، وإن تبيّن لي خطأ ما ذهبت إليه بالدليل تراجعت.

يقول هذا المجهول: "أثبت أن فلاناً الراوي وهم وخلط في هذا الحديث معنا ثم تكلم، أما أن تصفه بالخلط والوهم جزافاً وتعميماً بناءً على وصفه بذلك من أحد الأئمة؛ فلا أنصفت ولا بررت، بل خرفت وتجنيت وتبليت".

أقول: هذا التعميم هو الأصل عند الأئمة النقاد، فمنصور مقدّم على الأعمش مطلقاً في إبراهيم، هذا منطوقها، وأما مفهومها فيصار إلى ترجيح رواية الأعمش إذا كان هناك قرينة تدل على ضبط الأعمش له، ووهم منصور. ولا يغرنك أيها الجاهل أنه لم يختلف على الأعمش، فهذا لا يعني أنه لم يهم فيه، بل هو في حفظه هكذا، وقدّمنا عليه منصور لأنه أثبت وأضبط في إبراهيم، وقلنا لك غير مرة أن الاختلاف ليس من منصور وإنما من الرواة عنه، وجماعة أصحابه رروه عنه على الصواب وهو الإرسال.

وأما ما نقلت عن الدارقطني في موضع آخر أن الاختلاف كان من منصور. قال الدارقطني في «العلل» (14/261) لما أن سئل عن حديث الأسود، عن عائشة قالت: ما رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج من الخلاء إلا استنجى بالماء؟ فقال: "يرويه منصور، واخْتُلِفَ عَنْهُ: فَرَوَاهُ أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، عَنْ الثَّوْرِيِّ، عَن مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عن عائشة.

حدثناه الحسين بن إسماعيل المحاملي؛ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ موسى الأهوازي؛ قال: حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي؛ قال: حدثنا أبو أحمد، عن سفيان، بذلك.

وخالفه: وكيع، وأبو نعيم. روياه عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم: أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم... مُرْسَلاً.

قال - هداه الله-: "فانظر كيف جعل الاختلاف هنا على منصور وكيف جعل الاختلاف هناك على الثوري.. ولمن تدبر وترفق ونظر حق النظر عرف أن كلاهما صواب.. فالأول كان الكلام على روايتين للثوري اختلف عنه فيهما.. والثاني كان الكلام على طريق منصور فقط من جميع وجوهه. فتنبه وتأمل. وهذا الخلط هو الذي جعل بعض المتعلمة يتعجلون الرد والخطاب وكأنهم في حلبة مصارعة وقتال!!".

قلت: تنبهنا وتأملنا أيها (المصارع!!) فوجدنا أنك يجب أن تُعطى درجة الجهل العليا - بامتياز-!

فرحم الله امرءاً عرف قدر نفسه، ولم يقحمها في مسائل لا تعرفها حتى لا يسيء إليها، فتأتي يوم القيامة تلومه وتشتكي منه.

اعتمد هذا (المصارع) على كلمة: "واختلف عنه" أي الاختلاف عن منصور! ووالله لو بُعث الدارقطني من قبره للطم وجهه وقال: ما تحت الأرض خير لي من ظاهرها! ما لكم كيف تحكمون؟ وكيف تفترون؟ أي اختلاف على منصور أيها الرجل؟! لو كنت تحسن قراءة كتب العلل - وأنت زعمت أنك تتبعت كل كتب العلل لتبحث عن علة لهذا الحديث فلم تجد- لو كنت تحسن ذلك لما قلت ما قلت!  هذه الكلمة: "واختلف عنه" لا تعني أن الاختلاف منه أيها الجاهل الحاقد، وأنت قد نقلت طرق الحديث بعدها كما قالها الدارقطني، فأين اختلف منصور؟ إنما أراد الدارقطني أن يبين أن أبا أحمد الزبيري خالف أصحاب الثوري فرواه متصلاً، والصواب عنه أنه مرسل، وهذا الاختلاف على الثوري كما في الموضع الأول الذي نفيت أولاً أنه اختلاف على الثوري ثم أقريت هنا أنه كذلك، فتناقضت أيها (المصارع).

ومما يؤيد ذلك ما حذفه (المصارع) من كلام الدارقطني ولم ينقله لنا، وهو: "ورواه مسعر والحسن بن صالح وأبو الأحوص وزياد البكائي، عن منصور، عن إبراهيم مرسلاً. وهو الصواب".

فأنصحك بأن تدع كتب العلل وتنشغل بغيرها.

وأما قولك أيها (المصارع): "بل إن الإمام البزار لما رواه من طريق الأعمش قال: (وهذا الحديث لا يعلم له طريقاً عن
عائشة إلا هذا الطريق، وقد تابع الأعمش: الحسن بن عبدالله، عن إبراهيم). فضع تحت قوله: وقد تابع الأعمش الحسن بن عبدالله، عن إبراهيم.. ألف خط، على أني لم أقف على طريقه هذا، ويكفي أن الإمام البزار وقف عليه. وتعجل الإمام مغلطاي في تخطئته للإمام البزار لما أن عقب على كلامه: (لا يعلم له طريقاً عن عائشة إلا هذا الطريق).. فقال الإمام مغلطاي في "شرحه لسنن ابن ماجه" (1/173): فيما قاله نظر؛ لما أسلفناه عند ابن حبان، والله أعلم. أقول: بل فيما قاله الإمام مغلطاي نظر.. فإن الإمام البزار عرف أنه لا يوجد طريقٌ ثابتٌ لم يختلف فيه إلا طريق الأعمش ومن تابعه، وأنه يوجد طرق أخرى عن غير الأعمش لكنها مختلفةٌ مضطربة، فاعتراض الإمام مغلطاي بأنه يوجد طريقٌ آخر وهو طريق الأحوص عند ابن حبان وغيره اعتراض مرفوضٌ إذا عرف أن هذا السند كما سيأتي إن شاء الله خطأ. فتأمل".

قلت: تأملت فوجدتك متعصباً لفهمك القاصر!

