الصفحة الرئيسية         الكتب           البحوث           المخطوطات          المجلة            راسلنا          الضيائية
 
 
 

تعليل أستاذنا أسعد تيّم لحديثٍ في «صحيح مسلم» وهو ليس بمعلول! وبيان أنه وقع خطأ في إسناد مسلم وغفل عنه، وكذلك الإمام أحمد والترمذي وغيرهم ممن صنّف في «المسانيد»، والخلط بين «سُليم أبي عامر الشامي» و«سُليم بن عامر الحمصي»، وفوائد أخرى.


 

بيّن أستاذنا أسعد تيّم في كتابه «علم طبقات المحدّثين» فوائد مستفادة من علم الطبقات، ومنها: الكشف عن بطلان السماع الذي لا يصح، وذكر من أمثلة هذا (ص87) قال: "أخرج مسلم (8/158) عن الحكم بن موسى، عن يحيى بن حمزة، عن عبدالرحمن بن يزيدَ بن جابر، عن سليم بن عامر، قال: سمعت المقداد بن الأسود، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تُدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم مقدار ميل...» الحديث.

قلت: قوله: "سمعت المقداد" خطأٌ شنيعٌ من بعض الرواة، فإن المقداد مات في زمن عثمان، وأما سُليم بن عامر فسمع من أبي أمامة الباهلي (-86)، وجبير بن نفير (-80)، وهذه الطبقة؛ فبينه وبين المقداد طبقتان". انتهى كلامه.

قلت: أصاب الأستاذ في نفيه السماع بين سليم بن عامر وبين المقداد بن الأسود، فسليم لم يدركه، وبناءً عليه فإن حديث مسلم هذا منقطع! ولكن هناك مشكلة في إسناد الحديث لم يتنبه لها الأستاذ، والحديث صحيحٌ، والسماع الوارد فيه ليس خطأً شنيعاً كما قال!

وإنما الخطأ في الحديث هو ما جاء فيه: «سمعت المقداد بن الأسود»، والصواب: «سمعت المقدام»، وهو المقدام بن معدي كرب، وقد سمع منه سليم بن عامر، والحديث صحيح، ولا مدخل للمقداد بن الأسود فيه.

وقد خَفي ذلك على الإمام مسلم، بل وعلى الإمام أحمد من قبله، فإنه ذكر هذا الحديث في «مسند المقداد بن الأسود» (39/235) (23813)، وذكره المزي في «التحفة» في مسنده كذلك، وكلّ ذلك وهم.

وكذا من ذكر في كتب الرجال أن سليم بن عامر روى عن المقداد بن الأسود كالمزي وغيره.

قال ابن أبي حاتم في «علل الحديث» (2/218): سألت أبي عن حديث رواه الحكم بن موسى، عن يحيى بن حمزة، عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، عن سليم بن عامر، قال: حدثني المقداد بن الأسود، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل»؟

قال أبي: "هذا خطأ! إنما هو مقدام بن معدي كرب، وسليم بن عامر لم يدرك المقداد بن الأسود".

وكذا قال في كتاب «المراسيل» (ص: 85) قال ابن أبي حاتم: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: "سُلَيْمُ بنُ عَاِمٍر لَمْ يُدْرِكْ عَمْرَو بنَ عَبْسَةَ، ولا المِقْدَادُ بنُ الْأَسْوَدِ".

قلت: روى هذا الحديث عن عبدالرحمن بن يزيد: يحيى بن حمزة، وعبدالله بن المبارك.

ورواه عن يحيى: الحكم بن موسى فجاء فيه المقداد منسوباً كما أخرجه الإمام مسلم في «صحيحه» (4/2196) قال: حدثنا الحكم بن موسى أبو صالح، قال: حدثنا يحيى بن حمزة، عن عبدالرحمن بن جابر، قال: حدثني سليم بن عامر، قال: حدثني المقداد بن الأسود، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل. - قال سليم بن عامر: فوالله ما أدري ما يعني بالميل: أمسافة الأرض أم الميل الذي تكتحل به العين- قال: فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً. قال: وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى فِيه».

وأما ابن المبارك فإنه لم ينسبه وجاء في «مسنده» (ص58) المطبوع: عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر: حدثني سليم بن عامر: حدثني المقداد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ورواه أحمد في «مسنده» (6/3) عن إبراهيم بن إسحاق، عن ابن المبارك مثله، ولكن الإمام أحمد جعله في «مسند المقداد بن الأسود»!

ورواه الترمذي في «جامعه» (4/614) عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك قال: أخبرنا عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حدثني سليم بن عامر قال: حدثنا المقداد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال أبو عيسى الترمذي: "هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وفي الباب عن أبي سعيد وابن عمر".

ورواه ابن حبان في «صحيحه» (16/325) من طريق عبدالوارث بن عبيدالله، عن ابن المبارك، نحوه.

قلت: لم يُنسَب المقداد في رواية ابن المبارك، والذي أراه أنه كان في كتاب عبدالرحمن بن يزيد ابن جابر: «حدثنا المقدام»، فتحرّفت إلى «حدثنا المقداد»، وحرف الميم وحرف الدال متقاربان في الرسم، فلما قرئت «المقداد»، نسبه يحيى بن حمزة أو الحكم بن موسى: «المقداد بن الأسود».

·       رواية الطبراني للحديث في مسند المقداد، وفي مسند المقدام!

وعلى هذا مشى أهل العلم، فجمع الطبراني بين رواية يحيى بن حمزة ورواية ابن المبارك، فقال في «المعجم الكبير» (20/255) (602) في «المِقْدَاد بن الْأَسْوَدِ»: حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِالْعَزِيزِ، قالك حدثنا الحَكَمُ بْنُ مُوسَى، قال: حدثنا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ [ح].

وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ، قال: حدثنا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، قال: حدثنا ابْنُ المُبَارَكِ كِلَاهُمَا، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، قال: حَدَّثَنِي سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ، قال: حَدَّثَنِي المِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «تُدْنِا الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ... الحديث».

قلت: ومما يؤكد أنه حصل تحريف في إسناد ابن جابر ما رواه الطبراني في «المعجم الكبير» (20/281) (666) في «مسند المِقْدَام بن مَعْدِي كَرِبٍ»، قال: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِرْقٍ الْحِمْصِيُّ، قال: حدثنا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قال: حدثنا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، قال: حدثنا عُمَرُ بنُ خَثعمٍ، قال: حَدَّثَنِي سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ، عَنِ المِقْدَامِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تَدْنُو الشَّمْسُ مِنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى تَكُونَ مِنَ النَّاسِ عَلَى قَدْرِ مِيلَيْنِ، وَيَزْدَادَ فِي حَرِّهَا فَتَصْحَرَهُمْ فَيَكُونُوا فِي الْعَرَقِ بِقَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ الْعَرَقُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى حِقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا»، قَالَ: وَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشِيرُ بِيَدَيْهِ إِلَى فِيهِ.

قالَ إِبْرَاهِيمُ بنُ عِرْقٍ: "هَكَذَا رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ خَثْعَمٍ، عَنْ سُلَيْمٍ، عَنِ الْمِقْدَامِ".

قلت: كأنه استغرب الحديث عن المقدام؛ لأن المشهور عندهم أنه عن المقداد! ولكن هذه الرواية تؤكد أن الحديث عن المقدام بن معدي كرب، وهو حديثٌ صحيحٌ لا علة فيه، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

·       عادة للشاميين ذكرها ابن رجب في تسمية «المقدام» بـ«المقداد»!

ثُم وجدت - ولله الحمد - الإمام الحافظ ابن رجب ينبّه إلى خطأ الشاميين في الخلط بين «المقداد بن الأسود» و«المقدام بن معدي كرب».

قال - رحمه الله - في «شرح البخاري» (2/647): "والشاميّون كانوا يسمون المقدامَ بن معد كرب: «المقداد»، ولا ينسبونَهُ أحياناً، فيظنُّ من سمعه غيرَ منسوبٍ أنه «ابن الأسود»، وإنما هو «ابن معد يكرب»، وقد وقع هذا الاختلاف لهم في غير حديثٍ من رواياتهم".

قلت: فهذه قاعدة أصيلة أشار إليها الحافظ ابن رجب في حديث الشاميين، فلله درّه من إمام ناقد بصير.

ويُجمع بين قولي في حصول التحريف في بعض الأسانيد، وبين قول ابن رجب هذا، بأن التحريف قد يقع في بعض النسخ، فيتحرف «المقدام» إلى «المقداد» فينسبه بعضهم خطأ، فيسميه: «ابن الأسود»، وقد يقع في بعضها «المقداد» على ما ذكره ابن رجب من عادتهم، فينسبه من لا يعرف ذلك خطأ فيقول: «المقداد بن الأسود»، فهو في كلا الحالين يُنسب خطأ !!

·       تعقّب العلائي لأبي حاتم! وبيان ذلك!

قال العلائي في «جامع التحصيل» (ص: 191): "سليم بن عامر الخبايري: قال أبو حاتم: لم يدرك عمرو بن عنبسة ولا المقداد بن الأسود. قلت: حديثه عن المقداد في صحيح مسلم، وكأنه على مذهبه".

قلت: رد العلائي على قول أبي حاتم بعدم إدراك سليم للمقداد بن الأسود بتخريج مسلم لحديث في «صحيحه»، وعلل ذلك بأنه أخرجه بناء على مذهبه في مسألة المعاصرة! وهو توجيه له وجه لأنه لا يمكن الاعتذار عن مسلم بتخريجه إلا من هذا الباب.

وكأن مسلماً يرى قول من قال بأن سليم بن عامر قديم! وسيأتي الكلام في أن القديم غير سليم بن عامر هذا.

·       تعقّب الحويني أيضاً لأبي حاتم! والرد عليه!

جاء في «نثل النبال بمعجم الرجال» (2/114) (1494) مما نُقل عن الحويني: "سليم بن عامر: [سماعه من المقداد بن الأسود رَضِيَ الله عَنْهُ؛ وهو مثالٌ على أنَّ الأسانيد هي الحجة في إثبات الاتصال أو الانقطاع].

* أخرج مسلمٌ في "كتاب الجنة" (2864/62) من طريق يحيى بن حمزة، عن عبدالرحمن ابن جابر: حدثني سليم بن عامر: حدثني المقداد بن الأسود، مرفوعًا: "تدني الشمس يوم القيامة من الخلق. . الحديث".

* وأخرجه الترمذيُّ (2421)، وأحمد (6/3) من طريق ابن المبارك، عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، بسنده سواء مسلسلًا بالتحديث.

* ومع ذلك فنقل ابنُ أبي حاتم عن أبيه في "المراسيل" (ص 85)، قال: سليم بن عامر لم يدرك المقداد بن الأسود! وينبغي أن يكون هذا السند حجة عليه. التسلية/ رقم 31؛ تنبيه 9/ رقم 2124" انتهى.

قلت: رد الحويني على قول أبي حاتم أيضاً بعدم إدراك سليم للمقداد بن الأسود بتخريج مسلم لحديثه في «صحيحه»، وفيه تحديثه بالسماع! وهذا رد مردود؛ لأن الحديث الذي أخرجه مسلم فيه خطأ، وليس للمقداد بن الأسود فيه مدخل، وإنما هو للمقدام بن معد يكرب، فسقط هذا الاستدراك والرد.

