الصفحة الرئيسية         الكتب           البحوث           المخطوطات          المجلة            راسلنا          الضيائية
 
 
 

«المَورد العذب الرائق» في حديث «الأَعماق ودابِق»!

 


 بقلم: خالد الحايك

·       تخريج الحديث:

روى الإمام مسلمٌ في «صحيحه» (4/2221) قال: حدثني زُهيْرُ بن حَرْبٍ، قال: حدثنا مُعَلَّى بن مَنْصُورٍ، قال: حدثنا سُلَيْمَانُ بن بِلَالٍ، قال: حدثنا سُهَيْلٌ، عن أبيه، عن أبي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالأَعْمَاقِ أو بِدَابِقٍ، فيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ من المَدِينَةِ من خِيَارِ أَهْلِ الأرض يَوْمَئِذٍ، فإذا تَصَافُّوا، قالت الرُّومُ: (خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوْا مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ)! فيقول الْمُسْلِمُونَ: (لا والله، لَا نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا)، فَيُقَاتِلُونَهُمْ فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ لا يَتُوبُ الله عليهم أَبَدًا، وَيُقْتَلُ ثُلُثُهُمْ أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللَّهِ، وَيَفْتَتِحُ الثُّلُثُ، لَا يُفْتَنُونَ أَبَدًا، فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْغَنَائِمَ قد عَلَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ إِذْ صَاحَ فِيهِمْ الشَّيْطَانُ: (إِنَّ الْمَسِيحَ قد خَلَفَكُمْ في أَهْلِيكُمْ)! فَيَخْرُجُونَ وَذَلِكَ بَاطِلٌ، فإذا جاؤوا الشام خَرَجَ فَبَيْنَمَا هُمْ يُعِدُّونَ لِلْقِتَالِ يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ إِذْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَيَنْزِلُ عِيسَى بن مَرْيَمَ صلى الله عليه وسلم فَأَمَّهُمْ، فإذا رَآهُ عَدُوُّ اللَّهِ ذَابَ كما يَذُوبُ الْمِلْحُ في الْمَاءِ، فَلَوْ تَرَكَهُ لانْذَابَ حتى يَهْلِكَ، وَلَكِنْ يَقْتُلُهُ الله بيده فَيُرِيهِمْ دَمَهُ في حَرْبَتِهِ».

وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» في باب (ذكر ذوبان الدجال عند رؤيته عيسى بن مريم قبل قتله إياه) (15/224) عن محمد بن أحمد بن أبي عون، عن أبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبيّ، عن معلى بن منصور الرازي، به.

ورواه أبو عمرو الداني في «السنن الواردة في الفتن» (6/1114) من طريق الإمام مسلم، ثم رواه من طريق عبيدالله بن محمد العمري، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثني أخي، عن سليمان بن بلال، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: «لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق»، "وذكر الحديث إلى آخره موقوفاً على أبي هريرة، ولم يرفعه".

قلت: نصّ الداني هنا على أن معلّى قد خولف فيه، خالفه أبو بكر عبدالحميد بن أبي أويس فرواه عن بلال بن سليمان عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة موقوفاً.

لكن وقع عند الحاكم في «المستدرك» (4/529) مرفوعاً!

رواه من طريق الحسن بن علي بن زياد السُّرِّي الطاحونيّ الرازي، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثني أخي، عن سليمان بن بلال، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق...».

قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه".

قلت: هو في مسلم أصلاً – كما سبق-.

وقد أشار ابن حجر في «إتحاف المهرة» (14/576) إلى أن أبا عوانة أخرجه في «مسنده» كذلك من طريق الإمام الذهلي. قال: حدثنا محمد بن يحيى – هو الذهلي-، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قالك حدثني أخي، قال: حدثنا سليمان بن بلال، قال: حدثنا سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة به.

ثمّ إن من أوقفه – وهو: عبيدالله العمري- قد اتّهمه النسائي عدا عن مخالفته لمن هو أوثق منه.

قال الحافظ الذهبي في «الميزان» (3/15): "عبيدالله بن محمد بن عبدالعزيز العمري: من شيوخ الطبراني. يروي عن طبقة إسماعيل بن أبي أويس. رماه النسائي بالكذب".

وكذلك فإن مُعلى قد توبع على رفعه: تابعه أبو بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، به. أخرجه أبو نعيم الحداد في «جامع الصحيحين بحذف المعاد والطرق».

فالمحفوظ في هذه الرواية: الرفع.

·       حالُ سهيل بن أبي صالح راوي الحديث:

وعموماً، فقد تفرّد بها سهيل بن أبي صالح عن أبيه، عن أبي هريرة! ولا يُعرف هذا الحديث عن أبي هريرة إلا من هذا الطريق.

وسهيل يتفرد عن أبيه عن أبي هريرة بأحاديث لا يتابعه أحد عليها، وقد تجنّب الإمام البخاري الاعتماد عليه، وروى له في المتابعات والشواهد، بخلاف الإمام مسلم الذي روى له في الأصول، وروى له في الشواهد أيضاً.

وسهيل من أهل الثقة وكان من كبار الحفاظ إلا أنه تغيّر فصار يُخطئ ويهم بسبب أنه كان له أخ فمات فحزن عليه فأصابته آفة، فخفّ حفظه وضبطه.

قال البخاري: سمعت علياً يقول: "كان قد مات له أخ فوجد عليه فنسي كثيراً من حديثه". قال الحاكم: "قد يجد المتبحر في الصنعة ما ذكره عليّ".

قال عبّاس الدوري عن يحيى بن معين قال: "سهيل والعلاء بن عبدالرحمن حديثهما قريب من السواء، وليس حديثهما بحجة".

وروى أحمد بن زهير بن أبي خيثمة عن يحيى بن معين قال: "لم يزل أصحاب الحديث يتقون حديثه". وقال مرة: "ضعيف"، ومرة: "ليس بذاك".

