الصفحة الرئيسية         الكتب           البحوث           المخطوطات          المجلة            راسلنا          الضيائية
 
 
 

«تنزيل النصوص على الواقع وتكييف الواقع لمطابقة النصوص»(4)

أحاديث «الجيوش» التاريخية وتحققاتها الواقعية!


                                                                 الدكتور خالد الحايك*

 

في خضم الأحداث المتسارعة في بلاد المسلمين والخلافات الشديدة بين الجماعات المتكاثرة، يستحضر كثيرٌ من النّاس الأحاديث التي جاء فيها ذكر «الجيوش» التي ستكون في آخر الزمان للتدليل على الواقع المُعاش!، ولعل الاهتمام بإعادة النظر في موضوعة الجيوش في التراث الإسلامي عموماً والأحاديث النبوية يعبر عن إدراك معاصر لدور الجيش والمؤسسات العسكرية في إدارة الدول والمجتمعات، وعلى الرغم من الاختلاف بين مفهوم الجيوش في التراث التقليدي الإنساني عموماً والمجال التداولي الإسلامي خصوصاً إلا أن تشوش الحقل الدلالي أفضى إلى التباس شديد وسوء فهم في مجالات النظر والعمل، ولا شك أن السلك الناظم لمفهوم الجيش التقليدي والحداثي هو مفهوم القوة، بحيث باتت الجيوش أحد أبرز مظاهر القوة المادية وأحد أهم مؤسسات الدولة الحديثة التي تقوم على مبدأ احتكار العنف.

ويبدو أن دخول العالم العربي حالة من عدم الاستقرار منذ بروز ما أطلق عليه "الربيع العربي"، وشيوع نزعة عسكرة الثورات، أدى إلى ربيع الجماعات الجهادية المسلحة، والتي دخلت في حالة من التنافس على شرعية تمثيل الإسلام وركن الجهاد، واستخدام الأحاديث النبوية التي تنطوي على ذكر الجيوش ودورها في إدارة الصراع، وخصوصاً تلك الأحاديث التي تختص بذكر جيوش بقعة مكانية محددة، أو ارتباطها بشخوص معينة، أو ظهورها في فترة زمانية مبيّنة، وقد عمد بعض الناس والحركات إلى انتزاع تلك الأحاديث التي لم تثبت صحتها وتنزيلها على وقائع وأحداث معاصرة طلباً لإسباغ الشرعية والمشروعية على بعض الفئات والجماعات واستجلاب المزيد من الدعم والتأييد ورفع الهمم، دون التحقق من صحة الأحاديث النبوية الشريفة المتعلقة بالجيوش أولاً، ودون الإكتراث بصواب تنزيلها على المجريات والأحداث والنوازل الآنيّة المعاصرة، ومن أشهر الجيوش الواردة في الأحاديث النبوية:

1 - جُند الشام، وجند العراق، وجند اليمن.

2 - جيش عدن أبين.

3 - الجيش الذي يخرج من المدينة إلى دابق أو الأعماق.

4 - جيش السّفياني.

5 -  جيش غزو الهند.

6 -  جيش المغرب لفتح رومية.

وهذه الأحاديث اشتهرت وانتشرت وصارت كلّ فئة تظنّ أنها هي المقصودة فيها، بل إن بعض الجماعات صارت تجمع الناس حتى تطابق العدد الذي جاء في بعض الأحاديث!!

فحديث جيش «عدن أبين» خاض فيه كثير من الناس في تحقق ما نُسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأن خروج هؤلاء هو الذي سيحرر القدس وهو يمهد لظهور المهدي! وصار هذا الحديث مُسلمة عند بعضهم وخاصة لتصحيح بعض أهل العلم له!

والحديث رواه وهْب بن مُنبِّه عنِ ابن عَبَّاسٍ قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «يَخْرُجُ من عَدَنِ أَبْيَنَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفاً يَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، هُمْ خَيْرُ من بيني وَبَيْنَهُم».