·       الخلط بين «سليم أبي عامر الشامي»، وبين «سُليم بن عامر الخبائري الحمصي»!

اعتمد معظم من صنّف الرجال هذا الحديث لإثبات سماع سليم بن عامر من المقداد بن الأسود، وروايته عنه، وحصل خلط في بعض التراجم بينه وبين شامي آخر أقدم منه!

وقد فرّق بينهما البخاري، وتبعه أبو حاتم، وابن عساكر، وغيرهم.

قال البخاري في «تاريخه الكبير» (4/125): "سليم بن عامر أبو يحيى الخبائري، ويقَالَ: الكلاعي الشامي، سَمِعَ أبا أمامة. سَمِعَ منه: مُعَاوِيَة بْن صالح، ويزيد بْن خمير".

ثم قال: "سليم أَبُو عامر: مولى. سَمِعَ عُمَر وعثمان، يُعَدُّ فِي الشَّامِيِّينَ.

قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ مهران: نا مسكين الجرجاني: أنا ثابت بن عجلان عَنْ أَبِي عامر - وَكَانَ أَبُو بَكْر أخدمه عمار بْن ياسر، وَكَانَ من الخمس ممن أفاء الله على خالد بن الوليد في فئ حاضر قنسرين، وشهد فتح دمشق والقادسية فِي سفرته تلك، وقدم المدينة وهو فِي الخمس، فصلى مَعَ أَبِي بَكْر تسعة أشهر".

وقال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (4/210): "سليم بن عامر أبو عامر: روى عن أبي بكر، وعمر، وعئمان، وعمار بن ياسر رضي الله عنهم. روى عنه: ثابت بن العجلان. سمعت أبي يقول ذلك.

قال أبو زرعة: سليم بن عامر: صالح أدرك الجاهلية غير أنه لم يصحب النبي صلى الله عليه وسلم، وهاجر في عهد أبي بكر".

ثم قال: "سليم بن عامر أبو يحيى الخبائري الحمصي الكلاعي: روى عن أبي الدرداء، وأبي أمامة. وروى عن عوف بن مالك مرسل لم يلقه. روى عنه: صفوان بن عمرو، وحريز بن عثمان، ومعاوية بن صالح، ويزيد بن خمير، وعبدالرحمن بن يزيد بن جابر، والزبيدي، وعفير بن معدان، ويزيد بن سنان الرهاوي. سمعت بعض ذلك من أبي، وبعضه من قبلي".

وقال ابن عبدالبر في «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» (2/647): "سليم بن عامر، أبو عامر. وليس بالخبائري.

قَالَ أبو زرعة الرازي: أدرك سليم بن عامر هذا الجاهلية، غير أنه لم ير النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهاجر في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه. روى عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمار بن ياسر رضي الله عنهم أجمعين".

·       جعلهم ابن حبان ثلاثة في طبقة واحدة!

وهذان الاثنان جعلهما ابن حبان ثلاثة في طبقة واحدة = طبقة التابعين.

فقال في «الثقات» (4/328) (3161): "سليم بن عَامر الخبائري الكلَاعِي من أهل الشَّام، كنيته أَبُو يحيى. يروي عَن أَبِي أُمَامَة. رَوَى عَنْهُ: يزِيد بن خمير، ومُعَاوِيَة بن صَالِح. مَاتَ سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَة".

ثم قال (4/330) (3169): "سليم أَبُو عَامر خَادِم عمار بْن يَاسر. روى عَنهُ: ثَابت بْن عجلَان".

ثم قال (4/331) (3179): "سليم أَبُو عَامر الشَّامي: يَرْوِي عَن أَبِي بكر الصّديق، وَقد شهد فتح دمشق والقادسية. رَوَى عَنْهُ ثَابت بْن عجلَان".

قلت: سليم أبو عامر خادم عمار هو نفسه الذي يروي عن أبي بكر، ويروي عنه ثابت بن عجلان!

والعجب كيف فرّق بينهما ابن حبان، وذكر أن الراوي عنهما هو "ثابت بن عجلان"! وليس بين الترجمتين إلا عشر تراجم!!

·       وهم للمزي!!

والعجيب من المزي أيضاً فإنه ذكر في ترجمة «ثابت بن عجلان الحمصي» من «تهذيب الكمال» (4/364) أنه "روى عن أبي يَحْيَى سليم بْن عامر الخبائري، وسليم أبي عامر، مولى أَبِي بَكْرٍ الصديق"!!

وقال في ترجمة «سليم بن عامر الخبائري» (11/345): "رَوَى عَنه: ثابت بْن عجلان".

والصواب أن الذي روى عنه ثابت بن عجلان هو سليم أبو عامر مولى أبي بكر الصديق.

وثابت بن عجلان شامي أصله من أرمينية، وهو أصغر من سليم بن عامر الخبائري، وتقديري أن وفاته كانت ما بين سنة (135 - 140هـ)، وقد سمع منه إسماعيل بن عيّاش.

·       تفريق ابن عساكر بينهما لكن خلطه لبعض المعلومات في ترجمتيهما!

قال ابن عساكر في «تاريخه» (72/261): "سليم بن عامر أبو يحيى الخبائري الكلاعي.. من أهل حمص... سمع المقداد بن الأسود.... وشهد فتح القادسية، واستسقاء معاوية بدمشق".

ثم ساق من طريق أحمد بن محمد بن عيسى البغدادي، قال: "أبو يحيى الخبائري، عاش بعد قتل الجرّاح، وكانت وقعة الجرّاح في سنة اثنتي عشرة ومائة".

ثم قال: "فرق أحمد بن محمد البغدادي، بينه وبين سليم أبو عامر الأنصاري، سباه خالد بن الوليد من حاضر حلب، لقي أبا بكر وعمر، وهذا الصواب".