وقال ابن طهمان في «سؤالاته»: قيل ليَحيَى: يكون عُمَارَة بن القَعقَاع، عن أَبيه، يقارب سُهَيلاً عن أَبيه؟ فقال: "كيف لسُهَيل يكون مثله؟!" قيل له: أيما أحبُّ إليك، قَتادة عن الحَسَن، عن سَمُرَة، أَو سُهَيل عن أَبيه، عن أَبي هُريرة؟ فقال: "الحَسَن لم يَسمع من سَمُرَة، وكلاهما ليس بشيءٍ، لو كان الحَسَن سَمِعَ من سَمُرَة كان أحبَّ إِلَي".

وذكر العقيلي عن يحيى أنه قال: "هو صويلح، وفيه لين".

وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة، سهيل أحبّ إليك أو العلاء؟ فقال: "سهيل أثبت وأشهر".

وقال أبو حاتم: "يُكتب حديثه، ولا يُحتج به، وهو أحبّ إليَّ من العلاء ومن عمرو بن أبي عمرو".

وقال النسائي وغيره: "ليس به بأس".

قال أبو عبدالرحمن السلمي: سألت الدارقطني، لم ترك البخاري سهيلاً في الصحيح؟ فقال: "لا أعرف له فيه عذراً، فقد كان النسائي إذا حدث بحديث لسهيل قال: سهيل والله خير من أبي اليمان ويحيى بن بكير وغيرهما. وكتاب البخاري من هؤلاء ملآن وخرج لفليح بن سليمان ولا أعرف له وجهاً".

وقال الحاكم في باب من عِيب على مسلم إخراج حديثه: "سهيل أحد أركان الحديث وقد أكثر مسلم الرواية عنه في الأصول والشواهد، إلا أن غالبها في الشواهد".

قال ابن حجر: "وقد روى عنه مالك وهو الحكم في شيوخ أهل المدينة الناقد لهم، ثم قيل في حديثه بالعراق أنه نسيى الكثير منه وساء حفظه في آخر عمره".

قلت: قيل إن مالكاً إنما أخذ عنه قبل التغير.

وقال أبو الفتح الأزدي: "صدوق إلا أنه أصابه برسام في آخر عمره فذهب بعض حديثه".

وقد استغرب له أهل النقد بعض الأحاديث!

قال الذهبي في «السّير» (5/459): "ومن غرائب سهيل عن أبيه عن أبي هريرة حديث: (من قتل وزغاً في أول ضربة)، وحديث: (فرخ الزنى لا يدخل الجنة)".

وروى عبدالعزيز بن محمد عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد).

قال عبدالعزيز: فذكرت ذلك لسهيل، فقال: أخبرني ربيعة - وهو عندي ثقة - إنني حدثته إياه، ولا أحفظه. ثم قال عبدالعزيز: "وقد كان أصاب سهيلاً علة أضرت ببعض حفظه ونسي بعض حديثه"، فكان سهيل بعد يحدِّث به عن ربيعة عنه عن أبيه.

وذكر ابن عدي في ترجمته من «الكامل» (3/447) "عن عباس الدوري قال يحيى: سهيل حديثه قريب من السواء حديثه ليس بحجة أو قريب من هذا وليس بالقوي في الحديث، وحديث سهيل عن أبيه عن عمر: لأعطين الراية. قال يحيى: إنما هو عن أبي هريرة موقوف".

ثم ذكر له حديثه عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (منعت العراق قفيزها ودرهمها ومنعت الشام مدها ودينارها ومنعت مصر أردبها وعدتم من حيث بدأتم. قلت أشهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه).

قال ابن عدي: "وهذا الحديث لا يُعرف إلا بسهيل عن أبيه عن أبي هريرة، ولا أعلم رواه عن سهل إلا رجلين زهير بن معاوية هذا الذي ذكرته وعياش بن عباس القتباني".

ثم ذكر حديثه عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قتل وزغاً في أول ضربة كان له كذا وكذا من حسنة، وفي الثانية دون ذلك، وفي الثالثة دون ذلك).

وحديثه عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فرخ الزنى لا يدخل الجنة).

قال ابن عدي: "وهذا أيضاً يُعرف بسهيل".

قلت: حديث أجر قتل الوزغ رواه مسلم أيضاً في «صحيحه» بعد حديث الأمر بقتل الوزغ عن جماعة عن سُهَيْلٍ، عن أبيه، عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «من قَتَلَ وَزَغَةً في أَوَّلِ ضَرْبَةٍ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً، وَمَنْ قَتَلَهَا في الضَّرْبَةِ الثَّانِيَةِ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً لِدُونِ الْأُولَى، وَإِنْ قَتَلَهَا في الضَّرْبَةِ الثَّالِثَةِ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً لِدُونِ الثَّانِيَةِ».

ثم رواه عن إسماعيل بن زكريا عن سُهَيْلٍ، قال: حَدَّثَتْنِي أُخْتِي، عن أبي هُرَيْرَة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال: «في أَوَّلِ ضَرْبَةٍ سَبْعِينَ حَسَنَةً». وفي بعض النسخ: "حدثني أخي عن أبي هريرة".

قال البزار: "وهذَا الحديثُ لاَ نَعْلَمْهُ يُرْوَى عَنْ أَبِي هريرة رضي الله عنه, إلا من حديث سهيل عن أبيه عن أبي هريرة".

·       غرائب حديث سهيل بن أبي صالح:

ومن غرائب حديثه أيضاً «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا».

وقد رواه مسلم (2/701) قال: حدثنا قُتَيْبَةُ بن سَعِيدٍ، قال: حدثنا يَعْقُوبُ - وهو بن عبدالرحمن القارىء - عن سُهَيْلٍ، عن أبيه، عن أبي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتى يَكْثُرَ المَالُ ويَفِيضَ حتى يَخْرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِهِ فلا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهَا منه، وحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا».