أنت هنا خطأت مغلطاي ووافقت البزار، وأما إذا خطأنا الأعمش بأقوال أهل النقد، قلت: من هم حتى يخطأوا الأئمة؟! ما لكم كيف تحكمون.

ولو سألتك سؤالاً: من هو هذا الحسن بن عبدالله الذي تابع الأعمش على روايته ووضعنا تحته ألف خط؟ ووالله الذي رفع السماء بغير عمد ستحوص وتلوص ولن تعرفه!! ستبحث عنه في الكتب كلها ولن تجده! وأتحداك أن تخبرني من هو؟!! وأمهلك إلى ما تشاء...!!!

ذكرتني يا هذا بذاك الطالب الذي جاء إلى شيخه، فقال له: يا شيخ: ما هو الكَموج؟ فاحتار الشيخ؛ لأنه لم يسمع بهذه الكلمة في العربية! فقال الشيخ للطالب: أين قرأت هذه الكلمة؟ فقال له: في قول الشاعر: (وليلٍ كَموجِ البحر أرخى سُدوله).

فقال الشيخ: "الكَموج يا بُنيّ: دابّةٌ تمشي على الأرض، تقرأ ما لا تفهم".

من هو الحسن بن عبدالله هذا يا هذا؟

أقول لك: ظاهر كلام البزار أنه مشهور في الرواة عن إبراهيم، ولهذا ذكره، ولو لم يكن معروفاً لما قال اسمه هكذا دون نسبة! وقد تحرّف اسمه من "عبيدالله" إلى "عبدالله".

وهو الحسن بن عُبيدالله النخعي الكوفي يكنى أبا عروة. قال ابن معين: "ثقة صالح". ووثقه أبو حاتم والنسائي وغيرهما. له قريب من ثلاثين حديثاً (ت139هـ).

لم يخرّج البخاري حديثه، وأخرج له مسلم أحاديث قليلة بعضها قد توبع عليها، وبعضها لها شواهد.

قال البخاري: "لم أخرج حديث الحسن بن عبيدالله؛ لأن عامة حديثه مضطرب". وضعفه الدارقطني بالنسبة للأعمش فقال في العلل بعد أن ذكر حديثاً للحسن: "خالفه فيه الأعمش. الحسن ليس بالقوي، ولا يُقاس بالأعمش" (تهذيب التهذيب: 2/254).

قلت: فإذا كان لا يُقاس بالأعمش، والأعمش لا يقاس بمنصور، فكيف نعتمد عليه؟!

وعليه: فنطالب البزار برواية الحسن هذه! وهل لو كانت عنده أيعقل أن لا يرويها في كتابه؟ فكتابه في العلل، فلم لا يرويها؟ ولا تقل: كلامه حجة! ألا يُقال: ربما وهم في ذلك! ولن أخوض لك في شخصية البزار؛ لأني لو عرفتك أشياء لا تعرفها لربما أخرجتنا من الملة، والله المستعان!

فما ذكره البزار من حال هذه المتابعة لا يوجد حتى عنده، فكيف نعتبرها؟ وأنت ادعيت أن البزار وقف عليها، فقل لي أين؟ هذا كتابه في العلل معروف ومطبوع ونقل منه الأئمة قديماً وحديثاً، فلم ينقلوها لنا!!

وكلام مغلطاي هو الصواب، فإن فيما قاله البزار نظر! ولو أنك تعرف حقيقة كتب العلل لعرفت كيف يهم البزار في كتابه أحياناً!

وأهمس في أذنك وأقول لك: إن البزار قد وهم في قوله هذا! نعم، لن تسكت وسَترمينا بكل نقيصة! تتهم الأئمة بالأوهام!!

نعم، قد وهم؛ لأنه كان يصنّف في مصر من حفظه، وكان يستعير كتب الناس، ولهذا حَمَل عليه الإمام النسائي، والذي حصل له أنه دخل له متن في متن، فهذا الحديث يتعلق بالعشر من ذي الحجة، فدخل عليه حديث الحسن بن عبيدالله قال: سمعت إبراهيم يقول: سمعت الأسود بن يزيد يقول: قالت عائشة: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيرها». وهذا أخرجه مسلم وغيره من حديث الحسن بن عبيدالله.

وَهَب أن هذه الرواية صحيحة ورواها فعلاً الحسن بن عبيدالله – لا عبدالله كما نقلت دون فهم وتبصّر- على فرض وجود هذه الشخصية الخيالية، فلا يقدّم هو والأعمش ولو اجتمعا على منصور في إبراهيم لكلام الأئمة لا لكلامي.

ثم كيف تنسب للبزار هذا الفهم الذي قلت فيه إنه عرف أنه لا يوجد طريق ثابت لم يختلف فيه إلا طريق الأعمش ومن تابعه، وأنه يوجد طرق أخرى عن غير الأعمش لكنها مختلفة مضطربة؟

والله لو قلنا نحن هذا الكلام لسددت علينا الطريق ولرميتنا بالمنجنيق. فها نحن فهمنا من كلام الدارقطني أنه يرجح الإرسال على الوصل، فرميتنا بكل عظيمة! وقصّرت أفهامنا! أما فهمك الآن هو المستقيم!!

البزار لم يفهم هذا الفهم، بل هو يعرف أن الاختلاف بين الأعمش ومنصور، وذكر أن هناك من تابع الأعمش عليه، لا أكثر ولا أقل على حدّ تعبيرك! ثم أين نجد ما نسبته أنه وجد طرقاً عن غير الأعمش لكنها مختلفة مضطربة؟ كفاك كذباً على الأئمة! فلا يوجد طرق غير طريق الأعمش إلا طريق منصور، والاختلاف فقط في الرواة عن الثوري، فأربأ بنفسك.