قلت: نعم، أصاب في التفرقة بينهما، لكن حصل خلط بينهما أيضاً مع تفرقته!

فالذي شهد فتح القادسية واستسقاء معاوية بدمشق هو سليم أبو عامر، وليس الخبائري صاحب أبي أمامة، وهو الذي عاش بعد مقتل الجرّاح الحكمي القائد.

ثم قال (72/279): "سليم، أبو عامر من أهل الحاضر من نواحي حلب. أدرك أبا بكر الصديق، وروى عنه، وعن عمر، وعثمان، وعمار بن ياسر. وشهد فتح دمشق. روى عنه ثابت بن عجلان".

وروى عنه قال: "كان أبو بكر أخدمه عمار بن ياسر، وكان ممن أفاء الله على خالد بن الوليد في حاضر قنّسرين، وشهد فتح دمشق والقادسية في سفرته، قال: فصلى مع أبي بكر تسعة أشهر".

قلت: ذكر في هذه الترجمة والتي قبلها أنهما شهدا فتح دمشق والقادسية! والصواب أن الذي شهد ذلك هو الآخر سليم أبو عامر وهو المتقدم ووفاته قبل الخبائري.

·       ترجمة ابن سعد لواحد فقط!

وأما ابن سعد فقد ترجم لواحد فقط مما يوحي أنه يراهما ربما واحداً سيما وأنه قال عنه بأنه قديم! والمتقدم هو سليم أبو عامر!

قال في «الطبقات الكبرى» في «الطَّبَقَة الرابعة مِنَ التَّابِعِينَ بِالشَّامِ» (7/322) (3897): "سُلَيْمُ بنُ عَامِرٍ. وكان ثقة. وكان قديمًا معروفًا. قَالَ أَبُو الْيَمَانِ عَنْ حَريز بْنِ عُثْمَانَ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَمَرَرْتُ بِأُمِّ الدَّرْدَاءِ بِدِمَشْقَ فَأَمَرَتْ لِي بِدِينَارٍ وَسَقَتْنِي طِلاءٍ. يَعْنِي الرُّبَّ. قَالُوا: وَتُوُفِّيَ سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ سَنَةَ ثَلاثِينَ وَمِائَةٍ فِي خِلافَةِ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ".

وذكر ابن عساكر في «تاريخه» (72/267) من طريق أبي بكر بن أبي الدنيا، عن محمد بن سعد أنه ذكره في «الطبقة الثالثة من تابعي أهل الشام».

ومن طريق الحسين بن فهم، عن محمد بن سعد أنه ذكره في «الطبقة الرابعة من أهل الشام».

واعتماداً على الحديث الذي رُوي في صفة الحشر قال كل من صنّف في الرجال بأنه «المقداد بن الأسود» لأنه جاء منسوباً في بعض طرقه!!

·       رأي ابن مَنجويه!

قال ابن مَنجويه في «رجال صحيح مسلم» (605): "سليم بن عَامر: أرَاهُ أَبَا يحيى الخبائري، وَيُقَال: الكلَاعِي الشَّامي. روى عَن الْمِقْدَاد بن الْأسود فِي صفة الْحَشْر. روى عَنهُ عبدالرحمن بن يزِيد بن جَابر".

قلت: هو المقدام بن معد كرب لا ابن الأسود.

·       رأي النووي!

وقال النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» (1/232): "سليم بن عامر: مذكور فى المهذب فى باب الهدية. هو أبو يحيى، وقيل: أبو ليلى سليم بن عامر الكلاعي، بفتح الكاف، الخبائري، بخاء معجمة مفتوحة ثم موحدة مخففة وألف ثم همزة ثم راء، منسوب إلى الخبائر، وهو ابن سواد بن عمرو بن الكلاع بن شرحبيل، وهو حمصي تابعي. سمع المقداد بن الأسود، والمقدام بن معد يكرب، وأبا الدرداء، وعبدالله بن الزبير، وأبا أمامة، وعوف بن مالك، وتميمًا الداري، وغيرهم من الصحابة، وخلائق من التابعين".

قلت: لم يسمع المقداد بن الأسود.

وأما قوله بأن الخبائر هو ابن سواد بن عمرو بن الكلاع.. فسيأتي إستدراك مغلطاي على المزي في ذلك.

·       رأي المزي وتعقّب مغلطاي له!

قال المزي في «تهذيب الكمال» (11/344) (2487): "سليم بن عامر الكلاعي الخبائري، أبويحيي الحمصي، والخبائر هو ابن سواد بْن عَمْرو بْن الكلاع بْن شر حبيل بْن حمير.

رَوَى عَن... ومَعْدِي كَرِب بْن عبد كلال، والمقداد بْن الأسود (م ت)، والمقدام بْن مَعْدِي كَرِب، وأَبي الدَّرْدَاء، وأبي هُرَيْرة...

وَقَال شعبة، عَنْ يزيد بْن خمير: سمعت سليم بْن عامر وكَانَ قد أدرك النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وفي رواية: وكان قد أدرك أصحاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهو الصحيح.

وَقَال أَحْمَد بْن مُحَمَّدِ بْن عِيسَى البغدادي صاحب"تاريخ الحمصيين": عاش بعد مقتل الجراح وكانت وقعة الجراح فِي سنة اثنتي عشرة ومئة...

وَقَال خليفة بن خياط: مات سنة ثلاثين ومئة.

وَقَال مُحَمَّد بْن سعد: مات سنة ثلاثين ومئة".

قلت: تبع المزي كغيره من أهل العلم في ذكر أن سليم بن عامر سمع من المقداد بن الأسود!

ونفى أن يكون أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا صحيح، فإنه أدرك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وصوّب ذلك، وبيّن أن الرواية الأخرى فيها وهم، وكأنه سقط منها: "أصحاب"، فصارت إنه أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وليس كذلك.