رواه أحمد في «مسنده» (2/417) عن قُتَيْبَة بن سَعِيدٍ، به، وزاد: «وحَتَّى يَكْثُرَ الْهَرْجُ. قالوا: وما الْهَرْجُ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قال: القَتْلُ القَتْلُ».

وهذه الزيادة رواها مسلم في موضع آخر بحديث منفصل (4/2215) عن قُتيبة بهذا الإسناد.

وأخرجه ابن حبان في «صحيحه»، باب( ذكر الإخبار عن كون العمران وكثرة الأنهار في أراضي العرب) (15/93) برقم (6700) عن محمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف، عن قتيبة بن سعيد، مقتصراً على لفظ: «لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج، وحتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً».

ورواه أبو نُعيم في «الحلية» (7/141) عن عبدالله بن جعفر بن أحمد، عن إسماعيل بن عبدالله، عن الحسين بن جعفر، قال: حدثنا سفيان الثوري، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة - لا أعلمه إلا قد رفعه – قال: «لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً».

قال أبو نُعيم: "غريب من حديث سهيل! رواه عن الثوري غير واحد".

ورواه الحاكم في «المستدرك» (4/524) من طريق الحسين بن حفص، عن سفيان، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه - قال سفيان: لا أعلم إلا قد رفعه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً».

قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه".

ورواه أحمد أيضاً في «مسنده» (2/370) عن إِسْمَاعِيل بن زَكَرِيَّا، عن سُهَيْلٍ، عن أبيه، عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجاً وَأَنْهَاراً، وَحَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ بين العِرَاقِ وَمَكَّةَ لا يَخَافُ إلا ضَلاَلَ الطَّرِيقِ، وَحَتَّى يَكْثُرَ الهَرْجُ. قالوا: وما الهَرْجُ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قال: القَتْلُ».

قلت: هذا الحديث الذي رُوي عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قد رُوي بعض ألفاظه من طرق أخرى صحيحة عن أبي هريرة، كلفظ: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتى يَكْثُرَ الهَرْجُ وهو الْقَتْلُ، وَحَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمْ المَالُ فَيَفِيضَ حتى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ من يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ وَحَتَّى يَعْرِضَهُ فَيَقُولَ الذي يَعْرِضُهُ عليه لَا أَرَبَ لي بِهِ».

وأما لفظ: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجاً وَأَنْهَاراً، وَحَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ بين العِرَاقِ وَمَكَّةَ لا يَخَافُ إلا ضَلاَلَ الطَّرِيقِ»، فقد تفرّد به سهيل بن أبي صالح، ولم يروه عن أبي هريرة أحد من أصحابه كالأعرج وحميد بن عبدالرحمن وسعيد المقبري وغيرهم ممن رووا الألفاظ الأخرى في كثرة الهرج وكثرة المال، وهي مشهورة في الصحيحين وغيرهما، فكيف يتفرد ببعض الألفاظ سهيل عن أبيه عن أبي هريرة، وهي في السياق نفسه!

والملاحظ أنه يتفرد بهذه الأحاديث فيما يتعلق بحدوث أشياء قبل قيام الساعة.

ومنها أيضاً: ما رواه الإمام أحمد في «مسنده» (2/262) عن أبي كاملٍ وعفّان، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن سُهَيْل بن أبي صَالِحٍ، عن أبيه، عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتى يُمْطَرَ الناس مَطَراً لاَ تُكِنُّ منه بُيُوتُ الْمَدَرِ وَلاَ تُكِنُّ منه إلا بُيُوتُ الشَّعَرِ».

ورواه ابن حبان في «صحيحه»، باب (ذكر الإخبار عن المطر الشديد الذي يكون في آخر الزمان الذي يتعذر الكن منه في البيوت)، (15/173) برقم (6770) من طريق بسام بن يزيد النقال، عن حماد بن سلمة، به.

ورواه نُعيم بن حماد في كتاب «الفتن» (2/646) عن الدراوردي عن سهيل بن أبي صالح، به.

وزاد فيه: "قال سهيل: فما فارق أبي بيت شعر حتى لقي الله تعالى".

ومعنى الحديث: أن بيوت المدر لا تستر منه شيئاً، فلا تمنع من نزوله، ولا ينزل من بيوت الشعر، وهذا خلاف المعروف بأن المطر لما ينزل لا يدخل بيوت المدر ويدخل بيوت الشعر!

ومنها أيضاً: ما رواه الإمام أحمد في «مسنده» (2/537) قال: حَدَّثَنَا هَاشِمٌ، قال: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قال: حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، فَتَكُونَ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ، وَيَكُونَ الشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ، وَتَكُونَ الْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ، وَيَكُونَ الْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ، وَتَكُونَ السَّاعَةُ كَاحْتِرَاقِ السَّعَفَةِ الْخُوصَةُ». زَعَمَ سُهَيْلٌ.

ورواه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (7/436) برقم (2986) من طريق أبي غسان. وابن حبان في «صحيحه» (15/256) برقم (6842) من طريق عبدالله بن محمد النفيلي، كلاهما عن زهير بن معاوية، به.

وأخرجه أبو يعلى في «مسنده» (12/32) برقم (6680) عن سُرَيج بن يونس، عن عَبيدة، عن سهيل، به.

وقد خولف فيه سهيل!

رواه نُعيم بن حماد في «الفتن» (2/649) عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن عبدالله بن ضمرة السلولي، عن كعب قال: «لا تقوم الساعة حتى تكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كاحتراق السعفة».

وهذا إسناد صحيح لا علّة له.

والذي يظهر أن سهيلاً أخطأ في روايته له عن أبيه، فسلك الجادة فيه لتشابه بعض ألفاظه!

والمحفوظ عن أبي هريرة في هذا: «يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ وَيَنْقُصُ العَمَلُ وَيُلْقَى الشُّحُّ وَيَكْثُرُ الهَرْجُ. قالوا: وما الْهَرْجُ؟ قال: الْقَتْلُ الْقَتْلُ ».