ثم ختم هذا (المسيكين) كلامه بقوله: "ثم أضيف وأقول: بأن عدم وضوح وبيان سلامة طريق الأعمش - وأنه طريقٌ من طرق رواية الحديث الصحيحة المعتبرة - لدى بعض طلبة العلم، وفهمهم الخاطئ لكلام الأئمة؛ هو الذي جعلهم يتكلفون البحث في مرويات الأئمة في الأعمش ومنصور، وأيهما مقدمٌ على الآخر، بل وصل الأمر عند البعض إلى التسفيه والاتهام والتقليل من شأن بعض الأئمة الكبار الأجلاء.. وما هذا إلا من القصور في الفهم وفي العلم.. نسأل الله العافية والسلامة".

نعم، نسأل الله العافية والسلامة من أمثالك أيها الدعيّ.

وقد بينا والحمد لله من هو صاحب الفهم القاصر. وهل يا أيها (المسيكين) نحن الذين بحثنا في تقديم منصور على الأعمش؟ ألا تقرأ هذا الكلام أمامك في تقديمهم لمنصور على الأعمش، وكلامهم أمامك في أن الأعمش يخلط، ومنصور لا يخلط. وأين التسفيه والاتهام والتقليل من شأن بعض هؤلاء الكبار؟!!

وكوني قلت إن الأعمش وهم فيه وسلك الجادة، فهل هذا يعدّ من التسفيه يا سفيه؟!

إذاً عليك أن تسفه كل طالب علم تكلم عن روايات هؤلاء الكبار، وأول من نسفّهه أنت، فقد خطأت مغلطاي وهو إمام من الأئمة!

والله، إنك لا تدري ما الذي يخرج من رأسك!!

سئل الدارقطني في «العلل» (14/258) عن حديث الأسود عن عائشة: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر إحدانا إذا كانت حائضاً أن تتزر، ثم يباشرها»؟ فقال: "يرويه إبراهيم النخعي، واختلف عنه: فرواه مغيرة عن إبراهيم عن عائشة مرسلاً. وخالفه منصور فرواه عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة. وهو الصواب".

فهل نقول هنا: إن الدارقطني قد سفّه مغيرة وقلل من هذا الإمام الكبير؟ وهل الكبار لا يخطؤون؟ هل هم معصومون؟

وأنت يا (عالِم العلل!!) هلاَّ قرأت بكلتا عينيك لتبصر أوهام هؤلاء الكبار، وإن أصريت على النظر بعين واحدة أو ربعها فاعلم أنك قد جحدت نعمة ربك عليك أن جعل لك عينين، فلم تستخدمهما في رؤية الحقّ، وإنما استخدمت اللسان والشفتين في رمي عباد الله بالباطل والزور، والله حسيبك.

وانظر كيف قدّم الدارقطني رواية منصور المتصلة على رواية مغيرة المرسلة، وأما في حديثنا فقدّم - رغم أنفك- رواية منصور المرسلة على رواية الأعمش المتصلة. فعلم العلل لا يعرفه إلا الكبار بخلاف الأقزام الذين يختبؤون وراء (الكيبورد) يسبّون الناس ويشتمونهم.

قال ابن عبدالبر في «التمهيد» (19/142) (في المطلقة ثلاثاً): "وزاد بعض أهل الكوفة في الحديث عن عمر النفقة. والحديث يدور على الأعمش بأسانيد مختلفة، وكل رواية الأعمش على اختلافها في هذا الحديث فإنها تدور على إبراهيم، وقد روى منصور وهو أصح رواية من الأعمش عن إبراهيم في المطلقة ثلاثاً لها السكنى والنفقة ولا يجبر على النفقة".

ونختم يا (مسيكين) بهذا:

قال الإمام أحمد في «أبي حصين عثمان بن عاصم الكوفي»: "وكان قليل الحديث صحيح الحديث. قيل له: أيهما أصح حديثاً هو أو أبو إسحاق؟ قال: أبو حصين أصح حديثاً لقلة حديثه وكذا منصور أصح حديثاً من الأعمش لقلة حديثه". [المعرفة والتاريخ: 2/103].

فهذا كلام الأئمة النقّاد قدّموا منصوراً على الأعمش؛ لأن منصوراً قليل الحديث بالنسبة للأعمش ولهذا ضبط منصور حديثه، بخلاف الأعمش فإنه كثير الحديث، ولذلك يقع له الخلط والخطأ.

 

·       حديث آخر يدلّ على ضبط منصور وتخليط الأعمش!!

روى الأَعْمَش، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ جَرِيرِ بنِ عَبْدِاللهِ الْبَجَلِيِّ: «أَنَّهُ حِينَ بَايَعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَيُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَيُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَيَنْصَحَ الْمُسْلِمَ، وَيُفَارِقَ المُشْرِكَ».

أخرجه عبدالرزاق في "مصنفه" (6/5) (9821) عن سفيان الثوري.

ومن طريق عبدالرزاق أخرجه أحمد في "مسنده" (31/518) (19182).

وأخرجه أحمد في "مسنده" (31/500) (19163) عن مُحَمَّد بن جَعْفَرٍ، شُعْبَة.

وأخرجه النسائي في "السنن الكبرى"، البَيْعَةُ عَلَى فِرَاقِ المُشْرِكِ، (7/180)

(7750) عن بِشْر بن خَالِدٍ، ابن أبي خيثمة في "تاريخه (3/193) (4450) يَحْيَى بن مَعِيْن، كلاهما عن غُنْدَر محمد بن جعفر، عَنْ شُعْبَة.

وأخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (2/316) (2316) من طريق يَعْقُوب القُمِّيِّ، عَنْ أَبِي رِبْعِيٍّ.

وأخرجه ابن بشران في "أماليه" [الجزء الثاني] (ص: 67) (1080) من طريق خَلَف بن هِشَامٍ البَزَّار، عن أَبي شِهَابٍ الحَنَّاط.

كلهم (سفيان وشعبة وأبو ربعيّ وأبو شهاب) عَنْ سُلَيْمَانَ الأعمش، به.

وخالفهم أبو الأحوص، فزاد فيه رجلاً!