·       تعقّب مغلطاي له في نسب الخبائر، وجمعه بين الخبائري والكَلاعي!

وتعقّبه المزي في إيراده نسب الخبائر، فقال في «إكماله» (6/34): "والخبائر هو ابن سواد بن عمرو بن الكلاع بن شرحبيل بن حمير كذا ذكره المزي، وفيه نظر؛ لأن الخبائر هو ابن سوادة بن عمرو بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سدد بن زرعة بن سبأ كذا قاله الكلبي، وأبو عبيد القاسم، والبلاذري، والمبرد، وابن دريد، وأبو الفرج الأصبهاني، وغيرهم.

وقال الهمداني: المعروف ابن أبي الدمنة وهم الخبائر واتفقوا فيما سواه، وأما الكلاعي فنسبه إلى ذي الكلاع، واسمه السميفع بن يعفر بن ناكور بن زيد بن شرحبيل بن الأسود بن عمرو بن مالك بن يزيد ذي الكلاع الأكبر يعفر بن زيد بن النعمان بن زيد بن شهاب بن وحاظة بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سدد بن زرعة بن سبأ - كذا ذكره الرشاطي، والذي ذكره المزي لا أعرف وجهه، ولو كان ينظر «تاريخ البخاري» لما حصل له هذا الإغفال الكبير، قال البخاري في «تاريخه الكبير»: سليم بن عامر أبو يحيى الخبائري ويقال الكلاعي.

وهذا اللالكائي المتأخر الذي كتابه في يد صغار الطلبة قال: الخبائري ويقال: الكلاعي، كذا قال ابن خلفون وغيره وهذا هو الصواب الذي ليس فيه ارتياب، وكذا هو موجود في بعض نسخ «تاريخ دمشق»، وكذا ذكره أيضا الحاكم أبو أحمد".

·       الخبائري والكَلاعي لا يجتمعان!

وقال ابن حجر في «تهذيب التهذيب» (4/167): "الكلاعي والخبائري لا يجتمعان؛ فلأجل ذا قال البخاري في ترجمته: الكلاعي، ويقال الخبائري، وتبعه غير واحد".

·       تعقّب مغلطاي له في ذكر روايته عن المقداد بن الأسود المشعرة بالاتصال!

ثم تعقّب المزي أيضاً في ذكره أنه روى عن المقداد، فقال: "وزعم المزي أنه روى عن المقداد، وعمرو بن عبسة الرواية المشعرة عنده بالاتصال؛ وفي كتاب «المراسيل» لعبدالرحمن: سمعت أبي يقول: سليم بن عامر لم يدرك عمرو بن عنبسة ولا المقداد بن الأسود".

قلت: طريقة المزي واضحة في ذكر الرواة في كتابه ممن وجد في الروايات أنه روى عن فلان أو فلان، وذكر أن روايته عن المقداد عند مسلم، فلا يُلام المزي في أنه لم يستدرك عليه بما قاله أبو حاتم! فربما لم يقف على ذلك حينها، والله أعلم.

·       تعقّب مغلطاي للذهبي في أن وفاته كانت سنة بضع عشرة ومائة!

وتعقّب مغلطاي من قال بأن وفاة سليم بن عامر كانت سنة بضع عشرة ومائة، فقال: "وزعم بعض المصنفين من المتأخرين أن وفاته سنة بضع عشرة ومائة، هو الصحيح، ولا أدري من أين له ذاك شيخه لم يذكره ولا رأيت أحدا ذكره، والذي ذكره ابن سعد وخليفة، والهيثم، ويعقوب الفسوي، والإمام أحمد، وابن حبان، وأبو نعيم، ومحمد بن مثنى، والقراب، وغيرهم من المتأخرين: سنة ثلاثين. وفي «تاريخ دمشق»: يكنى أبا عامر، قال أبو القاسم: وهو غير صواب، وذكر أن شعبة روى عن زيد بن حمير قال: سمعت سليم بن عامر وكان قد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن عساكر: ورواية من روى وكان قد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم أصح".

قلت: يقصد مغلطاي بهذا الإمام الذهبي، وكأنه أخذ ذلك من نقل الذهبي في «تاريخه»: "وقال أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْحِمْصِيُّ: عَاشَ سُلَيْمٌ بَعْدَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ".

لكن الذهبي في «السير» نقل ذلك وتعقبه، وقال بأنه توفي بعد سنتين من المائة = (102هـ)! وسيأتي مناقشة ذلك.

·       قول الذهبي وردّه على قول من قال بأنه توفي سنة 130هـ!

قال الذهبي في «الكاشف» (1/456): "سليم بن عامر الخبائري الحمصي: عن أبي الدرداء، وعوف بن مالك. وعنه: ثور، وحريز، ومعاوية بن صالح. سمع كتاب عمر إليهم. ثقة، بقي إلى بعد عشر ومائة".

وقال في «تاريخ الإسلام» فيمن توفي بين سنة [111 – 120هـ] (3/244): "سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ الْكَلاعِيُّ الْخَبَائِرِيُّ الْحِمْصِيُّ: عَنْ: أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَتَمِيمٍ الدَّارِيِّ، وَالْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ، وَعَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَمْرِو بْنِ عَبْسَةَ، وَجَمَاعَةٍ. وَعَنْهُ: عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ يزيد بن جابر، والزبيدي، وَحُرَيْزُ بْنُ عُثْمَانَ، وَعُفَيْرُ بْنُ مَعْدَانَ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، وَآخَرُونَ.

وَعُمِّرَ دَهْرًا طَوِيلا، وَكَانَ يَقُولُ: اسْتَقْبَلْتُ الإِسلامَ مِنْ أَوَّلِهِ. وَأَدْرَكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يَرَهُ.