وهذا الحديث معلول لا يصح كما فصّلته في بحثي: «السَّننُ الأَبين» في حكم حديث: «يَخْرُج من عَدَنِ أَبْيَنَ»، فلا يجوز الاحتجاج به ومحاولة إسقاطه على واقع معين، أو محاولة إيجاد هذا الواقع لينطبق عليه!!

ومما اشتهر أيضاً وأسقطه الناس على الواقع الذي نعيشه: حديث الأجناد الثلاثة الذي يُروى عن عَبْداللّه بن حَوَالَةَ الْأَزْدِيّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتُجَنِّدُونَ أَجْنَادًا فَجُنْدًا بِالشَّامِ وَجُنْدًا بِالْعِرَاقِ, وَجُنْدًا بِالْيَمَنِ» فَقَالَ ابن حوالة: يَا رَسُولَ اللَّهِ خِرْ لِي, قَالَ: «عَلَيْكَ بِالشَّام».

وهذا الحديث مضطرب لا يصح! وقد فصّلت ذلك في بحثي: (القولُ الحسن حول حديث: «إِنَّكُمْ سَتُجَنِّدُونَ أَجْنَادًا فَجُنْدًا بِالشَّامِ، وَجُنْدًا بِالعِرَاقِ، وَجُنْدًا بِاليَمَن»).

فهذا الحديث لا ينطبق على الواقع! ففي الشام واليمن جماعات مختلفة، فعلى أيها ينطبق هذا الحديث لو صحّ! وأين بقية الأجناد في بلدان أخرى!

والحديث يحاكي الواقع الذي كان في زمن الصحابة حيث كانت الجيوش الإسلامية في فترة من زمانهم في اليمن والشام والعراق، وهذا يُرجّح إرسال الحديث؛ لأن الإرسال عادة ما كان يأتي لمحاكاة واقع معين أو وضع معين أو حال ما.

وكذلك الجيش الذي يخرج من المدينة إلى دابق أو الأعماق، وهو ما رواه الإمام مسلم في «صحيحه» من حديث سُهَيْل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللّه صلى الله عليه وسلم،  قال: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالْأَعْمَاقِ أو بِدَابِقٍ فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ من الْمَدِينَةِ من خِيَارِ أَهْلِ الأرض يَوْمَئِذٍ فإذا تَصَافُّوا قالت الرُّومُ خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوْا مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ فيقول الْمُسْلِمُونَ لَا والله لَا نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا فَيُقَاتِلُونَهُمْ فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ لَا يَتُوبُ الله عليهم أَبَدًا وَيُقْتَلُ ثُلُثُهُمْ أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللَّهِ وَيَفْتَتِحُ الثُّلُثُ لَا يُفْتَنُونَ أَبَدًا فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْغَنَائِمَ قد عَلَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ إِذْ صَاحَ فِيهِمْ الشَّيْطَانُ إِنَّ الْمَسِيحَ قد خَلَفَكُمْ في أَهْلِيكُمْ فَيَخْرُجُونَ وَذَلِكَ بَاطِلٌ فإذا جاؤوا الشام خَرَجَ فَبَيْنَمَا هُمْ يُعِدُّونَ لِلْقِتَالِ يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ إِذْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَيَنْزِلُ عِيسَى بن مَرْيَمَ  صلى الله عليه وسلم  فَأَمَّهُمْ فإذا رَآهُ عَدُوُّ اللَّهِ ذَابَ كما يَذُوبُ الملْحُ في الماءِ فَلَوْ تَرَكَهُ لَانْذَابَ حتى يَهْلِكَ وَلَكِنْ يَقْتُلُهُ الله بيده فَيُرِيهِمْ دَمَهُ في حَرْبَتِه».

وهذا الحديث أيضاً ضعيف كما بينته في بحثي: «المَورد العذب الرائق» في حديث «الأَعماق ودابِق».