أخرجه أحمد في "مسنده" (31/561) (19238) عن يَحْيَى بن آدَمَ، عن أَبي الْأَحْوَصِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي نُخَيْلَةَ، عَنْ جَرِير بنِ عَبْدِاللهِ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُبَايِعُهُ، فَقُلْتُ: هَاتِ يَدَكَ وَاشْتَرِطْ عَلَيَّ وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِالشَّرْطِ، فَقَالَ: «أُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكَ بِاللهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَنْصَحَ الْمُسْلِمَ، وَتُفَارِقَ المُشْرِكَ».

وأخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (7/180) (7751) من طريق الحَسَن بن الرَّبِيعِ، عن أَبي الأَحْوَصِ، نحوه.

·       ضبط منصور للحديث:

قلت: فهذا الاختلاف من الأعمش نفسه، ويؤيد رواية أبي الأحوص أن منصور بن المعتمر لما رواه عن أبي وائل زاد رجلاً أيضاً، وهذا يدل على ضبطه.

أخرجه أحمد في "مسنده" (31/500) (19162) عن مُحَمَّد بن جَعْفَرٍ، عن شُعْبَة، عَنْ مَنْصُورٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ يُحَدِّثُ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ جَرِيرٍ، فذكر نحوه.

وأخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (7/181) (7752) عن مُحَمَّد بن قُدَامَة المصيصيّ.

والطبراني في "المعجم الكبير" (2/317) (2318) من طريق عَلِيّ بن المَدِينِيِّ، وإِسْحَاق بن رَاهَوَيْهِ، وعُثْمَان بن أَبِي شَيْبَةَ.

والبيهقي في "السنن الكبرى" (9/22) (17751) من طريق أَبي الرَّبِيعِ الزهراني.

كلهم عن جَرِير بن عبدالحميد، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي نُخَيْلَةَ البَجَلِيِّ، قَالَ: قَالَ جَرِير، فذكره.

وقد سئل الدارقطني في "العلل" (13/473) (3362) عن حديث أبي نخيلة، عن جرير؟ فقال: "يرويه أبو وائل، واختلف عنه: فرواه منصور، عن أبي وائل، عن أبي نخيلة، عن جرير.

واختلف عن الأعمش: فرواه أبو الأحوص، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي نخيلة، عن جرير.

وغيره يرويه عن الأعمش، عن أبي وائل، عن جرير.

وكذلك رواه عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل، عن جرير" انتهى.

·       خطأ في الجمع بين الشيوخ!

ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" (2/316) (2317) قال: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَزَّارُ، حدثنا صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، حدثنا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، حدثنا شُعْبَةُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَمَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاشْتَرَطَ عَلَيَّ «أَنْ أَعْبُدَ اللهَ لَا أَشْرَكُ بِهِ شَيْئًا وَالنُّصْحَ لِكُلِّ مُسْلِمٍ».

قلت: هذه الرواية خطأ في الجمع بين الشيوخ! فقد سبقت رواية شعبة عن الأعمش عن أبي وائل عن جرير، وكذلك رواية شعبة عن منصور عن أبي وائل عن رجل عن جرير!

فشعبة قد فصّل في كل رواية، ومن جمع بينهما فقد أخطأ! وعثمان بن عمر العبدي ثقة، وأكبر ظنّي أن الوهم في الجمع من تلميذه صالح بن محمد، وقد أخرج له ابن ماجه، ولم يُذكر بجرح ولا تعديل، وهو مجهول الحال!!

·       رواية عاصم بن أبي النّجود عن أبي وائل!

والحديث رواه عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل، وتابع فيه الأعمش!

أخرجه أحمد في "مسنده" (31/491) (19153)، و(31/503) (19165)، و(31/550) (19219)، و(31/559) (19233) عن عفّان بن مسلم، وبَهز بن أسد، ومؤمّل بن إسماعيل، وزائدة بن قدامة، كلّهم عن حَمَّاد بن سلمة، عن عَاصِم بن بَهْدَلَةَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ جَرِيرِ بنِ عَبْدِاللهِ البَجَلِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، اشْتَرِطْ عَلَيَّ. فَقَالَ: «تَعْبُدُ اللهَ وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُصَلِّي الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَنْصَحُ لِلْمُسْلِمِ، وَتَبْرَأُ مِنَ الْكَافِرِ».

وأخرجه الطبراني في " المعجم الكبير" (2/314) (2308) و(2309) من طريق عِكْرِمَة بن إِبْرَاهِيمَ وأَبي بَكْر بن عَيَّاشٍ، كلاهما عَنْ عَاصِمٍ، به.

وأخرجه أبو نُعيم في "حلية الأولياء" (8/312) عن أَبي بَكْرٍ الطَّلْحِيّ، عن مُحَمَّد بن عَبْدِاللهِ الْحَضْرَمِيّ، عن مُسْلِم بن سَلَّامٍ، عن أَبي بَكْرِ بن عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمٍ، به.

ثم قال: "ثَابِتٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ عَنْ عَاصِمٍ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَأَبَانُ بْنُ يَزِيدَ وَزَائِدَةُ".

قلت: أشرت قبل هذا أن الطبراني أخرجه في "المعجم الكبير" (2/314) قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِاللهِ الْحَضْرَمِيُّ: حدثنا مُسْلِمُ بْنُ سَلَّامْ: حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمٍ، به.

ولم يذكر بين "أبي بكر بن عياش" و"عاصم" أحداً!! وكأن ما عند أبي نعيم زيادة في إسناده "عن أبي إسحاق"!! ولا وجه لهذه الزيادة!!

وأما قول أبي نعيم بأنه صحيح ثابت إنما قصد أصل الحديث وهو كذلك كما سيأتي بيانه إن شاء الله.

وعاصم بن بهدلة هو عاصم بن أبي النجود القارئ المشهور، وهو صدوق إلا أنه سيء الحفظ في الحديث.

قال عبدالرحمن بن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (6/341) وذكر أبي عاصم بن أبي النجود، فقال: "محله عندي محل الصدق، صالح الحديث، ولم يكن بذاك الحافظ".

وقال ابن سعد: "وكان ثقة، إلا أنه كان كثير الخطأ في حديثه".

وَقَال أبو جعفر العقيلي: "لم يكن فيه إلا سوء الحفظ".