رواه البخاري ومسلم وغيرهما من طرق عن حُميد بن عبد الرحمن والمقبري، عن أبي هريرة، مرفوعاً.

وأبو صالح والد سهيل إنما رواه عن السلولي عن كعب، فأخطأ فيه سهيل لتشابه الحديث في أوله «يتقارب الزمان».

وقد رُوي أيضاً من مراسيل سعيد بن المسيّب، وهذا يؤكد أن أصله ليس بمرفوع.

رواه الداني في «السنن الواردة في الفتن» (4/781) برقم (391) من طريق عَلِيّ بن مَعْبَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بنُ عَيَّاشٍ، عَنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ حَرْمَلَةَ، عَنْ سَعِيدِ بنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ تَقَارُبُ الزَّمَانِ», قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, وَمَا تَقَارُبُ الزَّمَانِ؟ قَالَ: «تَكُونُ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ, وَالشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ, وَالْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ, وَالْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ, وَالسَّاعَةُ كَاضْطِرَابِ السَّعَفَةِ».

فسهيل بن أبي صالح يتفرد عن أبيه عن أبي هريرة بأحاديث لا يتابعه عليها أحد، فقد تفرد بحديث «لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق»، وحديث «لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً»، وحديث «لا تقوم الساعة حتى يمطر الناس مطراً..»، وحديث «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، فَتَكُونَ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ...»! وكلّها في موضوعٍ واحدٍ!!

وسهيل قد أصابته آفة كما تقدم فلا يُحتج بما تفرد به لأننا لا ندري هل روايته لهذه الأحاديث صحيحة أم لا، سيما ولا يرويها أحد من أصحاب أبي هريرة المشهورين! ومن أجل هذا لم يخرّج البخاري حديثه في صحيحه وروى له في الشواهد وما تُوبع عليه. وهذا هو المنهج النقدي الصحيح.

وسهيل يروي عن أبيه عن أبي هريرة، ويروي عن أبيه عن غير أبي هريرة كروايته عن أبيه عن السلولي عن كعب الأحبار.

وقد أشار ابن عدي إلى أن سهيلاً ميز ما كان يرويه عن أبيه مباشرة وما كان يرويه بواسطة عن أبيه.

قال: "وحدّث سهيل عن جماعة عن أبيه، وهذا يدل على ثقة الرجل، حدث سهيل عن سمي عن أبي صالح، وحدث سهيل عن الأعمش عن أبي صالح، وحدث سهيل عن عبدالله بن مقسم عن أبي صالح. وهذا يدلك على تمييز الرجل وتمييز بين ما سمع من أبيه ليس بينه وبين أبيه أحد، وبين ما سمع من سمي والأعمش وغيرهما من الأئمة، وسهيل عندي مقبول الأخبار ثبت، لا بأس به".

قلت: هو صدوق في نفسه وقد ضعفه بعض أهل النقد بسبب ما أصابه نتيجة موت أخيه، وتمييزه ما سمعه من أبيه وما سمعه من جماعة عن أبيه نعم يدلّ على تثبته، لكن هل هذه الأحاديث التي ميز فيها رواها قبل ما أصابه أم بعدها؟!

وعندي أن المشكلة في سهيل تكمن في تفرداته! فلا يُقبل ما ينفرد به عن أبي عن أبي هريرة؛ لأن أبا هريرة له أصحاب ثقات كُثر، فكيف يتفرد سهيل عن أبيه بهذه الأحاديث دون أن يسمعها أحد من أصحاب أبي هريرة!

ولعل بعضهم يقول بأن مسلماً لما رواه عرف أن سهيلاً أتقن هذه الأحاديث وتخريجه لها يدل على صحتها! وأنه لم يعللها أحد ممن انتقد أحاديث مسلم مثل ابن عمّار الشهيد والدارقطني وغيرهما!

وكذلك فإن سهيلاً يروي عن أبيه ولا شك أن هذه قرينة أنه يحدّث عن أبيه بأحاديث يخصّها بها!

قلت: هذه أمور عامة وليست أدلة في مسائل التعليل، فالإمام مسلم قد اجتهد في تخريج هذه الأحاديث وانتقاها من حديث سهيل عن أبيه عن أبي هريرة، ولا يوجد ما يدلّ على أنه تبع في ذلك القرائن وغيرها! وهو نفسه قد أكثر من حديثه في الشواهد، وكأنه روى هذه الأحاديث القليلة له في الأصول كونها لا تتعلق بالأحكام!

وأما الأئمة الذين لم يتعرضوا لها بإعلال وغيره فهم لم يقولوا بأنهم تتبعوا كل حديث في صحيح مسلم وتكلموا على ما فيه من علل، وما لم يتكلموا عنه فليس بمعلول!! فلا نلزمهم بهذا القول.

وأما مسألة الاختصاص بالتفرد عن الوالد فهي قرينة لا شك لكنها ليست على إطلاقها، فلو أن سهيلاً مثلا زاد على غيره في حديث أبيه لعددنا هذه القرينة صحيحة، وأما مسألة التفرد فنعم قد يخصّه والده ببعض الأحاديث لا يخصّ بها غيره، لكن في حال سهيل لا يُقبل تفرده بسبب أنه كان قد اختلط وفي متون ما يرويه نكارة وغرابة، وكذلك هذه الأحاديث لا تُعرف عن أبي هريرة أصلاً، وأصحابه كُثُر، وليست المسألة في تفرد أبي صالح عن أبي هريرة، وإنما المسألة في تفرد ابنه عنه!! فمثله لا يُقبل تفرده هذا، وهنا نعدّ التفرد علّة مع غرابة متون الأحاديث، لا أننا نعدّ التفرد علّة مطلقاً! فالتفرد في الأصل ليس بعلة إذا كان المتفرِد يُحتمل منه ذلك، وأما من لا يُحتمل تفرده كسهيل بن أبي صالح فنعدّ تفرده علة.