وذكر دابق والأعماق إنما اشتهر لأنهما كانتا نقطتا رباط، فيهما تجتمع الجيوش لمحاربة الروم؛ لأن الروم كانت تحيط بالشام من كل ناحية.

وقد اغتر كثير من أهل العلم وخاصة المعاصرين في خضم الأحداث المتسارعة وأسقطوا هذا الحديث على ما يحدث الآن، وذهب بعضهم أن هذا الحديث ينطبق على ما يُسمى بـ «هرمجدّون»! وقد جاء في سفر الرؤيا في الإصحاح السادس عشر: "وجمعت جيوش العالم كلها في مكان يُدعى هرمجدّون".

و«جيش السُّفياني» جاء فيه أحاديث كثيرة، لكن كلها منكرة لا تصح!! وقد فصّلت فيها في بحثي: «تحقيقُ الأماني» لمن سأل عن أحاديث «السُّفياني».

وكان لأحاديث السفياني أثر كبير في ظهور بعض الفتن والقتل للنزاع السياسي بين الأمويين والعباسيين!

وقد ظهر بعض من ادّعى أنه السفياني الوارد في الأحاديث، لكنها - مع نكارتها وكذبها - لم تنطبق على بعضهم! وفي بعضها يقترن ظهور السفياني بظهور المهدي وهذا سبب توقع كثير من الناس الإيمان به!! لكن أحاديث ذلك مكذوبة باطلة!

وقيل إن خالد بن يَزِيدَ بن معاوية بن أبي سفيان هو الَّذي وَضَعَ حَدِيثَ السُّفْيَانِيِّ! وأول من ادّعى أنه السفياني هو: عَلِيُّ بنُ عَبْدِاللَّهِ بنِ خَالِدِ بنِ يَزِيدَ بنِ مُعَاوِيَةَ سنة خمس وتسعين ومائة، وكان بعض الناس أفسدوه ليخرج ويدّعي ذلك وهو في التسعين من عمره!

وفي زماننا ينتظر كثير من النّاس ظهور هذا السفياني الوارد في تلك الأحاديث!!

وقد أورد نُعيم بن حماد في كتابه «الفتن» أحاديث عن جيش يغزو الهند، وجيش يخرج من المغرب لفتح رومية، وكلّ هذه الأحاديث من رواية كعب الأحبار وغيره من الإسرائيليات، وهي منكرة لا تصحّ!

فكلّ ما جاء في الجيوش في المدن والبلاد لا تصح، إلا ما جاء في أَوَّل جَيْشٍ من المسلمين غزوا البحر وكانت أم حرام بنت ملحان معهم، وكذلك الجَيْش الذي غزا مَدِينَة قَيْصَرَ، وقال عنهم النبي صلى الله عليهم وسلم: «مَغْفُورٌ لهم».

وتضعيفنا لهذه الأحاديث لا يدلّ بحال على إهمال الجانب العسكري الذي يحفظ به الدّين، بل إنّ إقامة الشرع لا بدّ له من سيف يحميه، وإنما الاعتراض على استحضار مثل تلك الأحاديث على تصحيح آراء جماعة معينة أو احتكارها لواقع ما!

فالأمة الإسلامية عبر التاريخ كان لها الجيوش في أماكن سلطانها تدافع بها عن الدّين ونشره ومحاربة أعدائه.


20/4/2015م

* دكتور في الحديث وباحث في شؤون الجماعات الإسلامية

 

دُورُ الحديث
تحقيق التراث
فوائد حديثية
المناهج والنقد
مصطلح الحديث
علوم الرّجال
علل الأحاديث
فقه الحديث
المغازي والسّير
المدارس الحديثية
أسئلة وأجوبة
السرقات العلمية
متفرقات
علوم أخرى
 
   
   الاسم
  البريد الإلكتروني
البلد
  التعليق*:

 
     
 
 
 
 
     
       
         
 
الصوتيات والمرئيات  |   الكتب  |   البحوث   |   المخطوطات   |    المجلة   |    الأرشيف
جميع الحقوق محفوظة لدار الحديث الضيائية