وَقَال الدَّارَقُطْنِيُّ: "في حفظه شيء".

قلت: فلا تنفع روايته لتصحيح رواية الأعمش لسببين:

الأول: أن الأعمش اختلف عليه فيه، وقد زاد أبو الأحوص في روايته عن الأعمش رجلاً، وكذا رواها منصور بن المعتمر، ومنصور أثبت في الأعمش.

الثاني: عدم ضبط عاصم لروايته بسبب سوء حفظه! ولو كان ضابطاً لزاد الرجل فيه، وزيادة مثل هذا الرجل في الإسناد يحتاج مزيد ضبط، ولهذا ضبطه منصور، واضطرب فيه الأعمش، فمرة زاده ومرة أسقطه.

والصواب ما رواه منصور عن أبي وائل عن أبي نُخيلة عن جرير البجليّ.

·       الحكم على الحديث:

·       حكم الألباني:

قال الشيخ الألباني في "إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل" (5/32) (1207): "وإسناده صحيح، وأبو نخيلة بالخاء المعجمة مصغراً، وقيل بالمهملة، وبه جزم إبراهيم الحربي وقال: "هو رجل صالح". وجزم غير واحد بصحبته كما بينه الحافظ ابن حجر في الإصابة".

·       حكم الشيخ شعيب ورفاقه:

وقال الشيخ شعيب ورفاقه أثناء تحقيقهم للمسند (31/491) هامش (1): "حديث صحيح، وهذا إسناد اختلف فيه على أبي وائل: وهو شقيق بن سلمة، فرواه عاصم- وهو ابن أبي النجود- كما في هذه الرواية، والرواية الآتية برقم (19219) و(19233) عن أبي وائل، عن جرير، به. وتابعه الأعمش- من رواية سفيان الثوري عنه- كما في الرواية (19182)، ورواية شعبة عنه كما في الرواية (19163)، وسفيان أعلم الناس بالأعمش. وخالفهما أبو الأحوص- كما في الرواية الآتية برقم (19328) فرواه عن الأعمش، عن أبي وائل، عن أبي نحيلة - أو نخيلة- عن جرير، به، فزاد في الإسناد أبا نحيلة.

وكذلك رواه منصور عن أبي وائل، من رواية شعبة عنه، كما في (19162)، ولكنه أبهمه، ومن رواية جرير بن عبد الحميد عنه، كما عند النسائي في "المجتبى" 7/148، وفي "الكبرى" (7800)، والطبراني (2318)، والدارقطني في "المؤتلف والمختلف، 4/2273، والبيهقي في "السنن" 9/13. فزاد فيه أبا نحيلة، والأكثر أنه صحابي فيما ذكر ابن ناصر الدين في "التوضيح" 9/51.

ومنصور وإن كان أتقن من الأعمش، إلا أن الأعمش أحفظ منه، وقد تابعه عاصم بن أبي النجود كما سلف، فالأشبه رواية من رواه عن أبي وائل، عن جرير، دون واسطة، وقد أدرك أبو وائل جريراً، وهو ما رجحه ابن معين في "تاريخه" 1/310 فقال: لا أحفظ فيه "أبو نخيلة"، إنما هو عن أبي وائل، عن جرير...".

قلت: فالشيخ الألباني صححه على أن أبا نخيلة صحابي، وفيه نظر!!

وأما الشيخ شعيب ومن معه فرجّحوا الرواية التي بدون زيادة عن الأعمش لمتابعة عاصم فيها! وهذا لا يجيء على أصول أهل النقد!

وإن تعجب! فعجب قولهم: "ومنصور وإن كان أتقن من الأعمش، إلا أن الأعمش أحفظ منه"!!!

ألا نحتاج عند الاختلاف إلى الاتقان؟ ولهذا قال أبو حاتم الرازي: "الأعمش حافظ يخلط ويدلس، ومنصور أتقن لا يخلط ولا يدلس"، فالاتقان مقدّم هنا. والاتقان أفضل من حفظ السرد.

قال أبو بكر ابن أبي شيبة عن يزيد بن هارون: "ما رأيت أتقن حفظاً من يزيد". قال أبو زرعة الرازي: "والاتقان أكثر من حفظ السرد". [الضعفاء لأبي زرعة الرازي في أجوبته على أسئلة البرذعي (3/956)].

بل إن أهل النقد أحياناً يحكمون لمن لم يوصف بالحفظ على من وصف بذلك إذا ضبط وأتقن حديثه.

قال ابن أبي حاتم في "علل الحديث" (2/181) وسألتُ أَبِي وَأَبَا زُرْعَةَ عَنْ حديثٍ رَوَاهُ المُعْتَمِرُ بنُ سُلَيمان، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَتادة، عَنْ أَنَسٍ؛ قَالَ: كانتْ عامَّةُ وَصِيَّةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم حِينَ حضَرَهُ الموتُ: الصَّلاَةَ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ؟.

قالَ أَبِي: "نَرَى أنَّ هَذَا خطأٌ؛ والصَّحيحُ: حديثُ هَمَّام، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَالِحٍ أَبِي الخَلِيلِ، عَنْ سَفِينة، عَنْ أُمِّ سَلَمة، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم".

وقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: "رَوَاهُ سَعِيدُ بنُ أَبِي عَروبة، فَقَالَ: عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَفِينة، عَنْ أُمِّ سَلَمة، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم".

وقالَ: "وابنُ أَبِي عَروبة أحفَظُ، وحديثُ هَمَّام أشبَهُ؛ زَادَ هَمَّامٌ رجلاً".

ثمّ إن منصور بن المعتمر لم يبهم الرجل، وقد سماه كما سماه أبو الأحوص عن الأعمش "أبا نخيلة" كما بينت في التخريج السابق. نعم في رواية شعبة رواه مبهماً، لكن في رواية غيره سماه، وقد يكون شعبة هو من أبهمه لا منصور؛ لأن شعبة كان يهم في أسماء الرجال، فلعله لم يحفظه فأبهمه، والله أعلم.