والبخاري – رحمه الله- لما أعرض عن إخراج حديثه في الأصول إنما أعرض عنه لسبب وهو ما ذكرناه من تفرده بأحاديث غريبة! ولكنه في نفس الوقت أشار إلى حديثه مستشهداً به ليبيّن حاله، وهو أنه يستشهد به لكن لا يحتج بما انفرد به، وهذا منهج البخاري في تخريج أحاديث أمثال سهيل بن أبي صالح.

فلما أن توبع سهيل على بعض حديثه أخرج له البخاري فيما توبع عليه، وقد تقدم أنه توبع على حديث «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتى يَكْثُرَ المَالُ ويَفِيضَ حتى يَخْرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِهِ فلا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهَا منه»، وما زاده لم يتابع عليه، فلا يُقبل منه.

وهذه الأحاديث التي تفرد بها سهيل عن أبيه عن أبي هريرة لا يوجد لها أي شاهد! فكيف نقبلها من راوٍ اختلط وأصابه ما أصابه من وهم! وما هي القرائن التي تدلّ على أنه حفظ هذه الأحاديث؟!!

·       الأحاديث الواردة في ذكر «الأعماق»:

والأحاديث في ذكر ملاحم الأعماق مشهورة عند نُعيم بن حماد في كتاب «الفتن» من رواية كعب الأخبار! ومن رواية غيره، وكلها منكرة! وهي:

1- روى نعيم بن حماد في «الفتن» (2/444) قال: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ، عَنْ كُلْثُومِ بنِ زِيَادٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ حَبِيبٍ الْمُحَارِبِيِّ، عَنْ كَعْبٍ، قال: «يَقْتَتِلُونَ بِالْأَعْمَاقِ قِتَالًا شَدِيدًا، فَيُرْفَعُ النَّصْرُ، وَيُفْرَغَ الصَّبْرُ، وَيُسَلَّطُ الْحَدِيدُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، حَتَّى تَرْكُضَ الْخَيْلُ فِي الدَّمِ إِلَى ثُنَتِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةً، لَا يَحْجُزُ بَيْنَهُمْ إِلَّا اللَّيْلُ، حَتَّى يَقُومَ، فَيَقُولُ عَمَائِرُ مِنَ النَّاسِ، يَعْنِي طَوَائِفَ: مَا كَانَ الْإِسْلَامُ إِلَّا إِلَى أَجَلٍ وَمُنْتَهًى، وَقَدْ بَلَغَ أَجَلَهُ وَمُنْتَهَاهُ، فَالْحَقُوا بِمَوَالِدِ آبَائِنَا، فَيَلْحَقُونَ بِالْكُفْرِ، وَيَبْقَى أَبْنَائِنَا الْمُهَاجِرِينَ، فَيَقُولُ رَجُلٌ مِنْهُمْ: يَا هَؤُلَاءِ، أَلَا تَرَوْنَ إِلَى مَا صَنَعَ هَؤُلَاءِ؟ قُومُوا بِنَا نَلْحَقُ بِاللَّهِ، فَمَا يَتْبَعُهُ أَحَدٌ، فَيَمْشِي إِلَيْهِمْ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ فَيَنْشِلُونَهُ بِنَيَازِكِهِمْ، حَتَّى إِنَّ دِمَاءَهُ لَتَبِلَّ أَذْرُعَهُمْ، فَيَهْزِمُهُمُ اللَّهُ».

قالَ الوَلِيدُ: فَحَدَّثَنِي عُثْمَانُ بنُ أَبِي الْعَاتِكَةِ، عَنْ كَعْبٍ، مِثْلَهُ.

قَالَ كَعْبٌ: "فَذَلِكَ أَكْرَمُ شَهِيدٍ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ، إِلَّا حَمْزَةَ بنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: رَبَّنَا أَلَا تَأْذَنُ لَنَا بِنُصْرَةِ عِبَادِكَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا أَوْلَى بِنُصْرَتِهِمْ، يَوْمَئِذٍ يَطْعُنُ بِرُمْحِهِ، وَيَضْرِبُ بِسَيْفِهِ، وَسَيْفُهُ أَمْرُهُ، فَيَهْزِمُهُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَيَمْنَحُهُمْ أَكْتَافَهُمْ فَيَدُوسُونَهُمْ كَمَا تُدَاسُ الْمَعْصَرَةُ، فَلَا يَكُونُ لِلرُّومِ بَعْدَهَا جَمَاعَةٌ وَلَا مَلِكٌ".

