الصفحة الرئيسية         الكتب           البحوث           المخطوطات          المجلة            راسلنا          الضيائية
 
 
 

مِن أمثلة «الوَهَم في روايات الأمصار»


بقلم: خالد الحايك

 

إنّ مسألة معرفة "الوهم في روايات الأمصار" من المسائل المهمة عند طالب الحديث؛ لأن كثيراً من الأوهام الواقعة للرواة إنما هي بسبب عدم اتقانهم لروايات غير شيوخ بلدانهم.

وقد كُتب في هذا الموضوع بعض الكتب، ولكن هذه الكتابات كان ينقصها الأمثلة الحقيقية التي تدلّ على عنوانها، فإني لما قرأت ما كتب وجدت فيها عللاً، ولكنها علل عامة لا شأن لها بالوهم في روايات الأمصار.

ونذكر هنا مثالاً حقيقياً لذلك:

روى سعيد بن منصور في «سننه» (2/204) قال: حدّثنا عبدالله بن وهب، قال: أخبرنى عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبدالرحمن بن شَماسة، عن معاوية بن حُدَيج: أنه مرَّ على رجلٍ بالمضمار ومعه فرسه ممسكٌ برسنة على ظل كثيب، فأرسل غلامه لينظر من هو، فإذا هو بأبي ذر، فأقبل ابن حديج إليه، فقال: يا أبا ذر، إني أرى هذا الفرس قد عناك، وما أرى عنده شيئاً! فقال أبو ذر: "هذا فرس قد استجيب له"، فقال له ابن حديج: وما دعاء بهيمة من البهائم؟ فقال أبو ذر: "إنه ليس من فرسٍ إلا أنه يدعو الله كل سَحَر يقول: اللَّهُمَّ أَنْتَ خَوَّلْتَنِي عَبْدًا مِنْ عبيدك وَجَعَلْتَ رِزْقِي في يدِهِ، اللهمَّ فَاجْعَلْنِي أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ".

ورواه أحمد في «مسنده» (1/162) عن حجّاج وهاشم قالا: حدثنا ليث: حدثني يزيد بن أبي حبيب، مثله.

قال أحمد: "ووافقه عمرو بن الحارث عن ابن شماسة".

ورواه ابن عبدالحكم في «فتوح مصر» عن أحمد بن عمرو عن ابن وهب، به.

ثم رواه عن أبيه عبدالله بن عبدالحكم وشعيب بن الليث قالا: حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شماسة: أنّ معاوية بن حديج حدَّثه: أنه مر على أبي ذر، فذكره.

قلت: فهذا الحديث مصريّ، وقد رواه عبدالحميد بن جعفر الأنصاري المدني، فوهم فيه.

رواه الإمام أحمد في «مسنده» (5/170) قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِالْحَمِيدِ بنِ جَعْفَرٍ، قال: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ سُوَيْدِ بنِ قَيْسٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بنِ حُدَيْجٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ فَرَسٍ عَرَبِيٍّ إِلا يُؤْذَنُ لَهُ مَعَ كُلِّ فَجْرٍ يَدْعُو بِدَعْوَتَيْنِ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ خَوَّلْتَنِي مَنْ خَوَّلْتَنِي مِنْ بَنِي آدَمَ فَاجْعَلْنِي مِنْ أَحَبِّ أَهْلِهِ وَمَالِهِ إِلَيْهِ - أَوْ أَحَبَّ أَهْلِهِ وَمَالِهِ إِلَيْهِ)).

قَالَ عبدالله بن أحمد: قَالَ أَبِي: "خَالَفَهُ عَمْرُو بنُ الْحَارِثِ، فَقَالَ: عَنْ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ شَمَاشَةَ. وقَالَ لَيْثٌ عَنْ ابن شمَاشَةَ أَيْضاً".

وكذلك هو في «العلل ومعرفة الرّجال» (3/403).

ورواه البزار في «مسنده» (9/339) عن محمد بن المثنى. والنسائي في «السنن الكبرى» (3/36) عن عمرو بن عليّ الفلاّس. والحاكم في «المستدرك» (2/156) من طريق مُسدد،  ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد القطّان، به.

قال البزار: "وهذا الكلام لا نعلمه يُروى عن رسول الله إلا من هذا الوجه، ومعاوية بن حديج هذا قد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم غير حديث".

ورواه الحاكم في«المستدرك» (2/101) من طريق الحارث بن أبي أسامة، قال: حدثنا رَوح بن عبادة، قال: حدثنا عبدالحميد بن جعفر، به.

قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه".

قلت: بل هو معلول من وجهين:

الأول: أن الصواب فيه الوقف على أبي ذر، فلا يصح رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

والثاني: أن راويه عن معاوية بن حديج هو: عبدالرحمن بن شماسة.