·       من هو "أبو نُخيلة"؟ وهل ثبتت صحبته؟

اختلف أهل العلم في ضبط اسمه، فقيل: "أبو نحيلة" بالحاء المهملة، وقيل: "أبو نخيلة" بالخاء المعجمة، قال علي بن المديني: "المعروف أبو نحيلة"، وقاله يحيى في رواية الغلابي "أبو نحيلة".

قال ابن ناصر الدين في "توضيح المشتبه" (9/51): "وأَشَارَ ابن المَدِينِيّ إِلَى الخلاف فِي كنيته. فَقَالَ إِسْمَاعِيل القَاضِي: قَالَ عَليّ ابْن الْمَدِينِيّ: قَالَ سُفْيَان فِي حَدِيث آخر: إِن أَبَا نحيلة كَانَت لَهُ صُحْبَة. قَالَ عَليّ: وَالْمَعْرُوف أَبُو نخيلة، يَعْنِي بِالخَاءِ الْمُعْجَمَة، وَهَكَذَا ذكره ابْن مندة فِي الصَّحَابَة، وَرَوَاهُ ابْن الْمَدِينِيّ، ويوسف بن مُوسَى الْقطَّان، عَن جرير بن عبد الحميد، عَن مَنْصُور، عَن أبي وَائِل، عَن أبي نخيلة، فَذَكَرَاهُ بِالْمُعْجَمَةِ".

وقال ابن حجر في "الإصابة" (7/339): "بمهملة مصغراً، كذا عند الدّارقطنيّ وغيره. ورأيته في نسخة معتمدة من الكنى لأبي أحمد بفتح أوله والمعجمة. وذكره عبدالغني بالتصغير والحاء المهملة، وبالمهملة جزم إبراهيم الحربي، وزاد: هو رجل صالح من بجيلة حكاه الدّارقطنيّ، عن يحيى بن معين، وعن علي بن المديني: أن سفيان بن عيينة قال: إن أبا نخيلة له صحبة، قال: وهو بالخاء المعجمة، البجلي. ذكره الطبراني وغيره. وقال ابن المدينيّ، والبخاريّ، وأبو أحمد الحاكم: له صحبة".

قلت: هكذا اختلفوا في ضبط كنيته!! واختلفوا أيضاً في صحبته!

قال البخاري في كتاب "الكنى" الملحق بالتاريخ الكبير (ص:76): "أَبُو نجيلة لَهُ صحبة، قَالَهُ ابْن مهدي عَنْ سفيان عَنِ الأعمش عَنْ شقيق".

كذا في المطبوع "نجيلة"!! وهو خطأ! فلم يذكر أحد من العلماء أنه بالجيم، وإنما اختلفوا بالحاء المهملة أو المعجمة.

والبخاري ذكر بأن له صحبة وفق ما جاء في الحديث الذي رُوي عنه، وهذا ليس جزماً بصحبته كما نقل عنه الحافظ ابن حجر.

وأخذ الإمام مسلم كلام البخاري الأول ووضعه في كتابه "الكنى والأسماء" (2/854): "أبو نحيلة له صحبة".

وجزم بعض أهل العلم بأنه تابعي ولا صحبة له.

قال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (9/449): "أبو نحيلة ليست له صحبة، روى عنه أبو وائل شقيق بن سلمة. سمعت أبي يقول ذلك".

وقال ابن حبان في "الثقات" (3/454): "أَبُو نحيلة البَجلِيّ: يُقَال إِن لَهُ صُحْبَة".

وقال العجلي في "الثقات" (2/430): "أَبُو نحيلة البَجلِيّ: كوفي، تَابِعِيّ، ثِقَة".

وقال ابن ناصر الدين في "توضيح المشتبه" (9/51): "وَالْأَكْثَر أَنه صَحَابِيّ، وَقد عدّه المُصَنّف فِي التَّجْرِيد من الصَّحَابَة، وَأَشَارَ إِلَى الخلاف فِي ذَلِك، وَمِمَّنْ ذكره فِي الصَّحَابَة ابْن مندة، وَأَبُو نعيم، وَابْن عبدالْبر، وَابْن الجَوْزِيّ وَسَماهُ بشراً، وَذكر عَليّ بن الْمَدِينِيّ أَن لَهُ رِوَايَة عَن جرير البَجلِيّ، وَقَالَ: وَكَانَت لَهُ صُحْبَة".

قلت: من أثبت صحبته إنما اعتمد على الحديث الذي رُوي عنه، وجاء في إسناده إنه رجل من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم!

ساق الدارقطني في "المؤتلف والمختلف" (4/2273) حديث عَلِيّ بن المَدِينيّ: حَدَّثَنا جرير، عن مَنْصُور، عن أبي وَائِل، عن أبي نُخَيْلَة البَجَلِي، قال: قال جرير: "أتيت النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، وهو يبايع النَّاس".

ثم قال: "وقال الثَّوْرِيّ، عن الأَعْمَش، عن أبي وَائِل، عن أبي نُحَيْلَة رجل من أصحاب النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم.

قال: حَدَّثَنا بذلك عَلِيّ بن عَبدالله بن مُبشر: حَدَّثَنا أحمد بن سنان: حَدَّثَنا عَبْدالرَّحْمن: حَدَّثَنا سُفْيان، [عن الأعمش] عن أبي وَائِل: أن أبا نُحَيْلَة رجل من أصحاب النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ رُمِيَ بِسَهْمٍ، فَقِيلَ لَهُ: ادع الله عزّ وجلّ، فَقَالَ: اللهُمَّ انْقُصْ مِنَ الْوَجَعِ، وَلَا تَنْقُصْ مِنَ الْأَجْرِ، قِيلَ لَهُ: ادْعُ الله، قَالَ: «اللهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الْمُقَرَّبِينَ، وَاجْعَلْ أُمِّي مِنَ الْحُورِ الْعِينِ».

قال: حَدَّثَنا إِسْمَاعِيل الصَّفار وحَمْزَة بن مُحمَّد، قَالا: حَدَّثَنا إِسْمَاعِيل القاضي، قال: قال عَلِيّ بن المَدِينيّ: قال سُفْيان: في حديث آخر: إن أبا نُحَيْلَة كانت له صُحْبة. قال عَلِيّ: والمعروف أبو نُخَيْلَة.