2- وروى نُعيم في «الفتن»، باب (ما بقي من الأعماق وفتح القسطنطينية)، (2/467) قال: قالَ صَفْوَانُ: وحَدَّثَنِي شُرَيْحُ بنُ عُبَيْدٍ، وَسُلَيْمُ بنُ عَامِرٍ الخَبَائِرِيَّيْنِ، أَنَّ كَعْبًا، كَانَ يَقُولُ: "إِذَا كَانَتِ الْمَلْحَمَةُ الْعُظْمَى مَلْحَمَةُ الرُّومِ هَرَبَتْ مِنْكُمْ ثُلَّةٌ فَلَحِقَتْ بِالْعَدُوِّ، وَخَرَجَتْ ثُلَّةٌ أُخْرَى فَأَسْلَمُوكُمْ، خَسَفَ اللَّهُ بِبَعْضِهِمْ، وَبَعَثَ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ طَيْرًا يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ، ثُمَّ تَبْقَى الثُّلَّةُ الْبَاقِيَةُ، فَيَالَعِبَادِ اللَّهِ، مَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَغَلَبَتْهُ نَفْسُهُ عَلَى الْجَبْرِ فَلْيَدْخُلْ تَحْتَ إِكَافِهِ أَوْ يُمْسِكْ بِعَمُودِ فُسْطَاطِهِ، وَلْيَصْبِرْ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَاصِرٌ الثُّلَّةَ الْبَاقِيَةَ، وَذَلِكُمْ حِينَ يَسْتَضْعِفُكُمُ الرُّومُ، وَيَطْمَعُونَ فِيكُمْ، يَقُولُ صَاحِبُ الرُّومِ: إِذَا أَصْبَحْتُمْ فَارْكَبُوا ذَاتَ حَافِرٍ مِنَ الدَّوَابِّ، ثُمَّ أَوْطِئُوهُمْ وَطْئَةً وَاحِدَةً، لَا يُذْكَرُ هَذَا الدِّينُ فِي الْأَرْضِ أَبَدًا، يَعْنِي الْإِسْلَامَ، قَالَ: فَيَغْضَبُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَ ذَلِكَ، حَتَّى يَكُونَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، وَفِيهَا سِلَاحُ اللَّهِ وَعَذَابُهُ، فَيَقُولُ: لَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنَا وَدِينِي الْإِسْلَامُ، وَأَهْلُ الْيَمَنِ وَقَيْسٌ، لَأَنْصُرَنَّ عِبَادِي الْيَوْمَ، وَيَدُ اللَّهِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، إِذَا أَ‍مَالَهَا عَلَى قَوْمٍ كَانَتِ الدَّبْرَةُ عَلَيْهِمْ، فَيَا أَهْلَ الْيَمَنِ لَا تُبْغِضُوا قَيْسًا، وَيَا قَيْسُ أَحِبُّوا أَهْلَ الْيَمَنِ، فَإِنَّ قَيْسًا مِنْ خِيَارِ النَّاسِ أَنْفُسًا وَأَخْلَاقًا وَالَّذِي نَفْسُ كَعْبٍ بِيَدِهِ، لَا يُجَالِدُ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ يَوْمَئِذٍ إِلَّا أَنْتُمْ، يَا أَهْلَ الْيَمَنِ وَقَيْسُ، وَقَيْسٌ يَوْمَئِذٍ يَقْتُلُونَ الْأَعْدَاءَ وَلَا يُقْتَلُونَ، وَالْأَزْدُ يَقْتُلُونَ الْأَعْدَاءَ وَيُقْتَلُونَ، أَوْ قَالَ: وَلَا يُقْتَلُونَ، وَلَخْمٌ وَجُذَامٌ يَقْتُلُونَ الْأَعْدَاءَ وَلَا يُقْتَلُونَ".

3- وروى نعيم في «الفتن» (2/468) قال: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنْ شُرَيْحِ بنِ عُبَيْدٍ، عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: «تَكُونُ وَقْعَةٌ بِيَافَا، يُقَاتِلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَالْخَمِيسِ وَالْجُمُعَةِ وَالسَّبْتِ وَالْأَحَدِ، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ».

قالَ صَفْوَانُ: فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ خَالِدَ بنَ كَيْسَانَ فقَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قالَ: "إِذَا هَزَمَ اللَّهُ الرُّومَ مِنْ يَافَا سَارُوا حَتَّى يَجْتَمِعُوا بِالْأَعْمَاقِ، فَتَكُونُ الْمَلْحَمَةُ مَلْحَمَةُ الأَعْمَاقِ".

4- وروى نعيم في «الفتن» (2/494) قال: حَدَّثَنَا أَبُو المُغِيرَةِ، عَنِ ابنِ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ دِينَارٍ، عَنْ كَعْبٍ، قالَ: "إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الرُّومِ ثَلَاثَ ذَبَائِحَ، أَوَّلُهُنَّ الْيَرْمُوكُ، وَالثَّانِيَةُ فينقس، يَعْنِي التَّمْرَةَ، وَهِيَ حِمْصُ، وَالثَّالِثَةُ الْأَعْمَاقُ".

قلت: هذه كلها مناكير! وكعب الأحبار يروي الإسرائيليات والأحاديث المنكرة التي ينفرد بها في الفتن والملاحم، ولا يُحتج به في هذا الباب؛ لأنه لا يُسند هذه الأخبار!

وكان كعب الأحبار (ت 34هـ بالشام) يحدِّث من كتب أهل الكتاب وفيها كذب كثير. وقد ساق البخاري في «صحيحه» في (باب قَوْلِ النبي صلى الله عليه وسلم: لا تَسْأَلُوا أَهْلَ الكِتَابِ عن شَيْءٍ) ما رواه حُمَيْدُ بن عبدالرحمن: سمع مُعَاوِيَةَ يُحدِّث رَهْطًا من قُرَيْشٍ بِالمَدِينَةِ - وَذَكَرَ كَعْبَ الْأَحْبَارِ- فقال: "إن كان من أَصْدَقِ هَؤُلَاءِ المُحَدِّثِينَ الَّذِينَ يُحَدِّثُونَ عن أَهْلِ الْكِتَابِ وَإِنْ كنا مع ذلك لَنَبْلُو عليه الكَذِبَ".

وقد ذهب أهل العلم إلى أن هذا القول في كعب من معاوية معناه أنه يحدّث بما في كتب أهل الكتاب وفيما يحدّث به من كتبهم فيه كذب كثير، وليس المعنى أنه كان يكذب؛ لأنه كان من خيار الأحبار، وكان أصدق الأحبار في زمانه.

قال ابن حبان في كتاب «الثقات»: "أراد معاوية أنه يخطىء أحياناً فيما يخبر به ولم يرد أنه كان كذاباً".

وقال ابن الجوزي: "المعنى الذي يخبر به كعب عن أهل الكتاب يكون كذباً لا أنه يتعمد الكذب، وإلاَّ فقد كان كعب من أخيار الأحبار".

وقال ابن كثير في «تفسيره»: "فإن معاوية كان يقول عن كعب: إن كنا لنبلو عليه الكذب – يعني: ينقله، لا أنه كان يتعمد نقل ما ليس في صحفه، ولكن الشأن في صحفه أنها من الإسرائيليات التي غالبها مُبدّل مُصحّف محرَّف مُختلق، ولا حاجة لنا مع خبر الله تعالى ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شيء منها بالكلية فإنه دخل منها على الناس شر كثير وفساد عريض".