وقد سُئل الدارقطني في«العلل» (6/266) عن هذا الحديث؟ فقال: "يرويه يزيد بن أبي حبيب، واختلف عنه: فرواه عبدالحميد بن جعفر عن يزيد عن سويد بن قيس عن معاوية بن حديج عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال ذلك: يحيى القطان عن عبدالحميد، ووقفه غير يحيى عن عبدالحميد، وكذلك رواه الليث عن يزيد بن أبي حبيب موقوفاً أيضاً، وهو المحفوظ".

قلت: قد تابع يحيى على وقفه عن عبدالحميد: روح بن عبادة عند الحاكم كما سبق، وكأن الدارقطني يرى أن هذا الوهم من يحيى القطان، وليس كذلك! وكأن عبدالحميد كان يقفه أحياناً ويرفعه أخرى إن ثبت عنه الوقف! ولم ينبه الدارقطني أيضاً إلى الاختلاف في إسناده أيضاً بذكر عبدالحميد في إسناده: "سويد بن قيس"! والصواب أن الحديث لابن شماسة.

والوهمان في هذا الإسناد من عبدالحميد بن جعفر، وهو وإن كان ثقة؛ إلا أنه له بعض الأوهام، وقد أخرج له البخاري حديثين تعليقاً: أراد بيان وهمه في أحدهما بمخالفة غيره. وروى له في المتابعات والشواهد.

قال النسائي في كتاب الضعفاء: "ليس بقوي".

وقال ابن حبان: "ربما أخطأ".

وقال الحافظ في «التقريب» (ص333): "صدوق، رمي بالقدر، وربما وهم".

قلت: وقول ابن حجر هو أعدل الأقوال فيه بخلاف من استدرك عليه في بعض التسويدات! كما حررته – بفضل الله – في موضع آخر.

ولم يقتصر الأمر على أوهامه في حديث غير بلده، بل كان يهم إذا حدَّث هو غير أهل بلده أيضاً. وهذه المسألة مهمة جداً، ولا أدري هل تنبه لها الإمام مسلم، فأراد بيانها من خلال تخريجه لبعض حديث، أم أنه لم يتنبه فصححها!

فقد أخرج في «صحيحه» (2/1014) قال: حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ جَمِيعًا، عَنْ ابنِ عُيَيْنَةَ - قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا وَمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى)).

وحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُالأعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ؛ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ)).

وحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأيْلِيُّ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وَهْبٍ، قال: حَدَّثَنِي عَبْدُالْحَمِيدِ بنُ جَعْفَرٍ: أَنَّ عِمْرَانَ بنَ أَبِي أَنَسٍ حَدَّثَهُ: أَنَّ سَلْمَانَ الأغَرَّ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُخْبِرُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّمَا يُسَافَرُ إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ وَمَسْجِدِي وَمَسْجِدِ إِيلِيَاءَ)).

قلت: قدَّم الإمام مسلم الرواية المعروفة والمشهورة لهذا الحديث عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، وقد رواه جمع عن الزهري.

وأما رواية عبدالحميد بن جعفر التي أخّرها فهي رواية غريبة، ولا تعرف في أهل المدينة! وقد تفرد بها جعفر بهذا الإسناد، ورواه عنه عبدالله بن وهب، وهو مصري.

وهذا الحديث عندي معلول؛ قد وهم فيه عبدالحميد بن جعفر، ولا يعرف هذا الإسناد لهذا الحديث، فكأنه – رحمه الله – عندما حدّث به في مصر دخل له حديث في حديث، وكأنه اشتبه عليه بحديث الأغر – الصحيح - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنّ النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)).

فهذا الحديث يتكلم عن المسجد النبوي والمسجد الحرام، وذاك أيضاً، فالله أعلم.

والخلاصة أن هذا الحديث الذي أخرجه مسلم بإسناد عبدالحميد غريب جداً، ولا يحفظ عن عمران بن أبي أنس – مدني نزل مصر – عن الأغر عن أبي هريرة، وإنما المحفوظ عند المدنيين حديث الزهري عن سعيد عن أبي هريرة.

 

وكتب: خالد الحايك

14/1/2011

 

دُورُ الحديث
تحقيق التراث
فوائد حديثية
المناهج والنقد
مصطلح الحديث
علوم الرّجال
علل الأحاديث
فقه الحديث
المغازي والسّير
المدارس الحديثية
أسئلة وأجوبة
السرقات العلمية
متفرقات
علوم أخرى
 
   
   الاسم
  البريد الإلكتروني
البلد
  التعليق*:

 
     
 
 
 
 
     
       
         
 
الصوتيات والمرئيات  |   الكتب  |   البحوث   |   المخطوطات   |    المجلة   |    الأرشيف
جميع الحقوق محفوظة لدار الحديث الضيائية