قال: حَدَّثَنا أبو بَكْر الشَّافِعي: حَدَّثَنا جَعْفر بن الأَزْهَر: حَدَّثَنا المُفَضَّل الغلابي، قال: قال يَحْيى: أبو نُحَيْلَة بجلي" انتهى كلام الدارقطني.

قلت: هكذا جاء ذكره في هذين الحديثين: أما الأول فهو حديث البيعة وهو محل البحث، والثاني حديث أنه رمي بسهم!

وهذا الحديث الثاني رواه سفيان الثوري عن الأعمش عن عن أبي وَائِل: أن أبا نُحَيْلَة رجل من أصحاب النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم.

ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" (22/378) (944) عن إِبْرَاهِيم بن هَاشِمٍ البَغَوِيُّ، عن مُحَمَّد بن أَبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيّ، عن عَبْدالرَّحْمَنِ بن مَهْدِيٍّ، عن سُفْيَان، عَنِ الْأَعْمَشِ، به.

ومن طريق الطبراني أخرجه المزي في "تهذيب الكمال" (34/342).

ورواه البخاري في "الأدب المفرد" (504) قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، به.

وقد ذكره أبو نُعيم في "معرفة الصحابة" (6/3037) قال: "أَبُو نُخَيْلَةَ الْبَجَلِيُّ لَهُ صُحْبَةٌ، حَدَّثَ عَنْهُ: أَبُو وَائِلٍ"، ثم ساق الحديث من طريق عَبْدالرَّحْمَنِ بن مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي نُخَيْلَةَ، رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ رُمِيَ بِسَهْمٍ، فَقِيلَ لَهُ: انْزِعْهُ، فَقَالَ: اللهُمَّ انْقُصْ مِنَ الْوَجَعِ، وَلَا تَنْقُصْ مِنَ الْأَجْرِ، فَقِيلَ لَهُ: ادْعُ، فَقَالَ: «اللهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الْمُقَرَّبِينَ، وَاجْعَلْ أُمِّي مِنَ الْحُورِ الْعِينِ».

وقال ابن عبدالبر في "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" (4/1765) (3200): "أَبُو نخيلة البَجَلِيّ. له صحبة. روى عنه أَبُو وائل شقيق بْن سلمة، عداده فِي الكوفيين. وقد قيل: ليست له صحبة، والأول أكثر"، وذكر له حديث الأعمش.

·       هل وهم ابن حجر؟!

قلت: فجميع أهل العلم ذكروا رواية الثوري عن الأعمش عن أبي وائل، لكن قال ابن حجر في "الإصابة" (7/339): "روى حديثه الثّوريّ، عن منصور، عن أبي وائل، عن أبي نخيلة - رجل من أصحاب النبي صلى اللَّه عليه وسلّم- أنه رمي بسهم فقيل له: انتزعه، فقال: اللَّهمّ أنقص من الوجع ولا تنقص من الأجر... ووقع لنا بعلوّ عند ابن منده، لكن قال في أوله، خرج غازياً فرمي بحجر، فقال: اللَّهمّ أنقص من الوجع ... والباقي سواء...".

وتبعه على ذلك ابن الأثير في "أسد الغابة" [ط العلمية] (6/307)!

ولم أجد رواية منصور لهذا الحديث عن أبي وائل!! والمعروف أن الثوري رواه عن الأعمش عن أبي وائل كما ساقه الدارقطني وغيره. فيُحتمل أن ابن حجر وهم في عزوه لمنصور! وما ذكره أنه عند ابن منده لا ندري هل هو من رواية الأعمش عن أبي وائل أم منصور عن أبي وائل!! فإن المطبوع من كتاب ابن منده في الصحابة لا توجد به ترجمة أبي خميلة، وكأنها ساقطة؛ لأن النسخة المطبوعة ليست كاملة وفيها الكثير من السقط.

ويمكن فهم كلام ابن حجر بما عند ابن منده أنه يقصد حديثه هذا لا الطريق نفسها! والذي أراه أن ابن حجر قد وهم في نسبة هذا الحديث لمنصور؛ لأنه لا يُعرف إلا من طريق الثوري عن الأعمش عن أبي وائل عن أبي خميلة!

وأبو خميلة هذا لا يُعرف اسمه.

قال عبدالله بن أحمد في "العلل" (3/279): قيل لَهُ - أي لأبيه- أَبُو نخيلة مَا اسْمه؟ قَالَ: "لَا أَدْرِي".

·       جهالة حال أبي نخيلة! ونكارة حديثه وشذوذه!!

والخلاصة أن صحبة أبي نخيلة لم تأت إلا في إسناد الأعمش هذا! ولا تصح لأنه بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم "جرير البجلي" كما في حديث البيعة. والنص بأنه "رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم" كأنه وهم من الأعمش! وهو قد حدّث بحديث البيعة مرة فلم يذكره، وذكره في الحديث الثاني وجعله من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم! وفيه نظر شديد!!

وهو رجلٌ مجهول الحال! وحديثه مرسل في القلب منه شيء! ففيه أنه دعا «اللهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الْمُقَرَّبِينَ، وَاجْعَلْ أُمِّي مِنَ الحُورِ العِينِ»!! أما الشقّ الأول من الدعاء فلا بأس به، وأما الشق الثاني ففيه نكارة!! كيف يدعو أن تكون أمّه من الحور العين؟! فالحور العين خلق يختلف عن البشر، ولا يعجزه سبحانه أن يجعل أي امرأة مثل الحور العين، لكن الدعاء بذلك فيه نكارة!! والله عزّ وجلّ يجعل الصالحات من نساء الدنيا يفقن الحور العين.

·       بيان ما في كلام الشيخ شعيب ورفاقه من خلل!