وقال ابن حجر: "وأوله بعضهم بأن مراده بالكذب عدم وقوع ما يخبر به أنه سيقع لا أنه هو يكذب".

قلت: فلا يُقبل ما يرويه كعب من قوله وما يُخبر به لأن فيه الكذب الكثير، وإطلاق الكذب على ما يرويه جائز، ولا يغتر أحد بأن البخاري روى له، وإنما ذكر قول معاوية فيه في سياق أنه لا يُحتج بما يرويه أهل الكتاب حتى ممن كان من أصدقهم وهو كعب الأحبار.

5- وروى نعيم في «الفتن» (1/404، 2/443) قال: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ، عَنْ أَبِي عَبْدِاللَّهِ مَوْلَى بَنِي أُمَيَّةَ، عَنِ الوَلِيدِ بنِ هِشَامٍ الْمُعَيْطِيِّ، عَنْ أَبَانَ بنِ الْوَلِيدِ المُعَيْطِيِّ: سَمِعَ ابنَ عَبَّاسٍ، يُحَدِّثُ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: «يَلِي رَجُلٌ مِنَّا فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، تَكُونُ الْمَلَاحِمُ لِسَبْعِ سِنِينَ بَقِينَ مِنْ خِلَافَتِهِ، فَيَمُوتُ بِالْأَعْمَاقِ غَمًّا، ثُمَّ يَلِيهَا رَجُلٌ مِنْهُمْ ذُو شَامَتَيْنِ، فَعَلَى يَدَيْهِ يَكُونُ الْفَتْحُ يَوْمَئِذٍ، يَعْنِي: فَتْحَ الرُّومِ بِالأَعْمَاقِ».

قلت: هذا منكر! وأبو عبدالله شيخ الوليد بن مسلم اسمه: ناصح مولى بني أمية، ترجم له ابن عساكر في تاريخه (61/385) ولم يجد فيه جرحاً ولا تعديلاً، ونقل عن أبي زرعة الدمشقي أنه ذكره في نفر من الثقات.

فمن كان هذا حاله فلا يُقبل ما ينفرد به!

وأبان بن الوليد لا يوجد فيه أيضاً أي جرح أو تعديل! ولا يُعرف أنه سمع من ابن عباس.

6- وروى نعيم في «الفتن» (2/472) قال: حَدَّثَنَا رِشْدِينُ، عَنِ ابنِ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي قَبِيلٍ، وَيُسَيْرِ بنِ عَمْرٍو، قالَا: «الْإِسْكَنْدَرِيَّةُ وَمَلَاحِمُ الْأَعْمَاقِ عَلَى يَدِ طَبَارِسَ بنِ أَسْطِبْيَانَ بنِ الْأَخْرَمِ بْنِ قُسْطَنْطِينَ بْنِ هِرَقْلَ». قالَ: وَسَمِعْتُ أَنَّهَ "بِرُومِيَةَ".

7- وروى نعيم في «الفتن» (2/472) قال: حَدَّثَنَا أَبُو وَهْبٍ، ورِشْدِينُ، جَمِيعًا عَنِ ابنِ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي قَبِيلٍ، عَنْ حَيْوِيلِ بنِ شَرَاحِيلَ، قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَاللَّهِ بنَ عَمْرِو بنِ العَاصِ، يَقُولُ: "إِنَّ أَهْلَ الْأَنْدَلُسِ يَأْتُونَ فِي الْبَحْرِ، وَإِنَّ طُولَ سُفُنِهِمْ فِي الْبَحْرِ خَمْسُونَ مِيلًا، وَعَرْضُهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ مِيلًا، حَتَّى يَنْزِلُوا فِي الْأَعْمَاقِ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: الْبَرِّ وَالْبَحْرِ".

8- وروى نعيم في «الفتن» (2/476) قال: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ، عَنِ ابنِ لَهِيعَةَ، قالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ عُبَيْدُاللَّهِ بنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ عَمْرٍو، قالَ: «الْمَلَاحِمُ خَمْسٌ، مَضَى مِنْهَا ثِنْتَانِ، وَبَقِيَ ثَلَاثٌ، فَأَوَّلُهُنَّ مَلْحَمَةُ التُّرْكِ بِالجَزِيرَةِ، ومَلْحَمَةُ الأَعْمَاقِ، ومَلْحَمَةُ الدَّجَّالِ، لَيْسَ بَعْدَهَا مَلْحَمَةٌ».

9- وروى نعيم في «الفتن» (2/486) قال: حَدَّثَنَا رِشْدِينُ، عَنِ ابنِ لَهِيعَةَ، عَنْ عَيَّاشِ بنِ عَبَّاسٍ، عَنْ يَزِيدَ بنِ قَوْذَرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ تُبَيْعٍ، قالَ: «الَّذِي يَهْزِمُ الرُّومُ يَوْمَ الْأَعْمَاقِ هُوَ خَلِيفَةُ الْمَوَالِي».

قلت: هذه كلها منكرة! وقد تفرد بها ابن لهيعة، ولا يُحتج به.

والخلاصة أن ما جاء في ملحمة دابق أو الأعماق لا يصح.

وقد اشتهر ذكر دابق والأعماق لأنهما كانتا نقطتا رباط، فيهما تجتمع الجيوش لمحاربة الروم؛ لأن الروم كانت تحيط بالشام من كل ناحية.

وقد اغتر كثير من أهل العلم وخاصة المعاصرين في خضم الأحداث المتسارعة وأسقطوا هذا الحديث على ما يحدث الآن، وذهب بعضهم أن هذا الحديث ينطبق على ما يُسمى بـ «هرمجدّون»! وقد جاء في سفر الرؤيا في الإصحاح السادس عشر: "وجمعت جيوش العالم كلها في مكان يُدعى هرمجدّون ".