وَثَّقَهُ أَحْمَدُ الْعِجْلِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لا بَأْسَ بِهِ.

وَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَ بْنَ عَامِرٍ الْحِمْصِيَّ، وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: سُلَيْمُ بن عامر الكلاعي زعم أنه قرئ عَلَيْهِ كِتَابَ عُمَرَ.

وقال ابن عساكر: شهد فتح القادسية.

وقال أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْحِمْصِيُّ: عَاشَ سُلَيْمٌ بَعْدَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ.

وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ، وَخَلِيفَةُ: مَاتَ سَنَةَ ثَلاثِينَ وَمِائَةٍ.

قُلْتُ: أَحْسِبُ هَذَا وَهْمًا، وَلَوْ كَانَ سُلَيْمٌ بَقِيَ إِلَى هَذَا التَّارِيخِ لَسَمِعَ مِنْه إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ وَبَقِيَّةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ".

وقال في «سير النبلاء» (5/ 185) الكلام نفسه، إلا أنه زاد: "وَيَجُوْزُ أَنَّ رِوَايَتَهُ عَنِ المِقْدَادِ وَنَحْوِهِ مُرْسَلَةٌ، وَأَنَّهُ مَا شَافَهَهُم".

ونقل قول أَحْمَد بن مُحَمَّدِ بنِ عِيْسَى الحِمْصِيّ: "عَاشَ سُلَيْمٌ بَعْدَ سَنَةِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَمائَةٍ".

ثم قال: "قُلْتُ: جَاوَزَ المائَةَ بِسنتَين، فَأَمَّا قَوْلُ مُحَمَّدِ بنِ سَعْدٍ، وَخَلِيْفَةَ بنِ خَيَّاطٍ: أَنَّهُ مَاتَ سَنَةَ ثَلاَثِيْنَ وَمائَةٍ، فَهُوَ بَعِيْدٌ، مَا أَعْتَقِدُ أَنَّهُ بَقِيَ إِلَى هَذَا الوَقْتِ، وَلَوْ عَاشَ إِلَى هَذَا الوَقْتِ، لَسَمِعَ مِنْهُ إِسْمَاعِيْلُ بنُ عَيَّاشٍ وَأَقْرَانُهُ".

قلت: خلط الذهبي في ترجمته ببعض ما يخص ترجمة سليم أبي عامر، فهذا الأخير هو المتقدم وهو من شهد القادسية، ونتيجة هذا الخلط قال الذهبي عن الخبائري إنه عمّر دهراً طويلاً.

·       «اسْتَقْبَلْتُ الإِسلامَ مِنْ أَوَّلِهِ» ليس قول سليم بن عامر! بل رواه سليم عن جُبير بن نُفير!

وقوله: "وَكَانَ يَقُولُ: اسْتَقْبَلْتُ الإِسلامَ مِنْ أَوَّلِهِ" خطأ شنيع!! وبنى عليه أَنَّهُ وُلِدَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ!!

وإنما روى هذا سليم بن عامر عن جُبير بن نُفير الحضرمي الحمصي، والعجب أن الذهبي ذكر ذلك في «سير النبلاء» (4/76) في ترجمة جبير، قال: "رَوَى: سُلَيْمُ بنُ عَامِرٍ، عَنْهُ، قَالَ: اسْتَقْبَلْتُ الإِسْلاَمَ مِنْ أَوَّلِهِ".

وقوله إن روايته عن المقداد ونحوه تجوز أن تكون مرسلة وأنه ما شافههم لا يعني أنه لم يدركهم، بل هو يرى إدراكهم لأنه نقل أنه أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه جوّز فقط أنه لم يشافههم!

لكن الذي أدرك عهد النبي صلى الله عليه وسلم هو الآخر: سليم أبو عامر وليس الخبائري.

وتعقبه لقول من قال بأنه مات سنة (130هـ) وأنه بعيد؛ لأنه - رحمه الله - نظر إلى قدمه وكذلك الطبقة، ومسألة الطبقات حاضرة في ذهن الذهبي في كتابيه «التاريخ» و«السير» لمن أدمن النظر فيهما.

فاستبعد أن يكون بقي إلى هذا التاريخ (130هـ) ولم يسمع منه إسماعيل بن عياش وأقرانه!!

وذهب إلى أنه مات بعد المائة بسنتين!! وفيه نظر!!

وطبقة شيوخ سليم بن عامر من الصحابة ممن ماتوا بعد سنة (85هـ)، ولم يدرك المقداد، ولا عمرو بن عبسة، ولا تميم الداري.

وقد حصل خلط للذهب أيضاً بين الترجمتين، وعليه بنى أن سليم بن عامر لما روى عن هؤلاء الصحابة فيما جاء في الأسانيد وأنه أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم استبعد أن يبقى لسنة (130هـ)!

ولو كانت هذه المعلومات التي اعتمدها الذهبي صحيحة لقلنا أنه أصاب في رأيه! لكن بعض هذه المعلومات تخص ترجمة «سليم أبي عامر».

ومع أن الذهبي نقل عن أَحْمَد بن مُحَمَّدِ بنِ عِيْسَى الحِمْصِيّ أنه عَاشَ بَعْدَ سَنَةِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَمائَةٍ، إلا أنه تعقّبه بقوله: "قُلْتُ: جَاوَزَ المائَةَ بِسنتَين"!

يعني كيف يصرّح أحمد بن محمد أنه عاش بعد سنة (112هـ)، والذهبي يقول مات سنة (102هـ)؟!!

فهذا غريب من الذهبي! وكأن الذي دفعه لذلك أنه نقل ما يدل على قدمه، وأنه ولد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عن كبار الصحابة، فهذا يستحيل أن يبقى بعد سنة (110هـ) وهي السنة التي اتفق فيها أهل العلم أنه لم يبق أحد ممن كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بعدها.