وأما ما قاله الشيخ شعيب ورفاقه: "فالأشبه رواية من رواه عن أبي وائل، عن جرير، دون واسطة، وقد أدرك أبو وائل جريراً، وهو ما رجحه ابن معين في "تاريخه" 1/310 فقال: لا أحفظ فيه "أبو نخيلة"، إنما هو عن أبي وائل، عن جرير..."!! ففيه نظر وبُعد فهم!!

قال عبّاس الدوري: (3/575) (2814) - سَأَلت يحيى عَن حَدِيث حسن بن الرّبيع عَن أَبي الْأَحْوَص عَن الْأَعْمَش عَن أَبي وَائِل عَن أَبي نخيلَة: قَالَ قَالَ جرير: "أتيت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أُبَايِعهُ فَقَالَ هَات يدك فَاشْترط علي"؟

فَقَالَ يحيى: "لا أحفظ فِيهِ أَبُو نخيلَة، إِنَّمَا هُوَ عَن أَبي وَائِل عَن جرير"، قلت ليحيى: من أَبُو نخيلَة هَذَا؟ قالَ: "لا أعرفهُ".

[جاء في المطبوع: أبو جميلة! وهو خطأ].

قلت: فابن معين إنما قال بأنه لا يحفظ ذكر "أبي نخيلة" في حديث الأعمش في البيعة؛ لأنه هو - ابن معين- رواه - كما تقدّم في التخريج - عن غُنْدَر محمد بن جعفر، عَنْ شُعْبَة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن جرير.

فرجّح ابن معين ما يحفظه من روايته لهذا الحديث، لكن أبو الأحوص أثبت ذلك وهو ثابت في رواية منصور كما تقدّم. وليس مقصود ابن معين إثبات إدراك أبي وائل لجرير كما فهم الشيخ ورفاقه!

وأبو وائل شقيق بن سلمة قد أدرك الجاهلية وسمع من بعض الصحابة، ولا شك بأنه أدرك جرير البجلي، لكن لا يُعرف لأبي وائل سماع من جرير! والصواب أن بينهما "أبو نخيلة" كما ضبطه منصور بن المعتمر وفي رواية أبي الأحوص عن الأعمش.

·       شذوذ لفظة «وَتُفَارِقَ المُشْرِكَ» في حديث جرير!

وحديث بيعة جرير للنبي صلى الله عليه وسلم مشهور ومعروف، ومن أجل ذلك قال أبو نعيم – كما سبق – "صحيح ثابت"، وهو كذلك، لكن لا يوجد لفظ: «وَتُفَارِقَ المُشْرِكَ»! إلا في رواية أبي وائل هذه!

والحديث رَوَاهُ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ، وَأَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، وَزِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ، وقَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، كلهم عن جرير، ولم يذكر أحدٌ منهم هذه اللفظة!

أخرجه البخاري في "صحيحه" (3/72) (2157) من حديث قَيْسٍ، قال: سَمِعْتُ جَرِيرًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: «بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ».

وأخرجه أيضاً (3/189) (2714) من حديث زِيَادِ بْنِ عِلاَقَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاشْتَرَطَ عَلَيَّ: «وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ».

وأخرجه (9/77) (7204) من حديث الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ، قَالَ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَلَقَّنَنِي: «فِيمَا اسْتَطَعْتُ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ».

والحديث مشهور وثابت في كثير من المصنفات، ولا يوجد فيه هذه اللفظة «وَتُفَارِقَ المُشْرِكَ»! فهي لفظة شاذة!! تفرد بذكرها "أبو نخيلة"، وهو مجهول الحال!!

 

·       من فوائد البحث:

1- حديث الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ» حديث معلول لا يصح. وهم فيه الأعمش.

والصواب: ما رواه منصور بن المعتمر، عن إبراهيم قال: حُدثّتُ: «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصم العشر قط».

2- إذا اختلف منصور والأعمش في حديث، فيقدّم منصور مطلقاً.

3- وكيع بن الجراح من كبار الثقات لكن أقواله في علم الرجال لا يؤخذ بها! وخاصة إذا خالف النقّاد رأيه.

4- كلام أهل النقد في العلل يحتاج لفهم دقيق، ومِراس شديد.

5- قد تتحرف بعض الأسماء أو تتصحف فلا يتنبه لها طلبة العلم، فيقعون في الأوهام نتيجة ذلك!

6- حديث الأَعْمَش، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ جَرِيرِ بنِ عَبْدِاللهِ الْبَجَلِيِّ: «أَنَّهُ حِينَ بَايَعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَيُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَيُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَيَنْصَحَ الْمُسْلِمَ، وَيُفَارِقَ المُشْرِكَ»، معلول!

والصواب: ما رواه مَنْصُور، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي نُخَيْلَةَ البَجَلِيِّ، عن جَرِير.

7- أبو نُخيلة، بالخاء، أو: أبو نُحيلة، بالحاء، لا تصح له صحبة، وهو تابعي مجهول الحال، وحديثه شاذ!

8- حديث بيعة جرير للنبي صلى الله عليه وسلم مشهور ومعروف، رَوَاهُ عنه: عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ، وَأَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، وَزِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ، وقَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، كلهم عن جرير: «بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ».

ولم يذكر أحدٌ منهم هذه اللفظة: «وَتُفَارِقَ المُشْرِكَ»! وهي لفظة شاذة، ولا توجد إلا في رواية أبي نخيلة عن جرير!

وغيرها من الفوائد الدقيقة المنثورة داخل البحث.

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

وكتب: خالد الحايك

 

دُورُ الحديث
تحقيق التراث
فوائد حديثية
المناهج والنقد
مصطلح الحديث
علوم الرّجال
علل الأحاديث
فقه الحديث
المغازي والسّير
المدارس الحديثية
أسئلة وأجوبة
السرقات العلمية
متفرقات
علوم أخرى
 
   
   الاسم
  البريد الإلكتروني
البلد
  التعليق*:

 
     
 
 
 
 
     
       
         
 
الصوتيات والمرئيات  |   الكتب  |   البحوث   |   المخطوطات   |    المجلة   |    الأرشيف
جميع الحقوق محفوظة لدار الحديث الضيائية