وهرمجدون = (هر)، (مجيدو) = جبل (مجيدو اسم مكان) فقال بعضهم: "أنها الملحمة الكبرى كما جاءت في حديث الأعماق"!!!

·       شرح الحديث:

قال النووي في «شرح صحيح مسلم»: "الأعماق ودابق: موضعان بالشام بقرب حلب.

قوله صلى الله عليه وسلم: (قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا) روي (سبوا) على وجهين: فتح السين والباء وضمهما. قال القاضي في المشارق: الضم رواية الأكثرين، قال: وهو الصواب. قلت: كلاهما صواب لأنهم سبوا أولاً، ثم سبوا الكفار، وهذا موجود في زماننا، بل معظم عساكر الإسلام فى بلاد الشام ومصر سبوا ثم هم اليوم بحمد الله يسبون الكفار، وقد سبوهم في زماننا مراراً كثيرة: يسبون في المرة الواحدة من الكفار ألوفاً، ولله الحمد على إظهار الاسلام وإعزازه.

قوله صلى الله عليه وسلم: (فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم) أي: لا يلهمهم التوبة".

وقال عليّ القاري في «مرقاة المفاتيح»: "(ويرفع إليهم جيش من المدينة): قال ابن الملك: قيل: المراد بها حلب، والأعماق ودابق موضعان بقربه، وقيل: المراد بها دمشق، وقال في الأزهار: وأما ما قيل من أن المراد بها مدينة النبيّ فضعيف؛ لأن المراد بالجيش الخارج إلى الروم جيش المهدي بدليل آخر الحديث؛ ولأن المدينة المنوّرة تكون خراباً في ذلك الوقت.

(من خيار أهل الأرض) بيان للجيش، (يومئذ) احتراز من زمنه..

(فإذا تصافوا قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا)... قال التوربشتي: والأظهر هذا القول منهم يكون بعد الملحمة الكبرى التي تدور رحاها بين الفئتين بعد المصالحة والمناجزة لقتال عدو يتوجه إلى المسلمين، وبعد غزوة الروم لهم، وذلك قبل فتح قسطنطينية فيطأ الروم أرض العرب حتى ينزل بالأعماق أو بدابق فيسأل المسلمين أن يخلوا بينهم وبين من سبى ذريتهم، فيردون الجواب على ما ذكر في الحديث: (فيقول المسلمون: لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا فيقاتلونهم)، أي المسلمون الكفرة، (فينهزم ثلث) أي من المسلمين، (لا يتوب الله عليهم أبداً) كناية عن موتهم على الكفر وتعذيبهم على التأبيد.. (قسطنطينية)... هي مدينة مشهورة أعظم مدائن الروم. قال الترمذي: والقسطنطنية قد فتحت في زمن بعض أصحاب النبي، وتفتح عند خروج الدجال...".

قلت: الحديث في ذكرنزول الروم بدابق أو الأعماق غريب، وقد تفرد به سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة! وقد فصّلت في حاله وتفرده بمثل هذه الأحاديث، فلا نبني شيئاً على مثل هذا الحديث...

والأصل أن لفظ «المدينة» إذا أُطلق في الحديث فيعني «المدينة النبوية» وعليه فأين هذا الجيش الذي سيخرج من هناك؟!!

وعلى رأي عليّ القاري فإن المقصود بالمدينة «حلب» المدينة الأقرب لدابق والأعماق، وبنى ذلك على أن الجيش هو «جيش المهدي»؛ لأن المدينة تكون قد خربت حينئذ!!

لكن هذا لا يصح، فالحديث الذي جاء في خراب المدينة منكر لا يصح! وهو من مناكير عبدالرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن جبير بن نفير عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل مرفوعاً: «عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروج الدجال».

وأما الحديث الذي في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «يَتْرُكُونَ الْمَدِينَةَ على خَيْرِ ما كانت لَا يَغْشَاهَا إلا الْعَوَافِ يُرِيدُ عَوَافِيَ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ وَآخِرُ من يُحْشَرُ رَاعِيَانِ من مُزَيْنَةَ يُرِيدَانِ الْمَدِينَةَ يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِمَا فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا حتى إذا بَلَغَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ خَرَّا على وُجُوهِهِمَا».

فليس فيه دلالة على خراب المدينة، وقد اختلف أهل العلم في معناه حتى ذهب بعضهم إلى أن ما أخبر به الحديث قد مضى.

وكذلك ظهور جيش المهدي فيه نظر!

والخلاصة أن الاستدلال بحديث الأعماق على قدوم الروم إليها فيه نظر! لتفرد سهيل به، والله أعلم.


 

دُورُ الحديث
تحقيق التراث
فوائد حديثية
المناهج والنقد
مصطلح الحديث
علوم الرّجال
علل الأحاديث
فقه الحديث
المغازي والسّير
المدارس الحديثية
أسئلة وأجوبة
السرقات العلمية
متفرقات
علوم أخرى
 
   
   الاسم
  البريد الإلكتروني
البلد
  التعليق*:

 
     
 
 
 

******
الكاتـب ابو عبدالرحمن
الـبلـد عمران بيت المقدس خراب يثرب
التـاريخ 10/13/2015


   بيض الله وجهك يوم تسود وجيهه ارجو من الله ثم منكم تفصيل هذا الحديث لشهرته بين المحدثين في زماننا هذا حديث خراب يثرب رحم الله من انجبك

******
الكاتـب امجد
الـبلـد الاردن
التـاريخ 11/1/2015


   بارك الله فيك دكتور توضيح رائع

******
الكاتـب احمد أبو محمزد
الـبلـد سوريا
التـاريخ 3/18/2017


   جزاك الله الجنة أقسم بالله أن ماتكتبه يشرح الصدر
 
     
       
         
 
الصوتيات والمرئيات  |   الكتب  |   البحوث   |   المخطوطات   |    المجلة   |    الأرشيف
جميع الحقوق محفوظة لدار الحديث الضيائية