وقول أحمد بن عيسى أنه عاش بعد سنة اثنتي عشرة ومائة؛ لأنه كان في معركة الجرّاح الحكمي القائد - وكان والياً على خراسان -.

قال أحمد بن محمد بن عيسى البغدادي: "أبو يحيى الخبائري، عاش بعد قتل الجرّاح، وكانت وقعة الجرّاح في سنة اثنتي عشرة ومائة".

ونقل الذهبي في «السير» (5/190) قال: "قَالَ سُلَيْمُ بنُ عَامِرٍ: دَخَلْتُ عَلَى الجَرَّاحِ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَرَفَعَ الأُمَرَاءُ أَيْدِيَهُم، فَمَكَثَ طَوِيْلاً، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا أَبَا يَحْيَى، هَلْ تَدْرِي مَا كُنَّا فِيْهِ؟

قُلْتُ: لاَ، وَجَدْتُكُم فِي رَغْبَةٍ، فَرَفَعْتُ يَدِي مَعَكُم.

قَالَ: سَأَلْنَا اللهَ الشَّهَادَةَ، فَوَاللهِ مَا بَقِيَ مِنْهُم أَحَدٌ فِي تِلْكَ الغَزَاةِ حَتَّى اسْتُشْهِدَ.

قَالَ خَلِيْفَةُ: زَحَفَ الجَرَّاحُ مِنْ بَرْذَعَةَ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ إِلَى ابْنِ خَاقَانَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالاً شَدِيْداً، فَقُتِلَ الجَرَّاحُ فِي رَمَضَانَ، وَغَلَبَتِ الخَزَرُ عَلَى أَذْرَبِيْجَانَ، وَبَلَغُوا إِلَى قَرِيْبٍ مِنَ المَوْصِلِ".

قلت: فالذهبي - رحمه الله - ينقل هنا عن سليم بن عامر ودخوله على الجراح وعن غزوته، وفي ترجمة سليم يقول بأنه عاش سنتين بعد المائة!!! وهذا من أعجب العجب!!!

وأما نظرة الذهبي للطبقات وأن سليم بن عامر لو عاش إلى سنة (130هـ) لسمع منه إسماعيل بن عياش وأقرانه! فهذا مما وهم فيه - رحمه الله – على تقدمه في علم الطبقات وحضوره في ذهنه كما ذكرت سابقاً، بل وإتقانه له، فما رأيت أحداً مثله في هذا العلم = أعني علم الطبقات.

فطبقة تلاميذ سليم بن عامر غير طبقة إسماعيل بن عياش وأقرانه، فطبقة إسماعيل بعدها.

فطبقة تلاميذ سليم بن عامر تمتد وفياتهم إلى نهاية سنة (165هـ) تقريباً:

عَبْدالرَّحْمَنِ بْنُ يزيد بن جابر (بعد 153هـ)، ومحمد بن الوليد الزُّبيدي الحمصي (146 أو 147 أو 149هـ)، وَحُرَيْزُ بْنُ عُثْمَانَ (163هـ)، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ (بعد 158هـ).

وإسماعيل بن عياش مات سنة (181 أو 182هـ) وله بضع وسبعون سنة، يعني ولادته كانت تقريباً سنة (110هـ)، وأهل الشام يطلبون العلم في سنّ الثلاثين، فهو أدرك سليم بن عامر لكن لم يسمع منه، بل طلب العلم بعد وفاته، وطبقة شيوخه هي طبقة تلاميذ سليم بن عامر، فمن شيوخه محمد بن الوليد الزبيدي تلميذ سليم بن عامر، والله أعلم.

·       استدراك ابن حجر على مغلطاي في ذكره سُليماً في الصحابة!!

وقد ذكر مغلطاي سليم بن عامر في الصحابة، فتعقبه ابن حجر في ذلك!

فلما ذكره في «الإصابة» (3/242) في القسم الرابع - وهو فيمن ذكر في الصحابة على سبيل الوهم والغلط -، قال: "سليم، مصغرا، ابن عامر الخبائري. تابعي، استدركه مغلطاي، وقال: روى شعبة عن يزيد بن حمير: سمعت سليم بن عامر، وكان قد أدرك النبي صلّى اللَّه عليه وسلم. قال ابن عساكر: ورواية من روى: وكان أدرك النبي صلّى اللَّه عليه وسلم أصحّ.

قلت: ما رأيت هذا الّذي نقله عن ابن عساكر في ترجمة سليم من تاريخه، بل ذكر الرواية التي فيها أدرك أصحاب النبي صلّى اللَّه عليه وسلم فقط، نعم ذكر ذلك المزّي في ترجمته، لكن عبّر بالصحيح وهو الصواب، فإن سليم بن عامر هذا تابعيّ مشهور. ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة، قال: وكان ثقة قديما. وقال ابن معين في تاريخه: كان يقول: استقبلت الإسلام من أوله، وزعم أنه قرئ عليه كتاب عمر، ومراده بقوله: استقبلت... إلى آخره المبالغة في إدراكه أيام الفتوح، وحضوره كتاب عمر يجوز أن يكون وهو صغير، فقد قال أبو حاتم في المراسيل: روى عن عوف بن مالك مرسلا، ولم يدرك المقداد بن الأسود، ولا عمرو بن عبسة، وأرّخوا وفاته سنة ثلاثين. وقد تقرّر عند أهل الحديث أنه لم يبق أحد من الناس على رأس المائة من يوم قال النبي صلّى اللَّه عليه وسلم قبل وفاته بشهر: «لا يبقى على الأرض ممّن هو عليها اليوم أحدا»، فكان آخر من ضبطت وفاته ممّن رأى النبي صلّى اللَّه عليه وسلم أبو الطفيل عامر بن واثلة، واختلف في سنة وفاته، فأنهى ما قيل فيها سنة عشر ومائة، وذلك عند تكملة المائة سواء، فظهر أن قول من قال في الرواية المذكورة: إنه أدرك أصحاب النبي صلّى اللَّه عليه وسلم هو الصواب: واللَّه أعلم".

وذكر في القسم نفسه (3/216): "سليم الأنصاريّ، أو المخزوميّ، مولاهم، أبو عامر. له إدراك.

قال ابن أبي خيثمة، وأبو زرعة الدّمشقيّ، وأبو حاتم الرّازي: صلّى خلف أبي بكر.

وقال أبو عمر: سليم بن عامر أبو عامر وليس بالخبائري.

وروى الطّبرانيّ في مسند الشّاميين من طريق ثابت بن عجلان، عن سليم أبي عامر، وكان ممّن سباه خالد بن الوليد حين حاصر حلب، قال: فلما قدمنا على أبي بكر جعلني في المكتب.

وعن سليم قال: رأيت أبا بكر وعمر وعثمان أكلوا مما مسّت النار ثم صلّوا ولم يتوضئوا.

وروى دُحيم، من طريق ثابت بن عجلان، عنه، قال: صليت خلف أبي بكر سبعة أشهر.

وأخرجه البخاريّ في «تاريخه الصّغير»، وزاد: وكان أبو بكر أخدمه عمار بن ياسر، وكان ممن أفاء اللَّه على خالد بن الوليد، ثم شهد فتح دمشق والقادسيّة.

وقال أبو بكر البغداديّ في «تاريخ الحمصيين»: سباه خالد بن الوليد حين حاصر حلب".

·       سقط في كتاب ابن معين!

قلت: كلام ابن حجر صحيح، وما نقله عن ابن معين في تاريخه: "كان يقول: استقبلت الإسلام من أوله، وزعم أنه قرئ عليه كتاب عمر"، ومراده بقوله: استقبلت... إلى آخره المبالغة في إدراكه أيام الفتوح، وحضوره كتاب عمر يجوز أن يكون وهو صغير! هذا فيه نظر!!

فقد بينت فيما سبق أن هذا رواه سليم بن عامر عن جُبير بن نفير، وكأنه سقط من كتاب ابن معين ذكر «جبير بن نفير» فصار الكلام لسليم بن عامر!!

قال ابن حجر في «التقريب»: "سُلَيم بن عامر الكَلاعي، ويقال: الخبائرِي، بخاء معجمة وموحدة، أبو يحيى الحمصي: ثقة، من الثالثة، غلطَ من قال: إنه أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم -، مات سنة ثلاثين ومئة. بخ م 4".

ثم قال: "سُلَيم بن عامرٍ الشامي، أبو عامر، صلى خلف أبي بكر، من الثانية، فرق ابن عساكر بينه وبين الأول فأصاب. (تمييز)".

قلت: ما ذكره ابن حجر في «التقريب» هو الصواب في تلخيص لكلا الترجمتين.

والأوهام التي حصلت لأهل العلم في هاتين الترجمتين نشأت من نسبة المقداد بأنه هو ابن الأسود، وإنما هو المقدام بن معد كرب، وكذا خلط المعلومات بين سليم أبي عامر الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وصلى خلف أبي بكر، وبين سليم بن عامر الخبائري صاحب أبي أمامة، فلما اختلطت المعلومات ببعضها وظنّ بعض أهل العلم أن الخبائري كان قديما، فروايته عن الصحابة المتقدمين محتملة، لكن صعب ربط ذلك بأنه توفي سنة (130هـ) مما جعل الذهبي يقول بأنه توفي بعد المائة بسنتين!

والحديث الذي رواه مسلم في الحشر وفيه أن المقداد هو ابن الأسود أورده الحديث الألباني في «سلسلته الصحيحة» (1382) وعزاه لمسلم مقلداً غيره في هذا الوهم.

 

وكتب خالد الحايك.

18 ربيع الثاني 1429هـ

24 نيسان 2008م.

 

دُورُ الحديث
تحقيق التراث
فوائد حديثية
المناهج والنقد
مصطلح الحديث
علوم الرّجال
علل الأحاديث
فقه الحديث
المغازي والسّير
المدارس الحديثية
أسئلة وأجوبة
السرقات العلمية
متفرقات
علوم أخرى
 
   
   الاسم
  البريد الإلكتروني
البلد
  التعليق*:

 
     
 
 
 

******
الكاتـب ابو عبد القهار القرشي
الـبلـد ارض الله
التـاريخ 4/19/2011


   السلام عليكم بارك الله فيك شيخنا ونفع الله بكم ... هي لطيفة نادرة لو رحل من أجلها ما ضاعت رحلته.

******
الكاتـب مراد
الـبلـد الجزائر
التـاريخ 6/26/2018


   اين هذا ممن يقلد الاشخاص في تصحيحهم وتضعيفهم ولا يتبين بالبحث سائلا الله ان يهديه للحق في صحة حديث اوضعفه او غيره من الامور .ومن جهة اخرى تجد من يغير معاني الايات الواضحة لتوافق نظريات ما يسمى العلم فهل صنيع من يؤمن بالقرآن وصحيح السنة الصحيح(بعد التبين من الصحة او الضعف بالبحث لا بالتقليد)ان يكو هذا حاله كلا بل الحق ان ما وافقهما هو اللذي نقبل وا خالفهما نطرح ولا نبالي ونقول قال فلان او ان هذا يخالف العلم عجبا وهل العلم الا هما(القرآن والصحيح من السنة الصحيحة)
 
     
       
         
 
الصوتيات والمرئيات  |   الكتب  |   البحوث   |   المخطوطات   |    المجلة   |    الأرشيف
جميع الحقوق محفوظة لدار الحديث الضيائية